والقَصْدِ.
وجاء في التفسيبر أَيْضاً أن الإسراف ما يقول الناسُ فيه فلان مُسْرِفٌ.
والحق في هذا ما أدَّب اللَّه به نبيَّهُ ﷺ فقال: (وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (٢٩).
* * *
وقوله: (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨)
(وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا).
" يَلْقَ " جزم على الجزاء، وتأويل الأثام تأويلُ المُجَازَاةِ على الشَيْءِ.
قال أبو عمرو الشيباني: يقال قد لَقِيَ أثامَ ذلك أي جزاء ذلك.
وسيبويه والخليل يذهبان إلى أن معناه يلقى جزاء الأثام، قال سيبويه جُزِمَتْ. (يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ)، لأن مضاعفة العذاب لُقِيَ الأثام
كما قال الشاعر:
مَتَى تَأتِنَا تُلْمِمْ بنا في دِيارِنا. . . تَجِدْ حَطَباً جزْلاً وناراً تَأجَّجَا
لأن الِإتيان هو الِإلمام، فجزم تلْمم لأنه بمعنى تأتي.
وقرأ الحَسَنُ وَحْدَهُ " يُضَعَّفْ " له العذاب، وهو جيّدٌ بالغٌ، تقول ضاعفت الشيء وَضَعَّفَتُه.
وقرأ عَاصِمٌ: (يُضَاعَفُ لَهُ الْعَذَابُ) بالرفع (١). على تأويل تفسير يلق أَثَاماً، كأنَّ قائلًا قال مَا لُقيُّ الأثام، فقيل يضاعف للآثم العَذَابُ (٢).
* * *
وقوله: (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠)
ليس أن السيئَةَ بعينها تصير حَسَنةً، ولكن التأويل أن السيئَة تمحى
بالتوْبَةِ وتكتب الحسنة مع التوبة، والكافِرُ يُحْبِطُ اللَّه عَمَلَه ويثبت اللَّه عليه
السَّيِئَات.
* * *
وقوله : (وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (٧٢)
стр. 1437
قيل الزُور الشِركُ باللَّهِ، وجاء أَيْضاً أَنَّهُمْ لاَ يَشْهَدُونَ أَعْيَادَ النَصَارَى.
والذي جاء في الزور أَنه الشِركُ باللَّهِ، فأمَّا النهي عن شهادة الزور في كِتَاب
الله فقوله: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦).
* * *
وقوله : (وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا)
تأويله أعرضوا عنه، كَما قال الله :
(وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ)
وتأويل (مَرُّوا بِاللَّغْوِ) مَروا بجميع ما ينبغي أَن يُلْغَى.
ومعنى " يُلْغَى " يطرح.
وجاء في التفسير أَنَّهمْ إذا أرادوا ذكر النِكَاح كَنَوْا عَنْهُ.
وقال بعضهُم: هو ذكر الرفث، والمعنى واحد.
وجاء أيضاً أنهم لا يجالسون أَهْلَ اللغْوِ وهم أهْلُ المعاصي، ولا يمالئونَهمْ عَلَيْها، أَيْ يُعَاوِنُونَهُمْ عليها.
وجاء أَيضاً في (لَا يَشْهَدُونَ الزُورَ) مَجَالِسَ الغِنَاءِ.
* * *
وقوله : (وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا (٧٣)
تأويله: إذَا تلِيَتْ عَلَيْهِم خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا، سَامِعينَ مُبْصِرِينَ لما أُمِرُوا
بِهِ وَنُهُوا عَنْهُ.
ودليل ذَلك قوله: (وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا).
ومثل هذا من الشعر قوله:
بأَيْدِي رِجالٍ لم يَشِيمُوا سُيوفَهُمْ. . . ولم تَكْثُر القَتْلَى بها حِينَ سُلَّتِ
стр. 1438
تأويله: بأيدي رِجَال شَامُوا سُيُوفَهُمْ وقد كثرت القَتْلَى، ومعنى يشيموا
سُيُوفَهُمْ يَغْمِدوا سُيُوفَهُمْ.
فالتأويل: والَّذِينَ إذَا ذُكِرُوا بآيات رَبِّهِمْ خرُّوا سَاجدِينَ مُطِيعِينَ.
* * *
وقوله : (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (٧٤)
(وَذُرِّيَّتِنَا)
ويقرأ (وَذُرِّيَّاتِنَا) - سألوا أن يُلْحقَ اللَّهُ بهم ذُريَتَهُمْ في الجنةِ، وأن يَجعَلَ
أَهلَهُمْ تِقر بِهِمْ أَعْيُنَهُم.
(واجْعَلْنَا لِلْمتقِينَ إمَاماً).
أي واجْعلنا ممن يَهتَدِي به المتقُون، وَيهْتدِي بِالمتَقِينَ.
* * *
وقوله: (قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا (٧٧)
أي لولا توحيدكم إياهُ.
وجاء في التفسير (مَا يَعْبَأُ بِكُمْ) مَا يَفْعَل بِكُمْ
وتأويل (مَا يَعْبَأُ بِكُمْ) أي: أيُّ وَزْنٍ يكون لكم عنده، كما تقول: ما عبأتُ بفلانٍ أي ما كان له عندي وزْن ولا قَدْرٌ.
وأصل العِبْء في اللغَةِ الثقْلُ، ومن ذلك عَبأتُ المتاعَ جَعَلتُ بعضَه على بعض.
وقوله: (فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا).
جاء في التفسير عن الجماعة أَنه يُعْنَى به يومُ بَدْرٍ، وجاء أنه لُوزِمَ بين
القَتْلَى لزاماً.
وقُرِئَتْ (لَزَاماً)، وتأويله - واللَّه أعلم - فسوف يكون تَكْذِيبكمْ
لزاماً، يلزمكم فلا تعطون التوْبَةُ وتلزمكم العُقُوبَةُ، فيدخل في هذا يوم بدْرٍ.
وغيرُه مما يَلْزَمُهم من العذاب.
وقال أبو عبيدة: لزاماً فَيْصَلاً، وهو قريب مِما قُلْنَا، إِلا أن القول أشرَحُ.
وأنشد أبو عبيدة لصَخْرٍ أخي الهُذَلِي.
стр. 1439
فإِمَّا يَنْجُوَا من حَتْفِ أَرْضٍ. . . فقد لَقِيا حُتوفَهما لِزاماً
وتأويل هذا أن الحتفَ إذا كان مَقَدراً فهو لازم، وإن نجا من حَتْفِ مكان
لحِقَهُ في مَكَانٍ آخر لَازِماً له لزاماً.
ومَنْ قرأ (لَزاماً) بفتح اللام، فهو على مَصْدَر لَزِمَ لَزاماً (١).
стр. 1440
سُورَةُ الشُّعَرَاءِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله تعالى: (طسم (١)
قُرِئَتْ بإدغام - النون في الميم ووصل بعض الحروف ببعض، وقُرِئَتْ
طَسِينْ مِيمِ بتبيين النونِ، والوقف على النونِ.
ويجوز - ولا أعلم أَحَداً، قرأه - طَسِميماً - على أن يُجْعَلَ طسم اسما للسورَةِ بمنزلة قوله: خَمْسَةَ عَشَرَ، ولا تجوز القراءة به.
* * *
وقوله : (تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢)
فيه وجهان أَحَدُهُمَا على معنى أَنهم وُعِدُوا بالقرآن على لِسَانِ مُوسَى
فكان المعنى هذه آيات الكتاب الذي وُعِدْتُم به على لسان مُوسَى، وعلى
معنى هذه آيات الكتاب المبين.
وقد فَسَّرنا ذلك فِي أَول سُورةِ البَقَرةِ في قوله: (الم ذلك الكتاب).
* * *
وقوله: (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣)
قال أبُو عبيدةَ: معناه مُهْلِك نفسك، وقيل قاتل نَفْسَك، وهذا كقوله:
(فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (٦).
стр. 1441
وموضع أن النصبُ مفعول له، المعنى فلعلك قاتل نفسَكَ لتَركِهِم
الإيمان، فأعلمه اللَّه سبحانه أنه لو أراد أن ينزل ما يضطرهم إلى الطاعة لقدر
على ذلك ألا أنه تعبَّدهم بما يستوجبون به الثوابَ مع الإيمان.
وأنزل لهم مِنَ الآياتِ ما يتبينُ به لمن قَصْدُه إلى الحق فأمَّا لو أنْزَل على
كل من عَنَدَ عَنِ الحق عذاب في وَقْتِ عُنُودِهِ لَخَضَعَ مضْطَرًّا، وآمن إيمان من
لا يَجِدُ مَذهبا عن الِإيمان.
* * *
وقوله تعالى: (إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ (٤)
معناه فتظَل أَعْنَاقُهُمْ، لأن الجزاء يقع فيه لفظ الماضي في معنى
المستَقْبَلِ تقول: إنْ تَأتِني أَكْرَمتُكَ، معناه أكْرِمْك، وإن أتيتني وأحْسَنْتَ معناه وتُحسنُ وَتُجْمِلُ.
وَقال (خَاضِعِينَ) وذكر الأعناق لأن معنى خُضوع الأعْنَاقِ هُوَ خضوعُ
أصحاب الأعناق.
لَما لم يكن الخُضُوعُ إلا لِخُضُوعِ الأعْنَاقِ جاز أن يُعَبَّر عن
المضافِ إليه كما قال الشاعر:
رأَتْ مَرَّ السِّنين أَخَذْنَ منِّي كما أَخَذ السِّرارُ من الهِلالِ
لَمَّا كانت السنُونَ لا تكون إلا بِمَرٍّ أخبر عن السنينَ وإن كان أضاف
إليها المُرُور، وَمِثلُ ذلك أَيْضاً قول الشاعر:
стр. 1442
مَشَيْنَ كما اهتزَّتِ رماحٌ تسفَّهَتْ. . . أَعَالِيَها مَرُّ الرِّياحِ النَّواسِم
كأنَّه قال تسفهتها الرياح، لما كانت - الرياح لا تكون إلا بالمرور.
وجاء في التفسير " أعْنَاقُهم " يُعنى به كبراؤهم ورؤساؤهم، وجاء في اللُّغَةِ أَعْنَاقُهُمْ جَمَاعَاتهم، يقال: جاء لي عُنقٌ من الناس أَيْ جَمَاعَة وذكر بَعْضُهُمْ وجهاً آخَر، قالوا: فظلًتْ أَعْنَاقُهُم لَهَا خَاضِعِينَ هُمْ، وأضَمَرُهم.
وَأَنْشَدَ
ترى أَرْباقَهم مُتَقَلِّديها كما. . . صَدِئ الحَدِيدُ عن الكُماةِ
وهذا لا يجوز في القرآن، وهو على بَدلِ الغَلَطِ يجوز في الشِعْرِ، كأنه
قال: يرى أرباقهم يرى متقلِّديها، كأنَّه قال: يرى قوماً متقلدين أَربَاقَهُم فلو
كان على حذف هم لكان مما يجوز في الشعر أَيضاً (١).
* * *
وقوله : (فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ (٦)
أنباء: أخبار.
المعنى فَسَيعلمون نبأ ذلك في القِيامَةِ.
وجائز أن يعجل لهم بعض ذلك في الدنيا نحو ما نالهم يَوم بَدْرٍ.
* * *
وقوله: (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (٧)
معنى زوج نوع، ومعنى كريم محمود فيما يحتاج إليه، كمعنى من كل
زوج نافع لا يقدر على إنبانه وإنشائه إلا ربُّ العَالَمِين.
ثم قال: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٨)
стр. 1443
دليلًا على أن اللَّه واحد وأن المخلوقات آياتٌ تدُلُ عَلَى أن
الخالق واحدٌ ليس كمثله شيء.
وقوله: (وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مؤمِنِينَ).
معناه وما كان أكثرهم يؤمن، أي علم اللَّه أَن أَكثَرهم لا يؤمنُونَ أَبداً كما
قال: (ولَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أعْبُدُ) أي لستم تعبدون ما أعبُدُ الآن
(ولا أنتم عابدونْ ما أعْبُدُ) فِيمَا يُسْتَقْبل، وكقوله في قصة نُوح ﵇: (أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ)، فأعلمه أن أكثر هم لَا يُؤمِنُونَ.
* * *
وقوله: (وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠)
موضع (إِذْ) نصبٌ، على معنى. . وَاتْلُ هذه القصةَ فيما تَتْلُو.
ودليل ذلك قوله عطفاً على هذه القصة: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نبأ إبْرَاهِيمَ).
* * *
وقوله: (وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ (١٣)
بالنصْبِ والرفْعِ، فمن رفع فعطف على أَخَاف، على معنى إني
أخاف. ويضيقُ صدري.
وَمَن نَصَبَ فعطفً على أن يكذِبُونِ، وأن يضيق صدري وأن لا ينطلق لساني.
والرفع أكثر في القراءة.
وقوله تعالى: (فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ).
أي ليعينني وُيؤازِرَني على أمري، وَحُذِفَ لأن في الكلام دليلاً
عليه.
* * *
قوله تعالى: (وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (١٤)
стр. 1444
يعني بالذنب الرجُل الذي وَكَزهُ فقضى عليه، إني أَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِي بقتلي إياهُ.
* * *
(قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (١٥)
كَلَّا: ردع وزجر عن الإقامة على هَذَا الظنِّ، كأنَّه قال: ارْتَدع عن هذا
الظنِّ وَثقْ باللَّهِ.
* * *
وقوله : (فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦)
معناه إنا رِسَالَةُ رَبِّ العالمين، أي ذوو رسالة رب العالمين.
قال الشاعِرُ:
لقد كَذَب الواشُون ما بُحتُ عندهم. . . بسِرٍّ ولا أَرْسَلْتهم برَسُول
* * *
وقوله سُبْحَانَه: (أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٧)
موضع (أن) نَصْبٌ، المعنى أُرْسِلْنا لترسل - أي - لأنْ تُرْسلَ معنا بني إسرائيل.
* * *
(قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (١٨)
أي مولوداً حين وُلدْتَ.
(وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ).
ويجوز من عُمْرِكَ بإسكان الميم، ويجوز من عَمرِك بفتح العَيْنَ، يقال:
стр. 1445
هو العُمْر والعُمُرُ والعَمْر في عُمْر الإنْسانِ، فأمَّا في القَسَمِ فلا يجوز إلا
" لَعَمْرُ اللَّهِ " لا غير - بفتح العين.
ذكر سيبويه والخليل وجميع البصريين أن القسَمَ مفتوح لا غَيْر.
فاعْتَدَّ فرعون على موسى بأنه ربَّاه وَليداً منذ وُلدَ إلى أَنْ كَبِرَ.
* * *
وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (١٩)
وقرأ الشعبي (فِعْلَتَكَ) - بكسر الفاء -
والفتح أجود وأكثره لأنه يريد قتلت النفس قَتْلَتَكَ على مذهب المرةِ الواحدة، وقرأ الشعبي على معنى وقتلت القِتْلَةَ التي عرفتها، لأنه قتله بوكزةٍ، يقال: جَلَسْتُ جَلْسَة تُرِيدُ مَرةً واحدة، وجَلَسْتُ جِلْسَةً - بالكسر تريد هيئة الجلوس.
(وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ).
فيه وجهان:
أحدهما من الكافرين لنعمتِي، والآخر وأنت من الكافرين بقتلك الذي قتلت فنفى موسى ﷺ الكفر واعترف بأن فعله ذلك جهلٌ فقال: (قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (٢٠)
أي من الجاهِلِينَ، وقد قرئت: وأنا من الجاهلين.
* * *
وقوله : (فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢١)
(فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا)
يعنى التوراة التي فيها حكم اللَّه.
* * *
وقوله تعالى: (وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (٢٢)
أخرجه المفسرون على جهة الإنكار أنْ تكون تلك نِعْمة، كأنَّه قال فأيَّةُ
نعمةٍ لك عليَّ في أَنْ عَبَّدْتَ بني إسرائيل.
واللفظ لفظ خبر، والمعنى يخرج
стр. 1446
على ما قالوا على أن لفظه لفظ الخبر وفيه تبكيتٌ للمخاطب كأنَّه قال له: هذه نعمة أَن اتخذت بني إسرائيل عبيداً على جهة التبكيت لِفِرْعَوْنَ، واللفظ
يوجب أن موسى ﷺ قال: هذه نِعْمَة لأنك اتخذت بني إسرائيل عبيداً ولم تتخذني عَبْداً.
ويقال: عَبَّدْتُ الرجُلَ، وَأَعْبَدْتُه، اتخذته عَبْداً.
وموضع (أن) رفع على البَدَلِ من نعمةٍ، كأنَّه قال: وتلك نِعمة تَعَبُّدُكَ بني إسرائيل وتركك إياي غير عَبْدٍ.
ويَجُوزُ أن يكون " أَنْ " في موضع نَصْبٍ، المعنى إنما صارت
نِعْمَة على لأن عَبَّدْتَ بَنِي إسْرَائيل. أي لو لم تفعل ما فعَلْتَ لكفلني أهلي
ولم يَلْقُوني في اليمِّ، فإنما صارت نِعْمَةً بما فَعَلْتَ من البلاء.
وقال الشاعر في أَعْبَدْتُ اتخذتُ عَبْداً:
عَلامَ يُعْبِدُني قَوْمي وقد كَثُرَت. . . فيهمْ أَباعِرُ ما شاؤوا وعِبْدانُ؟
(١)
* * *
وقوله : (قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣)
فأجابه موسى ﷺ بما هو دليل على اللَّه - جلَّ وعزَّ - بما خلق مما يعجز المخلوقون عن أن يأتوا بمثله فقال:
(رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٢٤)
فتحيَّر فرعونُ ولم يَرْدُدْ جَوَاباً يَنْقُضُ به هذا القول، فقال لمن حوله: (ألَا
تَسْتَمِعُونَ).
فزاده موسى في البيان فقال: (رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٢٦)
стр. 1447
فلم يجبه أيضاً، فقال: (إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (٢٧)
فقال موسى زيادة في ال*بانة:
(قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (٢٨)
فلم يجبه في هذه الأشْياء بنقض لحجته.
* * *
(قَالَ لَئِنِ ائخَذْتَ إِلهَا غَيْري لأجْعَلَنك مِنَ المَسْجُويخينَ).
فزاده في البيان واحتجَّ بما شاهده هو والملأ من حوله:
(قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (٣٠) قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣١) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (٣٢)
والثعبان الكبير من الحيَّات.
فإنْ قال قائل: فكيف جاء، فإذا هِي ثعبان مبين.
وفي موضع آخَرَ (تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ)، والجانُّ الصغيرُ من الحيَّاتِ؟
فالجواب في هذا مما يَدُل على عِظم الآية، وذلك أن خَلقَها خلقُ الثعبان
واهتزازُها وحركتها وخفتُها كاهتزاز الجَانِّ وخِفتِه.
* * *
(وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (٣٣)
نَزَعَ يده من جيبه فأخرجها بيضَاءَ بَيَاضاً نُوريًّا، مِنْ غَيْرِ سوءٍ من
غير بَرَص، فلم يكن عنده دفع لما شَاهَدَهُ إلا أَن قال: إن هذا سحر فَقَالَ
(لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (٣٤).
فجعل الآية المعجِزَة سحراً، ثم استكانَ وخضع للذين هم من أتباعه
فقال:
стр. 1448
(يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (٣٥) قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٣٦)
(أَرْجِهْ)
بكسر الهاء وضمها، وبالياء والواو أرْجِهي وأَرْجِهُو وأَخَاه.
(وابْعَثْ فِي المَدائِن حَاشِرِينَ).
فمعنى: أرْجِهُ " أخِّرْهُ، وجاء في التفسير احْبسْهُ وأخاه، والمعنى -
واحِدٌ، وتأويله أخره عن وقتك هذا وأخرْ اسْتِتْمامَ مُنَاظَرتِه إلى أن يجتمع لك
السَّحَرةُ.
* * *
وقوله: (فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٣٨) وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ (٣٩)
فغنيٌّ عن أن يقول فبعث فجمع السَّحرة.
* * *
وقوله: (قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٢)
أي لكم مع أجْرَتِكم وجزائكم على غلبتِكُمْ موسى إن غلبتموه مع
الفائدة، القربى والزلْفَى عندي.
ويقرأ (أئن لنا لأجراً) على جهة الاستفهام.
ويجوز إن لنا لأجراً - على غير الاستفهام.
وعلى جهة الثقَةِ مِنْهُمْ به، قَالُوا إن لَنَا لأجْرًا).
أي إنك مِمن يَحْبُونا وَيُجَازِينَا.
* * *
(فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ (٤٤) فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (٤٥)
أي مما جَمَعُوا من كيدهم وعِصِيِّهمْ.
ورُوِي عَنْهُمْ أنهم كانوا
стр. 1449
اثني عشر ألف ساحر (١)، فنُصِرَ موسى ﵇ أكثرَ ما كانَ السحرُ وأَغْلَبُه على أَهْل ذلك الدهر، وكانت آيتُهُ آيةً باهرةً من جهتين:
إحداهما أنه أتى بما يعجِزُ عنه المخلوقون.
والثانية أن السحرة، وعَدَدُهم هذا العَدَدُ أُلْقُوا سَاجِدينَ.
* * *
(قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٧)
فَسَلَّمُوا الأمْر للهِ وتبينَ لهم ما لا يُدْفَعُ.
وكذلك بعث النبي ﷺ أشعرَ ما كانت العرب وأخطب ما كنت وأبلغ ما كانت، فدعاهم إلى الإيمان باللَّهِ مع الآيات التي أتى بها النبي ﷺ وبالقران الذي دعاهم إلى أن يأتوا بسورَة مِثله فعجزوا عن الإتيان بسورة مثله.
ويروى أيضاً أن السَّحَرَةَ كانوا تسعَة عَشَرَ ألْفاً.
وقوله: (قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (٤٩)
(فَلَسَوْفَ تَعْلَمونَ).
اللام دخلت على سوف بمعنى التوكيد، ولم يُجِزِ الكوفيون: إن زيد
لَسَوفَ يَقوم، وقد جاء دخول اللام على سوف، وذلك أن اللام مُؤَكِدَةً.
* * *
وقوله : (لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ).
ْوروي في التفسير أن أول من قطع وصَلَّب فرعونُ.
* * *
(قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (٥٠)
أي لا ضرر علينا فيما ينالنا في الدنيا مع أملنا للمغفرة.
* * *
وقوله : (إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ (٥١)
стр. 1450
بفتح " أن " أي لأنْ كنا أول المؤمنين، وزعم الفراء أنهم كانوا أوّل مُؤمِني
أهل دَهْرهِمْ، وَلاَ أحسبه عرف الرواية فِي التفسير لأَنه جاء في التفسير أن الذين كَانُوا مَعَ موسَى ﵇ ستمائة ألف.
وقيل ستمائة ألف وسبعون ألفاً.
وإنما معنى (أنْ كُنَّا أوَّلَ المؤمِنين).
أي أول من آمن في هذه الحال عند ظهور آية موسى حين ألقوا حبالهم وعصيهم واجتهدوا في سِحْرِهم.
ويقال: لا ضير ولا ضَوْرَ، في معنى لا ضرَّ ولا ضَرَرَ.
* * *
وقوله: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٥٢)
يقال: أسرى يُسْري إذا سار لَيْلاً، وَسَرَى يَسْرىْ، قيل هو في معنى أسْرَى يُسْري أيضاً.
* * *
وقوله: (فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٥٣)
أي أرسل من جمع له الجيش، معناه فجمع جمعَه، فقال:
إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (٥٤)
والشرذمة في كلام العرب القليل.
يُروى أن هؤلاء الذين سَمَّاهُمْ شرذمةً كانوا ستمائةِ أَلْفٍ وسَبْعينَ ألفا، وكانت مقدمَةُ فرعون سبعمائة ألف كل رَجُل منهم على حِصَانٍ، وعلى رأسه بيضة، فاستقل من مع موسى ﵇ عند كثرة جمعه.
وقال " قليلون " فَجمعَ " قَلِيلاً " كما يقال: هؤلاء واحدون
فيجمع الواحد، كما قال الكميت:
فقد رَجَعُوا كحيٍّ واحِدِينا
* * *
وقوله: (وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (٥٥)
стр. 1451
يقال قد غاظني فلان، ومن قال أغاظني فقد لَحَن.
* * *
وقوله: (وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ (٥٦)
ويقرأ: حَاذِرُون، وجاء في التفسير أن معنى حَاذِرُون، مُؤْدُونَ.
أي ذَوُو أداة، أي ذَوُو سِلَاح والسلاح أداة الحرب، فالحاذر المستعذ، والحذِرُ المتيقِظُ.
* * *
وقوله تعالى: (فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (٦٠)
أي في وقت شروق الشَمس، يقال أشرقنا أي دَخَلْنَا في وقْتِ طلوع
الشمس، ويقال شرقت الشمْسُ إذا طلعت، وأشرقَتْ إذا أضاءت وصَفَتْ، وأشرقنا نحن دخلنا في الشروق.
* * *
وقوله: (فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١)
أي لمَّا واقف. جمعُ موسى جمعَ فرعونَ وكان أصحاب موسى قد خَرجُوا ليلاً، فقال أصحابُ مُوسى: (إنا لَمُدْرَكُونَ) أي سيُدْرِكُنَا جَمعُ فرعَوْنَ هذا الكثيرُ، وَلَا طاقة لَنَا بِهِمْ.
* * *
(قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢)
أي قال موسى كلا أي ارتدعوا وازدجروا نجليس يدركوننا.
* * *
وقوله : (فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (٦٣)
أي كُل جزءٍ تَفَرقَ مِنْهُ.
(كالطوْدِ العَظِيم).
أي كالجبل العظَيم.
* * *
وقوله: (وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ (٦٤)
стр. 1452
أي قَربْنَا ثَمَّ الآخرين مِنَ الغَرقِ، وهم أصحاب فرعون -
وقال أبو عبيدة: أَزْلَفْنَا جمعنا ثَمَّ الآخرين.
قال ومن ذلك سميت مُزْدَلفة جمعاً.
وكلا القولين حسن جميل، لأن جمعهم تقريب بَعْضِهِم من بَعْض
وأصل الزلْفَى في كلام العرب القرْبَى.
* * *
قوله تعالى (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (٦٩)
ْمعناهُ خَبَرَ إبْراهيم.
* * *
وقوله: (قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ (٧١)
معناه مقيمين على عِبَادَتِها.
* * *
وقوله: (قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢)
إن شئت بَيَّنْتَ الذال، وإنْ شِئْتَ أَدْغَمْتَها في التاء فجعلتها تَاء
فقلت (إتدْعُونَ)، وهو أجود في العربية لقرب الذال من التاء.
ويجوز إذدُعونَ، ولم يُقْرأ بها كما قال مُذكِر، وأصله مُذْتَكِرْ.
* * *
وقوله: (فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (٧٧)
قال النحويون: إنهُ اسْتِثناء ليس من الأول، أي لكن رب
العالمين، ويجوز أن يكونوا عبدوا مع اللَّه الأصنام وغيرها، فقال
لهم: أن جميع من عَبَدُتُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ؛ لأنهم سوَّوْا آلهتهم
باللَّهِ فأعْلَمَهُمْ أنه قد تبرأ مما يَعْبُدونَ إلا اللَّهَ فإنه لم يَتَبرأ من عبادته.
* * *
وقوله: (وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (٨٢)
جاء في التفسير أن خطيئته قوله: إن سَارَّة أُخْتي، وقوله بل فعله
كبيرهم هذا فَاسْألُوهُمْ.
стр. 1453
وقوله: (فَقَالَ إني سَقِيمٌ).
وقد بينَّا معنى قوله: (بل فعله كبيرهم هذا).
ومعنى خطيئتي أن الأنبياء بَشَر، وقد يجوز أن يقع عليهم
الخطيئة إلا أنهم صلوات الله عليهم لا تكون منهم الكبيرة لأنهم
مَعْصُومون مُخْتَارُون على العالمين كل نبي هو أفضل من عالم أهل
دَهْرِه كُلِّهِمْ.
* * *
قوله: (وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤)
معناه اجعل لي ثناء حسناً باقياً إلى آخر الدهر.
* * *
وقوله: (وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (٩٠)
معناه قُربَتْ، وتَأويله أنه قرب دخولهم إياها، ونظرهم إليها.
* * *
قوله: (وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ (٩١)
أي أظْهرت لِلضَّالينَ، والغَاوي الضال.
* * *
وقوله: (فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (٩٤)
أي في الجحيم، ومعنى كُبْكِبُوا طُرِحَ بعضُهم على بعْض.
وقال أهل اللُّغَةِ معناه دُهْوِرُوا (١)، وحقيقة ذلك في اللغة تكرير الانكباب كأنَّه
إذا أُلقِيَ يَنْكَبُّ مرةً بعد مرةٍ حتى يسْتَقِر فيها يَسْتَجِيرُ باللَّهِ منها.
* * *
وقوله: (تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨)
معناه واللَّه ما كنَا إلَّا في ضلالٍ مبين حيث سويناكم باللَّهِ - عز
وجل - فأعظمناكم وعبدناكم كما يُعْبَدُ اللَّهُ.
стр. 1454
وقوله : (كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥)
ْدَخَلَتْ التاء وقوم نوح مُذَكَرونَ، لأن المعنى كذبت جماعَةُ قَوْمُ
نوح، وقال المرسلين، ويجوز أَنْ يكُونُوا كذَبُوا نوحاً وحْدَه، ومن كذب
رَسُولاً واحِداً من رسل اللَّه فقد كذَّب الجماعة وخالفها، لأن كل رسول
يأمر بتصديق جميع الرسل، وجائز أن يكونَ كذبَتْ جميع الرسُلِ.
* * *
وقوله: (إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٠٦)
وقيل (أَخُوهُمْ) لأنه منهم، وكل رسول يأتي بلسان قَوْمِه ليوضع
لهم الحجةَ ويكون أَبْينَ لهم.
* * *
وقوله: (قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (١١١)
ويقرأ (وأتْباعُكَ الأرْذلون*، وهي في العربية جَيِّدةٌ قَويَّة لأن واو
الحال تصحبُ الأسماءَ أكثَر في العربية، لأنك تقول: جئتُكَ
وَأَصْحَابُكَ الزيدُونَ، ويجوز: وَصَحِبَك الزيْدُونَ، والأكثر جئتك وَقَدْ
صَحِبَكَ الزيدون، وقيل في قوله: الأرْذَلُون: نسبوهم إلى الحياكةِ
والحجامَةِ، والصناعات لا تَضُرُّ في باب الدِّيَانَاتِ.
* * *
وقوله: (قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (١١٦)
أي بالحجارة.
* * *
وقوله: (فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١١٩)
واحدها فَلَك وجمعها فُلْك، وزعم سيبويه أنه بمنزلة - أَسَدٍ
وَأُسْدٍ، وقياس فُعْل قياس فَعَل، أَلا ترى أنك تقول قُفْل وإقفال
وجمل وأجمال، وكذلك أَسَدٌ وأُسْدٍ وآسَادٍ، وفَلَك وفُلْك وأَفْلَاك في
الجمع - والمشحون المملوء، يقال شحنته أي ملأتُه.
стр. 1455
وقوله : (أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (١٢٨)
يقرأ رِيع ورَيْع - بكسر الراء وفتحها - وهو في اللغة الموضعُ
المرتفع من الأرض ومن ذلك كَمْ رَيْعُ أَرْضِكَ، أي كم ارتفاع أرْضِكَ.
جاء في التفسير: (بِكُلِّ رِيعٍ) كل فجٍّ والفَجُّ الطريق المُنْفَرِجُ في
الجبل، وجاء أيضاً بِكل طريق.
وقوله (آية) عَلَامَةً.
* * *
وقوله: (وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (١٢٩)
واحد المصانع مَصْنَعة وَمَصْنَع، وهي التي تتخذ للماء، وَقِيلَ
مَبَانٍ ومعنى (لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ) أي لِأنْ تَخْلدوا، أَيْ وتتخذون مباني
للخلودِ لا تتفكرون في الموتِ.
* * *
وقوله: (وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (١٣٠)
جاء في التفسير أَن بطْشَهم كانَ بالسَّوطِ والسَّيْفِ، وإنما أنكر ذلك
عليهم لأنه ظلم، فأمَّا في الحق فالبطش بالسوط والسيف جائز.
* * *
وقوله : (وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ (١٤٨)
الهضيم: الداخل بعضه في بعض، وهو فيما قيل أن رُطبَهُ بغير
نوًى، وقيل الهضيم الذي يَتَهشمُ تَهَشماً.
والهضيم في اللغة الضامِرُ الداخل بعضه في بعض ولا شيء في الطلع أبلغ من هذا.
* * *
وقوله: (وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ (١٤٩)
(فَرِهِين).
جاء في التَفسير أَشِرِين وجاء في التفسير فَرِحِين، وقرئت (فَارِهين)
ومعنى فَارِهين حاذقين.
و" فرهين " منصوب على الحال.
* * *
وقوله: (قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٥٣)
стр. 1456
أي مِمن له سَحْر، والسحْرُ الرِّئةُ، أي إنما أَنْتَ بَشَر مِثْلُنَا.
وجائز أن يكون (مِنَ الْمُسَحَّرِينَ) من المفَعَّلِينَ من السحْر أي ممن قد سُحِرَ
مرة بعد مَرة.
* * *
وقوله: (إِنْ هَذَا إِلَّا [خَلْقُ] الْأَوَّلِينَ (١٣٧)
ويقرأ (خُلُقُ الأولينَ)، فمن قرأ خُلُق الأولِين بِضَمِ الخَاءِ فمعناه
عادَةُ الأولين، ومن قرأ خَلْقُ بفتح الخاء، فمعناه اخْتِلاقُهُمْ وَكَذِبُهُمْ.
وفي (خَلْقُ الأولين) وجه آخر، أي خُلقْنَا كما خُلِقَ من كان قَبلَنَا، نحيا
كما حَيُوا، ونموتُ كما ماتوا وَلَا نُبْعَثُ، لأنَّهُمْ أنكروا البعث.
* * *
وقوله: (فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١١٨).
معناه احكم بيني وبينهم حكماً، والقاضي يسمى الفَتَّاحُ مِن هذا.
* * *
قوله : (كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦)
الأيكةُ الشجر الملتَف، ويقال أيكة وَأَيْك، مثل أجَمَة، وأَجَم
والفصل بين واحده وجمعه الهاء. ويقال في التفسير إن أصحاب
الأيكة هؤلاء كانوا أصحاب شجر مُلْتَف، ويقال إن شجرهم هو الدَّومُ.
والدَّوْمُ هو شجر المُقْلِ.
وأكثر القراء - على إثبات الألف واللام في الأيكة، وكذلك يَقرأ أبو عمرو وأكثر القرَّاءِ، وقرأ أهل المدينة أصحابُ لَيْكة مفتوحة اللام، فإذا وَقَفَ - على أَصْحَاب، قَالَ ليكَة المرْسَلِين.
وكذلك هي في هذه السورَةِ بغير ألف في المصحف، وكذلك أيضاً في
سورة (ص) بغير ألف وفي سَائِر القرآن بألف.
ويجوز وهو حسن جدًّا:
" كذَبَ أصحاب آلأيكة المُرْسَلِينَ " بِغَيْر ألف في الخطَ - على الكسر - على
стр. 1457
أن الأصل الأيكة فَألْقِيتِ القمْزَ فقيل لَيْكَةِ، والعرب تقول الأحمر
جاءني، وتقول إذا أَلْقَتْ الهمزة لَحْمَرُ جاءَ في بفتح اللام وإثبات ألف
الوصل، ويقولون أيضاً: لاحْمر جاءني يُرِيدُون الأحمر؛ وإثبات الألف
واللام فيهما في سائر القرآن يدل على أنَّْ حَذْفَ الهمزة منها التي هي
ألف الوصل بمنزلة قولهم لاَحمر.
قال أَبُو إسْحَاق: - أعني إن القَراءَةَ بِجر لَيْكَةِ، وأنت تريد الأيكَةِ
واللام، أجود من أَنْ تَجْعَلَها لَيْكة، وأنت لا تقدِّرُ الألفَ واللامَ وَتَفتَحُها
لأنها لا تَنْصِرُفُ، لأن لَيْكة لا تعرفُ وَإنما هي أيكةُ للواحِد وأيك
للجمع، فأجود القراءة فيها الكسر، وإسقاط الفمزة لموافقة
المصحف، وأهل المدينة يفتحون على ما جاء في التفسير أن اسم
المدينة التي كانت للذين أرسل إليهم شُعَيبٌ ﵇ (لَيْكَةُ).
وكان أبو عُبَيدْ القاسم بن سلام يختار قِراءةَ أَهْلِ المدينة والفَتْحَ، لأن
لَيْكَة لا تنصرف، وذَكر أنه اختار ذلك لِمُوَافَقَتِها الكتاب مع مَا جَاءَ في
التفسير، كأنَّها تسمى المدينة الأيكة، وتسمَّى الغيضَةُ التي تَضَمُّ هذا
الشجَرَ الأيكة.
والكسر جَيِّدٌ على ما وصفنا، ولا أعلَمُه إلَّا قد قرئ
* * *
وقوله: (فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٨٩)
الظُّلَّة: سحابة أَظَلَّتْهُم، فاجتمعوا تحتَها مستجيرين بها مما
نالهم من حَرِّ ذلك اليوم ثُمَّ أَطْبقَتْ عَلَيْهِمْ فَكان من أعظم يوم في
الدنيا عَذَاباً.
(إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ).
стр. 1458
ولو كان في غير القرآن لجاز عَظيماً، والجر أَجْوَدُ كَمَا جَاءَ به
القرآنُ.
* * *
وقوله: (وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ).
وقرأ ابن مَسْعُودٍ " مَا أَصْلَحَ لَكُمْ رَبكُمْ من أزواجكم "
يعنى به الْفُرُوجُ، وعلى ذلك التفسير.
وذلك أَنَّ قومَ لُوطٍ كانوا يَعْدِلونَ في النساء عن الفروج إلى الأدْبَارِ، فأَعلم اللَّهُ أَنَّهُمْ بفعلِهم هذا عَادُونَ.
وعادون ظالمونَ غاية الظلْمِ.
ويروى أن ابنَ عُمَرَ سئل عن التحمِيضِ، فقال: أَوَ يفْعَل ذلكَ
المُسْلِمُون والتحميض فعل قوم لوط بالنّساء والرجال.
ومن أجاز هذا في النساء فمخطئ خطأ عَظِيماً.
* * *
قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ (١٦٨) رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ (١٦٩) فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٧٠) إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (١٧١)
وقوله: (قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ (١٦٨)
والقالي: التارك للشيء الكاره له غاية الكراهة.
وقوله: (إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (١٧١)
جاء في التفسير في الباقين في العذاب، والغابر في اللغة الباقي
وأنشدوا للعجاج.
فَمَا وَنى محمدٌ مُذْ أَنْ غَفَرْ. . . له الإِلهُ ما مَضَى وما غَبَرْ
стр. 1459
وأنشدوا للعجاجِ:
لا تَكْسَعِ الشَّوْلَ بأَغْبارِها. . . إَنَّكَ لا تَدْرِي مَنِ الناتِجُ
أغبارها ما بقي من اللبن في أخلاف الناقَةِ.
* * *
وقوله : (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤)
ويقرأ (نَزَّلَ بِهِ الرُّوحَ الْأَمِينَ)، المعنى نزل اللَّه به الروحَ الأمينَ.
والروح الأمين. جبريل ﵇.
وقوله: (عَلَى قَلْبِكَ).
مَعْنَاه نَزَل عَلَيِك فوعاه قَلْبُكَ وَثَبَتَ فلا تنساهُ أَبداً ولا شيئاً منه.
كما قال : (سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى).
* * *
وقوله: (وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (١٩٦)
تأويله واللَّه أعلم أن ذِكرَ مُحمدٍ ﵇ وذكر القرآن في زبُر
الأولين، والزُّبُر الكُتب، زَبور وَزبُر مثل قولك رَسول وَرُسل كما قال
الله : (يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ).
* * *
وقوله : (وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (١٨٤)
стр. 1460
(وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ).
عطف على الكاف والميم المعنَى اتَقُوا الَّذِي خَلَقَكُم وخلق
الْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ.
ويقرأ والجُبُلَّةَ بضم الجيم والباء، ويجوز: والجِبْلَة
الأولين والجُبلة الأولين.
فأمَّا الأوْلَيَانِ فالقراءة بهِمَا، وهاتان جائزتان.
* * *
قوله: (فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ)
- وكِسْفاً - يُقْرأ بهما جميعاً.
فمن قرأ كِسْفاً - بإسْكانِ السينِ - فمعناه جانباً، وَمَنْ قَرأ كِسَفاً
فتأويله قِطَعاً من السماء جمع كِسْفَة وكِسَف، مثل كِسْرة وكِسَر.
* * *
وقوله : (أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ
(١٩٧)
إذا قلت (يَكُنْ) فالاختيار نصب (آيَةً).
ويكونُ (أَنْ يَعْلَمَهُ) اسم كان ويكون (آيَةً) خبر كان، المعنى أو لم يكن عِلْم علماء بني إسرائيل أن النبي ﵇ حق وأنَّ نبوتَه حق آيةً؛ أي علامة موضِّحةً، لأن العُلمَاءَ الذين آمنوا من بني إسرائيل وجدوا ذكر النبي ﵇ مكتوباً عِنْدَهُمْ في التوراة والإِنجيل، كما قال اللَّه .
ومن قرأ (أَوَلَمْ تَكُنْ لَهُمْ آيَةٌ) - بالتاء - جعل " آية " هي الاسم.
و" أن يَعْلَمَه " خبر (يكن).
ويجوز أيضاً " أولم تَكُنْ لهم آيَةً " بالتاء ونصب آية
كما قال : (ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا).
ومثله قول لبيد:
فَمَضَى وقَدَّمَها وكانت عادةً. . . مِنه إِذا هِيَ عَرَّدَتْ إِقْدامُها
стр. 1461
فنصب (عادةً) وقد أنث (كَانَت) وهي للإقدام، لأن الاسم والخبر في
كان لشيء وَاحِد وقد جَاوَرَ الفعلَ لفظ التأنيث.
* * *
وقوله تعالى: (وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (١٩٨)
(الأعجمين) جمع أعجم، والأنثى عجماء، والأعجم الذي لا
يفصح، وكذلك الأعجمي، فأمَّا العَجَميُّ فالذي من جنس العَجَم.
أَفْصَحَ أو لم يفصح.
* * *
وقوله : (كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (٢٠٠)
أي سلكنا تَكذيبَهُم به في قُلُوبهم، جعل اللَّه
مُجازَاتَهُمْ أَنْ طَبَعَ على قلوبهم وَسَلك فِيها الشركَ.
(لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٢٠١)
أخبرِ أنه لما سلك في قلوبهم الشرك منعهم من الإيمان
* * *
وقوله : (فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٢٠٢)
معنى (بَغْتَةً) فجاءة.
* * *
وقوله: (وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ (٢٠٨) ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ (٢٠٩)
(ذِكْرَى) يكون نَصْباً ويكون رَفْعاً إلا أن الإعراب لا يظهر فيها لأن
آخرها ألف مَقْصُورَة، فمن نَصَبَ فعلى المصدَرِ ودَلّ عَلَيْه الِإنذارُ لأن
قوله: (إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ) معناه ألا لها مُذَكِرونَ ذكرى.
ويجوز أن تكون
стр. 1462
في موضع رفع على معنى إنْذَارُنَا ذِكْرَى، على خَبَرِ الابْتِداء، ويجوز
ذِكراً وما كنا ظالمين، مُنَوَّن ولا أعلم أَحَداً قرأ بها، فلا تقرأنَّ بها إلا أنْ
تثْبتَ بها رِواية صَحِيحَة، يقال: ذَكرْتُه ذِكرَى بألف التأنيث وذكرته ذِكْراً
وَتَذْكيراً وَتَذْكِرَةً وذَكْراً، وهو مِنِّي عَلَى ذُكْرٍ لاَ غَيْرُ.
* * *
وقوله: (وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠)
وقرأ الحسن الشَيَاطُونَ، وهو غَلَط عِنْدَ النحويين، ومخَالَفَة عند
القراء للمصحف.
فليس يجوز في قراءة ولا عند النحويين، ولو كان يجوز في النحْو، والمصحفُ على خلافهْ لم تَجُزْ عندي القراءةُ به.
* * *
وقوله: (إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (٢١٢)
لمَّا رُمُوا بالنجوم مُنِعُوا من السَّمْعِ.
* * *
وقوله عزَّ جل: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)
يُرْوَى في التفسير أنَّه لما نزلت هذه الآية نادى النبي ﷺ : يا بني عبد المطلب، يا بني هاشم، يا بني عبد مناف يا عباسُ عَمَّ النبي يا
صَفيَّةُ عَمَّةَ رسول اللَّه، إني لا أملك لكم من اللَّه شيئاً، سَلُونِي من
مَالِي ما شِئْتُم.
ويروى أَيْضاً أنه لما نزلت هذه الآية صَعَدَ الصفَا، وَنَادَى الأقربَ قالأقْرِبَ فخذاً فَخذاً.
* * *
وقوله : (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥)
تأويله: ألِنْ جَنَاحَكَ، أُمِرَ النبي ﷺ بإلانَةِ الجانب مَعَ مَا وَصَفَهُ اللَّه به من لين الخلق وتعظيم خُلُقِه فِي اللِّينِ وجميل الأخلاقِ.
فقال: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤).
стр. 1463
وقوله: (الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩)
أي المصلين.
* * *
وقوله: (هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١)
ثم أنبأ فقال: (تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢)
لأنه قال: (وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢).
ثم قال (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ). . و (ما تنزلت به الشيَاطِينُ) كالمتصِلِ بهذا، ثم أعلم أن الشياطين تَنَزَّلُ على كل أَفَاكٍ أثيم، أي على كل كَذَاب، لأنها كانت تأتي مُسَيْلِمَةَ الكذابَ وَغَيرَهُ من الكهَنَةِ فيلقونَ إليْهِم وَيَزيدُونَ أولئكَ
كَذِباً.
* * *
وقوله : (وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤)
ويجوز يَتْبَعُهُم - بالتشديد والتخفيف -.
والغاوونَ الشَيَاطِين في التفسير، وقيل أيضاً الغاوون من الناس، فإذا هجا الشاعِرُ بما لا يجوز، هَوِيَ ذلك قَوْم وأحبُّوه، وَهُمْ الغاوونَ، وكذلك إن مَدَح مَمْدوحاً بما ليس فيه أَحَبَّ ذَلِك قَوم وتابَعُوه فهم الغاوون.
* * *
وقوله : (أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥)
ليس يعنَى بِهِ أَوْدِية الأرْض، إنما هو مثل لقولهم وشعرهم، كما
تقول في الكلام: أنا لك في وادٍ وَأَنْتَ لي في وادٍ، وليس يُريدُ أنك في
وادٍ من الأرْضِ، إنما يريد أنا لَكَ في وادٍ مِنَ النفع كبيرٍ وأنت لي في
صِنْفٍ. والمعنى أنهم يَغْلُونَ في الذم والمَدْح، وَيُكَذِبُونَ. ويمدَحُ
الشَاعِرُ الرجلَ بِمَا لَيْسَ فيه، وكذلك الذمُّ فيَسبُّونَ، فذلك قوله:
стр. 1464
(فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (٢٢٦)
وهذا دليل على تكذيبهم في قَوْلِهِمْ.
ثم استثنى الشعراء الذين مَدَحُوا رسول اللَّه ﷺ وَرَدُّوا هجاءَ مَنْ هجاه وهجا المسلمين فقال:
(إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (٢٢٧)
أي لَمْ يَشْغلْهم الشِّعْرُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ولم يجعلوه هِمَّتَهُمْ.
إنَّمَا ناضَلُوا عن النبي ﷺ بِأيْديهم وَأَلْسِنَتِهِمْ، فَهَجَوْا من يستحق الهجاءَ وأحق الخلقِ بالهجاء من كذَّب رسول الله ﷺ وهجاه، فقال:
(إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا).
وجاء في التفسير أن الذين عُنُوا بـ (الذين آمنوا وعملوا الصالحات)
عبدُ اللَّه بنُ رواحة الأنْصَارِي وكعبُ بن مَالِك وحسَّانُ بن ثابت
الأنْصَارِي.
* * *
وقوله: (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ).
يعني أنهم ينقلبون إلى نار جهنم يُخلَّدون فيها.
و" أَيَّ " منصوبة بقوله (يَنْقَلِبُونَ) لا بقوله (وَسَيَعْلَمُ) لأن " أيًّا " وَسَائِرَ الاستفهام لا يعمل فيها مَا قَبلها.
стр. 1465
سُورَةُ النَّمْل
مكية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ (١)
قال ابن عباس (طس) اسم من أسماء الله تعالى أقسم به.
وقال قتادة إنه اسم من أَسْمَاءِ القرآن.
وقوله: (تِلْكَ آيَات الَقرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ).
معنى (تلك) أنهم كانوا وعدوا بالقرآن في كتبِهِمْ، فقيل لهم هَذِه
" تلك الآيات، التي وعِدْتمْ بِها، وقد فسرنا ما في هذا في أولِ سورة
البقرة
و" كتاب " مخفوض على معنى تلك آيات القرآن آيَات كِتَابِ مُبِينٍ.
ويجوز وكتَابٌ مبِينٌ، ولا أعلم أَحَداً قرأ بها، ويكون المعنىَ: تلك
آيات القرآن وذلك كِتابٌ مبينٌ.
* * *
وقوله: (هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢)
يجوز أن يكون (هُدًى) في موضع نَصْبٍ على الحال، المعنى:
تلكَ آيات الكِتابِ هَادِيةً وَمبشِرَةً.
ويجوز أن يكون في موضع رفع من جهتين:
إحداهما على إضمار هو هدى وبشرى، وإن شئت على البدل
من آيات على معنى تِلْكَ هدى وبشرى، وإن شئت على البدل من آيات
على معنى تِلْكَ هدى وَبشْرى.
وفي الرفع وجه ثَالِث حَسَنٌ، على أن
стр. 1466
يكون خَبراً بَعْدَ خَبَر، وهما جميعاً خَبر لـ تِلْكَ على معنى قولهم: هو
حُلْو حامض أي قد جمع الطعمين. فيكون خير تلك آيات وخبرها
هدى وبشرى، فتجمع أنها آيات وأَنَها هَادِية مُبَشِّرَة.
* * *
وقوله عزَّ جل: (إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ (٤)
أي جعلناجزاءهم على كفرهم أَنْ زَيَّنَا لهم مَا همْ فيه.
(فهم يَعْمَهُونَ).
أي يتحيرون، قال العجاج:
أَعْمَى الهُدَى بالجاهِلينَ العُمَّهِ
* * *
وقوله : (وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (٦)
أي يلقى إليك القرآنُ وَحْياً مِنْ عِنْد الله أَنْزَلَه بعلمه وَحِكْمَتِهِ.
* * *
وقوله : (إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٧)
مَوْضِعُ (إذْ) نَصْبٌ.
المعنى اذْكر إذْ قَالَ موسَى لأهْلِه، أي اذكر قِصةَ مُوسَى.
وَمَعْنى آنَسْت ناراً رأيت ناراً.
وقوله (أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ).
يقرأ بالتَّنْوين وبالإضافَةِ، فمن نَوَّنَ - جعل " قَبَس " من صِفَةِ
شِهَابٍ، وكل أبْيضَ ذي نورٍ فَهُو شِهَاب.
(وقوله : (لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ).
جاء في التفسير أنهم كانوا في شِتاءٍ، فلذلك احتاجوا إلى
الاصطلاء.
وقوله : (فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٨)
стр. 1467
فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٨)
أي فلمَّا جاء موسَى النارَ (نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا).
فموضع " أنْ " إن شئت كان نصباً وإن شئت كان رَفْعاً، فمن حكم
- عليها بالنصب فالمعنى نوديَ مُوسَى بأنَّه بورك مَن في النَّار.
واسم ما لم يُسَمَّ فاعله مضْمَر في (نودِيَ)
ومن حكم عَلَيْها بالرفْعِ، كَانَت اسم ما لم يُسَمَّ فاعله، أي نُودِيَ أَنْ بُورِكَ. وجاء في التفسير أَن (مَنْ في النار) ههنا نور اللَّه
(ومَن حولها) قيل الملائِكَة وقيل نور اللَّه.
وقوله: - (وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ).
معناه تنزيه اللَّه ﵎ عن السوء، كذلك جاء عن النبي ﷺ وكذا فسَّره أَهْلُ اللغَة.
* * *
وقوله: (وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠)
(فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا)
أي تتحرك كما يتحرك الجَانُّ حركةً خفيفةْ، وكانت في صورة
الثعبَانِ، وهو؛ العظيم من الحيات.
(وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ).
جاء في التفسير " لم يُعَقِبْ " لم يلتفت، وجَاءَ أيضاً لم يَرْجِعْ.
وأَهل اللغة يقولون لم يرجع، يقال: قَدْ عقَّبَ فُلان إذا رجع يُقَاتِل بَعْدَ
أَنْ وَلى.
قال لبيد:
حتَّى تَهَجَّرَ في الرَّواحِ وهاجَهُ. . . طَلَبُ المُعَقِّبِ حَقَّه المَظْلومُ
стр. 1468
وقوله : (إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ).
معناه لا يخاف عندي المُرْسَلُونَ.
* * *
وقوله: (إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١)
(إِلَّا) استثناء ليس من الأوَّلِ، والمعنى، واللَّه أعلم، لكن مَنْ ظَلَمَ
ثم تابَ من المرسلين وغيرهم، وذَلك قوله: (ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ).
* * *
وقوله : (وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (١٢)
المعنىْ أدخل يدك في جيبك وأخرجها تخرج بَيْضَاءَ مِنْ غير سُوء.
جاء في التفسير (مِنْ غَيْرِ سُوءٍ) من غير برص، وجاء أيضاً، أنه كانت عليه
مِدْرَعةُ صُوف بغير كُمَّين.
* * *
وقوله : (فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ).
" في " من صلة قوله: وَأَلْقِ عَصَاكَ، وأدخل يَدَك.
فالتأويل: وأظهر هَاتَيْن الآيتين في تِسْع آياتٍ وَتَأويله مِنْ بَيْن آيَاتٍ.
وجاء في التفسير أَنَّ التِّسْعَ كونُ يدِه بيضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ، وكونُ العَصَا حَيَّة وما أَصَابَ آل فِرْعَوْنَ من الجدْبِ فِي بَوَادِيهِمْ، وَنَقْصُ الثِّمَارِ مِنْ مَزَارِعِهمْ.
وإِرْسالُ الجَرادِ عَلَيْهم، والقُمَّل، والضَفَادِع، والدَّم والطُوفَان.
فهذه تِسْعُ آياتٍ.
ومثل قوله: (فِي تِسْعِ آيَاتٍ)، وَمَعْنَاه، مِنْ تِسْعٍ قَوْلهم: خُذْ لي
عَشْراً منَ الِإبل فيها فَحْلَانِ، المعنى منها فَحْلانِ.
* * *
وقوله: (فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣)
стр. 1469
أي واضحة، ويجوز مُبْصَرةً، ومعناها مُبَيَّنَة تُبْصَرُ وَتُرى.
* * *
وقوله : (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٤)
المعنى: وجحدوا بها ظَلْماً وعُلُوا، أي: تَرَفعاً عَنِ أَنْ يؤمِنُوا بما
جاء به مُوسَى ﵇.
فجَحَدَوا بها وَهم يَعلَمُونَ أَنها مِنْ عِنْد اللَّهِ.
* * *
وقوله عزَّ جل: (وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (١٦)
جاء في التفسير أنه وَرِثَه نُبُوتَهُ وَمُلْكَهُ، وَرُوِيَ أنه كان لداود تسعةَ
عشَرَ وَلَداً فورثه سُلَيْمَانُ من بينهم النبُوةَ والمُلْك.
وقوله: (وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ).
وجاء في التفسير أنه البُلْهُ مِنها.
وأحسبه - والله أعلم - مَا أَلْهَمَ اللَّهُ الطيرَ مما يُسَبِّحُهُ به، كما قال: (وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ).
وقوله: (وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ).
المعنى أوتينا من كل شيء يجوز أَنْ يُؤتَاهُ الأنْبِياءُ والنَّاسُ وكذلك
قوله: (وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) أي من كل شيء يؤتاه مِثْلُهَا وعلى هَذا
جرى كلام النَّاسِ، يقول القائل: قد قَصَدَ فلَاناً كل أَحَدٍ في حَاجَتِهِ.
المعنى قصده كثير من الناس.
стр. 1470
وقوله تعالى: (وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٧)
في اللغة يُوزَعُونَ يُكَفُّونَ، وجاء في التفْسِير يُكَف أَولُهُمْ ويحبَسُ
أَولُهُم عَلَى آخِرِهم.
* * *
(حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٨)
يروى أن وادي النمل هذا كان بِالشامِ، وأن نَمْلَ سُلَيْمَانَ عَلَيْه
السلاَمُ كان مثال الذُّبَاب.
(قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ).
جاء لفظ ادْخُلوا كلفظ ما يَعْقِل، يقال للناس: ادخلوا وكذلك
للملائِكَةِ والجنِّ، وكذلك دَخَلُوا، فإذا ذكرت النمل قلت: قَدْ دَخَلْنَ
وَدَخَلَتْ، وكذلك سائر ما لا يعقل، إلا أَنَّ النمل ههنا أُجْرِيَ مَجْرَى
الآدَمِيينَ حين نطق كما ينطق الآدَمِيونَ.
(لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ).
(لَا تَحْطِمَنَّكُمْ)
ويقرأ (لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ)، ولا تُحَطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ، ولا
يُحَطِّمَنَّكُمْ. جائزةٌ (١).
وقوله: (فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (١٩)
لأن أكثرَ ضحِكَ الأنبياءِ ﵈ التبسم.
وَ (ضَاحِكًا) منصوب، حال مُؤكَدَةٌ، لأن تبسَّمَ بمعنى ضحِكَ.
وقال: (رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ).
معنى (أَوْزِعْنِي) ألْهِمْني، وتأويله في اللغة كُفَّنِي عن الأشياء
стр. 1471
إلَّا عَنْ شُكْرِ نِعْمَتِكَ، أَي كُفني عما يباعِدُ مِنْكَ.
(وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ).
* * *
وقوله : (وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ (٢٠)
بفتح الياء وإِسْكانِها فِي مَالِيَ، والفتحُ أَجْوَد، وقد فسرنا ذلك.
وقوله (أَمْ كانَ مِنَ الغائبين) معناه بَلْ كان مِنَ الغائبين.
وجاء في التفسير أن سليمان ﷺ تفقد الهُدْهُدَ لأنه كان مهندسَ الماء، وكان سُلَيْمَانُ ﵇، إذا نَزَلَ بفلاةٍ مِنَ الأرْضِ عرف مقدار مسافةِ الماء من الهُدْهُدِ.
وقيل إنّ الهُدْهدَ يرى الماء في الأرْضِ كما يُرى الماءُ في الزُّجَاجَةِ.
* * *
وقوله : (لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢١)
رُوِيَ أن عذاب سلَيمَانَ - كان للطير - أن ينتفَ ريش جناح الطائر
ويُلْقَى في الشَمْسِ.
(أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ).
أي ليأتِينيَ بحجةٍ في غَيْبَتِه.
* * *
وقوله: (فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (٢٢)
ويقرأ فَمَكُثَ بضم الكاف وفَتْحِها، أي غَيْرَ وَقتٍ بَعِيد.
وقوله: (فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ).
стр. 1472
المعنى فجاء الهُدْهُدُ فسأله سُلَيمَانُ عن غَيبته، فقال أَحَطتُ بما
لم تُحِطْ بِه، وحذف هذا لأن في الكلام دليلاً عليه، ومعنى أَحَطْتُ
علمتُ شيئاً من جميع جهاته، تقول: أحطتُ بهذا علماً، أي علمتُه
كُلَّه لم يَبْقَ عليَّ منه شيء.
وقوله: (وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ).
يقرأ بالصرف والتنوين، ويقرأ من سَبَأَ - بفتح سَبأَ وحَذْفِ
التنوين، فأمَّا من لم يَصْرِف فيجعله اسم مَدِية، وأما من صَرَف، فذكر
قوم من النحويين أنه اسمُ رَجُل وَاحِدٍ، وذكر آخرُونَ أن الاسم إذَا لم
يُدْرَ ما هُوَ لم يُصْرَف، وأحد هذين القولين خطأ لأن " الأسماء حقهِا
الصرْفُ، فإذا لم يعلم الاسم للمذكر هو أو للمؤنثِ فحقه الصرْفُ حَتَّى
يُعْلَمَ أنه لا ينصرف، لأن أصل الأسماء الصرف، وكل ما لا ينصرف فهو
يُصْرَفُ في الشعر.
وأما الذين قالوا إن سبأ اسم رجل فغلط أيضاً لأن
سبأ هي مدينة تعرف بمأرب مِنَ اليَمَنِ بينها وبين صَنْعَاءَ ثلاثَةُ أَيام.
قال الشاعر:
مَنْ سَبَأَ الحاضِرِينَ مَأْرِبَ إِذْ. . . يَبْنُونَ مِنْ دُونِ سَيْلِها العَرِما
فمن لم يصرف لأنه اسم مدينة، ومن صرفه - والصرف فيه أَكثرَ
في القراءة - فلأنه يكون اسماً لِلْبَلَدِ فيكون مُذَكراً سُمِّيَ بِهِ مُذَكَّر فإن
صحت فيه رواية، فإنما هو أن المدينة سميت باسم رَجُل.
стр. 1473
وقوله: (إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (٢٣)
معناه وأوتيت من كل شيء تعطاه المُلُوكُ وَيؤتاهُ الناسُ، والعَرْشُ
سَرِير عَظِيم.
* * *
وقوله: (أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (٢٥)
ويقرأ أَلَا يسجدوا، فمن قرأ بالتشديد، فالمعنى وزَيَّن لهم
الشيطان أَعْمَالَهُمْ فصدهم أَلَّا يسجدوا، أي فَصَدهُمْ لِئَلا يَسْجُدُوا لله.
ومَوْضِع (أَنْ) نَصْبٌ بقوله فَصَدهُمْ، ويجوز أن يكون مَوْضِعهَا جرًّا وَإنْ
حُذِفَتِ اللامُ.
ومن قرأ بالتخفيف فَـ ألَا لِابْتِدَاءِ الكلام والتنبيه، والوقوف
عليه أَلَا يَا - ثم يستأنف فيقول: اسْجُدوا للَّهِ، وَمَنْ قرأ بالتخفيف فهو
موضع سَجْدَةٍ من القرآن ومن قرأ آلَّا يَسجُدُوا - بالتشديد - فليس
بموضع سَجْدة، ومثل قوله أَلاَ ياسْجُدوا بالتخفيف قول ذي الرُّمَّةِ.
أَلا يا أسْلَمِي يا دارَ مَيَّ عَلى البِلى. . . ولا زالَ مُنْهلاًّ بِجَرْعائكِ القَطْرُ
وقال الأخْطَلُ:
أَلا يَا اسْلَمِي يَا هِنْدُ هِنْدَ بَني بَدْرِ. . . تَحِيَّةَ مَنْ صَلَّى فُؤَادَكِ بالجَمْرِ
وقال العجاج
стр. 1474
يا دارَ سَلْمَى يا اسْلَمِي ثم اسْلَمِي بسَمْسَمٍ أَو عن يمين سَمْسَمِ
وإنما أكثرنا الشاهد في هذا الحرف كما فعل من قبلَنَا، وإنما
فعلوا ذلك لقلة اعتياد العَامَّةِ لدخول " يا " إلَّا في النِداء، لا تَكادُ العامةُ
تقُول: يَا قَدْ قَدِم زَيْد، ولا يا اذْهَبْ بِسَلام (١).
* * *
وقوله: (لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ).
كل ما خبأته فهو خبء، وجاء في التفسير أن الخبء ههنا القَطْرُ
من السمَاءِ، والنبات من الأرْضِ.
ويجوز وهو الوجه أَنْ يكون الخبء كل ما غاب، فيكون المعنى يعلم الغيب في السَّمَاوَات والأرْضِ.
ودليل هذا قوله تعالى: (وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ).
* * *
وفي قوله تعالى: (اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ (٢٨)
(أَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ) - خمسةُ أوْجه:
فاَلْقِهِي إليْهِم بإثبات الياء - وهو أكثر القراءة، ويجوز فألْقِهِ -
إلَيْهِمْ بحذف الياء وإثبات الكسرة، لأن أصله فألقيه إلَيْهِم.
فحذفت الياء للجزم، أعني ياء ألقيه، ويجوز فَاَلْقِهُو إليهم بإثبات الواو.
ويجوز فألقِهُ إليهم بالضمِّ، وحُذِفَتِ الواو، وقد قُرئ فألقِهْ إليهم
بإسكان الهاء، فأمَّا إثبات الياء فهو أَجْوَدُها فألقهي، فإن الياء التي
تسقط للجزم قَدْ سقطت قبل الهاء، لأن الأصل فألقيه إليهم، ومن
حذف الياء وترك الكسرة بعد الهاء فلأنَّهُ كان إذا أثبت الياء في قولك
أنا ألقيه إليهم كان الاختيار حذف الياء التي بعد الهاء.
وقد شرحنا ذلك في قوله (يُؤدِّه إِليك) شرحاً كافياً.
ومن قرأ (فألقِهو إليهم) ردَّه إلى أصله، والأصل إثبات الواو مع هاء
الإِضمار. تقول ألقيتهو إليك.
ومعنى قولنا إِثبات الواو والياء أعني في اللفظ ووصل الكلام، فإذا وقفت وقفت بهاء، وإذا كتبت كَتَبْتَ
стр. 1475
بهاء. ومن قرأ بحذف الواو وإثبَاتِ الضمةِ فذلك مثل حذف الياء
وإثبات الكسرة، ومَنْ أَسْكَنَ الهاءَ فغالط، لأن لهاء ليست بمجزومة
ولها وَجْه من القِياس، وهو أنه يُجْري الهاء في الوصل على حالها
في الوقف، وأكثر ما يقع هذا في الشعر أن تحذف هذه الهاء وتبقي
كسرة (١).
قال الشاعر:
فإنْ يَك غثاً أوسميناً فَإنَني. . . سأجعل عينيه لِنَفْسِهْ مَقْنَعاً
وقوله تعالى: (ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ)
فيه قولان:
قال بعضهم: كل هناه التقديم والتأخير، معناه اذهب
بِكِتَابي هذا فألقه إليهم فانظر مَاذَا يَرْجِعونَ ثم تول عنهم، وقال هذا
لأنَّ رجوعَه من عندهم والتولي عنهم بعد أن ينظر ما الجواب.
وهذا حسن، والتقديم والتأخير كثير في الكلام، وقالوا معنى (ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ)
تول عنهم مسْتَتِراً من حَيْث لا يَرَوْنَكَ، فانظر ماذا يردونَ مِنَ الجواب.
* * *
وقوله : (قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (٢٩)
فمضى الهدهد فألقى الكتاب إليهم فسمِعَها تَقول: (يَا أيها الملأ)
فحذف. هذا لأن في الكلام دليلًا عليه.
ومعنى (كِتَابٌ كَرِيمٌ) حَسَن ما فيه، ثم بَيَّنَتْ ما فيه فَقَالَتْ:
(إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣١)