إلَّا عَنْ شُكْرِ نِعْمَتِكَ، أَي كُفني عما يباعِدُ مِنْكَ.
(وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ).
* * *
وقوله : (وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ (٢٠)
بفتح الياء وإِسْكانِها فِي مَالِيَ، والفتحُ أَجْوَد، وقد فسرنا ذلك.
وقوله (أَمْ كانَ مِنَ الغائبين) معناه بَلْ كان مِنَ الغائبين.
وجاء في التفسير أن سليمان ﷺ تفقد الهُدْهُدَ لأنه كان مهندسَ الماء، وكان سُلَيْمَانُ ﵇، إذا نَزَلَ بفلاةٍ مِنَ الأرْضِ عرف مقدار مسافةِ الماء من الهُدْهُدِ.
وقيل إنّ الهُدْهدَ يرى الماء في الأرْضِ كما يُرى الماءُ في الزُّجَاجَةِ.
* * *
وقوله : (لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢١)
رُوِيَ أن عذاب سلَيمَانَ - كان للطير - أن ينتفَ ريش جناح الطائر
ويُلْقَى في الشَمْسِ.
(أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ).
أي ليأتِينيَ بحجةٍ في غَيْبَتِه.
* * *
وقوله: (فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (٢٢)
ويقرأ فَمَكُثَ بضم الكاف وفَتْحِها، أي غَيْرَ وَقتٍ بَعِيد.
وقوله: (فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ).
стр. 1472
المعنى فجاء الهُدْهُدُ فسأله سُلَيمَانُ عن غَيبته، فقال أَحَطتُ بما
لم تُحِطْ بِه، وحذف هذا لأن في الكلام دليلاً عليه، ومعنى أَحَطْتُ
علمتُ شيئاً من جميع جهاته، تقول: أحطتُ بهذا علماً، أي علمتُه
كُلَّه لم يَبْقَ عليَّ منه شيء.
وقوله: (وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ).
يقرأ بالصرف والتنوين، ويقرأ من سَبَأَ - بفتح سَبأَ وحَذْفِ
التنوين، فأمَّا من لم يَصْرِف فيجعله اسم مَدِية، وأما من صَرَف، فذكر
قوم من النحويين أنه اسمُ رَجُل وَاحِدٍ، وذكر آخرُونَ أن الاسم إذَا لم
يُدْرَ ما هُوَ لم يُصْرَف، وأحد هذين القولين خطأ لأن " الأسماء حقهِا
الصرْفُ، فإذا لم يعلم الاسم للمذكر هو أو للمؤنثِ فحقه الصرْفُ حَتَّى
يُعْلَمَ أنه لا ينصرف، لأن أصل الأسماء الصرف، وكل ما لا ينصرف فهو
يُصْرَفُ في الشعر.
وأما الذين قالوا إن سبأ اسم رجل فغلط أيضاً لأن
سبأ هي مدينة تعرف بمأرب مِنَ اليَمَنِ بينها وبين صَنْعَاءَ ثلاثَةُ أَيام.
قال الشاعر:
مَنْ سَبَأَ الحاضِرِينَ مَأْرِبَ إِذْ. . . يَبْنُونَ مِنْ دُونِ سَيْلِها العَرِما
فمن لم يصرف لأنه اسم مدينة، ومن صرفه - والصرف فيه أَكثرَ
في القراءة - فلأنه يكون اسماً لِلْبَلَدِ فيكون مُذَكراً سُمِّيَ بِهِ مُذَكَّر فإن
صحت فيه رواية، فإنما هو أن المدينة سميت باسم رَجُل.
стр. 1473
وقوله: (إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (٢٣)
معناه وأوتيت من كل شيء تعطاه المُلُوكُ وَيؤتاهُ الناسُ، والعَرْشُ
سَرِير عَظِيم.
* * *
وقوله: (أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (٢٥)
ويقرأ أَلَا يسجدوا، فمن قرأ بالتشديد، فالمعنى وزَيَّن لهم
الشيطان أَعْمَالَهُمْ فصدهم أَلَّا يسجدوا، أي فَصَدهُمْ لِئَلا يَسْجُدُوا لله.
ومَوْضِع (أَنْ) نَصْبٌ بقوله فَصَدهُمْ، ويجوز أن يكون مَوْضِعهَا جرًّا وَإنْ
حُذِفَتِ اللامُ.
ومن قرأ بالتخفيف فَـ ألَا لِابْتِدَاءِ الكلام والتنبيه، والوقوف
عليه أَلَا يَا - ثم يستأنف فيقول: اسْجُدوا للَّهِ، وَمَنْ قرأ بالتخفيف فهو
موضع سَجْدَةٍ من القرآن ومن قرأ آلَّا يَسجُدُوا - بالتشديد - فليس
بموضع سَجْدة، ومثل قوله أَلاَ ياسْجُدوا بالتخفيف قول ذي الرُّمَّةِ.
أَلا يا أسْلَمِي يا دارَ مَيَّ عَلى البِلى. . . ولا زالَ مُنْهلاًّ بِجَرْعائكِ القَطْرُ
وقال الأخْطَلُ:
أَلا يَا اسْلَمِي يَا هِنْدُ هِنْدَ بَني بَدْرِ. . . تَحِيَّةَ مَنْ صَلَّى فُؤَادَكِ بالجَمْرِ
وقال العجاج
стр. 1474
يا دارَ سَلْمَى يا اسْلَمِي ثم اسْلَمِي بسَمْسَمٍ أَو عن يمين سَمْسَمِ
وإنما أكثرنا الشاهد في هذا الحرف كما فعل من قبلَنَا، وإنما
فعلوا ذلك لقلة اعتياد العَامَّةِ لدخول " يا " إلَّا في النِداء، لا تَكادُ العامةُ
تقُول: يَا قَدْ قَدِم زَيْد، ولا يا اذْهَبْ بِسَلام (١).
* * *
وقوله: (لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ).
كل ما خبأته فهو خبء، وجاء في التفسير أن الخبء ههنا القَطْرُ
من السمَاءِ، والنبات من الأرْضِ.
ويجوز وهو الوجه أَنْ يكون الخبء كل ما غاب، فيكون المعنى يعلم الغيب في السَّمَاوَات والأرْضِ.
ودليل هذا قوله تعالى: (وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ).
* * *
وفي قوله تعالى: (اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ (٢٨)
(أَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ) - خمسةُ أوْجه:
فاَلْقِهِي إليْهِم بإثبات الياء - وهو أكثر القراءة، ويجوز فألْقِهِ -
إلَيْهِمْ بحذف الياء وإثبات الكسرة، لأن أصله فألقيه إلَيْهِم.
فحذفت الياء للجزم، أعني ياء ألقيه، ويجوز فَاَلْقِهُو إليهم بإثبات الواو.
ويجوز فألقِهُ إليهم بالضمِّ، وحُذِفَتِ الواو، وقد قُرئ فألقِهْ إليهم
بإسكان الهاء، فأمَّا إثبات الياء فهو أَجْوَدُها فألقهي، فإن الياء التي
تسقط للجزم قَدْ سقطت قبل الهاء، لأن الأصل فألقيه إليهم، ومن
حذف الياء وترك الكسرة بعد الهاء فلأنَّهُ كان إذا أثبت الياء في قولك
أنا ألقيه إليهم كان الاختيار حذف الياء التي بعد الهاء.
وقد شرحنا ذلك في قوله (يُؤدِّه إِليك) شرحاً كافياً.
ومن قرأ (فألقِهو إليهم) ردَّه إلى أصله، والأصل إثبات الواو مع هاء
الإِضمار. تقول ألقيتهو إليك.
ومعنى قولنا إِثبات الواو والياء أعني في اللفظ ووصل الكلام، فإذا وقفت وقفت بهاء، وإذا كتبت كَتَبْتَ
стр. 1475
بهاء. ومن قرأ بحذف الواو وإثبَاتِ الضمةِ فذلك مثل حذف الياء
وإثبات الكسرة، ومَنْ أَسْكَنَ الهاءَ فغالط، لأن لهاء ليست بمجزومة
ولها وَجْه من القِياس، وهو أنه يُجْري الهاء في الوصل على حالها
في الوقف، وأكثر ما يقع هذا في الشعر أن تحذف هذه الهاء وتبقي
كسرة (١).
قال الشاعر:
فإنْ يَك غثاً أوسميناً فَإنَني. . . سأجعل عينيه لِنَفْسِهْ مَقْنَعاً
وقوله تعالى: (ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ)
فيه قولان:
قال بعضهم: كل هناه التقديم والتأخير، معناه اذهب
بِكِتَابي هذا فألقه إليهم فانظر مَاذَا يَرْجِعونَ ثم تول عنهم، وقال هذا
لأنَّ رجوعَه من عندهم والتولي عنهم بعد أن ينظر ما الجواب.
وهذا حسن، والتقديم والتأخير كثير في الكلام، وقالوا معنى (ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ)
تول عنهم مسْتَتِراً من حَيْث لا يَرَوْنَكَ، فانظر ماذا يردونَ مِنَ الجواب.
* * *
وقوله : (قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (٢٩)
فمضى الهدهد فألقى الكتاب إليهم فسمِعَها تَقول: (يَا أيها الملأ)
فحذف. هذا لأن في الكلام دليلًا عليه.
ومعنى (كِتَابٌ كَرِيمٌ) حَسَن ما فيه، ثم بَيَّنَتْ ما فيه فَقَالَتْ:
(إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣١)
стр. 1476
فهذا ما كان في الكتاب، وكُتُبُ الأنبياءِ صَلَواتُ اللَّهِ عليهم
جارية عَلَى الِإيجاز والاختصار، وقد رُوِيَ أن الكتاب كان من عبد اللَّه
سُلَيمانَ إلى بلْقيس بنت سراحيل، وإنما كتب الناس من عبد اللَّه
احتذاء بسُلَيْمَانَ.
ومعنى (أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ) ألا تَترفَعُوا عليَّ وإنْ كُنْتُم مُلُوكاً.
* * *
وقوله: (قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ (٣٢)
أَي بَيِّنُوا لي ما أَعمَل، والملأ وجُوهُ القَوْمِ، الذين هم مُلَاء بِمَا
يحتاج إلَيْهِ.
* * *
(قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ (٣٣)
ويروى أنه كان مَعَها ألف قِيل والقَيْلُ الملِك، ومع كل قيل أَلْفُ
رَجُل، وقيل مائة ألف رجل، وأكثر الرواية مائة ألف رجل.
وقوله: (حَتى تَشْهَدُونِ).
بكسر النُونِ، ولا يجوز فتح النون لأن أصله حتى (تشهدونَنِي)
فَحُذِفَتْ النون الأولى للنَّصْبِ وبقيت النونُ والياء للاسم، وحُذِفَت الياءُ
لأنَّ الكسرةَ تدل عليها، ولأنه آخر آية، وَمَنْ فتح النون فَلَاحِنٌ، لأنَّ
النونَ إذا فتحت فهي نون الرفع، وليس هذا من التي ترفع فيه حَتى.
ويجوز أنه مِنْ سُلَيْمان وأنه بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، بفتح الألف
فيكون موضع أن الرفع على معنى: أُلْقِي إليَّ أنه من سُلَيمَانَ.
ويجوز أن تكون (أن) في مَوْضع نَصْبِ على معنى كتاب كريم لأنه من سُلَيْمان
ولأنهُ بسم اللَّه الرحمن الرحيم.
فأمَّا (أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ) فيجوز أن يكون أنْ فِي مَوْضِع رَفْعٍ وفي موضع نَصْب، فالنصب على معنى كِتَاب
стр. 1477
بِأنْ لَا تَعْلُوا عليً أي كتب بترك العُلُو، ويجوز على مَعْنى: ألقِيَ إليَّ أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ، وفيها وجه آخر حَسَنٌ على معنى قال لا تَعْلُوا عَلَيَّ.
وفسر سيبويه والخليل " أنَّ " أَنْ، في هذا الموضع في تأويل أي، على معنى أي لاَ تعلوا عَلَيَّ، ومثله من كتاب الله :
(وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا)
وتأويل أي ههنا تأويل القول والتفسير، كما تقول فعل فلان
كذا وكذا، أي إِنَي جوادٌ كاَنَكَ قُلْتَ: يقول إني جوادٌ (١).
* * *
وقوله: (قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (٣٤)
مَعْنَاه إذا دخلوها عَنْوة عن قتال وغلبة.
(وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ).
هو من قول اللَّه واللَّه أعلم - لأنها هي قد ذكرت أنَّهم
يُفْسِدُونَ فليس في تكرير هذا مِنْهَا فائدة.
* * *
وقوله: (وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (٣٥)
جاء في التفسير أنها أهْدَت سليمان لَبِنَةً ذَهَبٍ في حَرِيرٍ، وقيل
لَبِنُ ذَهِبٍ في حرير.
فأمر سليمانُ بِلِبنَةِ ذهب فطرحت تحت الدَّوابِّ، حيث تبول عليها الدَّوابُّ وتَرُوثُ، فَصَغرَ في أَعْينهم ما جاءوا به إلى سليمان، وقد ذُكِر أن الهَدِيَّة قَدْ كَانَتْ غيرَ هَذَا، إلا أَن قولَ سُلَيْمَانَ: (أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ) مما يدل على أن الهديَّة كانت مالاً.
* * *
وقوله : (بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ).
стр. 1478
حروف الجر مع " مَا " في الاستفهام تحذف مَعَها الألفِ من " مَا "
لأنهُمَا كالشَيءِ الواحِدِ، وليُفْصَلَ بينَ الخبر والاستفهام؛ تقولُ: قَدْ
رَغِبْتُ فيما عندك، فَتَثْبُتُ الألف، وتقول: فيم نظرت يا هذا فتحذف
الألف.
* * *
(فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (٣٦)
معناه فلما جاء رَسُولُها سُلَيْمَانَ، ويجوز أن يكون فلَما جَاءَ
بِرُّهَا سُلَيْمَانَ إلا أَنَّ قوله: (ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ (٣٧)
مخاطبة للرسُول.
وقوله تعالى: (لا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا).
معناه لا يَقْدُرُونَ على مُقَاوَمَةِ جُنُودِهَا.
* * *
وقوله: (قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ
(٣٨)
أي بسريرها.
(قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ).
أحب سليمانُ ﷺ أن يأخُذَ السَّرِيرَ مِنْ حيثُ يَجُوز أخْذُهُ، لأنهم لَوْ أَتوا مُسْلِمِين لَمْ يَجُزْ أَخْذُ مَا في أيديهم، وجائز أن يكون أرادَ سُلَيْمَانُ إِظهار آيةٍ مُعْجِزَةٍ في تصيير العَرْشِ إليْهِ في تلك الساعَةِ لأنها مِنَ
الآيَاتِ المعجزات.
* * *
(قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (٣٩)
والعفريت النافِذُ في الأمْرِ المبالغُ فيه مع خُبثٍ وَدَهَاءٍ.
يقال: رَجُل عِفْرٌ وَعِفْرِيت، وعِفْرِيَة نِفْرية، وَنُفارِيَّة، في معنى وَاحدٌ.
(أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ).
стр. 1479
أي مقدار جُلُوسِكَ الَّذِي تَجْلِسُه مع أصحابك، وقيل قَبْلَ أَنْ
تقومَ من مَجْلِسِك لحكْمِ.
* * *
وقوله: (قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (٤٠)
ويقال إنَّه آصف بن بَرَحْيَا.
(أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ).
أي بمقدار ما يبلغ البالغ إلى نهاية نظرك ثم يَعودَ إلَيْكَ.
وقيلَ في مِقْدارِ ما تفتح عَيْنَكَ ثُمَّ تطرِف، وهذا أشبه بارتِدَادِ الطرف، ومثله
من الكلام: فعل ذلك في لحظة عَيْنٍ، أي فِي مِقْدَارِ ما نظر نظرة
واحِدةً.
ويقال في التفسير إنهُ دَعَا باسْمِ الله الأعْظم، الذي إذا دُعِيَ به
أَجَابَ، وقيل إنه: يا ذا الجلال والِإكرام، وقيل إِنَه يَا إِلهَنَا وإله
الخلق جَميعاً إلهاً وَاحِداً لا إله إلَّا أَنْتَ، فذكر هذَا الاسْمَ ثم قال ائت
بِعَرْشِها، فَلَمَّا استَتَمَّ ذَلِكَ ظهر السرير بين يَدَيْ سُليْمَانَ.
* * *
وقوله: (قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ (٤١)
الجزم في (نَنْظُرْ) الوجه وعليْهِ القِرَاءَةُ، ويجوز (نَنْظُرُ) بالرفْعِ فمن
جزم فلجواب الأمْرِ، ومن رفع فعلى معنى فسَننظُر.
وقوله (أَتَهْتَدِي) معناه أَتَهْتدي لِمَعْرِفته أَمْ لَا.
* * *
وقوله: (فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ (٤٢)
(قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ).
ولم تقلْ إنه عَرْشُها، ولَا قَالَتْ: ليس هو بِعرْشِها، شَبَّهَتْه بِهِ لأنهُ
مُنَكَّرٌ، يُرْوَى أنَه جُعِلَ أَسْفَلهُ أَعْلَاه.
стр. 1480
وقوله: (وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ (٤٣)
أي صدَّها عن الإيمانِ العادَةُ التِي كَانَت عَلَيْها، لأنها نَشَأتْ
ولم تعرف إلا قوماً يعبدون الشَمْسَ، فَصَدَّتها العَادَةُ، وَبَيَّنَ عادَتَها
بقوله: (إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ).
ويجوز أنها كَانَتْ من قوم كافرين فيكون المعنى صَدَّها كَونها من
قوم كافِرِينَ ويكون مبيناً عن قوله : (مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ).
* * *
وقوله: (قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٤)
والصَّرْحُ: في اللغَةِ القَصْرُ، والصَّحْنُ، يقال هذه سَاحَةُ الدار
وصحنة الدار وباحة الدار وقاعَةُ الدار وَقَارِعَة الدارِ.
هذا كله في معنى الصَّحْنِ.
وقوله: (فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً).
أي حَسِبَتْهُ ماءً، وكان قد عُمِلَ لِسُلَيْمَانَ صَحْن من قَوارِير
وَتَحْتَه الماء والسَّمَكُ، فظنتْ أنَّه ماء فكشفت عن سَاقَيْهَا.
وذاك أن الجنَّ عابوا عِنْدَه ساقيها ورِجْلَيها وذكروا أن رجْليْها كحافِر الحِمَارِ
فتبين أمرَ رِجْلَيها (١).
* * *
وقوله : (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ (٤٥)
стр. 1481
أي فإذَا قَوْمُ صَالِح فريقان مؤمن وكافِرٌ يختصمون فيقولَ كل
فريقٍ مِنْهُم الحَق مَعِي، وطلبت الفرقَةُ الكَافِرَة على تصديق صالح
العذابَ، فقال: (قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٦)
أي لم قُلْتُم إن كان ما أتَيتَ به حَقا فأتنا بِالعَذَابِ.
(لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ).
أي هَلَّا تَستغفرون اللَّه.
* * *
قوله: (قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ (٤٧)
الأصل تطيرْنا فأدغمت التاء في الطاء، واجتلبت الألف لسكون
الطاء، فإذا ابتدأت قُلْتَ اطيرْنا بِكَ، وإذا وصلت لَمْ تُذْكِرْ الألِفُ.
وتسقط لأنها ألف وَصْل.
(قَال طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ).
أي ما أصابكم من خَيْرٍ أوشَرٍّ فمن اللَّه.
(بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ).
أي: تختبرون، ويجوز تُفْتَنُون من الفِتْنَةِ، أي تطيركم فِتْنَةٌ.
* * *
(وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (٤٨)
هؤلاء عتاة قَوْمِ صَالح.
* * *
(قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٤٩)
وتجوز لَتُبَيِّتُنَّهُ، ويجوز لَيُبَيِّتُنَّهُ وَأَهْلَهُ بالياء، فيها ثَلَاثَة أَوْجُهٍ (١).
فمن قرأ بالنون قرأ " ثم لَنَقُولَنَّ " لِوَلِيِّهِ، ممن قرأ (لَتُبَيِّتُنَّهُ) بالتاء قرأ " ثُمَّ
لَتَقولُنَ " ومن قرأ " لَيُبَيِّتُنَّهُ " بالياء قرأ " ثم لَيَقُولُنَّ " لِوَليِّه.
стр. 1482
فمن قرأ بالنون فكأنهم قالوا: احْلِفُوا لَنُبَيتنه وأهلَه، ومن قرأ
بالتاء فكأنَّهم قالوا احلفوا لتبيتنه، فكأنه أخرج نفسه في اللفظ.
والنون أَجْوَدُ في القراءة، ويجوز أن يكون قد أدْخل نفسه في التاء لأنه
إذَا قَالَ تَقَاسَمُوا، فقد قال تحالفوا ولا يخرج نفسه من التحالف، ومن
قرأ قالوا تقاسموا باللَّه ليبيتُنَّه، فالمعنى قالوا ليُبَيتُنه متقاسمين، فكان
هؤلاء النفر تحالَفُوا أَن يُبَيتُوا صالحا وَيَقْتُلوه وأهله في بَيَاتِهِمْ، ثم
ينكرون عند أولياء صالح أنهم شَهِدُوا مَهْلِكَهُ وَمَهلِكَ أهلِه، ويحلفون
أنهم لصادقون. فهذا مَكر عزموا عَلَيه.
* * *
قال اللَّه : (وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٠)
فمضوا لِبُغْيِتهِمْ فأرسل اللَّهُ عليهم صَخْرةً فدَمَغَتْهُمْ، وأرسل
على باقي قومهم مَا قَتَلَهُمْ بِهِ.
* * *
وقوله: (فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ
(٥١)
يقرأ (إنَّا دَمَّرْنَاهُمْ) - بكسر إن وبفتحها - (١) فمن قرأ بِالكسر رفع
العَاقِبة لا غير، المعنى فانظر أي شيء كان عاقبة مَكْرِهم، ثم فَسَّرَها
فقال: إنَّا دَمَّرْنَاهُمْ، فدل على أن العاقبة الدمَارُ.
ومن قرأ (أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ) - بالفتح - رفع العاقبة وإِنْ شاء نَصَبَها، والرفعُ أَجْوَدُ على معنى فانظر كيف كان عاقبةُ أَمْرِهِمْ، وأضمر العَاقِبَةَ.
أَنا دَمَرْنَاهُمْ. فيكون (أنَّا) في موضع رَفْعٍ عَلَى هذا التفسير، ويجوز أن تكون أنا في موضع نَصْبٍ، على معنى فانظر كيف كان عاقبة مكرهم لأنَّا دَمَّرناهم، ويجوز أن
стр. 1483
تكون (أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ) خَبَر كانَ المعنى فانظر كيف كان عاقبة مَكْرِهُمُ
الدَّمَارَ، ويجوز أن يكون اسم كان (أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ) وَ (عَاقبة أَمْرِهم) منصوبة.
المعنى فانظر كيف كان الدمَارُ عاقبةَ مَكْرِهِمْ، وكيف في موضع نصب
في جميع هذه الأقوال - ونصبها - إذا جُعِلَت العاقِبَة اسم كان وكيف
الخبرُ لأنها في موضع خبر كان، فإذا جُعِلَتْ اسم كان وخبرُها مَا
بَعْدها فهي منصوبة على الظرفِ، وعمل فيها جملة الكلام كما
تقول: كيف كان زيد، وكيف كان زيد قائماً.
* * *
وقوله: (فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ
(٥٢)
أكثر القراء نَصَبَ (خَاوِيَةً) على الحال، المعنى فانظر إلى بُيُوتِهِمْ
خَاوِيةً بِمَا ظَلمُوا.
ورفعها من أربعة أوجُهٍ قد بيَّنَاهَا فيمن قرأ (وهذا بَعْلِي شيخ).
* * *
وقوله : (وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ
(٥٤)
نَصْبَ لوط من جهتين:
على معنى وأَرْسَلْنَا لوطاً
وعلى معنى واذكر لُوطاً إذ قال لِقَوْمِهِ، لأنه قد جرت أقاصيص رُسُل، فدخل معنى إضمار اذكر هَهَنَا.
(أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ).
أي وأنتم تعلمون أنها فاحشة، فهو أعظم لذنوبِكم.
* * *
(أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (٥٥)
стр. 1484
يجوز على أوجه، أاإئِنكمْ بهمزتين بينهما ألف، ويجوز أَئِنَكُمْ
بهمزتين مُحَققتَيْن، والأجودُ أينكمْ بجعل الهمزة الثانية بينَ بيْنَ تكون
بين الياء والهمزة.
* * *
(فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٥٦)
(جَوابَ) خَبرُ كانَ وَ " أَنْ قالوا " الاسم، ويجوز (فما كان جَوَابُ
قومِهِ إلا أَنْ قالوا.
وقوله: (إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ).
قال قوم لوط هذا لِلُوطٍ ولمن آمن مَعَهُ، على جهة الهزُؤ بِهِمْ
لأنهم تطهَّروا عن أدْبَار الرجَال وأَدْبَارِ النِسَاءِ.
ويروى عن ابن عمر أنه سُئِلَ: هل يجوز هذا في النساء؟
قيل له ما تَقُول في التحميض فقال: أو يفعل ذلك المِسْلِمُونَ؟
فهذا عظيم جدًّا. وهو الذي سَماهُ اللَّهُ فاحِشَةً.
* * *
وقوله عزَّ - وجل:. (قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (٥٩)
وتشركون بالياء والتاء، ويقرأ آللَّهُ، واللَّهُ، بالمد وترك المَذد.
ويجوز - واللَّه أعلم - اللَّه خير أمَّا يشركون.
قال أبو إسحاق: إذَا ضُمَّت التاءُ واليَاءُ فمعناه أَنَّهُمْ جَعَلُوا لله
شُرَكَاء وإذا فُتِحَتْ التَاء والراءُ، فمعناه أنكم تجعلون أنفسكم لِله
شُرَكَاءَ، يقال: شَرِكْتُ الرجُلَ أشْرَكَه، إذا صِرْتُ شَرِيكَهُ.
* * *
وقوله : (أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٦١)
стр. 1485
حجز بينهما بقدرته فلا يختلط العذب بالمِلحِ.
* * *
وقوله : (قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥)
بالرفع القراءة، ويجوز النصب، ولا أعلم أحَداً قَرَأَ به، فلا
تقرأن به.
فمن رَفَعَ في قوله: (إِلَّا اللَّهُ) فَعَلَى البَدلِ، المعنى لا يعلم
أَحَدٌ الغَيْبَ إلا اللَّه، أي لا يعكم الغيب إلا اللَّه، ومن نصب فعلى
معنى لا يعلم أحد الغيب إلا اللَّه، على معنى اسْتَثْنِي اللَّه .
فإنه يعلم الغيبَ.
وقوله: (وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ).
و (أَيَّانَ تبْعَثونَ) جميعا، أيْ لاَ يَعْلَمُون متى البَعْثُ (١).
* * *
وقوله تعالى: (بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ (٦٦)
فيها أوجه: قرأ أبوعَمْرٍو: بل أُدْرِك عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ.
وقرأ أكثر الناس (بَلِ ادَّارَكَ) بتشديد الذالِ.
وروي عن ابن عباس بَلَى أَدْرَكَ عِلْمُهم في الآخرة.
ويجوز بلى ادَّارَكَ علمهم في الآخرة فمن قرأ بل ادَّارَكَ علمهم في الآخرة وهو الجَيدُ، فعلى معنى بَلْ تَدَارَكَ علمُهُمْ في الآخرة، على معنى بل يتكامل عِلْمُهُم يَوْمَ القِيَامَةِ، لأنَّهُمْ مبْعُوثونَ، وكل ما وعدوا به حَق، ومن قرأ بل أَدْرَكَ عِلْمُهُم فعلى معنى التقرير والاستخبار، كأنَّه قيل: لم يُدْرِك عِلْمُهم في الآخرةِ أي ليس يَقفون في الدنيا على حقيقتها، ثم بين ذلك في قوله:
(بل هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا)
стр. 1486
وقالوا في تفسير (بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ): أَم أَدْرَكَ عِلْمُهُم، والقراءة
الجَيِّدَةُ (ادَّارَكَ) على معنى تدارك بإدغام التاء في الدال، فتصير دالاً
سَاكِنَة فلا يُبتدأ بِها، فيَأتي بألف الوصل لتصل إلى التكلُّمُ بها.
وإذَا وقفت على (بل) وابتدأت قلت (ادَّارَكَ)، فإذا وَصَلْتَ كسرت اللام في بل، لسكونها وسكون الدال.
* * *
وقوله: (حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ).
الحدائق واحدتها حديقة، والحديقة البُسْتَانُ، وكذلك الحائط
وقيل القطعةُ من النخل، وقوله (ذَاتَ بَهْجَةٍ) معناه ذات حُسْنٍ
ويجوز في غير القراءة ذوات بهجة، لأنها جماعة، كما تقول:
نِسْوَتُك ذوات حُسْنٍ، وإنما جاز ذات بهجة لأن المؤنث يخبر عنه فِي
الجَمْع بلفظ الواحِدَةِ، إذا أردتَ جمَاعَةً، كأنك قلت جماعة ذاتَ
بَهْجَةٍ.
* * *
وقوله: (بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (٦٠).
معناه يكفُرُون، أي يَعْدِلُونَ عَنِ القَصْدِ وطريق الحق.
* * *
وقوله: (وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (٧٠)
يُقْرأ في ضَيْقٍ وَضِيق.
* * *
وقوله: (قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ (٧٢)
قيل في التفْسِير عجل لَكُمْ ومعناه في اللغةِ (رَدِفَكُمْ) مِثْلُ رَكِبَكُمْ
وجاء بَعْدَكمْ.
* * *
وقوله: (وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٨١)
стр. 1487
وتقرأ: (وما أَنْتَ تهدي العُمْيَ عن ضَلاَلَتِهِم)، ويجوز بهادٍ العُمْيَ
عن ضَلَالَتِهِمْ.
فأمَّا الوَجْهَانِ الأولان فجيِّدانِ في القراءة، وقد قرئ بهما جميعاً.
والوجه الثالث يجوز في العَرَبية، فَإنْ ثبتت به روايةٌ وإلَّا لم يُقْرأْ به، ولا أعلم أَحداً قرأ به (١).
* * *
وقوله : (إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا).
معناه ما تُسْمِع إلا من يؤمن، وتأويل ما تُسْمِعُ، أي مَا يَسْمَعُ مِنْكَ
فَيَعِي ويَعْمَلُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا، فأمَّا من سمع ولم يقبل فبمنزلة
الأصَمِّ.
كما قال اللَّه : (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ).
قال الشاعِرُ:
أَصَمَّ عَمَّا سَاءَهُ سَمِيعُ
* * *
وقوله : (وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ (٨٢)
أي إذَا وَجَبَ.
(أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ).
وَتَكْلِمُهُمْ، ويروى أن أول أشراط الساعة خروجُ الدابةِ وطلوعُ
الشمسِ مِنْ مَغْرِبها، وأَكْثَر ما جاء في التفسير أنها تخرج بِتُهَامَةَ.
تَخْرجُ مِنْ بَيْنِ الصفَا والمروَةِ.
وقد جاء في التفسير أنها تخرج ثلات مرات في ثلاثة أَمْكِنَةٍ.
وجاء في التفسير تنكت في وَجْهِ الكَافِر نكتة سوداء وفي وجه المؤمن نكتة بيضاء، فتفشو نكتة الكافر حتى يسودَّ منها وجهه أجمع وتفشو نكتة المؤمن حتى يَبْيَضَّ منها وَجْهَهُ فتجتمع الجماعة على المائِدَةِ، فَيُعْرَفُ المؤمِنُ مِن الكافِرِ.
فمن قرأ (تُكَلِّمُهُمْ) فهو من الكلام، ومن قرأ (تَكْلُمُهُمْ) فهو من
الكلْمَ، وهو الأثر والجرح (٢).
стр. 1488
وقوله: (وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (٨٨)
(صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ)
القراءةُ النصْبُ، ويجوز الرفع: صُنْعُ، فمن نصب فعلى معنى
المَصْدر، لأن قوله: (وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ). دَلِيل على الصنْعَةِ، كأنَّه قِيلَ صنَعَ اللَّه ذلك صنعاً.
ومن قال (صُنْعُ الله) بالرفع، فالمعنى ذَلِك صُنْعُ اللَّهِ (١).
وقوله : (وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ).
وَأَتَاهُ داخرين، مَنْ وَحَّدَ فللفظ كُل، ومن جمع - فلمعناها (٢).
* * *
وقوله: (إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩١)
(الذي) في موضع نصب من صفة (رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ)
وقد قُرِئَتْ: التي حَرَّمَهَا؛ وقد قرئ بها لكنها قليلة، فالتي في مَوْضِع خَفْض
مِنْ نعت البلدة.
* * *
وقوله : (وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٣)
أي سيُريكم اللَّه آياته في جميع ما خَلَق، وفي أنفُسُكم.
стр. 1489
سُورة القَصَص
(مكية)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(طسم (١)
قد تقدم ما ذكر في هذا.
(تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢)
يقال: بأن الشيء وأَبانَ في مَعْنى واحِدٍ ويقال بَانَ الشيء.
وأَبَنْتُه أنا، فمعنى مبين مبَينُ خَبْرِه وَبَرَكَتِهِ، وَمُبينُ الحَق من الباطل
والحلال من الحرام.
ومبين أَن نُبوةَ النبي ﷺ حق لأنه لاَ يَقْدرُ أَحَد
بِمِثْلِه، ومبين قصص الأنبياء.
* * *
وقوله: (نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣)
أي من خبر موسى وخبر فرعونَ.
قوله: (لِقَوْم يؤمِنُونَ) معناه يُصَدقُونَ.
* * *
وقوله: (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤)
(إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ)
مَعناه طَغَى
(وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا)
معنى شيع فرق، أي جعل كل فرقة يُشيع بعضها بعضاً في
فِعْلِها.
* * *
وقوله : (يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ).
стр. 1490
معنى نسائهم ههنا أنه كان يستحيي بَنَاتِهِمْ، وإنما كان يعمل
ذَلِكَ لأنه قال له بعضُ الكهنة إن مَوْلُوداً يُولَدَ في ذلك الحين يكونُ سَبَبَ
ذَهَاب ملْكِكَ، فالعَجَبُ من حُمْقِ فَرْعَوْنَ، إن كان الكاهن عنده صادقاً
فما ينفع القَتْلُ، وإن كان كاذباً فما معنى القَتْل.
* * *
وقوله : (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (٥)
يعني بني إسرائيل الذين استضْعَفهم فرعونُ.
(وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً).
أي نجعلهم ولاة يُؤتَمُّ بِهِمْ.
(وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ).
أي يرثون فرعون وملكه.
* * *
وقوله: (وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (٦)
القراءة النَصبُ، نُمَكَنَ ونُرِيَ.
وَيَجوزُ الرفع. . وَنُمكَنُ لَهُم في الأرْض وَنُرِي - بإسكان الياء، فمن نَصَبَ عطف على نَمُنَّ، فكان المعنى وأن نمكِنَ وَأَنْ نُرِيَ.
ومن رفع فعلى معنى ونَحْنُ نمكن.
وقُرِئَتْ: ويُرَى فِرْعَوْنُ وهامانُ وَجُنُودُهمَا، فَيُرى يكونُ في مَوْضِع نَصْبٍ
على العطف على نُمَكِن، ويجوز أَنْ يكون في موضع رفع على وسَيُرَى
فِرْعَونُ وهامان وجنودُهما.
* * *
وقوله: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧)
قيل إن الوحيَ ههنا أَلقَاءُ اللَّهِ في قلبها، وما بعد هَذا يَدُلَ - واللَّهُ أعلم -
стр. 1491
أنه وَحْى من اللَّه على جهة الإعلام للضمَانِ لها.
(إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ).
ويدل عليه (وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ).
وقد قيل إن الوحي ههنا الإلهام، وجائز أن يُلْقي الله في قلبها
أَنة مردود إليها وأنه يكون مرْسَلاً، ولكن الِإعلام أَبْيَن في هذا أَعْني أن
يكون الوحي ههنا إعْلَاماً.
وأصل الوحى في اللغة كلها إعْلاَم في خِفْي، فلذلك صار الِإلْهَامُ يُسمَّى وَحْياً.
وقوله: (فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ) اليمُ البَحْر.
* * *
وقوله تعالى: (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (٨)
(وَحَزَنًا) ويجوز (وَحُزْنًا)، ومعنى (لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا) أي ليصير الأمر إلَى ذَلِكَ
لا أنهم طلبوه وأَخذُوه لهذا كما تقول للذي كسب مالًا فَأدَّى ذلك إلى
الهَلَاكِ: إنما كسب فلان لِحَتْفِهِ، وهو لم يَطْلُب المَالَ للحَتْف.
ومثله: فَلِلْمَوتِ ما تَلِدُ الوَالِدَةُ، أي فهي لَمْ تَلِدْهُ طَلَباً أَنْ يَموتَ وَلَدُهَا
ولكن المصير إلى ذلك.
* * *
وقوله : (وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٩)
رفع قُرةُ عَيْن على إضمار هو قرةُ عين لي ولك، وهذا وقف
التمَامِ، وَيَقْبُح رفْعُه علَى الابتداء وأن يكون الخبر (لا تَقْتُلوهُ) فيكون
كأنه قَدْ عَرَفَ أنه قرة عين له.
ويجوز رفعه على الابتداء عَلَى بُعْدٍ على معنى إذا كان قرة عين لي ولك فلا تَقْتُلْه، ويجوز ُ النصْبُ
стр. 1492
ولكن لا تقرأْ به لأنه لم ياتِ فيه روايةُ قراءة، والنصبُ على معنى لا تَقْتُلُوا قُرةَ لي ولك لا تقتلوه، كما تقول زيداً لَا تَضْرِبْهُ.
* * *
وقوله : (وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠)
المعنى أصبح فارغاً من كل شيء إلا مِن ذِكْرِ مُوسَى، وقيل إلا
مِنَ الهمِّ بموسى والمعنى واحد.
(إن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ).
المعنى إن كادت لتظهَر أنه ابنُهَا.
وقد قُرِئَتْ فَرِغاً، والأكثر فَارِغاً.
(لَوْلاَ أَنْ رَبَطْنَا غَلَى قَلْبِهَا).
معناهْ لولا رَبْطُنَا على قَلْبها، والربط على القلب إلْهَامُ الصبْرِ
وتشديدُه وتَقْوِيتُهُ.
* * *
وقوله: (وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١١)
بمعنى اتْبعي أَثَرَهُ.
* * *
(فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ).
معناه فاتْبَعَتْهُ، فَبصُرَت به عن جُنُبٍ أي عن بعد تُبْصِرُ ولا تُوهِمُ
أنها تراه، يقال: بَصُرْتُ بِهِ جُنُبٍ وَعَنْ جَنَابَةٍ إذَا نَظَرتْ إلَيْهِ عن
بُعْدٍ.
قال الشاعِرُ:
فلا تَحْرِمَنِّي نائِلاً عن جَنابةٍ. . . فإِني امْرُؤٌ وَسْطَ القِبابِ
أي لاتحرمني نائلاً عَنْ - بُعْدٍ، وإن كنت بعيداً مِنكَ.
стр. 1493
وقوله : (وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ (١٢)
معناه من قبل أن نَرُدهُ على أُمه، وكان موسى لم يأخُذْ من ثَدْي.
أي لم يرضع من ثَدْي إلى أَنْ رُدَّ إلى أُمه فرضع منها، وهذا معنى
(وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ).
(فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ).
أي فقالت أخت موسى ﵇ لما تَعذرَ عَلَيْهِمْ رَضَاعُه:
(فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ).
فلما سمعوا قولها: (وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ).
قالوا: قد عَرَفْتِ أَهْلَ هَذا الغُلام - بقولك وهُمْ لَه ناصحون، فقال عَنَيتُ
" هم له " هم للمَلِك نَاصِحُونَ، فَدَلَّتْهم على أُمِّ مُوسَى، فَدُفع إليها تربِّيه لهم فِي حِسَابِهِمْ.
* * *
وقوله: (فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣)
يعني ما وعدت به مما أُوحِيَ إليها من قوله: (إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ).
واستقر عندها أَنه سيكون نبياً.
* * *
قوله : (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٤)
قيل الأشَد بِضع وثلاثون سنة. وهو ما بين ثلاث وثلاثين إلى تسع
وثلاثين.
وتأويل (بَلَغَ أَشُدَّهُ) استكمل نهاية قوةِ الرجُل
وقيل إن معنى واسْتَوَى - بلغ الأرْبَعين.
وجائز أن يكون " اسْتوى " وَصَل حقيقة بلوغ الأشُدِّ.
стр. 1494
وقوله: (آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا).
فَعَلِمَ مُوسَى ﵇ وحكم قبل أَنْ يُبْعَثَ.
(وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ).
فجعل الله إتيان العلم والحكمة مجازاة على الإحْسَان لأنهمَا
يَؤدِّيانِ إلى الجنةِ التي هي جزاء المحسنِين، والعالم الحكيمُ مَن
استعمل عِلْمَه، لأن اللَّه قال: (وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ).
فجعلهم إذ لم يَعْملوا بالعلم جُهَّالاً.
* * *
وقوله : (وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (١٥)
جاء في التفسير أنه دخلها وقت القائلة، وهو انتصاف النَّهَار
وقوله: (هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ).
هذا موضع فيه لطف، وذلك أَنه قيلَ في الغائِب " هذا " والمعنى
وَجَد فيها رَجُلَيْن أَحَدهمَا مِنْ شِيعَتِهِ وأَحدهما مِنْ عَدُوِّهِ.
وقيل فيهما هذا وهذا على جهة الحكاية للحضرة، أي فوجد فيها رَجليْنِ إذا نظر إليهما الناظِرُ قال هذا من شيعته وهذا مِنْ عَدُوِّهِ.
(فَاسْتَغَاثَه الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ).
أي استنصره، والذي مِنْ شِيعَتِهِ من بني إسرائيل، والذي من
عَدُوه من أصحاب فرعون.
وجاء في التفسير أن فرعون كان رجلاً من أهل اصطخر، ويقال إن الرجل الذي هو من عدوه رجل من القِبْطِ، وقيل أيضاً من أهل اصْطَخْرٍ.
стр. 1495
(فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضى عَلَيْهِ).
أي فقَتلهُ، والوَكْزُ أَنْ تَضْرِبَ بِجُمع كَفِّكَ، وقد قيل وكزه
بالعصا.
وقوله: (قَالَ هذَا مِنْ عَمَلِ الشّيْطَانِ).
يدل أن قتله إياه كان خطأ وأنه لم يكن أُمِرَ " موسى " بقَتْل.
ولا قِتالٍ.
(قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ
(١٦)
* * *
وقوله: (فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ (١٨)
أي يستغيث به، والاستصْراخُ الِإغَاثةُ والاسْتِنْصَارُ.
(قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ).
* * *
وقوله: (فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (١٩)
وتقرأ يَبْطُشُ. المعنى - واللَّه أعلم - فلما أَرَادَ المُسْتَصْرِخ أَنْ
يَبْطِشَ مُوسَى بالذي هو عَدُوٌّ لَ@هما، ولم يفعل موسى، قَالَ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ.
(قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ).
فأفشى على مُوسَى ﵇.
ويقال إنَّ من قتل اثنين فهو جَبَّارٌ، والجبار في اللغة المتعظم الذي لا يتواضع لأمْرِ اللَّهِ، فالقاتِل مؤمِناً جَبَّارٌ، وكل قاتل فَهُوَ جَبَّارٌ.
قتل واحداً أو جماعة ظُلْماً.
* * *
وقوله: (وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (٢٠)
стр. 1496
يقال إنه مؤمن آل فِرْعَونَ، وإنَهُ كان نَجَّاراً، ومعنى يَسْعَى يَعْدُو.
(قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ).
الملأ أشراف القوم، والمنظورُ إليهم، ومعنى يأتمرون بك يأمر
بعضهم بعضاً بقتلك.
(فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ).
أي فاخرج من المدينة، وقوله " لك " ليست من صلة الئاصِحِينَ
لأن الصلة لا تقدم على الموصول، والمعنى في قوله " إني لك " أنها
مُبينَة كأنَّه قال إني من الناصحين ينصحون لك، والكلام نصحت لك.
وهو أكْثَرُ من نَصْحُتُكَ.
* * *
وقوله: (فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢١)
أي يرقمبُ أن يلحقه فَيْ يَقْتُله، وينظر الآثار.
* * *
وقوله : (قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ).
يعني من قوم فرعون.
* * *
وقوله: (وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ (٢٢)
" مَدْيَن " مَاء كان لقوم شعيب يقال إن بيْنَهُ وبيْنَ مِصْرَ مَسِيرَةُ ثَمانية
أيام، كما بين البصرة والكوفة، وكان موسى ﵇ خرج مِنْ
مِصْرَ ومعنى تلقاء مَدْيَن، أي سَلك في الطريق التي تلقاء مَدْيَنَ فيها.
(قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ).
السبيل الطريق، ْ وسواء السبيل قصد الطريق في الاستواء.
стр. 1497
قوله: (وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (٢٣)
مَدْيَن في موضع خفض، ولكنه لا ينصرف لأنه اسم للبقعة.
(وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ).
أمة جماعة.
(وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ).
أي تذودان غَنَمَهُمَا عن أَنْ يَقْرُبَ موضع الماء، لأنها يَطْردُهَا عن
الماء من هو على السَّقي أقوى مِنْهُمَا. .
(قَالَ ما خَطْبُكُمَا).
أَي مَا أَمْرُكما، معناه مَا تَخْطُبان، أي ما تُريدَانِ بِذَوْدِكُمَا غَنَمكُمَا
عن الماء.
(قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى [يَصْدُرَ] الرِّعَاءُ).
وقرئت (حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ) - بضم الياء وكسر الدال - أي لا نَقْدِرُ
أن نسقي حتى تَرُدَّ الرعاةُ غَنَمَهُمْ وَقَد شَرِبَتْ فيخلو الموضع فَنَسْقي.
فَمن قرأ (يَصْدُر) بضم الدال فمعناه حتى يرجعَ الرعاءُ، والرعاء جمعُ
راع، كما يقال صاحب وصحاب.
وقوله: (وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ).
الفائدة في قوله: (وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ). أي لا يمكنه أَن يَرِدَ، وَيَسْقي.
فلذلك احتجنا ونحن نِسَاءٌ أَنْ نسقيَ.
(فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (٢٤)
стр. 1498
أي فسقى لهما من قَبْلِ الوَقْتِ الذي كانتا تسقيان فيه، ويُقَال إنَّهُ
رَفع حجَراً عن البِئْرِ كان لا يرفعه إلا عَشَرةُ أَنْفُس.
وقيل إن مُوسى كان في ذلك الوقت من الفقر لا يقدر على شَقِّ تمرةٍ.
* * *
وقوله: (فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٥)
المعنى فلما شَرِبَتْ غنمهما رَجَعَتَا إلى أَبِيهمَا فأخبرتاه خبر
مًوسَى وَسَقْيه غَنَمَهمَا، وجاءتاه قبل وقتهما شاربةً غَنمُهُمَا، فوجَّهَ
بإحْداهُما تَدْعُو مًوسَى فجاءته (تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ).
جَاءَ في التفسير أنها ليست بخرَّاجَةٍ مِنَ النِّسَاءِ ولا ولَّاجَةٍ، أي تمشي مَشْيَ مَنْ لم تَعْتَدِ الدخول والخروج مُتَخَفِّرَةً مستحيية.
(قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا).
المعنى فأجابها فمضى معها إلى أبيها.
(فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ).
أي قصَّ عليهِ قِصتهُ في قتلهِ الرجُلَ، وأنهم يطلبونه ليقتلوه.
(قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ).
وذلك أنَّ القوم لم يكونوا في مملكة فِرْعَونَ، فأعلم شعيبٌ موسى
أنَّه قد تَخَلَّصَ من الخوف، وأنه لا يقدر عليه - أعني بالقوم قوم مَدْينَ
الذين كان فيهم أبو المرأتين.
وقال في التفسير إنه كان ابن أخي شعيب النبيِّ ﵇.
* * *
(قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦)
أي اتخذه أجيراً.
стр. 1499
(إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ).
أي إن خير من اسْتَعْمَلْتَ مَنْ قَوِيَ على عملك وأَدى الأمانَةَ فيه.
وإنما قالت (الْقَوِيُّ الْأَمِينُ) فَوَصَفَتْه بالقوة لِسَقْيِهِ غنمها بِقوة وشدة.
وقيل لقوته على رفع الحجر الذي كان لا يُقِلُّه أقل من عَشَرةِ أَنفس.
وقد قيل إنه كان لا يقله أقل من أرْبعين نَفْساً.
فأَما وصفها له بالأمَانَةِ فقيل إن مُوسَى لما صار معها إلى أبيها تقدم أَمَامَهَا وأَمَرهَا أن تكون خلفه، وَتَدُلَّه على الطريق، وخاف إذا كانت بين يديه أَنْ تُصِيبَ مَلْحَفَتَها الريحُ فيتبيَّن وصفها، فذلك ما عرفته من أمانته.
* * *
وقوله: (قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧)
معنى أُنْكِحُكَ أُزَوِّجُكَ.
(عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ).
أي تكون أجيراً لي ثماني سنين.
(فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ).
أي فذلك بفضل - منك ليس بِوَاجِبٍ عَلَيْكَ.
* * *
(قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (٢٨)
أي ذلك الذي وَصَفْتَ لِي بيني وبينك، ومعناه، ما شَرَطْتَ عَلَى
فلك وما شرطت لي فلي، كذَلك الأمَرُ بَيْنَنَا، ثم قال:
(أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ).
والعُدْوَانُ المجاوزة في الظلم، وعُدْوَانٌ منصوبٌ بـ (لَا)
стр. 1500
ولو قُرئَتْ فَلَا عُدْوَانٌ في لجاز من جهتين
إحْداهما أَنْ تَكونَ (لا) رافعة كَلَيْسَ
كما قال الشاعرِ:
مَن صَدَّ عن نِيرانِها. . . فأنا ابن قيس لاَ بَراحُ
ويجوز أن يكون " عُدْوَانُ " رَفْعاً بالابتداء و" عَلَيَّ " الخبرُ.
و" لا " نافية غير عَامِلةٍ، كما تقول لَا زَيْد أَخُوكَ وَلاَعَمْرو.
و"أي " هي في موضع الجزاء مَنْصُوبةْ بِـ (قَضيْتُ).
وجواب الجزاء (فَلا عُدْوَانَ)، و " ما " زائدة مؤكدة.
والمعنى أي الأجلين قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ (١).
وقوله: (وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ).
أي واللَّهُ شَاهِدُنا على ما عَقَدَ بَعْضُنَا عَلَى بَعْض.
* * *
وقوله: (فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٢٩)
يُروَى أنه قغسى أتئم الأجَلَيْنِ، وهو عَشْرُ سِنِين.
وقوله: (آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطورِ نَاراً).
آنس علم وأبصر، يقال: قد آنست ذلك الشخص أي أَبْصَرْته.
(قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ).
أي لعلي أْعلم لِمَ أُوقِدَتْ.
(أَوْ جِذْوَةٍ مِنَ النَّارِ).
الجذوة القطعهة الغليظة من الحطب.
ويقرأ: أَوْ جُذوة بالضَم، ويقال جَذْوة بالفتح.
فيها ثلاث لغات (٢).
* * *
وقوله: (فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٣٠)
стр. 1501
سُمَيتْ مباركة لأن اللَّه كلم موسى فيها، وبعثه نبيًّا، ويقال بُقعَة
وبَقْعة بالضم والفَتْح.
وقد قرئ بهما جميعاً، فمن جمع بِقاعاً فهي جمع بَقْعَةٍ بالفتح، مثل قَصْعَة وقِصَاع، ومن قال بُقْعة - بالضم -
فأجود الجمع بُقَع مثل غُرفة وغُرَف، وقد يجوز في بُقْعة بقاع مثل حُفْرَة
وحِفَار.
وقوله: (أَنْ يَا مُوسَى).
(أن) في موضع نصب المعنى نُودي بأنه يَا مُوسَى
وكذلك (وَأنْ ألْقِ عَصَاكَ) عطفٌ عليها.
* * *
(وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ (٣١)
(فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ)
معناه لم يَلْتَفِتْ.
وقوله: (أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ).
أي قد آمنت من أن ينالَك منها مكروه وهي حيَّة.
* * *
(اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (٣٢)
أي من غَيْر بَرَص.
(وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ).
والرُّهْبِ جميعاً ومعناهُمَا واحد، مثل الرُّشد والرَّشَدِ.
والمعنى في جناحك ههنا هو العَضُد، ويقال اليد كلها جناح.
وقوله: (فَذانِكَ بُرْهَانَانِ).
تقرأ بتخفيف النون وتشديدها - فَذَانِّكَ - فكأن فَذَانِّكَ تَثْنِيةُ ذَلِكَ
وذانِك تثنية ذَاكَ جعل بدل اللام في ذلك تشديد النُونِ في ذَانِكَ
وبرهانان آيَتَانِ بَيِّنَتَان.
стр. 1502
(إلى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ).
أي أرسلناك إلى فرعون وَمَلَئِهِ بهاتين الآيتَين.
* * *
وقوله: (وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (٣٤)
(فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي).
ويُصَدِّقْنِي - بالرفع والجزم - قرئ بهما جميعاً، فمن قَرأَ
يُصَدِّقُنِي بضم القاف فهو صفة قوله (رِدْءًا) - والردء العَوْنُ، تقول
رَدَأْتهُ أَردؤه رَدْءا، إذا أعنته، والردْءُ المُعينُ.
ومن جزم (يُصَدِّقْنِي) فعلى جواب المسألة، أرسله يُصَدَقْنِي، ومن رفع يصدقني فالمعنى رِدْءاً مصَدِّقاً لِيَ.
* * *
وقوله: (قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ (٣٥)
أي سنعينك بأخيكَ، ولفظ العضُدِ على جهة المثل، لأن اليد
قوامُها عَضُدُهَا، فكل مُعِينٍ عَضُدٌ.
وتقول قد عاضَدَنِي فلان على الأمر أي عاونني.
وقوله: (وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا).
أي حجة نَيرَةً بَينَةً، وإنما قيل للزيت السليط لأنه يستضاء به.
فالسلطان أبْيَنُ الحجَجِ.
وقوله: (فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا).
أي بسلطاننا وحجتنا.
فـ (بآياتنا) مِنْ صِلَة (يَصِلُونَ) كأنه قال: لَا يَصلُونَ
إليكما، تَمتَنعَانِ منهم بِآيَاتِنَا.
وجائز أن يكون " بآياتنا " متصا، بنجعل لكما سْلطانا بآياتنا، أى حجة تدلُّ عَلى النّبوةِ بآياتنا، أي بالعَصَا واليَدِ، وسائر الآيات
التي أعطي مُوسَى ﷺ .
ويجوز أن يكوتَ بِآيَاتِنَا مبَيناً عن قوله: (أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ).
стр. 1503
أي تغلبون بآياتنا.
* * *
وقوله : (فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (٣٦)
لم يأتوا بحجة يدفعون بها مَا ظَهَرَ مِنَ الآيَاتِ إلا أن قالوا إنها
سحْرٌ فلما جُمِعَ السَّحَرةُ بينوا أَنَ آيات موسى ﵇ ليست
بسحر، فغلَبَ موسى بآيات اللَّه وبحجته كما قال به.
* * *
وقوله: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٣٨)
(فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ)
أي اعمل آجرًّا، ويقال إنَّ فرعونَ أولُ من عَمِلَ الآجرَّ.
(فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا).
والصرح كل بناء متسع مرتفع
وقوله: (لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى).
وظنَّ فرعونُ أنه يتهيأ له أَنْ يبلغ بصرحه نحو السماء فَيَرَى السماءَ
وَمَا فِيها.
(وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ).
الظًنُ في اللغَةِ ضَربٌ يكون شَكا ويَقِيناً. - وقول فِرْعَوْنَ: وإني
لأظُنُه اعتراف بأنه شاو، وأنَّه لم يتيقَن أَنَ موسى كاذِب، ففي هذا
بيان أنه قد كفر بموسى على غير يقين أَنَه ليس بِنَبِيٍّ، وقد وَقَعَ في نفسه
أنه نبيٌّ لأن الآيات التي هي النبوة لا يجْهَلها ذو فطرة، وقوله في غير
هذا الموضع: (لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ). دليل على أنه قد ألزَمَ فرعونَ الحجةَ القَاطِعَةَ.
стр. 1504
وقوله: (فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٤٠)
اليَمُّ: البحرُ وهو الذي يقال له " إيسَاف " وهو الذي غرق فيه
فِرعَوْنُ وجنوده بناحية مصر.
* * *
وقوله: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ (٤١)
أي من اتبعهم فهو في النار.
(وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ)
أي لا نَاصِرَ لَهُمْ ولا عَاصِمَ من عذاب اللَّه.
* * *
وقوله: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٣)
فكان خاتَمَة إهْلَاكِ القُرون بالعَذَاب في الدُّنْيَا أن جعل المُكَذِبِينَ
بِمُوسَى الذين عَدَوْا في السبِت قِرَدةً خاسِئينَ عند تكذيبهم بِمُوسَى
﵇.
وقوله: (بَصَائِرَ لِلنَّاسِ).
أي مُبَيناً للناس، المعنى ولقد آتينا موسى الكتاب بصائر للناسِ
أي هذه حال إيتائِنَا إياهُ الكتاب مُبَيناً نُبَينهُ للناس.
(وهدى ورحمةً) عطف على (بصائِر)، ولو قرئت بالرفع على معنى فهو هُدى ورحمة جَازَ والنصب أجود ولا أعلم أَحَدأ قرأ بالرفع - فلا تقرَأنَّ بها.
* * *
وقوله: (وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٤٤)
أي وما كنت بجانبِ الجبل الغربي.
(وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٤٥)
стр. 1505
أَي مَاكنتَ مُقِيماً في أهلِ مَدْيَنَ.
* * *
(وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٦)
يَعْنِي نادينا مُوسَى.
(وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ).
المعنى إنك لم تشاهد قَصَصَ الأنبياء، ولا تُلِيَتْ عَلَيْكَ، ولكن
أَوْحَيناها إليك، وقصَصْنَاها عليك رحمةً مِنْ رَبِّكِ لتنذِر قوماً، أي
لتعرفهمُ قَصَصَ مَن أُهْلِكَ بِالعَذَابِ ومن فاز بالثواب.
ولو قرئت " ولكنْ رحمةٌ " لكان جائزاً على معنى ولكنْ فِعلُ ذلك رَحْمة من رَِّك، والنصْبُ على معنى فعلنا ذلك للرحمة، كما تقول: فعلت ذلك ابتغاء الخَيْر، أي فعلته لابتغاء الخَيْر، فهو مفعول له.
* * *
وقوله: (وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)
أي لولا ذلك لم يحتج إلى إرْسَالِ الرسُل، ومواترة الاحْتجاج.
* * *
وقوله: (فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ (٤٨)
أي فلما جاءتهم الحجة القَاطِعةُ التي كان يجوز أَنْ يَعْتَلُّوا
بتأخرِهَا عنهم.
(قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى).
المعنى: هلَّا أوتي مُحمدٌ مثلَ ماَ أوتي موسى، صلى اللَّه عَلَيْهِمَا من أمر العصا والحية وانفلاق البحر، وسائر الآيات التي أَتَى بِهَا مُوسَى، فقد كفروا بآيات موسى كما كفروا بآيات محمدٍ ﵉.
(قَالُوا [سَاحْرَانِ] تَظَاهَرَا).
стр. 1506
أي تعاونا.
جاء في التفسير أنهم عَنَوْا موسى وهارون.
وقالوا عَنَوْا موسى وعيسى، وقيل عَنَوْا موسى ومحمًداً ﵉.
وقرئ (سِحْرَانِ تَظَاهَرَا) يَعْنونَ كتَابَيْنِ، فقالوا: الإنجيل والقرآن، ودليل مَن
قرأ (سِحْران) قوله: (قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا).
وهذا لا يمنع سَاحِران، لأن المعنى يصيرُ: قل فأتوا بكتاب من
عِنْد الله هُوَ أَهْدَى مِنْ كِتَابَيهِمَا.
* * *
وقوله: (فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠)
فاعلم أن مَا ركبُوه من الكفر لا حجَّةَ لَهُم فِيه، وإنما آثروا فِيه
الهَوَى وقد علموا أنه هو الحق.
* * *
(وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥١)
أي فصَّلْنَاه بأن فصَّلْنا ذكر الأنبياء وَأَقَاصِيصَهُمْ، وأقاصيص مَنْ
مَضَى، بعضها بِبَعْض.
(لَعَلَّهُمْ يَتَذَكرُونَ) أي لَعَلًهُمْ يَعْتَبِرْونَ.
* * *
وقوله: (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢)
جاء في التفسير أن هؤلاء طائفة من أهل الكتاب كانُوا يَأخُذون به
وينتهون إلَيْهِ ويقفون عندَهُ.
كانوا يحكمون بحكم اللَّه، بالكتاب الذي أُنْزِلَ قَبل القرآن.
فلما بُعِثَ مُحمًدٌ ﷺ وتلا عليهم القرآنَ قَالُوا آمَنَا بِهِ
إنه الحَق مِنْ رَبِّنَا.
وذلك أَنّ ذكَرَ محمد ﷺ كان مكْتُوباً عندهم في التوراة والإنجيل، فلم يعانده هؤلاء وآمَنُوا وَصَدقُوا، فأثنى اللَّه عليهم خيراً
وقال:
стр. 1507
(أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٥٤)
أي يؤتون أجرهم بإيمانهم بالكتاب الذي مِنْ قبلِ محمد ﷺ .
و (يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ) بالِإيمان بمحمد ﷺ والقرآن.
(وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ).
معنى (وَيَدْرَءُونَ) يدفعون - بما يعلمون من الحسنات - ما تَقَدم لهم
من السَيِّئاتِ.
(وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) أيْ يَتَصَدقون.
* * *
(وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ (٥٥)
أي إذا سمعوا ما لا يجوز وينبغي أن يلغَى لم يلتفتوا إليه.
(وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ).
ليس يريدون بقولهم ههنا سلام عليكم التحيَّة.
المعنى فيه أعرضوا عنه وقالوا سلام عليكم، أي بيننا وبينكم المتَاركةُ والتسَلمُ.
وهذا قبل أن يؤمَرَ المُسْلِمُون بالقِتَالِ.
* * *
وقوله: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٥٦)
أجمع المفسرون أنها نزلت في أَبِي طَالِبِ، وجائز أن يكون
ابتداء نزولها في أبي طَالِبِ وهي عامَّةٌ، لأنه لاَ يهدي إلا اللَّه، وَلَا
يُرْشِدُ ولا يوفق إلا هو، وكذلكَ هو يُضِلُّ من يشاء.
* * *
(وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٥٧)
كانوا قالوا للنبي ﷺ إنا نعلم أن ما أتيت به حَق، ولكنا نكره إنْ آمَنَّا بِكَ
стр. 1508
أن نُقْصَدَ ونُتَخَطَّفَ منْ أرْضِنَا فأعلمهم الله أنه قَدْ تَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بأن آمنهم
بمكَةَ، فَأعْلَمَهم أن قد آمَنَهمْ بحرمَةِ البَيْتِ، ومنع منهم العَذو أي فلو آمنوا
لكان أولى بالتمكن والأمن والسَّلَامَةِ.
* * *
وقوله : (وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ (٥٩)
يعني بأمِّها مَكًةَ، ولم يكن ليهْلكَهَا إلا بظلِمْ أهْلِهَا.
* * *
(أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٦١)
يعني المؤمِن والكافِر، فالمؤمِن من آمن باللَّه ورسوله وأطاعه
ووقف عند أَمْرِه فَلُقِيَه جزاءَ ذَلِكَ، وهو الجنَّة، والذي مُتِّعَ متاعَ الحياة
الدنيا كافرُ. لم يُؤْمِنْ باللَّه ثم أُحْضِرَ يوم القيامَةِْ العَذَابَ وذلك قوله عز
وجل: (ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ).
وجاء في التفسير أن هذه الآية نَزَلَتْ في محمد ﷺ وأبي جَهْل ابْنِ هِشَام فالنبي ﷺ وُعِدَ وَعْداً حسناً فَهو لاَقِيه في الدنيا بأنه نُصِرَ على عَدوِّهِ في الدنيا، وهو في الآخرة في أعلى المراتب من الجنة، وأبو جهل من المُحْضَرِينَ.
* * *
وقوله : (وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا).
(مَعِيشَتَهَا) مَنْصوبَةٌ بإسقاط في وَعَمَل الفِعْل.
وتأويله بطرت في مَعِيشَتِها والبطرُ الطغيانُ بالنِعْمَةِ.
стр. 1509
وقوله: (وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٦٢)
أي يوم ينادي الإنس. وسماهم " شركائي " على حِكَايَةِ قَوْلِهِمْ.
المَعْنَى أين شركائي في قولكم، واللَّه واحد لا شريك له.
* * *
(قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ (٦٣)
الجِنُّ، والشيَاطِين.
(هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا).
يعْنُونَ الِإنْسَ، أي سولنا لهم الغَيَّ والضلَالَ.
(أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا).
أي أضللناهم كما ضَلَلْنَا.
* * *
وقوله : (تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ).
برئ بعضهم من بَعْض، وصاروا أَعْداءً، كما قال الله :
(الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (٦٧).
* * *
وقوله: (وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ (٦٤)
(فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ).
أي لم يُجيبوهم بحجةٍ.
(وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ).
جوأب " لو " محذوف - واللَّه أعلم - المعنى لو كانوا يَهْتَدُونَ لما
اتبعُوهم ولا رأوا العذابَ.
* * *
وقوله: (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٨)
أجود الوقوف على (وَيَخْتَارُ)؛ وتكونْ " مَا " نفياً.
المعنى ربك يخلق ما يشاء، وربك يختار ليْسَ لهم الخيرة.
وما كانت لهم الخيرةُ، أي
стр. 1510
ليس لهم أن يَخْتاروا على اللَّه، هذا وجه.
ويجوز أن يكون (ما) في معنى الذي فيكون المعنى ويختار الذي كان لهم فيه الخيرة.
ويكون معنى الاختيار ههنا ما يتعبدهم به، أي ويختار لهم فيما يدعوهم إليه
مِنْ عِبَادَتِه ما لهم فيه الخيرة، والقول الأول أجود -
أي أن تكون (ما) نَفْياً.
وقوله: (سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ).
معنى سبحان الله تنزيه له من السوءِ. كذا هو في اللغة - وكذا
جاء عن النبي ﷺ .
* * *
قوله: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (٧١)
السَّرمَدُ في اللغَةِ الدائِمُ.
وقوله: (مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ).
أي بِنَهارٍ تُبْصرون فيه وتتصرفون في مَعَايشكم، وتصْلِحُ فيه
ثماركم وَمَنَابتكُمْ لأن اللَّه جعل الصلاح للخلق بالليل مع
النهار، فلو كان واحِدٌ منهما دون الآخر لهلك الخَلْقُ، وكذلك قوله في
النهار: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٧٢)
أعلمهم أن الليل والنهار رحمةٌ فقال:
(وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٣)