Полный текст (2 149 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
وقد قال قوم: إن (هو) لِمَجْهول وهذا عند قوم لا يصلح في " ما " إذا
جاءَ في خبرها الباءِ مع الجملة: لا يجيز البصريون: " ما هو قائما زيد.
يريدون ما الأمر قائماً زيد، ولا كان هو قائماً زيد، يريدون ما الأمر قائماً
زيد؛ ولا كان هو قائماً زيد، يريدون كان الأمر قائماً زيد وكذلك لا يجيزون ما هو بقائم زيد يريدون ما الأمْرُ.
* * *
وقوله : (وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ).
شرحه تقدم في الآية التي قبل هذه
وتقول في يود: وددت الرجل أودة وُدًّا أبيْ وِداداً ومودة " وودادة
وحكى الكسائي ودَدْتُ الرجلَ والذي يعرفه جميع الناس ودِدْتُه، ولم يحك إلا ما سَمِع إِلا أنه سمع ممن لا يجب أن يؤْخذ بلغته، لأن الإجماع على تصحيح
أوَدُّ، وأوَدُّ لَا يكون ماضيه ودَدَتً.
فالإجماع يُبْطِل وَدَدْتُ. أعني الإجماع في قولهم أودُ.
* * *
قوله : (قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإنَهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٩٧)
جبريل في اسمه لغات قرئ ببعضها ومنها ما لم يُقْرأ به، فأجود
اللغات جَبْرَئِيل - بفتح الجيم، والهمز، لأن الذي يروى عن النبي ﷺ في صاحب الصور " جَبْرَئِيل عن يمينه وميكائيل عن يساره، هذا الذي ضبطه أصحاب الحديث، ويقال جَبْرِيل بفتح الجيم وكسرها ويقال أيضاً جبرأَلُّ - بحذف الياءِ وإثبات الهمزة (وتشديد اللام)، ويقال جبرين - بالنون وهذا
стр. 142
لا يجوز في القرآن - أعني إثبات النون لأنه خلاف المصحف -
قال الشاعر:
شهِدْنَا فما تَلْقى لنا من كتيبةٍ. . . َ الدهرِ إلا جَبْرَئِيلُ أَمامَها
وهذا البيت على لفظ ما في الحديث وما عليه كثير من القراءِ.
وقد جاءَ في الشعر جبريل قال الشاعر:
وجبريلٌ رسولُ الله فينا. . . وروحُ القُدْسِ ليس له كِفَاءُ
و (نما جرى ذكر هذا لأن إليهود قالوا للنبي ي: جبريل عدونا فلو أتاك
ميكائيل، لَقَبِلْنَا منك، فقال اللَّه : (قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإنَهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٩٧).
ونصب (مصدقاً) على الحال.
* * *
وقوله : (مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (٩٨)
ميكائيل فيه لغات، ميكائيل وميكال. وقد قرئ. بهما جميعاً، وميكَال -
بهمزة بغير ياءٍ. وهذه أسماء أعجمية دفعت إلى العرب فلفظت بها بألفاظ
مختلفة - أعني جبريل، وميكائيل. وإسرائيل فيه لغات أيضاً: إسرايِيل
وإسرال، وإسرايل. وإِبراهيم وإبراهَم، وأبرَهْم وإبْرَاهام، والقرآن إنما أتى
بإبراهيم فقط وعليه القراءة.
وأكثر ما أرويه من القراءَة في كتابنا هذا فهو عن أبي عبيد ممَّا رواه
стр. 143
إسماعيل بن إسحاق عن أبي عبد الرحمن عن أبي عُبَيْد.
* * *
وقوله : (وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ (٩٩)
يعني الآيات التي جرى ذكرها مما قد بيَّنَّاه، والآية في اللغة العلامة.
وبينات: واضحات، و " قد " إنما تدخل في الكلام لقوم لا يتوقعون
الخبر، واللام في لقد لام قسم.
* * *
وقوله : (وَمَا يَكْفُرُ بِها إلا الفَاسِقُونَ).
يعني الذين قد خرجوا عن القصد، وقد بيَّنَّا أن تول العرب فَسقَت
الرطبة: خرجت عن قشرتها.
* * *
وقوله : (أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٠)
معنى نبذه رفضه ورمى به.
قال الشاعر:
نَظَرتَ إلى عُنْوانه فنبذتَه. . . كنبذك نَعْلا أخلقت من نِعالكَا
ونصب أوكلما عاهدوا على الظرف.
وهذه الواو في أوكلما تدخل عليها ألف الاستفهام، لأن الاستفهام مستأنف، والألف أمُّ حروف الاستفهام.
وهذه الواو تدخل على هل فتقول: وهل زيد عاقل لأن معنى ألف الاستفهام
стр. 144
موجود في هل، فكأن التقدير أو هل إِلا أن ألف الاستفهام وهَلْ لا يجتمعان
لأغناء هل عن الألف.
وقوله : (وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١)
يعني به النبي ﷺ لأن الذي جاءَ به مصَدّق التوْرَاةَ والِإنجيلَ، و (لَمَّا) يقع بها الشيء لوقوعِ غيره (مُصَدِّقٌ) رفع صفة لرسول، لأنهما نكرتان.
ولو نصب كان جائزاَ، لأن (رَسُولٌ) قد وصف بقوله (مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) فلذلك صار النصب يحسن، وموضع " ما " في " (مِصدّق لما معهم) جَر بلام الإِضافة، و " مَعَ " صلة لها، والناصب لمع الاستقرار.
المعنى لما استقر معهم.
وقوله : (نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ).
(الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ) يعني به إليهود، والكتاب هنا التوراة و (كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ) فيه قولان: جائز أن يكون القرآن وجائز أن يكون التوراة، لأن الذين كفروا بالنبي قد نبذوا التوراة.
وقوله : (كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ).
أعْلَمَ أنهم علماء بكتابهم، وأنهم رفضوه على علم به، وعداوةً للنبي
ﷺ . وأعْلَمَ أنَّهم نَبذوا كتاب اللَّه.
* * *
وقوله : (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢)
стр. 145
ما كانت تتلوه، والذي كانت الشياطين تلته في ملك سليمان كتاب من
السحر فَلِبهتِ اليهود وكَذِبِهم ادعَوْا أن هذا السحر أخذوه عن سليمان وأنه اسم الله الأعظم، يتكسَّبُون بذلكَ، فأعلم اللَّه أنهم رفضوا كتابه واتبعوا السحر، ومعنى على (ملك سليمان)، على عهد ملك سليمان
(عَلَيْهِم) فبرأ اللَّه سليمانَ من السحر، وأظهر محمداً ﷺ عَلَى كذبهم
وقال: (وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ).
لأن اللَّه جعل الإتيان من سليمان بالسحر كفراً فبرَّأهُ منه، وأعلم أن الشياطين كفروا فقال: (وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا)
(يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ)
فمن شدد (لَكِنَّ) نصب الشياطين، ومن خفف رفع
فقال: (وَلَكِنِ الشيَاطِينُ كَفَرُوا) وقد قرئ بهما جميعاً.
وقوله : (يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ).
وقد قريءَ على الملِكَيْنِ، و (المَلَكَيْنِ) أثْبتُ في الرواية والتفسير
جميعاً، المعنى يعلمون الناس السحرَ ويعلمون ما أنزلَ على الملكين فموضع
(ما) نصب، نَسق على السحْر، وجائز أن يكونَ واتبعوا ما تَتْلُو الشياطين واتَبعوا ما أنزل على الملكين، فتكون ما - الثانية عطفاً على الأولى.
وقوله: (وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ).
فيه غير قول: أحدها - وهو أثبتها أن الملكين كانا يعلمان الناس
السحر. وعلمتُ، وأعْلَمْتُ جميعاً في اللغة بمعنى واحد. (كانا يعلمان) نَبأ
السحر ويأمران باجتنابه - وفي ذلك حكمة لأن سائلاً لو سأل: ما الزنا وما
стр. 146
القذف لوجب أن يوقف ويُعَلَّمَ أنه حرام، فكذلك مجاز إعلام الملكين الناس
وأمرهما باجتنابه بعد الإعلام يدل على ما وصفنا، فهذا مستقيم بين، ولا
يكون على هذا التأويل تعلم السحر كفراً، إنما يكون العمل به كفراً، كما أن من عَرَفَ الزنا لم يأثَمْ بأنه عرفه، وإنما يأثم بالعمل به.
وفيه قَوْل آخر، جائز أن يكون اللَّه امتحن بالملكين الناس في ذلك الوقت، وجعل المحنة في الكفر والِإيمان أن يقبل القابل تعلم السحر، فيكون بِتَعلُّمِه كافراً، وبتْرَكِ تعَلمه مؤمناً، لأن السحر قد كان كثر وكان في كل أمة، والدليل على ذلك أن فرعون فزع في أمر موسى ﷺ إلى السحر - فقال: (ائتوني بكل ساحر عليم)
وهذا ممكن أن يمْتَحِن اللَّه به كما امتحن بالنهر في قوله
(إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإنَهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ).
وقد قيل إن السحر ما أنزل على الملكين، ولا أمرا به ولا أتى به
سليمانُ ﵇. فقال قوم: (وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ)، فيكون " ما " جحْداً، ويكون هاروت وماروت من صفة الشياطين، على تأويل هؤلاء، كان التأويل عندهم على مذهب هؤلاءِ: كان الشياطين هاروت وماروت، ويكون معنى قولهمَا على مذهب هؤلاءِ (إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ) كقول الغاوي والخليع: أنا في ضلال فلا تَرِدْ ما أنا فيه.
فهذه ثلاثة أوجه، والوجهان الأولان أشبه بالتأويل وأشبه بالحق عند كثير
من أهل اللغة، والقول الثالث له وجه، إلا أن الحديث وما جاءَ في قِصَّةِ
الملكين أشبه وأولى أن يؤخذ به
стр. 147
وإنما نذكر مع الإعراب المعنى والتفسير، لأن كتاب اللَّه ينبغي أن يتبين
ألا ترى أن اللَّه يقول (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ) (فحُضِضْنَا) على التدبر
والنظر، ولكن لا ينبغي لأحد أن يتكلم إلا على مذهب اللغة، أو ما يوافق نقلة أهل العلم، واللَّه - أعلم بحقيقة تفسير هذه الآية.
فإن النحويين قد ترك كثير منهم الكلام فيها لصعوبتها، وتكلم جماعة منهم وإنما تكلمنا على مذاهبهم.
وقال بعض أهل اللغة: إن الذي أنزل على الملكين كلام ليس بسحر
إلا إنَّه يفرق به بين المرء وزوجه فهو من باب السحر في التحريم وهذا
يحتاج من الشرح إلى مثل ما يحتاج إليه السحر.
وقوله : (فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا).
ليس (يَتَعَلَّمُونَ) بجواب لقوله (فلا تكفر) وقد قال أصحاب النحو في هذا
قولين - قال بعضهم: إِن قوله يتعلمون عطف على قوله (يُعلِّمونَ) وهذا
خطأ، لأن قوله منهما دليل ههنا على أن التعلم من الملكين خاصة وقيل -
(فَيَتَعَلَّمُونَ) عطف على ما يوجبه معنى الكلام.
المعنى: إنما نحن فتنة فلا تكفر: فلا تتعلم ولا تعمل بالسحر، فيأبون فيتعلمون، وهذا قول حسن.
والأجود في هذا أن يكون عطفاً على يعلمان فيتعلمون واستغنى عن ذكر
يعلمان بما في الكلام من الدليل عليه.
стр. 148
وقوله : (وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ).
الإذن هنا لا يبهون الأمر من الله : (إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ).
ولكن المعنى إِلا بعلم الله.
* * *
وقوله : (وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ).
المعنى إنَّه يضرهم في الآخرة وِإدْ تعجلوا به في الدنيا نفعاً.
وقوله : (وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ).
الخلاق النصيب الوافر من الخير، ويعني بذلك الذين يعلمون السحر
لأنهم كانوا من علماءِ إليهود.
وقوله : (وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ).
فيه قولان: قالوا: (لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ): يعني به الذين يُعَلًمُونَ السحْر.
والذين علموا أن العالم به لا خلاق له هم المعلمون. .
قال أبو إسحاق والأجود عندي أن يكون (لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) راجعاً إلى
هُؤلاء الذين قد علموا أنه لا خلاق لهم في الآخرة).
أي لمن عُلِّمَ السحرَ ولكن قيل (لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) وأي لو كان علمهم ينفعهم لسُمُّوا عالمين، ولَكِنَّ عِلْمَهُم نبذوه وراء ظهورهم، فقيل لهم (لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) أي ليس يوفون العلم حقه، لأنَّ العالِمَ، إِذا ترك العَمَلَ بِعِلْمِه قيل له لست بعالم ودخول اللام في لقد على جهة القسم والتوكيد.
وقال النحويون في (لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ) قولين:
جعل بعضهم " مَنْ " بمعنى
стр. 149
الشرط، وجعل الجواب (مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ).
وهذا ليس بموضع شرط ولا جزاء، ولكن المعنى: ولقد علموا الذي اشتراه ما له في الآخرة من خلاق: كما تقول: واللَّه لقد علمت للذي جاءَك ما له من عقل.
فأمَّا دخول اللام في الجزاءِ في غير هذا الموضع وفيمن جعل هذا موضع شرط وجزاء مثل قوله: (وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا)
ونحو (وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ)
فاللام الثانية هي لام القسم في الحقيقة، لأنك إنما تحلف على فعلك لا على فعل غيرك في قولك: والله لئن جئتني لأكرمنك، فزعم بعض النحويين أن اللام لما دخلت في أول الكلام أشبهت القسم فأجيبت بجوابه وهذا خطأ، لأن جواب القسم ليس يشبه القسم، ولكن اللام الأولى دخلت إعْلاماً أنَّ الجملة بكمالها معقودة للقسم، لأن الجزاء وإن كان للقسم عليه فقد صار للشرط فيه حظ، فلذلك دخلت اللام.
* * *
وقوله : (وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٣)
مَثُوبة في موضع جواب " لو " لأنها تنْبِئ عن قولك " لأثيبُوا " ومعنى الكلام
أن ثواب اللَّه خير لهم من كَسْبِهم بالكُفْر والسحْرِ.
* * *
وقوله : (لَوْ كَانُوا يَعلَمُونَ).
أي لو كانوا يَعْمَلُونَ بِعِلمِهم، ويعلمون حقيقة ما فيه الفضل.
стр. 150
وقوله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤)
وقرأ الحسن " لا تقولوا راعِناً " بالتنوين، والذي عليه الناس راعنا غير
منون، وقد قيل في (راعنا) بغير تنوين ثَلاثةُ أقوال: قال بعضهم راعنا:
ارعنا سمعك، وقيل كان المسلمون يقولون للنبي ﷺ راعنا، وكانت إليهود تَتَسَابُّ بينها بهذه الكلمة، وكانوا يسبون النبي ﷺ في نُفُوسهم، فلما سمعوا
هذه الكلمة اغتنموا أن يظهروا سَبَّه بلفظ يسمع ولا يلحقهم به في ظاهره
شيء، فأظهر اللَّه النبى ﷺ والمسلمين على ذلك ونهى عن هذه الكلمة.
وقال قوم: (لَا تَقُولُوا رَاعِنَا): من المراعاة والمكافأة، فأمروا أن يخاطبوا
النبي ﷺ بالتقدير والتوقير، فقيل لهم لا تقولوا راعنا، أي كافنا في المقال، كما يقول بعضهم لبعض، -
(وَقُولُوا انْظُرْنَا) أي أمهلنا واسمعوا، كأنه قيل لهم استَمِعُوا.
وقال قوم إِن راعنا كلمة تجري على الهُزُءِ والسخرية، فنهيَ
المسلمون أن يَلْتَفِظُوا بها بحضرة النبي ﷺ
وأما قراءَة الحسن " راعناً " فالمعنى فيه لا تقولوا حُمْقاً، من الرعونة.
* * *
وقوله : (مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (١٠٥)
المعنى ولا من المشركين، الذين كفروا من أهل الكتاب: إليهود
والمشركون في هذا الوضع عَبَدةُ الأوثان.
(أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ).
- ويُقْرأ أن يُنْزَل عليكم بالتخفيف والتثقيل جميعاً، ويجوز في العربية أن
стр. 151
يَنْزِلَ عليكم، ولا ينبغي أن يقرأ بهذا الوجه.
الثالث، إذ كان لم يقرأ به أحد من القراء المشتهرين.
وموضع (مِنْ خَيْرٍ) رفع. المعنى: ما يود الذين كفروا
والمشركون أن ينزل عليكم خير من ربكم، ولو كان هذا في الكلام لجاز ولا
المشركون، ولكن المصحف لا يخالف، والأجود ما ثبت في المصحف
أيضاً، ودخول من ههنا على جهة التوكيد والزيادة كما في " ما جَاءني من
أحد)، وما جاءَنى أحد.
* * *
وقوله : (وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ)
أي يختص بنُبوته من يشاءُ من أخبر أنه مختار.
* * *
وقوله : (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦)
في (نُنْسِهَا) غير وجه قد قرئ
به: أو نُنْسِهَا، وَنَنْسَهَا، وَنَنْسُؤها.
فأما النسخ في اللغة فإبطال شيء وإقامة آخر
مقامه، العرب تقول نسخت الشمسُ الظل، والمعنى أذهبت الظل وحلَّت
محلَّه، وقال أهل اللغة في معنى (أو نُنْسِهَا) قولين قال بعضهم، (أو ننسها)
من النسيان، وقالوا دليلنا على ذلك قوله (سَنُقْرِئُك فَلَا تَنْسَى إلا مَا شَاءَ اللَّهُ) فقد أعلم اللَّه أنه يشاء أن يُنْسى، وهذا القول عندي ليس
بجائز، لأن اللَّه : قد أنبأ النبي ﷺ
في قوله (وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ) إنَّه لا يشاء، أن يذهب بالذي أوحَى به إلى النبي ﷺ .
وفي قوله (فَلَا تَنْسَى إلا مَا شَاءَ اللَّهُ) قولان يُبْطلان هذا القول الذي حكينا عن بعض أهل اللغة: أحدهما (فلا تنسى) أي لست تترك إلا ما شاءَ اللَّه أن
تترك، ويجوز أن يكون إلا ما شاءَ الله مما يلحق بالبشرية، ثم تذكر بعد،
стр. 152
ليس أنه على طريق السلب للنبي ﷺ شيئاً أوتيه من الحكمة وقيل في (أو ننْسِهَا) قول آخر وهو خطأ أيضاً، قالوا أو نَتْرُكُهَا " وهذا يقال فيه نسيت إذا تركت، ولا يقال أنسيت أي تركت، وإنما معنى (أو ننسها) أو نَتركِها أي نأمر بتركها، فإِن قال قائل ما معنى تركها غير النسخ وما الفرق بين الترَك والنسخ؟
فالجواب في ذلك أن النسخ يأتي في الكتاب في نسخ الآية
بآية فتُبطِل الثانيةُ العملَ بالأولى.
ومعنى الترك أن تأتي الآية بضرب من العمل
فيؤمر المسلمون بترك ذَلك بغير آية تَأْتِي ناسخة للتي قبلهَا، نحو
(إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ)
ثم أمر المسلمون بعد ذلك بترك المِحْنَة.
فهذا معنى الترك، ومعنى النسخ قد بيَّنَّاه فهذا هو الحق.
ومن قرأ " أو نَنْسؤُها " أراد نؤَخًرُها. والنَّسْءُ في اللغة التأخير، يقال: نسأ
اللَّه في أجله وأنْسَأ اللَّه أجله أي أخر أجله.
وقوله: (نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا).
المعنى بخير منها لكم، (أوْ مِثْلِها) فأما ما يؤتى فيه بخير من المنسوخ
فتمام الصيام الذي نسخ الِإباحة في الِإفطار لمن استطاع الصيام.
ودليل ذلك قوله: (وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ) فهذا هو خير لنا كما قال اللَّه
.
وأمَّا قوله (أَوْ مِثْلِهَا) أي نأْتي بآية ثوابها كثواب التي قبلها، والفائدة في
стр. 153
ذلك أن يكون الناسخ اشهل في المأخذ من المنسوخ، والإيمان به أسوغ.
والناس إليه أسرع.
نحو القِبْلة التي كانت على جهة ثم أمر اللَّه النبي ﷺ
بجعل البيت قبلةَ المسلمين وعدل بها عن القصد لبيت المقدس، فهذا - وإِن
كان السجود إلى سائر النواحي متساوياً في العمل والثواب، فالذي أمر الله به في ذلك الوقت كان الأصلح، والأدعى للعرب وغيرهم إِلى الإِسلام.
* * *
وقوله : (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١٠٧)
لفظ (أَلَمْ) ههنا لفظ استفهام ومعناه التوقيفُ، وجزم (أَلَمْ) ههنا كجزم
" لم " لأن حرف الاستفهام لا يغير العامل عن عمله، ومعنى الملك في اللغة
تمام القدرة واستحكامها فما كان مما يقال فيه مَلِك سمي المُلْكَ، وما نالته
القدرة مما يقال فيه مَالِك فهو مِلْك، تقول: ملكت الشيء أمْلِكه مِلْكاً.
وكقوله تعالى، (على مُلك سليمان) أي في سلطانه وقُدْرته.
وأَصل هذا من - قولهم ملكتُ العَجين أملُكُه إِذا بالغْتُ في عَجْنِه، ومن هذا قيل في التزويج شهدنا " إِملاكَ " فلان، أي شهدنا عقد أمر نكاحه وتشديده.
ومعنى الآية إِن اللَّه يَمْلك السَّمَاوَات والأرض ومن فيهن فهو أعلم بوجه
الصلاح فيما يتعبدهم به، من ناسخ ومنسوخ ومتروك وغيره.
* * *
وقوله : (وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ).
هذا خطاب للمسلمين يخبرون فيه أن من خالفهم فهو عليهم، وأن اللَّه
جلَّ وعزَّ ناصرهم، والفائدة فيه أنه بنَصْره إياهم يغلبون من سواهم.
стр. 154
وقوله : (أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١٠٨)
أجود القراءَة بتحقيق الهمزة، ويجوز جعلها بَينَ بينَ، يكون بين
الهمزة والياء فيلفظ بها سُيل.
وهذا إنما تحكمه المشافهة لأن الكتاب فيه
غير فاصل بين المتحقق والمُلَيَّن وما جُعِلَ ياءً خالصة، ويجوز كما سِيلَ موسى
من قبل، من قولك " سِلْت "، أسَال في معنى سئِلت اسْأل وهي لغة للعرب
حجاها جميع النحويين، - ولكن القراءَة على الوجهين اللذين شرحناهما قبل
هذا الوجه من تحقيق الهمزة وتليينها.
ومعنى (أم) ههنا وفِي كل مكان لا تقع فيه عطفاً على ألف
الاستفهام - إِلا أنها لا تكون مبتدأة - أنها تؤذن بمعنى بل ومعنى ألف
الاستفهام، المعنى " بل أتريدون أن تسألوا رسولكم كما سُئِل موسى
من قبل " فمعنى الآية أنهم نًهوا أن يسألوا النبي ﷺ ما لا خير لهم في السؤال عنه وما يُكَفِّرهم، وإِنما خوطبوا بهذا بعد وضوح البراهين لهم وإقامتها على مخالفتهم وقد شرحنا ذلك في قوله
(فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ) وما أشبه ذلك مما تقدم شرحه.
- فأُعْلِم المسلمون أن السؤال بعد قيام البراهين كفر كما قال :
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ).
стр. 155
وقوله: (وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ).
أي من يسأل عما لا يعنيه النبى ﷺ بعد وضوح الحق فقد ضل سواءَ السبيل أي قصد السبيل.
* * *
وقوله : (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٩)
يعني به علماءَ إليهود.
وقوله: (حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ) موصول بود الذين كفروا، لا بقوله حسداً، لأن حسد الإِنسان لا يكون من عند نفسه، ولكن المعنى مودتهم بكفركم من عند أنفسهم، لا أنهم عندهم الحق الكفر، ولا أن كتابهم أمرهم بما هم عليه من الكفر بالنبي ﷺ .
الدليل على ذلك قوله: (مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ).
* * *
وقوله : (فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ).
هذا في وقت لم يكن المسلمون أمروا فيه بحرب المشركين، وإِنما
كانوا يدعون بالحجج البينة وغاية الرفق حتى بين الله أنهم إنما يعاندون بعد
وضوح الحق عندهم فأمر المسلمون بعد ذلك بالحرب.
* * *
وقوله ،: (إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)
أي قدير على أن يدعو إِلى دينه بما أحب مما هو عنده الأحكم
والأبلغ. ويقال: اقدر على الشيءِ - قَدْراً وقَدَراً وقُدْرة، وقُدْرَاناً، ومَقْدِرَة
стр. 156
ومقدُرة ومقدَرة.
هذه سبعة أوجه مروية كلها، وأضعفها مقدرة - بالكسر -.
* * *
وقوله : (وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١١١)
الِإخبار في هذا عن أهل الكتاب، وعقد النصارى معهم في قوله
وقالوا لأن الفريقين يقرآن التوراة، ويختلفان في تثبيت رسالة موسى وعيسى، فلذلك قال اللَّه : (وقالوا: " فأُجْمِلوا).
فالمعنى أن إليهود قالت لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً، والنصارى
قالت لن يدخل الجنة إلا من كان نصرانياً، وجاز أن يلفظ بلفظ جمع لأن
معنى (من) معنى جماعة. فَحُمِل الخبر على المعنى.
والمعنى إِلا الذين كانوا هودا وكانوا نصارى.
وهو جمع هائد وهود، مثل حائل وحول، وبازل وبزل.
وقد فسَّرْنَا واحد النصارى وجمعه فيما مضى من الكتاب.
* * *
وقوله : (تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ).
هذا كما يقال للذي يدعي ما لا يبرهن حقيقته إنما أنت مُتَمَن.
وأمانيهم مشددة، ويجوز في العربية تلك " أمَانِيهِمْ " ولكن القراءَة بالتشديد
لا غير، للإِجماع عليه، ولأنه أجود في العربية.
* * *
وقوله : (قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)).
أي إِن كنتم عند أنفسكم صادقين فَبَينوا ما الذي دلكم على ثبوت
الجنة لكم.
стр. 157
وقوله : (بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١١٢)
أي فهذا يدخل الجنة، فإن قال قائل فما برهان من آمن في قولكم، قيل
ما بيناه، من الاحتجاج للنبي ﷺ ومن إظهار البراهين بأنبائهم ما لا يعلم إِلا من كتاب أو وحي، وبما قيل لهم في تمني الموت، وما أتى به النبي ﷺ من الآيات الدالة على تثبيت الرسالة، فهذا برهان من اسلم وجهه للَّهِ.
* * *
وقوله : (وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١١٣)
يعني به أن الفريقين يَتْلُوَان التوراة، وقد وقع يينهم هذا الاختلاف
وكتابهم واحد، فدل بهذا على ضلالتهم، وحذر بهذا وقوع الاختلاف في
القرآن، لأن اختلاف الفريقين أخرجهما إلى الكفر.
فتفهموا هذا المكان فإن فيه حجةً عظيمة وعِظَةً في القرآن.
* * *
وقوله : (كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ).
يعني به الذين ليسوا بأصحاب كتاب، نحو مشركي العرب والمجوس.
المعنى أن هؤلاء أيضاً قالوا: لن يدخل الجنة إلا من كان على ديننا.
وقوله : (فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ).
المعنى يريهم من يدخل الجنة عِياناً، ويدخل النار عيانا.
وهذا هو حكم الفصل فيما تصير إليه كل فرقة، فأما الحكم بينهم في العقيدة فقد بينه اللَّه فيما أظهر من حجج المسلمين، وفي عجز الخلق عن أن يأتوا بمثل القرآن.
* * *
وقوله : (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١١٤)
موضع (مَنْ) رفع ولفظها لفظ استفهام، المعنى: وأي أحد أظلم ممن منع
стр. 158
مساجد اللَّه، و (أَظْلَمُ) رفع بخبر الابتداء، وموضع أن نصب على البدل من
مساجد اللَّه، المعنى: ومن أظلم ممن منع أن يذكر في مساجد اللَّه اسمه.
وقد قيل في شرح هذه الآية غير قول: جاءَ في التفسير أن هذا يعني به
الروم، لأنهم كانوا دخلوا بيت المقدس وخربوه، وقيل يعني به مشركو
مكة لأنهم سعوا في منع المسلمين من ذكر اللَّه في المسجد الحرام.
وقال بعض أهل اللغة غير هذا. زعم أنه يعني به جميع الكفار الذين تظاهروا
على الإسلام، ومنعوا جملة المساجد، لأن من قاتل المسلمين حتى منعهم
الصلاة فقد منع جميع المساجد وكل موضِع مُتَعَبَّدٍ فيه فهو مسجد، ألا
ترى أن النبي ﷺ قال:
" جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً "
فالمعنى على هذا المذهب: ومن أظلم ممن خالف ملة الإسلام.
* * *
وقوله : (أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ).
أعلم اللَّه في هذه الآية أن أمر المسلمين يظهر على جميع من خالفهم
حتى لا يمكن دخول مخالف إِلى مساجدهم إلا خائفاً، وهذا كقوله : (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ).
قوله: (لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ).
يرتفع (خِزْيٌ) من وجهتين: إِحدَاهما الابتداءُ، والأخرى الفعل الذي
стр. 159
ينوب عنه (لهم). المعنى وجب لهم خزي في الدنيا وفي الآخرة عذاب
عظيم، والخزي الذي لهم في الدنيا، أن يُقْتَلوا إن كانوا حَرْباً، ويُجْزَوا إن
كانوا ذمة، وجعل لهم عظيم العذاب لأنهم أظلم مَن ظلم لقوله: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ).
* * *
وقوله : (وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (١١٥)
يرتفعان كما وصفنا من جهتين، ومعنى (للَّهِ) أي هو خالقهما.
وقوله: (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ).
(تُوَلُّوا) جزم بـ (أيْنَمَا)، والجوإبُ (فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ)، وعلامة الجزم في (تُوَلُّوا)
سقوط النون.
و (ثَمَّ) موضع نصب ولكن مبني على الفتح لا يجوز أن تقول ثَمًّا
زيد. وإنما بني على الفتح لالتقاءِ السَّاكنين، وثم في المكان أشارة بمنزلة هنا
زيد؛ فإذا أردت المكان القريب قلت هنا زيد، وإذا أردت المكان المتراخي
عنك قلت (ثَمَّ) زيد، وهناك زيد، فإنما منعت (ثَمَّ) الإعراب لإبهامها.
ولا أعلم أحداً شرح هذا الشرح لأن هذا غير موجود في كتبهم.
ومعنى الآية أنه قيل فيها أنه يعني به البيت الحرام، فقيل أينَما تولوا فثم
وجه الله أي فاقصدوا وجه اللَّه بِتَيَمُّمِكم القبلة، ودليل من قال هذا القول
قوله: (وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ).
فقد قيل: إن قوماً كانوا في سفر فأدركتهم ظلمة ومطر فلم يعرفوا القبلة فقيل: (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ).
стр. 160
وقال بعض أهل اللغة إنما المعنى معنى قوله: (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ)
فالمعنى على قوله هذا: أن اللَّه معكم أينما تولوا - كأنه أينما تولوا
فثم الله (وهو معَكم) وإنَّما حكينا في هذا ما قال الناس: وليس عندنا قطع
في هذا، واللَّه أعلم بحقيقته -
ولكن قوله (إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) يدل على تَوْسيعه على الناس
في شيءِ رخص لهم به.
* * *
(وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (١١٦)
قالوا) للنصارى ومشركي العرب، لأن النصارى قالت: المسيح ابنُ
اللَّه، وقال مشركو العرب الملائكة بنات اللَّه، فقال اللَّه :
(بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ).
القانت في اللغة المُطِيعُ، وقال الفرَّاءُ: (كل له قانتون) هذا خصوص إنما
يعني به أهل الطاعة، والكلام يدل على خلاف ما قال، لأن قوله:
(مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ)
كل إحاطة وإنما تأويله: كل ما خلق اللَّه في
السَّمَاوَات والأرض فيه أثَرُ الصنْعَة فهو قانت للَّهِ والدليل على أنه مخلوق -
والقانت في اللغة القائم أيضاً ألا ترى أن القنوت إِنما يُسَمًى بِه من دَعا قائماً
في الصلاة قانتا، فالمعنى كل له قانت مقر بأنه خالقه، لأن أكثر من يخالف
ليس بدفع أنه مخلوق وما كان غير ذلك فأثر الصنْعَةِ بين فيه، فهو قانت
على العموم، وإِنما القانت الداعي.
وقوله: (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (١١٧)
стр. 161
يعني، أنشاهما على غير حِذَاءٍ ولا مِثَال، وكل من أنْشَأ ما لَم يُسْبَق إليه
قيل له أبدعت، ولهذا قيل لكل من خالف السُّنَّةَ والإجماعَ مبتدع، لأنه يأتي
في دين الإِسلام بما لم يسبقه إِليه الصحابة والتابعون.
وقوله: : (وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ).
رفع (يكون) من جهتين: إِن شئت على العطف على يقول، وإِن شئت
الاستئناف.
المعنى فهو يكون، ومعنى الآية قد تكلم الناس فيها بغير قول:
قال بعضهم: إِنما يقول له (كُنْ فَيَكُونُ) إِنما يريد، فيحدث
كما قال الشاعر:
امْتَلأ الحوضُ وقال قَطْنِي. . . مهلاً رويداً قد ملأت بطني
والحوض لم يقل.
وقال بعض أهل اللغة - (إِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)
يقول له وإِن لم يكن حاضراً: كن، لأن ما هو معلوم عنده بمنزلة الحاضر.
وقال قائل: (إِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) له معنى من أجلها فكأنه إنما يقول
من أجل إِرادته إِياه (كُنْ) أي أحدُث فيحدث، وقال قوم: هذا يجوز أن تكون لأشياءَ معلومة أحدث فيها أشياءَ فكانت، نحو قوله:
(فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين). واللَّه أعلم.
* * *
وقوله : (وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (١١٨)
(لولا) معنى هلا، المعنى: هلا يكلمنا الله أو تأْتينا آية، فأعلم اللَّه
أن كفرهم في التعنُّتِ بطلب الآيات على اقتراحهم كقول الذين من
قبلهم لموسى: (أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً)، وما أشبه هذا، فأعلم الله أن كفرهم متشابه، وأن قلوبهم قد تشابهت في الكفر.
стр. 162
وقوله : (قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ).
المعنى فيه أن من أيقن وطلب الحق فقد آتته الآيات البينات، نحو
المسلمين ومن لم يشاق من علماءِ إليهود، لأنه لما أتاهم ﷺ بالآيات التي يُعْجَزُ عنها من أنبائهم بما لا يُعلم إلا من وحي، ونحو انشقاق القمر وآياته التي لا تحصى ﵇، والقرآن الذي قيل لهم فأتوا بسورة من مثله فعجزوا عن ذلك.
ففِي هذا برهان شافٍ.
* * *
وقوله : (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ (١١٩)
نصب (بشيراً ونذيراً) على الحال، ومعنى بشيراً، أي مبشراً المؤمنين
بما لهم من الثواب، وينذر المخالفين بما أعد لهم من العقاب.
* * *
وقوله : (وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ).
وتقرأ (ولا تَسْألُ)، ورفع القراءتين جميعاً من جهتين، إحداهما أن
يكون (ولا تسأل) - استئنافاً، كأنَّه قيل ولست تسأل عن أصحاب الجحيم، كما قال : (فإِنما عَلَيْكَ البَلَاغُ وعَلَيْنَا الحِسَابُ) ويجوز أن يكون له
الرفع على الحال، فيكون المعنى: أرسلناك غير سائل عن أصحاب الجحيم.
ويجوز أيضاً " ولا تَسْألْ عن أصحاب الجحيم "
وقد قرئ به فيكون جزماً بلا.
وفيه قولان على ما توجبه اللغة: أن يكون أمَرَهُ اللَّهُ بترك المسألة، ويجوز
أن يكون النهي لفظاً، ويكون المعنى على تفخيم ما أعد لهم من العقاب.
كما يقول لك القائل الذي تَعْلَمُ أنت أنه يجب أن يكون من تسأل عنه في حال جميلة أو حال قبيحة، فتقول لا تسأل عن فلان أي قد صار إلى أكثر مما
تريد، ويقال: سالته أسأله مسألة وسؤالاً، والمصادر على فُعَال تقِلُّ في غير
стр. 163
الأصوات والأدْواءِ فأمَّا في الأصوات فنحو الدعاء والبكاء والصراخ
وأما في الأدواء فنحو: الزكام - والسعال وما أشبه ذلك.
وإِنما جاءَ في السؤال لأن السؤال لا يكون إلا بصوت.
* * *
وقوله : (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١٢٠)
قد شرحنا معنى. إليهود والنصارى. و " ترضى " يقال في مصدره
رضي، يرضى، رضاً ومرضاة، ورِضواناً ورُضواناً.
ويروي عن عاصم في كل ما في القرآن من (رضوان) الوجهان جميعاً، فأمَّا ما يرويه عنه أبو عمرو (فَرِضوانٍ) بالكسر، وما يرويه أبو بكر بن عياش: فَرُضْوان، والمصادر تأتي على فِعْلان وفُعْلان، فأمَّا فِعْلان، فقولك عرفته عِرْفاناً، وحسبته حسباناً.
وأما فُعلان كقولك: غُفرانك لا كفْرانك.
* * *
وقوله : (حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ).
(تَتَّبِعَ) نصب بحتى، والخليل وسيبويه وجميع من يوثق بعلمه يقولون إن
الناصب للفعل بعد حتى (أن) إلَّا أنها لا تظهر مع حتى، ودليلهم أن حتى غير
ناصبة هو أن حتى بإجماع خافضة.
قال اللَّه : (سلام هي حتى مَطلَعِ الفجر)
فخفض مطلع بحتى، ولا نعرف في العربية أن ما يعمل في
اسم يعمل في فعل، ولا ما يكون خافضاً لاسم يكون ناصباً لفعل، فقد بانَ أن حتى لا تكون ناصبة، كما أنك إذا قلت: جاءَ زيد ليضربك فالمعنى جاءَ زيد لأن يضربك، لأن اللام خافضة، للاسم، ولا تكون ناصبة - للفعل، وكذلك ما كان زيد ليضربك، اللام خافضة، والناصب ليضربك أن المضمرة.
ولا يجوز إظهارها مع هذه اللام، وإنما لم يجز لأنها جواب لما يكون مع الفعل وهو
стр. 164
حرف واحد يقول القائل: سيضربك، وسوف يضربك، فجعل الجواب في
النفي بحرف واحد كما كان في الإيجاب بشيءٍ واحد.
ونصب ملتهم بتتئع، ومعنى ملتهم في اللغة سنتهم وطريقتهم، ومن هذا
المَلة أي الموضع الذي يختبز فيه، لأنها تؤَثر في مكانها كما يؤَثِّر في الطريق.
وكلام العرب إذا اتفق لفظه فأكثره مشتق بعضه من بعض، وآخذ بعضه برقاب بعض. .
* * *
وقوله : (إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى).
أي الصراط الذي دعا إليه وهدى إليه هو الطريق أي طريق الحق.
* * *
وقوله : (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ).
إِنما جمع ولم يقل هواهم، لأن جميع الفرق ممن خالف النبي ﷺ لم يكن ليرضيهم منه إلا أتباع هواهم. وجمع هوى على أهواءَ، كما يقال جمل وأجمال، وقتب وأقتاب.
* * *
وقوله : (مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ).
الخفض في (نصير) القراءَة المجمع عليها، ولو قرئ ولا نصير بالرفع
كان جائزاً، لأن معنى من ولي مالك من اللَّه ولي ولا نصير.
ومعنى الآية أن الكفار كانوا يسألون النبي ﷺ الهدنة وُيرُونَ إنَّه إِن هادنهم وأمهلهم أسلموا، فأَعلم اللَّه أَنهم لن يرضوا عنه حتى يتبع ملتهم، فنهاه اللَّه ووعظه في الركون إِلى شيءٍ مما يدعون إِليه، ثم أعلمه اللَّه وسائِرَ الناس - أن من كان منهم غير متعنت ولا حاسد ولا طالب
стр. 165
لرياسة تلا التوراة كما أنزلت فذكر فيها أن النبي ﷺ حق فآمن به فقال تعالى:
* * *
(الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٢١)
يعني أن الذين تَلُوا التوراة على حقيقتها، أُولَئِكَ يُؤمنون بالنبي ﷺ .
وفي هذا دليل أن غيرهم جاحد لما يعلم حقيقته، لأن هؤُلاءِ كانوا من علماءِ
اليهود، وكذلك من آمن من علماءِ النصارى ممن تلا كتبهم.
و (الذين) يرفع بالابتداءِ، وخَبَر الابتداءِ (يتلونه)، وإن شئت كان خبر الابتداءِ (يتلونه وأولئك) جميعاً، فيكون للابتداءِ خبران كما تقول هذا حلو حامض).
* * *
وقوله : (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (١٢٢)
(يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ) نصب لأنه نداء مضاف، وأصل النداءِ النصب، ألا ترى.
أنك إذا قلت يا بني زيد، فقال لك قائل: ما صنعت؛ قلت ناديتُ بني زيد، فمحال أن تخبره بغير ما صنعت، وقد شرحناه قبل هذا شرحاً أبلغ من هذا، وإسرائيل لا يتصرف، وقد شرحنا شرحه في مكانه وما فيه من اللغات.
* * *
وقوله : (اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ).
موضع (أن) نصب كأنه قال اذكروا أني فضلتكم على العالمين.
والدليل من القرآن على أنهم فُضلَوا قول موسى ﷺ (كما قال الله :
(وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (٢٠).
стр. 166
وتأويل تفضيلهم في هذه الآية ما أوتوا من الملك وأن فيهم أنبياءَ
وأنهم أُعطوا علم التوراة، وأن أمر عيسى ومحمد - صلى الله عليهما وسلم - لم يكونوا يحتاجون فيه إلى آية غير ما سبق عندهم من العلم به، فذكرهم اللَّه ما همْ عارفون، ووعظهم فقال:
* * *
(وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (١٢٣)
العدل الفدية، وقيل لهم: (ولا تنفعها شفاعة)، لأنهم كانوا يعتمدون على
أنهم أبناءُ أنبياءِ اللَّه، وأنهم يَشْفَعُون لهم، فأيئسَهم اللَّه من ذلك.
وأعلمهم أن من لم يتبع محمداً ﷺ فلَيْسَ يُنْجِيه منْ عذاب اللَّه شيءٌ وهو كافر.
* * *
وقوله : (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤)
المعنى اذكروا إِذ اابتلى إبراهيم ربه، ومعنى (فاتمهن) وفَّى بما أمر به
فيهن، وقد اختلفوا في الكلمات: فقال قوم تفسيرها أنه أمره بخمس خلال في الرأس، وخمس خلال في البدَن، فأمَّا اللاتِي في الرأس فالفرْق وقَص
الشَارِبِ والسواكُ، والمضْمضَةُ، والاستنشاق، وأمَّا التي في البدن فالختان
وحلق العانة والاستنجاءُ وتقليم الأظافر ونتف الإبط.
فهذا مذهب قوم وعليه كثير من أهل التفسير.
وقال قوم: أن الذي ابتلاه به " ما أمره به من ذبح ولده.
وما كان من طرحه في النار، وأمر النجوم التى جرى ذكرها في القرآن في قوله : (فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا) وما جرى بعد الكواكب من ذكر القمر والشمس، فهذا مذهب قوم.
стр. 167
وجميع هذه الخلال قد ابتلِيَ بها إبراهيم، وقد وفَّى بما أُمِر به وأتى بما
يأتي به المؤْمن بل البر المصطفى المختار، ومعنى ابتلى اختبر.
* * *
وقوله : (إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا).
الأم في اللغة القَصْدُ، تقول: أممْتُ كذا وكذا، إذا قصدته وكذلك
قوله: (فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا) أي فاقصدوا.
والِإمام الذي يْؤتم به فيفعل أهلُه وأمته كما فعل، أي يقصدون - لمَا يقصد.
(قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ).
فأَعلم اللَّه إبراهيم أن في ذريته الظالم، وقد قرئت (لا ينال عهدي الظالمُون) والمعنى في الرفع والنصب - واحد، لأن النَّيْلَ مشتمل على العهد.
وعلى الظالمين إلا أنه منفي عنهم، والقراءَة الجيّدة هي على نصب
الظالمين؛. لأن المصحف. هكذا فيه، وتلك القراءَة جيدة (بالغة) إلا أني
لا أقرأ بها، ولا ينبغي أن يُقْرأ بها لأنها خلاف المصحف، ولأن المعنى:
أن إبراهيم ﵇ كأنَّه قال: واجعل الإمامة تنال ذريتي (واجعل) هذا
العهد ينال ذريتي، قال اللَّه: (لا ينال عهدي الظالمين).
فهو على هذا أقوى أيضاً.
* * *
وقوله : (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥)
(مثابة) يثوبون إِليه، والمثاب والمثابة واحد، وكذلك المقام والمقامة.
قال الشاعر:
стр. 168
وإنِّي لَقَوَّامٌ مَقَاوِمَ لم يكن. . . جريرٌ ولا مَوْلَى جريرٍ يقومُها
وواحد المقاوم مقام - وقال زهير:
وفيهم مقامات حسان وجوهها. . . وأنْديَة يَنْتَابُها القولُ والفعلُ
وواحد المقامات مقامة. والأصل في مثابة مَثْوَبَة. ولكن حركة الواو
نقلت إلى التاءِ، وتبعت الواو الحركة فانقلبت ألفاً، وهذا إِعلال إتباع، تبع
مثابة باب " ثاب " وأصل ثاب ثَوَبَ، ولكن الواو قلبت ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها لا اختلاف بين النحويين في ذلك.
وهذا الباب فيه صعوبة إلا أن كتابنا هذا يتضمن شرح الِإعراب
والمعاني فلا بد من استقصائها على حسب ما يعلم.
ومعنى قوله: (وَأَمْنًا): (قيل) كان من جنى جناية ثم دخل الحرم لم يقم عليه الحد، ولكن لا يبايع ولا يكلم حتى يضطر إِلى الخروج منه، فيقام عليه الحد.
* * *
وقوله : (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى)).
قرئت " واتخذوا " بالفتح والكسر: وَاتَخَذُوا، واتَّخِذوا روى أن عمر بن
الخطاب قال للنبي ﷺ وقد وقفا على مقام إبراهيم: أليس هذا مقامَ خليل ربنا؟. " وقال بعضهم مقامَ أبينا "، أفَلا نتخذه مصلى؛ فأنزل الله : (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) فكان الأمر. والقراءَة (واتخذوا)
стр. 169
بالكسر على هذا الخبر أبين. ولكن ليس يمتنع " واتخَذُوا " لأن الناس
اتخذوا هذا، فقال: (وإِذ جعلنا البيت مثابة) (واتخذوا) فعطف بجملة
على جملة.
* * *
وقوله : (وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ).
معنى (طَهِّراه امنعاه من تعليق الأصنام عليه، والطائفون هم الذين يطوفون
بالبيت، والعاكفون المقيمون به، ويقال قد عَكَف يعكُف وَيعْكِف على الشيءِ عُكُوفاً أي أقام عليه، ومن هذا قول الناس: فلان معتكف على الحَرام، أي مقيم عليه.
(والرُّكعِ السَجود) سائر من يُصلي فيه من المسلمين.
و (بيْتِيَ): الأجود فيه فتح الياءِ، وإن شئت سكَّنتها، والرُّكًع جمع راكع، مثل غاز وغُزًى، والسجود جمع ساجد، كقولك: ساجد وسجود، وشاهد وشهود.
* * *
وقوله : (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٢٦)
المعنى واذكروا إِذ قال إبراهيم. وأمنا: ذا أمن.
وقوله : (وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ. . .)
(مَن) نَصْبٌ بدلٌ من أَهله، المعنى أرزق من آمن من أهله دون غيرهم.
لأن الله تعالى قد أعلمه أن في ذريته غيرَ مؤمن، لقوله: ؛
(لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ).
وقوله : (قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ).
أكثر القراءَة على فأمتِّعُه (قليلًا) ثم أضطَره، على الإِخبار، وقد
стр. 170
قرئَ أيضاً - فَأمْتِعْه، ثم اضْطَرَّه، على الدعاءِ، ولفظ الدعاءِ كلفظ الأمر
مجزوم، إِلا أنه استعظم أن يقال "أمر" فَمسْألتك مَنْ فوقَك نَحْو أعطني، وأغفر لي دعاءُ ومسْألة، ومسألتُك من دُونَك أمْرُ كقولك لغلامك افعل كذا وكذا.
والراءُ مفتوحة في قوله ثم " اضطرَّه " لسكونها وسكون الراءِ التي قبلها الأصل ثم اضطَرِرْه، ويجوز ثم أضطره ولا أعلم أحداً قرأ بها.
* * *
وقوله : (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧)
القواعد واحدتها قاعدة وهي كالأساس والأس للبنيان، إلا أن كل قاعدة
فهي للتي فوقها، وإِسماعيلُ عطف على إِبراهيم.
وقوله: (رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا) المعنى يقولان (رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا)، ومثله في كتاب اللَّه:
(وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ) ومثله: (وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ).
(أي يقولون سلام عليكم).
* * *
وقوله : (رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨)
تفسير المسلم في اللغة الذي قد استسلم لأمر اللَّه كله " وخضع له، فالمسلم
المحققُ هو الذي أظهر القبول لأمر اللَّه كله وأضمر مثل ذلك، وكذلك قوله: (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا). .
المعنى: قولوا جميعاً خضعنا وأظهرنا الإسلام. وباطنهم غير ظاهِرهم
لأن هُؤلاءِ. منافقون فأظهر اللَّه النبي على أسْرارِهم، فالمسلم على
ضَرْبين مظهِرٌ القبولَ ومبطن مثلَ ما يُظْهِر، فهذا يقال له مؤمن، ومسلم إنما
يظهر غير ما يبطن فهذا غير مؤمن، لأن التصديق والِإيمان هو بالإِظهار مع
стр. 171
القبول، ألا ترى أنهم إنما قيل لهم (وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ)، أي
أظهرتم الإيمان خشية.
وقوله " : (وأرِنَا منَاسِكَنَا).
معناه عَزِفْنَا متعبداتنا، وكل متعبَّد فهو مَنْسَك ومَنْسِكِ، ومن هذا قيل
للعابد ناسك، وقيل للذبيحة المتقرب بها إلى الله تعالى النسيكة، كأنَّ
الأصل في النسك إنما هو من الذبيحة للَّهِ جلَّ وعزَّ.
وتقرأ أيضاً (وأرنا) على ضربين: بكسر الراءِ وبإسكانها والأجود الكسر.
وإنما أسكن أبو عمرو لأنه جعله بمنزلة فَخِذ وعَضُد وهذا ليس بمنزلة فخذ ولا
عضد، لأن الأصل في هذا " أرْئِنَا " فالكسرة إنما هي كسرة همزة ألقيت.
وطُرحت حركتها على الراء فالكسرة دليل الهمزة، فحذفها قبيح، وهو جائز على بعده لأن الكسر والضم إنما يحذف على جهة الاستثقال.
فاللفظ بكسرة الهمزة والكسرة التي في بناءِ الكلمة واللفظ به واحد، ولكن الاختيار ما وصفنا أولاً.
* * *
وقوله : (وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإنَهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠)
معنى (مَنْ) التقرير والتوبيخ، ولفظها لفظ الاستفهام وموضعها رفع
بالابتداءِ، والمعنى ما يرغب عن ملة إبراهيم إلا مَنْ سَفه نَفْسَه، والملَّةُ قد
بيناها وهي السُّنَّة والمذهب، وقد أكْثَر النحويونَ واختلفوا في تفسير (سفه
نفسه)، وكذلك أهل اللغة، فقال الأخفش: أهل التأويل يزعمون أن المعنى
(سَفَه نفسه)، وقال يونس النحوي: أراها لغة،. وذهب يونس إلى أن فَعِل
للمبالغة، - كما أن فعُل للمبالغة فذهب في هذا مذهب التأْويل، ويجوز على
стр. 172
هذا القول سَفِهْتُ زيداً بمعنى سَفهْتَ زيداً، وقال أبو عبيدة معناه أهلك نفسه، وأوْبَق نفسه، فهذا غير خارج من مذهب أهل التأويل ومذهبِ يونس.
وقال بعض النحويين: إِن نفسه منصوب على التفسير، وقال التفسير في النكرات أكثر نحو طاب زيدٌ بأمره نفسا، وقَر بِه عيْناً وزعم أن هذه المُفَسِّرات المعارف أصل الفعل لها ثم نقل إِلى الفاعل نحو وجِعَ زيدٌ رأسَه، وزعم أن أصل الفعل للرأس وما أشبهه، وأنه لا يجيز تقديم شيءٍ من هذه المنصوبات وجعل (سفه نفسه) من هذا الباب.
قال أبو إسحاق: وعندي أن معنى التمييز لا يحتمل التعريف لأن التمييز
إِنما هو واحد يدل على جنسٍ أو خلة تخلص من خلال فإذا عرفه صار مقصوداً قصده، وهذا لم يقله أحد ممن تقدم من النحويين.
وقال أبو إِسحاق: إِن (سفه نفسه) بمعنى سفُه في نَفْسه إِلا أن " في " حُذِفَتْ، كما حذفت حروف الجر في غير موضع.
قال الله : (ولا جناح عليكم أنْ تسترضعوا أولادكم).
والمعنى أن تسترضعوا لأولادكم، فَحُذِفَ حرف الجرّ في غير
ظرف، ومثله قوله : (ولا تعزموا عقدة النكاح)
أي على عقدة النكاح
ومثله قول الشاعر:
نُغالي اللحمَ للأضيافِ نَيْئاً. . . ونَرْخُصُهُ إذا نَضِجَ القدورُ
المعنى: نغالي باللحم، ومثله قول العرب: ضرب فلان الظهر والبطن
стр. 173
والمعنى: على الظهر والبطن. فهذا الذي استعمل من حذف حرف الجر
موجود في كتاب اللَّه، وفي إشعار العرب وألفاظها المنثورة، وهو عندي
مذهب صالح.
والقول الجَيِّد عندي في هذا أن سفه في موضع جهل، فالمعنى:
- واللَّه أعلم - إلا من جهل نفسه، أي لم يفكر فى نفسه.
كقوله : (وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ)، فوضع جهِل.
وعدى كما عدى.
فهذا جميع ما قال الناس في هذا، وما حضرنا من القول فيه.
* * *
وقوله : (وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا).
معناه اخترناه ولفظه مشتق من الصفوة.
(وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ).
فَالصالحُ في الآخرة الفائز.
* * *
وقوله: (إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٣١)
معناه اصطفاه إِذ قال له ربه أسلم: أي في
ذلك الوقت (قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ).
* * *
وقوله: (وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢)
قوله: (بِهَا) هذه الهاءُ ترجعِ على الملة، لأن إِسلامه هو إِظهار طريقته
وسنته ويدل على قوله: (وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ) قوله: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ).
وإنما كسرت " إنَّ) لأن معنى وصي وأوصى: قَوْل: المعنى
قال لهم إِن اللَّه اصطفى لكم الدين، ووصى أبلغ من أوصى، لأن أوصى
جائز أن يكون قال لهم مرة واحدة، ووصَّى لا يكون إلا لمرات كثيرة.
* * *
وقوله : (فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ).
стр. 174
إن قال قائل كيف ينهاهم عن الموت، وهم إنما يمَاتُون، فإنما وقع
هذا جملى سعة الكلام، وما تكثر استعماله " العرب " نحو قولهم: " لا أريَنك
ههنا "، فلفظ النهي إِنما هو للمتَكَلِّم، وهو في الحقيقة للمُكَلَّمِ.
المعنى: لا تكونن ههنا فإن من كان ههنا - رأيته - والمعنى في الآية: ألزموا الإسلام، فإذا أدرككم الموتُ صادَفكم مُسْلمين.
* * *
وقوله : (أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٣)
ْالمعنى: بل أكنتم شهداءَ إذ حضر يعقوب الموت، إذْ قَالَ لِبَنِيهِ "
فقولك: (إذ) الثانية، موضعها نصب كموضع الأولى، وهذا بَدَل مؤَكد.
وقوله: (قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ).
القراءَة على الجمع، وقال بعضهم: (وإله أبيك) كأنه كره أن يجعل
العم أباه، وجعل إِبراهيم بدلاً من أبيك مبيناً عنه، وبخفض إسماعيل
وإسحاق، كان المعنى إِلهك وإله أبيك وإله إسماعيل، كما تقول: رأيت غلام
زيد وعمرو أي غلامهما، ومن قال: (وَإِلَهَ آبَائِكَ) فجمع وهو المجتمع عليه، جعل إبراهيم وإسماعيل وإِسحاق بدلًا، وكان موضعهم خفضاً على البدل
المبين عن آبائك.
وقوله : (إِلَهًا وَاحِدًا).
منصوب على ضربين: إن شئت على الحال، كأنهم قالوا نعبد: إلهك
في حال وحدانيته، وإِن شئت على البدل.
وتكون الفائدة من هذا البدل ذكر التوحيد، فيكون المعنى نعبد إِلهاً واحداً.
стр. 175
وقوله : (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٤)
معنى (خَلَتْ) مضت، كما تقول لثلاث خلون من الشهر أي مضين.
وقوله : (وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ).
المعنى: إنما تسألون عن أعمالكم.
* * *
وقوله : (وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٣٥)
المعنى: قالت إليهود: كونوا هوداً، وقالت النصارى: كونوا نصارى.
وجزم تهتدوا على الجواب للأمر، وإنما معنى الشرط قائم في الكلمة.
المعنى إن تكونوا على هذه الملة تهتدوا، فجزم تهتدوا على الحقيقة جواب
الجزاءِ.
* * *
وقوله : (بَلْ مِلةَ إبرَاهِيمَ حَنِيفاً).
تنصب الملة على تقدير بل نتبعُ ملة إِبراهيم ويجوز أن تنصب على
معنى: بل نكون أهل ملة إِبراهيم، وتحذف " الأهل " كما قال الله : (واسْألِ الْقَرْيَةَ الًتِي كُنَّا فِيهَا) لأن القرية لا تُسْأل ولا تجيب.
ويجوز الرفع (بل ملةُ إِبراهيم حنيفاً).
والأجود والأكثر: النصب. ومجاز الرفع على معنى: قل ملتُنا ودينُنُا ملة إبراهيم، ونصب (حنيفاً) على الحال.
المعنى: بل نتبع ملة إِبراهيم في حال حنيفَتِه، ومعنى الحنيفة في اللغة الميل.
فالمعنى: أن إبراهيم حنيف إِلى دين اللَّه، دين الِإسلام.
كما قال : (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ) فلم يبعث نبي إِلا به.
وإن اختلفت شرائعهم، فالعقد توحيد اللَّه والإيمان برسله وِإن اختلفت الشرائع،
стр. 176
إلا أنَّه لا يجوز أن تُتركَ شريعة نبي، أو يعمل بشريعة نبي قبله تخالف شريعة
نبي الأمة التي يكون فيها.
وإِنما أخذ الحنفُ من قولهم: - امراة حَنْفَاءُ ورجل أحْنَف، وهو الذي
تميل قدماه كل واحدة منهما بأصابعها إِلى أختها بأصابعها، قالت أم الأحنف
بن قيس وكانت ترقصه، وخرج سيدَ بَنِي تميم: -
والله لولا حَنَف في رجله. . . ودقة في ساقه من هُزْلِه
ما كان في فِتْيانِكم منْ مِثْله
* * *
وقوله : (قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦)
(لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ)
المعنى: لا نكفر ببعض ونؤمن ببعض.
* * *
وقوله : (فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣٧)
فإِن قال قائل: فهل للإيمان مِثْلٌ هو غير الِإيمان؟
قيل له: المعنى واضح بين، وتأويله: فإِن أتَوْا بتصديق مثل تصديقكم وإِيمانكم - بالأنبياءِ، ووحَّدوا كتوحيدكم - فقد اهتدوا، أي فقد صاروا مسلمين مثلكم.
(وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ) أي في مشاقة وعداوة ومن هذا قول
الناس: فلان قد شق عصا المسلمين، إِنما هو قد فارق ما اجتمعوا عليه من
اتباع إِمامهم، وإِنما صار في شق - غير شق المسلمين.
وقوله جمزّ وجلَّ: (فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ).
هذا ضمان من اللَّه في النصر لنبيه ﷺ لأنه إِنما يكفيه إِياهم
стр. 177
بإظهار ما بعثه به على كل دين سواه - وهذا كقوله: (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ) فهذا تأويله - واللَّه أعلم.
وكذا قوله: (كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي).
فإن قال قائل فإن من المرْسَل مَنْ قُتِل.
فإن تأويل ذلك - والله أعلم - أن اللَّه غالب هو ورسله بالحجة الواضحة، والآية البينة، ويجوز أن تكون غلبةَ الآخرة لأن الأمر هو على ما يستقر عليه في العاقبة.
وقد قيل: إِن الله لم يأمر رسولاً بحرب فاتبع ما أمره الله به في حربه إِلا غَلَب. فعلى هذا التأويل يجوز أن يكون لم يقتل رسول قط محارباً.
* * *
وقوله : (صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (١٣٨)
يجوز أن تكون (صبغة) منصوبة على قوله: (بل نتبع ملة إبراهيم) أي
بل نتبع صبغة اللَّه.
ويجوز أن يكون نصبها على، بل نكون أهل صبغة الله.
كما قلنا في ملة إبراهيم، ويجوز أن ترفع الصبغة على إضمار هي، كأنهم
قالوا: هي صبغة اللَّه أي هي ملة إِبراهيم صبغة الله.
وقيل: إِنما ذكرت الصبغة لأنَّ قوماً من النصارى كانوا يصبغون أولادهم في ماءٍ لهم، ويقولون هذا تطهير كَمَا أن الختان تطهير لكم: فقيل لهم -: (صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً)، أي التطهير الذي أمر به مبالِغٌ في النظافة.
ويجوز أن يكون - واللَّه أعلم - صبغة الله أي خلقة اللَّه - جلَّ وعزَّ -
الخلق، فيكون " المعنى:. أن اللَّه ابتدأ الخلق - على الِإسلام، ويكون دليل هذا القول قول الله : (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى).
وجاءَ في الحديث: أنهم
стр. 178
أخرجهم كالذر، ودليل هذا التأويل أيضاً قوله : (فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَ) ويجوز أن يكون منه " الخبر:
" كل مولودٍ يُولَد على الفطرة حتى يكون أبواه
هما اللذان يهودانه أو ينصرانه "
وصبغت الثوب إِنما هو غيرت لونه وخلقته.
* * *
وقوله : (قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (١٣٩)
في (أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ) لغات فأجودها: (أتحاجوننا) بنونين وإن شئت
بنون واحدة - " أتُحَاجُونَّا " على إدغام الأولى في الثانية وهذا وجه جيد، ومنهم من إِذا أدغم أشار إِلى الفتح كما قراوا: (مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ) على الإدغام والِإشارة إِلى الضم، وإِن شئت حذفت إِحدى النونين فقلت
(أتحاجونَا) فحذف لاجتماع النونين قال الشاعر:
تراه كالثغام يُعَلُّ مسكا. . . يسوءِ الغانِيات إِذَا فَليني
يريد فَلَيْنَنَي، ورأيت مذهب المازني وغيره ردُّ هذه القراءَةَ، وكذلك
ردُّوا (فبم تبشرونِ) - قال أبو إِسحاق " والأقدام على رد هذه القراءَة غلط
لأن نَافِعاً ﵀ قرأ بها، وأخبرني إِسماعيل بن إسحاق أنَّ نافعاً رحمه اللَّه
стр. 179
لم يقرأ بحرف إلا وأقل. ما قرأ به إثنان من قراءِ المدينة، ولَه وجْه في العربية
فلا ينبغي أن يرد، ولكن " الفتح " في قوله (فبم تبشرونَ) أقوى في العربية.
ومعنى قوله: (قلْ أتُحاجُّونَنَا فِي اللَّهِ) أن الله أمر المسلمين أن
يقولوا لليهود الذين ظاهروا من لا يوحد اللَّه مِن النًصارى وعبدةِ
الأوْثَانِ، فأمر الله أن يحتج عليهم بأنكم تزعمون أنكم موحدون، ونحن نوحّد فلم ظَاهرْتُمْ مِن لا يوحِّدُ الله جلَّ وعزَّّ
(وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ).
ثم أعلموهم أنهم مخلصون، وإخلاصهم إِيمانهم بأن الله
واحد، وتصديقهم جميع رسله، فاعلموا أنهم مخلصون، دون من خالفهم.
* * *
وقوله : (أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٠)
كَأنَّهُمْ قَالُوا لَهُم: بأيِّ الحُجتَين تَتَعَلَّقُون في أمْرِنَا؟
أبالتوحِيد فنحن موحدون، أم باتباع دين الأنبياءِ فنحن متبعون.
* * *
وقوله : (قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ).
تأويله: أن النبى الذي أتانا ب (الآيات) المعجزات وأتاكم بها -
أعلمكم، وأعلمنا أن الإِسلام دين هُؤلاءِ الأنبياءِ.
والأسباط هم " " الذين من ذرية الأنبياءِ، والأسباط اثنا عشر سِبْطاً وهم ولد
يعقوب ﵇، ومعنى السبط في اللغة: الجماعة الذين يرجعون إلى
أب واحد، والسبط في اللغة الشجرة، فالسبط، الذين هم من شجرة واحدة.
стр. 180
وقوله: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ).
يعني بهم هُؤلاءِ الذين هم علماء إليهود، لأنهم قد علموا أن رسالة
النبي حق، وإِنما كفروا حسداً - كما قال الله وطلبا لدوام رياستهم وكسبهم، لأنهم كانوا - يتكسبون بإِقامتهم على دينهم فقيل
وَمَنْ أظَلَمُ مِمَن كَتَمُ أمرَ النّبيِّ ﷺ ولا أحدَ أظْلَم مِنْه وقوله: (وَمَا اللَّه بغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُوْنَ).
يعني: من كتمانكم ماعلمتمه من صحة أمرالنبي ﷺ .
* * *
وقوله: (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٤١)
المعنى: لها ثواب ما كسبت، ولكم ثواب ما كسبتم.
* * *
وقوله : (سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢)
فيه قولان، قيل يعني به:
كفار أهل مكة، وقيل يعني به: إليهود والسفهاءَ واحدهم سفيه، - مثل شهيد وشهداءُ، وعليم وعلماءُ.
* * *
وقوله : (مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا)
معنى؛ (مَا وَلَّاهُمْ): ما عدلهم عنها يعني قبلة بيت المقدس.
لأن النبي ﷺ كان أُمِرَ بالصلاة إِلى بيت المقدس، لأن مكة وبيت الله الحرام كانت العرب آلِفةً
لِحجّهِ، فأحبَّ اللَّهُ أن يمتحن القوم بغير ما ألفوه ليظهر من يتبع
الرسول ﷺ ممن لا يتبعه، كما قال اللَّه : (وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ)
فامتحن الله ببيت المقدس فيما روى لهذه العلة، والله أعلم.
* * *
وقوله : (قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ).
معناه حيث أمر الله أن يُصَلَّى وُيتَعَبَّدُ، فهو له، وعالم به، وهو فيه كما
следующие страницы →