Полный текст (2 149 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
إلا أنَّه لا يجوز أن تُتركَ شريعة نبي، أو يعمل بشريعة نبي قبله تخالف شريعة
نبي الأمة التي يكون فيها.
وإِنما أخذ الحنفُ من قولهم: - امراة حَنْفَاءُ ورجل أحْنَف، وهو الذي
تميل قدماه كل واحدة منهما بأصابعها إِلى أختها بأصابعها، قالت أم الأحنف
بن قيس وكانت ترقصه، وخرج سيدَ بَنِي تميم: -
والله لولا حَنَف في رجله. . . ودقة في ساقه من هُزْلِه
ما كان في فِتْيانِكم منْ مِثْله
* * *
وقوله : (قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦)
(لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ)
المعنى: لا نكفر ببعض ونؤمن ببعض.
* * *
وقوله : (فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣٧)
فإِن قال قائل: فهل للإيمان مِثْلٌ هو غير الِإيمان؟
قيل له: المعنى واضح بين، وتأويله: فإِن أتَوْا بتصديق مثل تصديقكم وإِيمانكم - بالأنبياءِ، ووحَّدوا كتوحيدكم - فقد اهتدوا، أي فقد صاروا مسلمين مثلكم.
(وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ) أي في مشاقة وعداوة ومن هذا قول
الناس: فلان قد شق عصا المسلمين، إِنما هو قد فارق ما اجتمعوا عليه من
اتباع إِمامهم، وإِنما صار في شق - غير شق المسلمين.
وقوله جمزّ وجلَّ: (فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ).
هذا ضمان من اللَّه في النصر لنبيه ﷺ لأنه إِنما يكفيه إِياهم
стр. 177
بإظهار ما بعثه به على كل دين سواه - وهذا كقوله: (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ) فهذا تأويله - واللَّه أعلم.
وكذا قوله: (كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي).
فإن قال قائل فإن من المرْسَل مَنْ قُتِل.
فإن تأويل ذلك - والله أعلم - أن اللَّه غالب هو ورسله بالحجة الواضحة، والآية البينة، ويجوز أن تكون غلبةَ الآخرة لأن الأمر هو على ما يستقر عليه في العاقبة.
وقد قيل: إِن الله لم يأمر رسولاً بحرب فاتبع ما أمره الله به في حربه إِلا غَلَب. فعلى هذا التأويل يجوز أن يكون لم يقتل رسول قط محارباً.
* * *
وقوله : (صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (١٣٨)
يجوز أن تكون (صبغة) منصوبة على قوله: (بل نتبع ملة إبراهيم) أي
بل نتبع صبغة اللَّه.
ويجوز أن يكون نصبها على، بل نكون أهل صبغة الله.
كما قلنا في ملة إبراهيم، ويجوز أن ترفع الصبغة على إضمار هي، كأنهم
قالوا: هي صبغة اللَّه أي هي ملة إِبراهيم صبغة الله.
وقيل: إِنما ذكرت الصبغة لأنَّ قوماً من النصارى كانوا يصبغون أولادهم في ماءٍ لهم، ويقولون هذا تطهير كَمَا أن الختان تطهير لكم: فقيل لهم -: (صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً)، أي التطهير الذي أمر به مبالِغٌ في النظافة.
ويجوز أن يكون - واللَّه أعلم - صبغة الله أي خلقة اللَّه - جلَّ وعزَّ -
الخلق، فيكون " المعنى:. أن اللَّه ابتدأ الخلق - على الِإسلام، ويكون دليل هذا القول قول الله : (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى).
وجاءَ في الحديث: أنهم
стр. 178
أخرجهم كالذر، ودليل هذا التأويل أيضاً قوله : (فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَ) ويجوز أن يكون منه " الخبر:
" كل مولودٍ يُولَد على الفطرة حتى يكون أبواه
هما اللذان يهودانه أو ينصرانه "
وصبغت الثوب إِنما هو غيرت لونه وخلقته.
* * *
وقوله : (قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (١٣٩)
في (أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ) لغات فأجودها: (أتحاجوننا) بنونين وإن شئت
بنون واحدة - " أتُحَاجُونَّا " على إدغام الأولى في الثانية وهذا وجه جيد، ومنهم من إِذا أدغم أشار إِلى الفتح كما قراوا: (مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ) على الإدغام والِإشارة إِلى الضم، وإِن شئت حذفت إِحدى النونين فقلت
(أتحاجونَا) فحذف لاجتماع النونين قال الشاعر:
تراه كالثغام يُعَلُّ مسكا. . . يسوءِ الغانِيات إِذَا فَليني
يريد فَلَيْنَنَي، ورأيت مذهب المازني وغيره ردُّ هذه القراءَةَ، وكذلك
ردُّوا (فبم تبشرونِ) - قال أبو إِسحاق " والأقدام على رد هذه القراءَة غلط
لأن نَافِعاً ﵀ قرأ بها، وأخبرني إِسماعيل بن إسحاق أنَّ نافعاً رحمه اللَّه
стр. 179
لم يقرأ بحرف إلا وأقل. ما قرأ به إثنان من قراءِ المدينة، ولَه وجْه في العربية
فلا ينبغي أن يرد، ولكن " الفتح " في قوله (فبم تبشرونَ) أقوى في العربية.
ومعنى قوله: (قلْ أتُحاجُّونَنَا فِي اللَّهِ) أن الله أمر المسلمين أن
يقولوا لليهود الذين ظاهروا من لا يوحد اللَّه مِن النًصارى وعبدةِ
الأوْثَانِ، فأمر الله أن يحتج عليهم بأنكم تزعمون أنكم موحدون، ونحن نوحّد فلم ظَاهرْتُمْ مِن لا يوحِّدُ الله جلَّ وعزَّّ
(وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ).
ثم أعلموهم أنهم مخلصون، وإخلاصهم إِيمانهم بأن الله
واحد، وتصديقهم جميع رسله، فاعلموا أنهم مخلصون، دون من خالفهم.
* * *
وقوله : (أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٠)
كَأنَّهُمْ قَالُوا لَهُم: بأيِّ الحُجتَين تَتَعَلَّقُون في أمْرِنَا؟
أبالتوحِيد فنحن موحدون، أم باتباع دين الأنبياءِ فنحن متبعون.
* * *
وقوله : (قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ).
تأويله: أن النبى الذي أتانا ب (الآيات) المعجزات وأتاكم بها -
أعلمكم، وأعلمنا أن الإِسلام دين هُؤلاءِ الأنبياءِ.
والأسباط هم " " الذين من ذرية الأنبياءِ، والأسباط اثنا عشر سِبْطاً وهم ولد
يعقوب ﵇، ومعنى السبط في اللغة: الجماعة الذين يرجعون إلى
أب واحد، والسبط في اللغة الشجرة، فالسبط، الذين هم من شجرة واحدة.
стр. 180
وقوله: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ).
يعني بهم هُؤلاءِ الذين هم علماء إليهود، لأنهم قد علموا أن رسالة
النبي حق، وإِنما كفروا حسداً - كما قال الله وطلبا لدوام رياستهم وكسبهم، لأنهم كانوا - يتكسبون بإِقامتهم على دينهم فقيل
وَمَنْ أظَلَمُ مِمَن كَتَمُ أمرَ النّبيِّ ﷺ ولا أحدَ أظْلَم مِنْه وقوله: (وَمَا اللَّه بغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُوْنَ).
يعني: من كتمانكم ماعلمتمه من صحة أمرالنبي ﷺ .
* * *
وقوله: (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٤١)
المعنى: لها ثواب ما كسبت، ولكم ثواب ما كسبتم.
* * *
وقوله : (سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢)
فيه قولان، قيل يعني به:
كفار أهل مكة، وقيل يعني به: إليهود والسفهاءَ واحدهم سفيه، - مثل شهيد وشهداءُ، وعليم وعلماءُ.
* * *
وقوله : (مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا)
معنى؛ (مَا وَلَّاهُمْ): ما عدلهم عنها يعني قبلة بيت المقدس.
لأن النبي ﷺ كان أُمِرَ بالصلاة إِلى بيت المقدس، لأن مكة وبيت الله الحرام كانت العرب آلِفةً
لِحجّهِ، فأحبَّ اللَّهُ أن يمتحن القوم بغير ما ألفوه ليظهر من يتبع
الرسول ﷺ ممن لا يتبعه، كما قال اللَّه : (وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ)
فامتحن الله ببيت المقدس فيما روى لهذه العلة، والله أعلم.
* * *
وقوله : (قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ).
معناه حيث أمر الله أن يُصَلَّى وُيتَعَبَّدُ، فهو له، وعالم به، وهو فيه كما
стр. 181
قال: (وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (٣)
وكما قال: (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ).
وكما قال: (مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ).
* * *
وقوله : (إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)
معناهّ: طريق مستقيم كما يحبُّ الله.
* * *
وقوله: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)
معنى الأمة: الجماعة أي جماعة كانت إلا أن هذه الجماعة وصفت
بأنها وسط.
وفي (أُمَّةً وَسَطًا) قولان، قال بعضهم وسطا: عدلًا، وقال بعضهم:
أخياراً، واللفظان مختلفان والمعنى واحد، لأن العدل خير والخير عدل.
وقيل في صفة النبي ﷺ : إنه من أوسط قومه جِنْساً، أي من خيارها، والعرب تصف الفَاضِل النسب بأنه: من أوسط قومه، وهذا يعرف حقيقته أهل اللغة لأن العرب تستعمل التمثيل كثيراً "
فتمثل القبيلة بالوادي والقاع وما أشبهه فخير
الوادي وسطه فيقال: هذا من وسط قومه، ومن وسط الوادي، وسَررِ الوادي وسِرَارة الوادي وسر الوادي، ومعناه كله: من خير مكان فيه، فكذلك النبي ﷺ
من خير مكان في نسب العرب
(وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) أي خياراً
* * *
وقوله : (لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ)
(تَكُونُوا) في موضعْ نصب.
المعنى جعلناكم خياراً لأن شهداءَ، فنصب " تكونوا " " بأن.
و (شهداءَ) نصب خبر تكونوا، إِلا أن (شهداءَ)
стр. 182
لا ينون، لأنه لا يَنصرِف لأن فيه ألفَ التأنيث، وألف التأنيث يبنى معها
الاسم ولم يلحق بعد الفراغ من الاسم فلذَلك لمْ تَنصَرِفْ (شهداءَ).
فإن قال قائل: فلم جعل الجمع بألف التأنيث قيل: كما جعل التأنيث في نحو
قولك جَريب وأجْربة، وغراب وأغربة وضارب وضَرَبَة، وكَاتِب وكَتبَة.
وتأويل (لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى الناسِ) فيه قولان: جاءَ في التفسير أن أممَ
الأنبياءِ تكذب في الآخرة إذا سُئِلت عمن أرسل إليها فتجْحَدُ أنبياءَها، هذا
فَيمنَ جحد في الدنيا منهم فتشهد هذه الأمة بصدق الأنبياءِ، وتشهد عليهم
بتكذيبهم، ويشهد النبي ﷺ لهذه الأمة بصدقهم وإنَّما جازت هذه الشهادة، وإن لم يكونوا ليعاينوا تلك الأمم لأخبار النبي ﷺ فهذا قول.
وقال قوم (لِتَكونُوا شهَداءَ عَلَى النَّاسِ) أي محتجين على سائر من خالفكم، ويكون الرسول محتجاً عليكم ومبيناً لكم.
والقول الأول: أشبه بالتفسير وأشبه بقوله: (وَسَطاً)
لأن النبيَّ ﷺ يحتج عَلَى المسلمين وغيرهم.
* * *
وقوله : (وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ).
يعني قِبْلَة بيتِ المقدِس، أي وإن كان اتباعها لكبيرة.
المعنى إنه كبير على غير المخلصين، فأما من أخلص فليست بكبيرة عليه، كما قال: (إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ) أي فليست بكبيرة عليهم.
وهذه اللام دخلت على " إِنْ " لأن اللام
إِذا لم تدخل مع إِنْ الخفيفة كان الكلام جُحْداً فلولا " اللام " كان المعنى
" ما كانت كبيرة " فإِذا جاءَت إِن واللام فمعناه التوكيد للقصة، واللام تدخل في
стр. 183
الخبر، ونحن نشرح دخولها على " الخفيفة " في موضعها إن شاءَ اللَّه.
* * *
وقوله : (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ).
هذه اللام أهي، التي يُسميها النحويون لام الجحود، وهي تنصب الفعل المستأنف.
وقد أحكمنا شرحها قبل هذا الموضوع.
ومعنى: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ): أي من كان صَلَّى إلَى بيْتِ
المقدس قبل أن تُحوّل القبلة إِلى البيت الحرام بمكة فصلاتُه غير ضائعة وثوابه
قائم، وقيل: إِنَّه كان قوم قالوا: فما نَصنع بصَلاتِنَا التي كنا صليناها إلى بيت المقدس، فأنزل اللَّه : (ومَا كَانَ اللَّه ليُضِيعَ إيَمَانَكُمْ)
أي تصديقكم بأمر تلك القبلة.
وقيل أيضاً: إِنَّ جماعة. من أصحاب النبي ﷺ تُوفُّوا وهم يصلون إِلى بيت المقدس قبل نقل القبلة إلى بيت اللَّه الحرام، فسئل النبي ﷺ عن صلاتهم فأنزل الله :
(وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ)
إِن شئت قلت لرؤوف، وإِن شئت لرووف رحيم.
فهمزت وخففت ومعنى الرأفة كمعنى الرحمة.
* * *
وقوله : (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٤٤)
المعنى: في النظر إلى السماءِ، وقيل: تقلب عينك، والمعنى واحد
لأن التقلب إنما كان لأن - النبي ﷺ أمر بترك الصلاة إِلى بيت المقدس فكان ينتظر أن ينزل عليه الوحي إلى أي قبلة يُصَلِّي، وتقلب مَصْدر تَقَلَّبَ تقلُّباً، ويجوز في الكلام تِقْلَاباً، ولا يجوز في القرآن لأنه تغيير للمصْحفَ.
* * *
وقوله : (فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا):
стр. 184
قد كان النبي ﷺ بالمدينة حين أمر بأن ينتقل عن الصلاة إِلى بيت المقدس، فأمر بأن يصلي إِلى بيت اللَّه الحرام، وقيل في قوله: (ترضاها) قولان قال قوم معناه تحبها، لا أنَّ النبي ﷺ لم يكن راضياً بتلك القبلة، لأن كل ما أمر الله الأنبياءَ " ﵈ " به فهي - راضية به - وإِنما أحبها النبي ﷺ لأنها كانت - فيما يروى - قبلة الأنبياءِ، وقيل لأنها كانت عنده ادعى
لقومه إِلى الِإيمان.
وقوله : (فَولِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرَامِ)
أي المسجد الحرام، فأمر أن يستقبل - وهو بالمدينة - مكة، والبيت الحرام، وأمر أن يستقبل البيت حيث كان الناس، ومعنى الشطر: النحو.
وشطر منصوب على الظرف.
قال الشاعر:
إِنّ العَسِيرَ بها داءٌ يخامرها. . . فَشَطْرَها نظر العينين محسور
أي فنحوَها، ولا اختلاف بين أهل اللغة أن الشطر النحو، وقول الناس
فلان شاطر، معناه " قد أخذ في نحو غير الاستواءِ، فلذلك قيل شاطر لعدوله
عن الاستواءِ، يقال قد شطر الرجل يشطُر شِطَارة وشَطَارة، ويقال: هؤلاءِ قوم مشاطرونا أي دورهم تتصل بدورنا -، كما تقوِل هؤلاءِ يناحوننا أي نحن نحوهم، وهم نحونا، فلذلك هم شاطرونا.
* * *
وقوله : (إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ)
стр. 185
إِن قال قائل ما معنى: (إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ) واللَّه قد علم ما يكون قبل كونه؟
فالجواب في ذلك أن اللَّه يعلم من يتبع الرسول مِمن لا يتبعه من قبل وقوعه وذلك العلم لا تجب به مجازاة في ثواب ولا عقاب ولكن المعنى ليعلم ذلك منهم شهادة فيقع عليهم بذلك العلم اسمُ مطيعين واسمُ عاصين، فيجب ثوابهم على قدر عملهم.
ويكون معلومُ مَا في حال وقوع الفعل منهم علم شهادة - كما قال : (عَالمُ الغَيْبِ والشَهَادَةِ) فعلمه به قبل وقوعه علم غيب، وعلمه به في
حال وقوعه شهادة، وكل ما علمه الله شهادة فقد كان معلوماً عنده غيباً، لأنه يعلمه قبل كونه، وهذا يبين كل ما في القرآن مثله نحو قوله تعالى:
(وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (٣١).
* * *
وقوله : (وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٤٥)
زعم بعض. النحويين، أن " لَئِنْ " أجِيب بجواب " لوْ " لأن الماضي وَليها
كما وَليَ " لو " فأجيب بجواب " لو " ودخلت كل واحدة منها على أختها
قال اللَّه : (وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ (٥١).
فجرت مجرى: " وَلَوْ أرْسَلْنَا رِيحاً " وكذلك قال الأخفش بهذا
стр. 186
القول، قال سيبويه وجميع أصحابه: إن معنى (لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ).
ليظَلُّنَّ ومعنى (لَئِنْ) غير معنى " لو " في قول الجماعة، وإِن كان هؤُلاءِ قالوا
إِنَّ الجواب متفِق فإِنهم لا يدْفعون أن معنى (لئن) مايستقبل ومعنى " لو " ماض
وحقيقة معنى " لو " أنها يمتنع بها الشيء لِامتناع غيره، تقول لو أتيْتني
لأكْرمتُك، أي لم تأتني فلمْ أكرمكَ، فإِنما امتنع إكرامي لامتناع إِتيانك.
ومعنى " إِنْ " و (لئِنْ) أنه يقع الشيء فيهما، لوقوع غيره في المستقبل
تقول إِنْ تأتِنِي اكْرِمْكَ، فالإكرام يقع بوقوع الِإتيان فهذه حقيقة معناهما.
فأما التأويل فإنّ أهل الكتاب قد علموا أن النبي ﷺ حق وأن صفته ونبوته في كتابهم، وهم يحققون العلم بذلك فلا تغني الآيات عند من يجد ما يعرف.
* * *
وقوله : (وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ).
لأن أهل الكتاب تظاهروا على النبي ﷺ واليهودُ لا تتبع قبلة النصارى، ولا النَصارى تتبع قبلة إليهود، وهم مع ذلك في التظاهر على النبي متفقون.
* * *
وقوله : (إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ)).
أي أنك لمنهم أن اتبعتَ أهواءَهم. وهذا الخطاب للنبي ﷺ ولسائر أُمَّتِه، لأن ما خوطب به (مِنْ هذَا الجنس) فقد خوطب به الأمة والدليل على ذلك قوله : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ)
أول الخطاب للنبي ﷺ وليس معه لفظ الأمة، وآخره دليل أن الخطاب عام.
стр. 187
وقوله : (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦)
يعني به علماءُ إليهود. و (الذين) رفع بالابتداءِ، وخبر (الذين) - (يَعْرفونَه)، وفي (يَعْرفونَه) قولان: قال بعضهم: يعرفون أن أمر القبلة وتحول النبي ﷺ من قِبلِ بيتِ المقدس إِلى البيت الحرام حق.
كما يعرفون أبناءَهم.
وقيل معنى (يَعْرفونَه) يعرفون النبي ﷺ وصِحة أمره.
* * *
وقوله : (وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ)
أي يعلمون (أنَّهُ الحقُّ)، أي يكتمون صِفَتَهُ، ومن لا يعلم أمر النبي ﷺ وما جاءَ به
(وهم يعلمون) أنَّهُ الحقُّ.
* * *
وقوله : (الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١٤٧)
أَي من الشاكين والخطاب أيضاً عام أي فلا تكونوا من
الشاكين.
* * *
وقوله : (وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٤٨)
يقال هذه جِهةٌ ووَجْهةٌ، ووِجْهَةٌ، وكذلك يقال ضَعَة وَوَضْعَةٌ، وَضِعةَ.
وقيل في قوله: (هُوَموليًهَا) قَوْلَان: قال بعض أهل اللغة - وهو أكثر القول - " هو " لِكُل: المعنى هو موليها وجهه، أي وكل أهل وجهة هم الذين ولوا وجوههم إِلى تلك الجهة - وقد قرئ أيضاً - هو مُوَلَّاها. وهو حسن. وقال قوم: أي اللَّه - على ما يزعمون - يولي أهل كل ملة القبلة التي يريد، وكلا القولين جائز، واللَّه أعلم.
وقوله : (فاسْتَبِقُوا الخَيراتِ).
стр. 188
أي فبادروا إلى القبول من - الله ، ووَلُّوا وجوهكم حيث أمركم أن
تولوا.
وقَوله : (أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا).
أي يرجعكم إِليه.
(إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) فَتُوفَوْنَ مَا عَمِلتُمْ
وأينما تَجزم ما بعدها. لأنها إِذا وصلت ب " ما " جزمت ما بعدها
وكان الكلام شرطاً.
وكان الجواب جزماً كالشرط.
وإِن كانت استفهاماً نحو أين زيد فإِن أجبته -
أجبت بالجزم، تقول أين بيتك أزُرْك.
المعنى إِنْ أعرف بَيتَك أزرْكَ.
وزعمَ بعض النحويين أن قوله: (هّلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) جوابه (يَغْفِرْ لَكُمْ)
وهذا خطأٌ لأنه ليست بالدلالة تَجب المغفرة إِنما تجب المغفرة
بقبولهم ما يُؤَدي إِليهم النبي ﷺ .
ولكن (يغفر لكم ذنوبكم) جواب (تؤمنونَ باللَّه ورسوله وتجاهدون).
فإِنه أَمرٌ في لفظ خبر.
المعنى: آمنوا باللَّه ورسوله وجاهدوا يغْفِرْ لكُمْ.
* * *
وقوله : (وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٠)
(لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ)
أي قد عرفكم اللَّه أمر الاحتجاج في القبلة مما قد بيَّنَّاه لئلا يَكون
للناس على اللَّه حجة في قوله: (وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا) أي هو موليها
لئلا يكون.
* * *
وقوله : (إِلَّا الَّذِينَ ظَلمُوا مِنْهُم فلا تَخْشَوْهُمْ).
قال بعضهم لكن الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم، والقول عندي أن
المعنى في هذا واضح: (المعنى لئلا يكون للناس عليكم حجة، إِلا من ظلم
стр. 189
باحتجاجه فيما قد وضح له، كما تقول: ما لك على مِنْ حُجة إِلا الظلمَ، أي إلا أن تظلمني، المعنى ما لك عليَّ من حجة ألبتَّة، ولكنك تظلمني، وما لك على حجة إِلا ظلمي. وإِنما سُميّ ظلمة هنا حجة لأن المحتج به سماه
حجة - وحجَّتُه دَاحِضَةٌ عِنْدَ اللَّهْ، -
قال اللَّه : (حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ).
سميت حجة إلا أنها حجة مُبْطلَة.
ْفليست بحجة موجبة حقاً.
وهذا بيانٌ شاف إِن شاءَ اللَّه.
وقوله : (وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ) أي عرفتكم لئلا يكون عليكم
حجة (وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ)، (وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ).
* * *
وقوله عزَّ ونجل: (كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (١٥١)
(كَمَا) تصلح أن تكون جواباً لما قبلها، فيكون: (لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)
(كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ).
والأجود أن تكون (كَمَا) معلقة بقوله
(فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ).
أي فاذكروني بالشكر والإِخلاص كما أرسلنا فيكُمْ.
فإن قال قائل فكيف يكون جواب " (كَمَا أَرْسَلْنَا) (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ)، فالجواب ههنا إنما يصلح أن يكون جوابين لأن قوله، (فَاذْكُرُونِي) أمر، وقوله (أَذْكُرْكُمْ) جزاءُ اذكروني:
والمعنى إن تذكروني أَذْكُرْكُمْ. .
стр. 190
ومعنى الآية أنها خطاب لمشركي العرب، فخاطبهم اللَّه بما
دلهم على إِثبات رسالة النبي ﷺ فقال كما أرسلنا فيكم محمداً ﷺ وهو رجل
منكم أُمِّي تعلمون أنه لم يتل كتاباً قبل رسالته ولا بعدها إلا بما أوحي إليه.
وإنكم كنتم أهل جاهلية لا تعلمون الحكمة ولا أخبار الأنبياءِ، ولا آبائهم
ولا أقاصيصهم. فأرسل إِليكم النبي ﷺ فأنبأكم بأخبار الأنبياءِ، وبما كان من أخبارهم مع أممهم، لا يدفع ما أخبر به أهل الكتاب، فكما أنعمت عليكم بإِرساله فاذكروني - بتوحيدي، وتصديقه ﷺ (واشكروا لي) أذكركم برحمتي
ومغفرتي والثناءِ عليكم.
* * *
وقوله : (وَلا تَكْفُرونِ).
الأكثر الذي أتى به القُرَّاءُ حذف الياءات مع النون.
* * *
وقوله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (١٥٣)
(يَا أَيُّهَا) نداء مفرد مبهم و (الذين) في موضع رفع صفة لـ (أَيُّهَا).
هذا مذهب الخَليل وسيبويه، وأما مذهب الأخفش.
فالذين صلة لأي وموضع الذين رفع بإِضمار الذكر العائد على أي كأنَّه على
مذهب الأخفش بمنزلة قولك: يا من الذين، أي يا من هم الذين.
و" ها " لازمة لأي عوض عما حذف منها للِإضافة، وزيادة في التنبيه.
وأي في غير النداءِ لا يكون فيها " هاء " ويحذف معها الذكر العائد عليها، تقول أضرب أيُّهم أفضل، وأيُّهم هو أفضل - تريد الذي هو أفضل.
وأجاز
стр. 191
المازني أن تكون صفة أي نصباً.
فأجاز: يا أيها الرجُلَ أقبل، وهذه الِإجازة غير
معروفة في كلام العرب، ولم يجز أحد من النحويين هذا المذهب قبله، ولا
تابعة عليه أحد بعده - فهذا مطروح مرذول لمخالفته كلام العرب والقرآن وسائر الأخبار.
ومعنى (استعينوا بالصبر والصلاة) أي بالثبات على ما أنتم عليه.
وإن نالكم فيه مكروه في العاجل، فإِن الله مع الصابرين.
وتأويل إن اللَّه مَعَهُمْ أي يظهر دينه على سائر الأديان.
لأن من كان الله معه فهو الغالب - كما قال :
(فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ).
ومعنى استعينوا بالصلاة، أي أنكم إِذا صليتم تلوتم في صلاتكم ما
تعرفون به فضل ما أنتم عليه فكان ذلك لكم عوناً.
* * *
وقوله : (وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ (١٥٤)
بإضمار مكنيهمْ، أي لا تقولوا هم أموات، فنهاهم اللَّهْ أن يُسَمُّوا من قتل في سبيل الله ميْتاً، وأمرهم بأن يسموهم شُهداءَ - فقال:
(بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ)
فأعلمنا أن من قتل في سبيل اللَّه حي.
فإِن قال قائل: فما بالنا نرى جثة غير مُتَصرفة؟
فإِن دليل ذلك مثل ما يراه الإنسان في منامه، وجثته غير متصرفة على
قدر ما يُرى واللَّه قد توفى نفسه في نومه فقال تعالى:
(اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا).
وينتبه المنتبه من نومه فيدركه الانتباه وهو في بقية من ذلك، فهذا دليل أن أرواح الشهداءِ جائز أن
стр. 192
تفارق أجسامهم، وهم عند اللَّه أحياءٌ، فالأمر فيمن قُتِلَ في سبيل الله لا
يجب أن يقال له ميت لكن يقال له شهيد وهو عند الله حى.
وقد قيل فيها قول غير هذا - وهذا القول الذي ذكرته آنفاً هو - الذي أخْتَاره -.
قالوا معنى الأموات أي لا تقولوا هم أموات في دينهم، بل قولوا إِنهم أحْياءٌ في دينهم.
وقال أَصحاب هذا القول: دليلنا والله أعلم - قوله: (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا) فجعل المهتدي حياً وانَّه حين كان على الضلالة كان ميتاً، والقول الأول أشبه بالدين وألْصقُ بالتفسير.
قوله : (وَلنَبْلُوَنَكُمْ بشَي منَ الخَوفِ وَالجُوع).
(إختلف النحويون في فتح هذه الواوي) فقال سيبويه: إنها مفتوحة لالتقاءِ
السَّاكنين، وقالّ غيره من أصحابه أنها مبنيه علي الفتح ص* وقَدْ قال سييويه في لام
يفعل، لأنها مع ذلك قد تبنى على الفتحة، فالذين قالوا من أصحابه إِنها مبنية
على الفتح غير خارجين من قول له. وكلا القولين جائز.: +
* * *
وقوله : (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥)
ولم يقل بأشياءَ، فإِنما جاءَ على الاختصار، والمعنى يدل على أنَّه وشيءٍ من
الخوف وشيءٍ من الجوع وشيءٍ من نقص الأموال والأنفس، وإِنما جعل الله هذا
стр. 193
الابتلاءَ لأنه أدْعى لمن جاءَ بعد الصحابة ومن كان في عصر ﷺ إِلى اتباعهم لأنهم يعلمون أنه لا يصبر على هذه الأشياءِ إِلا من قد وضح له الحق وبانَ له البرهان، - واللَّه يعطيهم ما ينالهم من المصائب في العاجل والآجل، وما هو أهم نفعاً - لهم فجمع بهذا الدلالة على البصيرة وجوز الثواب للصابرين على ذلك الابتلاء فقال :
(وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ): بالصلاة عليهم من رَبِّهم والرحمة وبأنهم المهتدون -
فقال : (الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦)
أي نحن وأموالنا للَّهِ ونحن عبيده يصنع بنا ما شاءَ، وفي ذلك صلاح لنا وخيرٌ.
(وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ): أي نحن مصدقون بأنا نُبْعث ونُعْطي الثًوابَ على
تصديقنا، والصبرَ علَى ما ابتَلَانا به.
* * *
وقوله : (أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)
والصلاة في اللغة على ضرببن: أحدهما الركوع والسجود، والآخر الرحْمَةُ
والثناءُ والدعاءُ - فصلاةٌ الناس على الميت إِنما معناها الدعَاءُ والثناء على الله
صلاة، والصلاة من اللَّهْ على أنبيائه وعباده معناها الرحمة - لهم، والثناء عليهم، وصلاتنا الركوع والسجود كما وصفنا.
والدعاءُ صلاة قال الأعشى:
عليك مثل الذي صليتِ فاغتَمِضِي. . . نَوماً فإِن لجنب المرءِ مضطجعاً
ويروى مثل الذي صليت، فمن قال عليك مثل الذي صليت، فمعناه
стр. 194
أنه يأمرها بأن تدعو له مثل الذي دعا لها. أي تعيد الدعاءَ له
ومن روى عليك مثل الذي صليتِ فهو رَد عليها.
كأنه قال عليك مثل دعائك، أن ينالك من
الخير مثلُ الذي أرَدْتِ لِي بهذه ودعوتِ به لي -
وقال الشاعر:
صَلى على يحيى وأشْيَاعِه. . . رَبٌّ كَرِيمٌ وَشَفِيعٌ مُطَاع
المعنى عليه الرحمة من اللَّه والثناءُ الجميل.
وأصل هذا كله عندي من اللزوم يقال صَلِيَ وأصْلَى واصْطَلى، إذَا لَزِم. ومن هذا ما يُصْلى في النار، أىِ أنه يلزَم.
وقال: أهل اللغة في الصلاة هي من الصَّلْوينِ، وهما مُكتَنفَا ذَنب الناقة.
وأول موصل الفخذ من الإنسان، وكأنهما في الحقيقة مُكتنف العُصْعُص.
والأصل عندي القول الأول.
ألا ترى أن الاسم للصيام هو الِإمساك عن الطعام والشراب، وأصل
الصيام الثبوت على الإمساك عن الطعام، وكذلك الصلاة إنما هي لزوم ما
فرض اللَّه، والصلاة من أعظم الفَرْضِ الذي أمَرَ بلزومه وأما المصلي الذي يأتي في أثر السابق منَ الخَيْل فهو مسمى من الصلوين لا محالة، وهما مكتنفا ذنب الفرس، فكأنة يأتي مع ذلك المكان.
- قال الشاعر في الصيام الذي هو ثبوت على القيام:
خَيْل صيام وخيل غير صائمة. . . تحت العجاج وخيل تعلك اللجما
وقوله تعالى: (وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ).
стр. 195
الأكثرون في قوله: (إِنَّا لِلَّهِ) - تفخيم الألف ولزوم الفتح - وقد قيل وهو
كثير في كلام العرب إِنَّ اللَّه بإِمالة الألف إلى الكسر، وكان ذلك في هذا
الحرف بكثرة الاستعمال، وزعم بعض النحوين أن النون كسرت، ولم يفهم ما قاله القوم. إنما الألف ممالة إِلى الكسرة.
وزعم أن هذا مثل قولهم:
" الحمدِ لله "، فهذا صواب أعني قولهم (إِنَّا لِلَّهِ) بالكسر وقولهم " الحمدِ لله من أعظم الخطأ، فكيف يكون ما هو صواب بإجماع كالخطأ.
* * *
وقوله : (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨)
الصفا في اللغة الحجارةُ الصلبة الصلدة التي لا تنبت شيئاً، وهو جمع
واحدته ضفاة وصفا، مثل حصاة وحصى، والمروة والمرو: الحجارة اللينة.
وهذان الموضعان من شَعَائِر اللَّه، أي من أعلام متعبداته وواحدةُ الشعائر
شَعِيرة، والشعائر كلى ما كان منَ موقف أو مسْعى وذبحْ.
وإنما قِيلَ شَعَائِرَ لِكُل علَم لما تُعُبد به، لأن قَوْلهمْ شَعَرْتُ بِهِ: عَلِمْتهُ، فلهذَا سُمِّيَتُ الأعلَام التي هِيَ متعبّدَات شَعَائِرُ.
* * *
وقوله : (فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا).
وإنما كان المسلمون اجتنبوا الطواف بينهما لأن الأوثان كانت قبل
الإسلام منصوبة بينهما، فقيل إنَّ نَصْبَ الأوثان بيتهما قبل الإسلام لا يوجب
стр. 196
اجتنابهما، لأن البيت الحرام والمشاعر طُهِّرت بالِإسلام من الأوثان وغيرها.
فأعملَم اللَّهُ أن هذين من شعائره وأنه لا جُناح في الطوافِ بينهما وأن من تطوع بذلك فاللَّهُ شاكر عليم.
والشكر من الله المجازاة والثناءُ الجميل، والحج والعمرة يكونان
فرضاً وتطوعاً - والطواف بالبيت مجْراهُ مجرى الصلاة إِلا أنه يطوفُ بالبيت الحاجُّ والمعتمر، وغيرُ الحاجِّ والمعتمر، ومعنى قولهم حَجَحْتُ في اللغة قَصَدْتُ، وكل قاصدٍ شيئاً فقد حَجَّهُ، وكذلك كل قاصدٍ شيئا فقد اعتَمرهُ، قال الشاعر:
يحجُ مأمومةً في قَعْرِها لَجَفٌ. . . قَاست الطبيب قَذاها كالمغاريدِ
وقال الشاعر في قوله اعتمر أي قصد:
لقد سما ابن معمر حينَ اعتمرْ. . . مغزىً بعيداً من بعيدٍ وضَبَر
* * *
وقوله : (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا).
أي لا إثم عليه، والجُناح - أُخِذَ من جنح إِذَا مال وعدل عن القصد وأصل
ذلك من جناح الطائر، و (أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا) فيه غير وجه: يَجوز أن يطَوَّف وأن يُطَوِّف، وأن يطُوف بهما، فمن قرأ أن يُطَوِّف بهمَا أراد أن يتطوف فأدمِغت التاء في الطاء لقرب المخرجين، ومن قرأ أن يُطَوِّف بهما فهو من طَوَّف إِذا أكثر التَّطواف. . .
وفي قوله : (وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا): (وجهان).
إِن شئتَ قلت (وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا) على لفظ المضِى ومعناه الاستقبال لأن
стр. 197
الكلام شرط وجزاء فلفظ الماضي فيهءيُؤول إِلى معنى الاستقبال.
ومن قرأ يَطَّوَّعْ - فالأصل يتطوع فأدغمت التاءُ في الطاءِ.
ولست تدغم حرفاً من حرف إِلا قلبته إلى لفظ المدغم فيه.
وقوله : (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩)
هذا إِخبار عن علماءِ إليهود الذين كَتَمُوا ما علِموه من صحة أمر
النبي ﷺ
قوله: (مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ) يعني به القرآن.
ومعنى (وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ).
فيه غيرُ قول، أما ما يُروى عن ابن عباس فقال: (اللَّاعِنُونَ) كل شيء في
الأرض إِلا الثقلين، ويروى عنْ ابن مسعود أنه قال (اللَّاعِنُونَ): الاثنان إذا
تلاعنا لحقت اللعنة بمستحقها منهما، فإِن لم يستحقها واحدٌ منهما رجعت على إليهود، وقيل (اللَّاعِنُونَ) هم المؤمنون، فكل من آمن باللَّهِ من الإنس والجن والملائكة فهم - اللاعنون لليهود وجميع الكفرة فهذا ما روي في قوله (اللَّاعِنُونَ) واللَّه أعلم.
* * *
وقوله : (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠)
(الذين) في موضع نصب على الاستثناءِ، والمعنى أن من تاب بعد هذا وتبين
منهم أن ما أتى به النبي ﷺ حق، قبل الله توبته. فأعلم الله : أنه يقبل التوبة ويرحم ويغفر الذنب الذي لا غاية بعده.
* * *
وقوله : (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١)
стр. 198
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١)
يعني لم يتوبُوا قبل موتهم من كفرهم.
(أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ)، واللعنة هي إبعاد اللَّه، وإبعاده عذابه.
* * *
وقوله : (وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ).
المعنى لعنة الملائكة ولعنة الناس أجمعين.
فإن قال قائل: كيف يلعنه الناس أجمعون، وأهل دينه لا يلعنونه؟
قيل لَهُ إنَّهم يلْعَنُونَه في الآخرة، كما قالَ :
(ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا)
وقرأ الحسن: "أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ [وَالْمَلَائِكَةُ وَالنَّاسُ] أَجْمَعِينَ)
وهو جيد في العربية إلا أني أكرهه لمخالفته - المصحف، والقراءَة، إنما ينبغي أن يلزم فيها ْالسنة، ولزوم السنة فيها أيضاً أقوى غند أهل العربية، لأن الإجماع في القراءَة إنما يقع على الشيء الجَيِّد البالغ ورفع الملائكة في قراءَة الحسن على تأويل: أُولَئِكَ جزاؤُهم أن لَعنَهُم اللَّهِ والملائكةُ، فعطف الملائكة على موضع إعراب لله في التأويل.
ويجوز على هذا عجبت من ضرب زيدٍ وعمرو ومن قيامِكَ وأخُوك:
المعنى عجبت من أنْ ضَربَ زيد وعمرو ومن أن قمتَ أنتَ وأخوك.
ومعنى (خالدين فيها) أي في اللعنة.
وخلودهم فيها خلود في العذاب.
* * *
وقوله : (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)
أخبَر بوحدانيته ثم أخبَرَ بالاحتجاج في الدلالة على أنه واحد
فقال:
стр. 199
(إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)
فهذه الآيات تدل على أنه واحد فأما الآية في أمر السماءِ فمن
أعظم الآية لأنهها سقف بغير عمد، والآية في الأرض عظيمة فيما يُرى من
سهْلِها وجبلِها وبحارها. وما فيها من معادن الذهب والفضة والرصاص والحديد اللاتي لا يمكن أحد أن ينشئ مثلها، وكذلك في تصريف الرياح، وتصريفها أنها ِتأتي من كل أفق فتكون شمالًا مرة وجنوباً مرة ودبُوراً مرة وصبا مرة، وتأتي لواقح للسحاب.
فهذه الأشياءُ وجميع ما بث الله في الأرض دالة على أنه واحد.
كما قال : (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ) - لا إله غيره لأنه لا يأتي آت بمثل هذه الآيات (إلا واحداً).
* * *
وقوله : (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (١٦٥)
فأعلم أن بعد هذا البيان والبرهان؛ تُتخذ من دونه الأنداد.
وهي الأمثال، فأبان أن من الناس من يتخذ نِدُّا يعلم أنه لا ينفع ولا يضر ولا يأتي بشيء مما ذكرنا، وعنَى بهذا مشركي العرب.
* * *
وقوله : (يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ).
أي يُسَوُّون بين هذه الأوثان وبين اللَّه في المحبة.
وقال بعض النحويين، يحبونهم كحبكم أنتم للَّهِ - وهذا قول ليس بشيء - ودليل نقضه قوله: (وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ)
والمعنى أن المخلصين الذين لا يشركون مع اللَّه غيره
هم المحبُّون حقاً.
стр. 200
وقوله : (وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا) - إذْ يروْنَ العذَاب - (أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا).
في هذا غير وجه، يجوز أنَّ القوةَ للَّهِ وأن اللَّه، ويجوز أن القوةَ للَّهِ وإن
الله، ولو تَرى الذينَ ظلموا وتُفتح أن مع ترى، وتُكسَر، وكل ذلك قد قُرئ بهِ.
قرأ الحسن (ولَوْ يَرَى الَّذِين ظَلَمُوا إذْ يَرَون العَذاب إِنَّ القوةَ، وإِنَّ اللَّهَ).
ونحن نفسر ما يجب أن يُجْرَى عليه هذا إن شاءَ اللَّه.
من قرأ أنَّ القوةَ - فموضع أن نصب بقوله - ولو يرى الذين ظلموا أن
القوة للَّه جميعاً، وكذلك نصب أن الثانية -
والمعنى ولو يرى الذين ظلموا شدَّةَ عذاب اللَّه وقوتَه لعلموا مضرة
اتخاذهم الأنداد، وقد جرى ذكرُ الأنداد في قوله:
(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا).
ويجوز أن يكون العامل في أنَّ الجوابَ، على ما جاءَ في التفسير: يروى في
تفسير هذا أنه لو رأى الذين كانوا يشركون في الدنيا عذاب الآخرة لعلموا حين يرونه أن القوة للَّهِ جميعاً، ففتح أنَّ أجود وأكثر في القراءَة، وموضعها نصب في هاتين الجهتين على ما وصفنا، ويجوز أن تكون " إنَّ " مكسورةً مستأنفة، فيكون جواب (ولو يرى الذين ظلموا إِذ يرون العذاب) لرأوا أمراً عظيماً لا تبلغ صفته؛ لأن جواب لو إنما يترك لعظيم الموصوف
نحو قوله : (وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى)
المعنى لكان هذا القرآن أبلغ من كل ما وصف.
وتكون (أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا)، على الاستئناف.
يُخْبِر بقوله: أن القوة للَّهِ جميعاً ويكون الجواب المتروك غير معلق بإِنَّ.
ومن قرأ (ولو ترى الذين ظلموا) فإِن التاء خطاب للنبي ﷺ يراد به الناس
стр. 201
كما قال: (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١٠٧).
فهو بمنزلة: ألمْ تَعلموا. وكذلك ولو ترى " الذين ظلموا " بمنزلة - ولو ترون - وتكون (أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا) مستأنفة كما وصفنا.
ويكون الجواب - واللَّه أعلم لرأيتم أمراً عظيماً - كما يقول: لو رأيت فلاناً والسياط تأخذه، فيُستغنى عن " الجواب لأن المعنى معلوم.
ويجوز فتح أن مع ترى فيكون لرأيتم أيها المخاطبون أن القوة للَّهِ جميعاً، أو لرأيتم أن الأنداد لم تنفع، وإنما بلغت الغاية في الضرر لأن القوة للَّهِ جَميعاً.
و (جميعاً) منصوبة - على الحال: المعنى أن القوة - ثابتةَ للَّهِ في حال
اجتماعها.
* * *
وقوله: (إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦)
يعني به السادة والأشراف (مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا) وهم الأتباع والسفلة.
(وَرَأَوُا الْعَذَابَ) - يُعْنَى به التابِعُونَ والمتبوعون، (وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ)، أي انقطعَ وصْلُهُم الذى كان جمعهم.
كما قال: (لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ)
فَبَيْنهُمْ وَصْلُهُمْ.
والذي تقطع بينهم في الآخر كان وصل بينهم في الدنيا.
وإِنما ضُمَّت الألف في قوله (اتُّبِعُوا) لضمَّةِ التاءِ، والتاءُ ضمت علامة ما
لم يُسَمَّ فاعِلُه.
فإن قَال قائل: فما لم يسم فاعله مضموم الأول، والتاءُ
المضمومة في (اتُّبِعُوا) ثالثة، قيل إنما يضم لما لم يُسَم فاعله الأول من
стр. 202
متَحركات الفعل، فإذا كان في الأول ساكن اجتلبت له ألف الوصل، وضم ما كان متحركاً، فكان المتحرك من اتبعوا التاء الثانية فضمت دليلاً على ترك
الفاعل، وأيضاً فإنَ في (اتُّبِعُوا) ألفَ وصل دخلت من أجل سكون فاءِ الفعل، لأن مثَاله من الفعل افْتعِلوا، فالأف ألف وصل ولا يبنى عليه ضَمة الأول
في فِعْل لم يُسَمَّ فاعلُه، والفاءُ ساكنة، والسَّاكنُ لا يُبْنى عليه فلم يبق إلا
الثالث، وهو التاءُ فضمت عَلَماً للفعل الذي لم يسم فاعله، فكان الثالث لهذه العلة هو الأول.
* * *
وقوله : (وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (١٦٧)
أي عودة إلى الدنيا فنتبرأ منهم، موضع "أن" رفع، المعنى لو وقع لنا
كرورٌ لتبرأنا منهم، كما تبرأوا منا، " يقال تبرات منهم تبرؤا، وبرِئت منه
بَرَاءَة وبرِئْت من المرض وبَرَأتُ أيضاً لغتان " أبرأ، بَرءًا، وبريت القلم وغيره
وأبريه غير مهموز، وبرأ اللَّهُ الخلقَ بَرءًا.
وقوله : (كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ).
أي كـ تَبرِّي بعضهم من بعض يريهم اللَّهُ أعمَالَهُمْ حَسَراب عليهم لأن ما
عمله الكافر غير نافعه مع كفره، قال الله :
(الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ)
وقال: (حَبطَتْ أَعْمَالُهُمْ) ومعنى (أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ) لم يجازهم على ما عَملوا من خير، وهذا كما تقول لمن عَمل عملاً لم يعد عليه فيه نفع: لقد ضَل سَعْيُكَ.
стр. 203
وقوله : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨)
هذا على ضربين: أحدهما الإباحة لأكل جميع الأشياءِ إلا ما قد حظر
الله من الميتة وما ذَكر معهَا، فيكون (طَيِّبًا) نعتاً للْحَلَال، ويكون
طيباً نعتاً لما يستطاب، والأجود أن يكون (طَيِّبًا) من حيث يطيب لكم، أي لا تأكلوا وتنفقوا مما يحرم عليكم كقوله :
(وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ).
* * *
وقوله : (وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ).
أكثر القراءَة خُطُوات بِضَم الخاءِ والطاءِ، وإن شئت أسكنْتَ الطاءَ.
(خُطوَات) لثقل الضمة، وإن شئت خُطَواتٍ، وهي قراءَة شاذة ولكنها جائزة في العربية قوية، وأنشد الخَليلُ وسيبويه وجميع البصريين النحويين:
ولما رَأوْنا بَادياً رُكُبَاتُنَا. . . عَلَى مَوْطِنٍ لا نَخْلِطُ الجدَّ بالهَزلِ
ومعنى (خطوات الشيطان) طرقه، أي لا تَسْلكوا الطريق الذي يدعوكم إليه
الشيطان.
* * *
وقوله : (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٧٠)
معنى (ألفينا) صَادَفْنا، فعنَّفهم اللَّه وعاب عليهم تقليدهم آباءَهم.
فقال: (أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ).
стр. 204
المعنى أيتبعون آباءَهمْ وإن كانوا جهالاً، وهذه الواو مفتوحة لأنها واو
عطف، دخلت عليها ألف التوبيخ، وهي ألف الاستفهام فبقيت الوَاو مفتوحة على ما يجب لها.
* * *
قوله : (وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٧١)
وضرب اللَّه لهم هذا المثل، وشبهَهم بالغنم المنعوق بها.
بما لا يَسْمَع مُنه إلا الصوتَ، فالمعنى مثلك يا محمد، ومثلهم كمثل
الناعق والمنعوق به، بما لا يسمع، لأن سمعهم ما كان ينفعهم، فكانوا في
شركهم وَعَدَمِ قبول ما يسيمعون بمنزلة من لم يسمع، والعرب تقول لمن
يسمع ولا يعمل بما يسمع: أصم.
قال الشاعر:
أصمُّ عمَّا سَاءَه سمِيعُ
* * *
وقوله (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ).
وصفهم بالبَكَم وهو الخَرَس، وبالعَمَى، لأنهم في تركهم ما يبصرون
من الهداية بمنزلة العُمْي.
وقد شرحنا هذا في أول السورة شرحاً كافياً إِن شاءَ اللَّه. .
* * *
وقوله : (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣)
النَّصبُ في (الميتةَ) وماعطف عليها هو القراءَة، ونصبه لأنه مفعول
стр. 205
به، دخلت " ما " تمنع إنَّ من العمل، ويليها الفعل، وقد شرحنا دخول ما
مع إن، ويجوز إِنَما حرم عليكُم الميْتَةُ، والذي أختاره أن يكون ما تمنع أن من
العمل، ويكون المعنى ما حرم عليكم إِلا الميْتةَ، والدم ولحم الخنزير، لأن
" إنما " تأتي إِثباتاً لما يذكر بعدها لما سواه.
قال الشاعر:
أنا الزائد الحامي الذمار وإنما. . . يدافع عن أحسابهمْ أنا أو مثلي
المعنى ما يدافع عن أحسابهم إلا أنا أو مثلي، فالاختيار ما عليه جماعة
القراءِ لإتباع السنة، وصحته في المعنى. .
ومعنى (مَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ).
أي ما رُفَعَ فيه الصوتُ بتسمية غير الله عليه وهذا موجود في اللغة.
ومنه الإهلال بالحج إنما هو رفع الصوت بالتلبية.
والميتة أصلها الميِّتَةُ، فحذقت الياءُ الثانية استخفافاً لثقل الياءين والكسرة والأجود في القراءَة الميْتَةُ (بالتخفيف).
وكذلك في قوله: (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ) أصله أو من كان ميِّتاً
بالتشديدَ، وتفسير الحذف والتخفيف فيه كتفسيره في الميتة.
* * *
وقوله : (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ).
في تفسيرها ومعناها ثلاثة أوجه: قال بعضهم (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ)، أي فمن اضطر جائعاً غير باغ - غير آكلها تلذذاً - ولا عاد ولا مُجَاوِزٍ ما
يدفع عن نفسه الجوع، فلا إِثم عليه.
стр. 206
وقالوا: - (غَيْرَ بَاغٍ) غير مجاوز قدر حاجته وغير مقصِر عما يقيم به
حياته، وقالوا: أيضاً: معنى غيرباغ على إمَام وغيرمتعد على أمتِه، ومعنى
البغي في اللغة، قصد الفساد، يقال: بَغَى الجَرْحُ يبغي بغياً، إذا ترامى إلى
فساد، هذا إجماع أهل اللغة، تقول ويقال بغى الرجل حاجته يَبْغِيهَا بِغَاءً.
والعرب تقول خرج في بِغَاءٍ إبله قال الشاعر: "
لا يمْنعنكَ من بِغاءِ الخير تعقادُ التمائم
إنَّ الأشائم كالأيامن والأيامنُ كالأشائم
ويقال بغت المرأة تبغي بِغَاءً إذا فجرت:
قال اللَّه : (وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا)
أي على الفجور ويقال: ابتَغَى لفلان أنْ يفعل كذا: أي صلح له أن يفعل كذا وكأنه قال: طلب فعل كذا فانطلب له، أي طاوعه، ولكن اجتزئ بقولهم - ابتغى، والبغايا في اللغة شيئان، البغايا الفواجر، والبغايا الإماء، قال الأعشى:
والبغَايا يركضن أكْسية ألا. . . ضْرِيج والشرعَبيَّ ذَا الأذيالِ
ونصب (غَيْرَ بَاغٍ) على الحال.
* * *
وقوله : (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٤)
يعني علماءَ إليهود الذين كتموا أمر النبي ﷺ .
وقوله: (وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا) أي كتموه لأنهم أخذوا على كِتْمَانِه
الرِّشَى.
стр. 207
(أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ).
المعنى أن الذين يأكلونه يعذبون به، فكأنهم إنما أكلوا النار وكذلك قوله
: (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ)).
أي يُصَيرُهُمْ أكْلُهُ في الآخرة إلى مثل هذه الحالة.
و (الَّذِينَ) نصب ب (إِنَّ)، وخبر (إِنَّ) جملة الكلام وهي (أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ)، و (أُولَئِكَ) رفع بالابتداءِ وخبر (أُولَئِكَ) (مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ).
* * *
وقوله : (وَلاَ يُكَلمُهُمْ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ).
فيه غير قول: قال بعضهم معناه يغضب عليهم، كما تقول: فلان لا
يكلم فلاناً، تريد هو غضبان عليه.
وقال بعضهم معنى (لاَ يُكَلمُهُمْ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ) لا يرسل إليهم الملائكة بالتَحيةِ، وجائز إِن يكون: (لاَ يُكَلمُهُمْ اللَّهُ) لا يسمعهم الله كلامه، ويكون الأبرار وأهل المنزلة الذين ﵃ يسمعون كلامه.
* * *
وقوله : (وَلَا يُزَكِّيهِمْ).
أي لا يثنى عليهم، ومن لا يثني اللَّه عليه فهو معذب.
* * *
وقوله : (وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ).
معنى (أَلِيمٌ) مؤلم ومعنى مؤلم مبالِغٌ في الوجع.
* * *
وقوله : (أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (١٧٥)
(فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ)
وفيه غير وجه: قال بعضهم أيُّ شيءٍ أصْبرهُمْ على النار.
وقال بعضهم: فما أصبرهم على عمل يؤدي إِلى النار لأن هؤلاءِ كانوا علماءَ بأن من عاند النبي ﷺ صار إلى النار.
كما تقول ما أصبرَ فلاناً على الجنس أي ما أبقاه منه.
стр. 208
وقوله : (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (١٧٦)
المعنى الأمر ذلك، أو ذلك الأمر فذلك مرفوع بالابتداءِ.
أو بخبر الابتداءِ.
* * *
وقوله : (وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ)
بتباعد بعضهم في مَشَاقَّةِ بعض، لأن إليهود والنصارى هم الَّذين اختلفوا في
الكتاب ومشاقتهم بعيدة.
* * *
وقوله : (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧)
المعنى ليس البر كله في الصلاة (وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ). . . إلى آخر الآية، فقيل إن هذا خصوص في الأنبياءِ وحدهم، لأن هذه الأشياءِ التي وصفت لا يؤديها بكليتها على حق الواجب إِلا الأنبياءَ ﵈.
وجائز أن يكون لسائر الناس، لأن الله قد أمر الخلق
بجميع ما في هذه الآية.
ولك في البرِّ وجهان: لك أن تَقْرَأ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا)، و (لَيْسَ الْبِرُّ أَنْ تُوَلُّوا) فمن نصب جعل أنْ مع صلتها الاسم، فيكون المعنى: ليس توليتُكُم
وجُوهَكُم البرَّ كلَّه، ومن رفع البر فالمعنى: ليس البَّر كلُه توليتكم، فيكون البر اسم ليس، وتكون (أَنْ تُوَلُّوا) الخبر.
وقوله عؤّ وجلَّ: (وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ).
إِذا شددتَ (لَكَنَّ) نصبت البر، وإِذا خففت رفعت البر، فقلت ولكنِ
البِر من آمن باللَّه، وكسرتَ النونَ من التخفيف لالتقاءِ السَّاكنين، والمعنى:
ولكن ذا البر من آمن باللَّه، ويجوز أن تكون: ولكن البر بَر مَن آمن باللَّه، كما قال الشاعِر:
стр. 209
وكيف تواصل من أصبحت. . . خلالته كأبي مرحب
المعنى كخلالة أبي مرحب - ومثله (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا).
المعنى وأسال أهل القرية.
* * *
وقوله : (والمُوفونَ بعَهْدِهِمْ إذَا عَاهَدُوا).
في رفعها قولان: الأجود أن يكون مرفوعاَ على المدح، لأن النعت إذا
طال وكَثُرَ رُفِعَ بعضُه ونُصِب على المدح.
المعنى " هم الموفون بعهدهم وجائز أن يكون معطوفاً على من.
المعنى ولكن البر، وذو البر المؤمنون والموفون بعهدهم.
* * *
وقوله : (وَالصَّابِرِينَ).
في نصبها وجهان: أجودهما المدح كما وصفنا في النعت إذا طال.
المعنى أعني الصابرين، قال بعض النحويين، إِنه معطوف على ذوي القربى.
كأنه قال: وآتي المالَ على حبه ذوي القربى والصابرين وهذا لا يصلح إلا أن
يكون - والموفون رفع على المدح للمُضْمَرِينَ، لأن ما في الصلة لا يعطف
عليه بعد المعطوف على الموصول.
ومعنى " وحينَ البَأْسِ " أي شدة الحرب، يقال قد بأس الرجل يَبْأسُ
стр. 210
بَأساً وبَاساً (وبُؤساً) يا هذا إذا افتقر وقد بؤس الرجل ببؤس، فهو بَئيس إذا
اشتدت شجاعته.
* * *
وقوله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٨)
معنى (كُتِبَ عَلَيْكُمُ) فرض عليكم، وقوله (الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى): يقال إنه كان لقوم من العرب طَول على آخرين فكانوا يتزوجون فيهم بغير مهور، ويطلبون بالدم أكثر من مقداره، فيقتلون بالعبد من عبيدهم الحر من الذين لهم عليهم طولٌ فأنزل اللَّه : (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ).
أي من ترك له القتل ورضي منه بالدِّية -
وهو قاتل متعمد للقتل عفى له بأن ترك له دمُه، ورضي منه بالدية - قال اللَّه : (ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ) وذكر أن من كان قبلنا لم يفرض عليهم إلا النفس -
كما قال : (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) أي في التوراة - فتفضل اللَّه على هذه الأمة بالتخفيف والدية إذا
رضي بها وفيُ الدم.
ومعنى (فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ) على ضربين: جائز أن يكون
فعلَى صاحب الدم اتباع بالمعروف، أي المطالبة بالدية، وعلى القاتل أداء
بإحسان - وجائز أن يكون الإتباع بالمعروف والأداء بإحسان جميعاً على
القاتل - واللَّه أعلم.
وقوله غز وجلَّ: (فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ).
أي بعد أخذ الدية، ومعنى اعتدى: ظلم، فوثب فقتل قَاتِلَ صَاحِبِه بعد أخذ الدية - (فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ) أي موجع.
стр. 211
ورفع (فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ) على معنى فعليه اتباع - ولوكان في غير
القرآن لجاز فاتباعاً بالمعروف وأداءً على معنى فليتبع أتباعاً ويؤد أداءً.
ولكن الرفع أجود في العربية.
وهو على ما في المصحف وإجماع القراءِ فلا سبيل إلى غيره.
* * *
وقوله : (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)
(حَيَاةٌ) رفعَ على ضربين: على الابتداءِ، وعلى لكم، كأنَّه قال وثَبَت لكم
في القصاص حياة يا أولي الألباب أي يا ذوي العقول.
ومعنى الحياة في القصاص أن الرجل - إذا علم أنَّه يُقْتَل إنْ قتَل -
أمسك عن القتل ففي إمساكه عن القتل حياة الذي همَّ هو بقتله. -
وحياة له؛ لأنه من أجل القصاص أمسك عن القتل فَسَلِم أن يقتل.
* * *
وقوله : (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠)
المعنى وكتب عليكم: إلا أن الكلام إذا طال استغنى عن العطف بالواو، وعلم أن معناه معني الواو.
ولأن القصة الأولى قد اسْتَتَمَّت وانْقَضَى معنى الفرض فيها، فعلم أن المعنى فرض عليكم القصاص وفرض عليكم الوصية.
ومعنى. (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ).
هذا الفَرضُ بإجماع نسخته آياتُ المَواريث في سورة النساءِ وهذا مجمع
стр. 212
عليه، ولكن لا بد من تفسيره ليعلم كيف كان وجه الحكمة فيه، لأن اللَّه
لا يتعبد في وقت من الأوقات إِلا بما فيه الحكمة البالغة
فمعنى (كُتِبَ عَلَيْكُمْ): فرض عليكم - إن ترك أحدكم مالا - الوصية (للوالدين والأقربين بالمعروف)، فَرَفَعَ الوصية على ضربين، أحدهما على ما لم يسم فاعله، كأنه قال كتب عليكم الوصية للوالدين، أي فرض عليكم، ويجوز أن تكون رفع الوصية على الابتداءِ، ويجوز أن تكون، للوالدين الخبر، ويكون على مذهب الحكاية، لأن معنى كتب عليكم قيل لكم: الوصية للوالدين والأقربين.، وإِنما أُمِرُوا بالوصية في ذلك الوقت لأنهم كانوا ربما جاوزوا بدفع المال إلى البعَداءِ طلباً للرياءِ والسمعة.
ومعنى (حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ) ليس هو إنَّه كتب عليه أن يوصي إذا حضره
الموت، لأنه إِذا عاين الموت " يكون " في شغل عن الوصية وغيرها.
ولكن المعنى كتب عليكم أن توصُّوا وأنتم قادرون على الوَصيةِ، فيقول الرجل إذا حضرني الموت، أي إِذا أنا مِت فلفلان كذا، على قدر - ما أمِرَ به - والذي أمِرَ به أن يجتهد في العدل في وقت الإمْهَال، فيوصي بالمعروف - كما قال اللَّه لوالديه ولأقربيه - ومعنى بالمعروف بالشيءِ الذي يعلم ذو التمييز أنه لا جَنَفَ فيه ولا جَوْر، وقد قال قوم إِن المنسوخ من هذا ما نسخته المواريث.
وأمر الوصية في الثلث باق، وهذا القول ليس بشي لأن إجماع المسلمين أن
ثلث الرجل له إن شاءَ أن يوصي بشي فله، وإن ترك فجائز (فالآية) في
стр. 213
قوله: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ). . . الوصية منسوخة بإجماع.
وكما وصفنا.
* * *
وقوله : (حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ).
نصب على حق ذلك عليكم حقاً، ولوكان في غير القرآن فَرُفعَ كان
جائزاً، على معنى ذلك حق على المتقين.
* * *
وقوله : (فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٨١)
يعني فمن بدل أمر الوصية بعد سماعهِ إيَّاها، فإِنما إثْمُه على مُبَدلِهِ، ليس على الموصى، - إذا احتاط أو اجتهد فيمن يوصى إليه - إثم، ولا على الموصى له إِثم وإِنما الإثم على الموصي إن بدل.
* * *
وقوله : (إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ).
أي قد سمع ما قاله الموصي، وعلم ما يفعله الموصَى إِليه، لأنه
عالم الغيبِ والشَهَادَة.
* * *
وقوله : (فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨٢)
أي مَيْلاً، أو إثماً، أو قَصَداً لِإثم، (فأصلح بينهم) أي عمل بالإصلاح بين
الموصى لهم فلا إثم عليه، أي لأنه إنما يقصد إلى إصلاح بعد أن يكون
الموصي قد جعل الوصية بغير المعروف مخالفاً لأمر اللَّه فإِذا ردها الموصى
إليه إِلى المعروف، فقد ردها إِلى ما أمر اللَّه به.
* * *
(وقوله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)
المعنى فرض عليكم الصيام فرضاً كالذي فرض على الذين من قبلكم.
وقيل إنه قد كان فرض على النصارى صوم رمضان فَنَقَلُوه عن وقته، وزادوا
فيه، ولا أدري كيف وجه هذا الحديث، ولا ثقة ناقليه، ولكن الجملة أن اللَّه قد أعلمنا أنه فرض على من كان قبلنا الصيام، وأنه فرض علينا كما فرضه على الذين من قبلنا.
стр. 214
وقوله : (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ).
المعنى أنَّ الصِّيَام وَصْلَة إلى التقي، لأنه من البر الذي يكف الِإنسان
عن كثير مما تتطلع إِليه النفس من المعاصي، فلذلك قيل (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ).
و" لعل " ههنا على ترجي العباد، والله من وراءِ العلم أتتقون أم
لا. ولكن المعنى أنه ينبغي لكم بالصوم أن يقوى رجاؤكم في التقوى.
* * *
وقوله : (أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٤)
ْنصب (أَيَّامًا) على ضربين، أجْوَدهما أن تكون على الظرف كأنه، كتب
عليكم الصيام في هذه الأيام - والعامل فيه الصيام كان المعنى كتب عليكم
أن تصوموا أياماً معدودات.
وقال بعض النحويين، إنه منصوب مفعول مَا لم يسَمَّ فاعله.
نحو أعَطِيَ زيد المال.
وليس هذا بشيءٍ لأن الأيام ههنا معلقة بالصوم.
وزيد والمال مفعولان لأعطى.
فلك أن تقيم أيهما شئت مقام الفاعل.
وليس في هذا إلا نصب الأيام بالصيام.
* * *
وقوله : (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ).
أي فعليه عدة، أو فالذي ينوب عن صومه في وقت الصوم عدة من أيام
أُخَرَ.
و (أُخَرَ) في موضع جر، إِلا أنها لا تَنْصَرِف فَفتِحَ فيها المجرور.
ومعنى (وعلى الذين يطيقونه) أي يطيقون الصوم فدية طعام، مسكين، أي
إن أفطر وترك الصوم كان فدية تركه طعام مسكين.
وقد قرئ " طعام مساكين "
стр. 215
فمعنى طعام مساكين فدية أيام يفطر فيها وهذا بإجماع وبنص القرآن منسوخ.
نَسخَته الآية التي تَلي هذه.
وقوله : (وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ).
رفع خير خبر الابتداءِ. المعنى صومكم خير لكم هذا كان خيراً لهم مع
جواز الفدية، فأما ما بعد النسخ فليس بجائز أن يقال: الصوم خير - من الفدية والإفطارِ في هذا الوقت، لأنه ما لا يجوز ألبتَّة فلا يقع تفضيل عليه فيوهم فيه أنه جائز. وقد قيل إِن الصوم الذي كان فرض في أول الإسلام. صوم ثلاثة أيام في كل شهر ويوم عاشوراءِ، ولكن شهر رمضان نَسَخَ الفرضَ في ذلك الصوم كله.
* * *
وقوله : (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥)
القراءَة بالرفع ويجوز النصب، وهي قراءَة ليست بالكثيرة ورفعه على
ثلاثة أضرب: أحدها الاستئناف. المعنى الصيام الذي كتب عليكم أو الأيام
التي كتبت عليكم شهر رمضان، ويجوز أن يكون رفعه على البدل من الصيام
فيكون مرفوعاً على ما لم يسم فاعله، المعنى كتب عليكم شهر رمضان.
ويجوز أن يكون رفعه على الابتداءِ ويكون الخبر (الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ)
والوجهان اللذان شرحناهما - " الذي " ْ فيهما رفعٌ على صفة الشهر، ويكون الأمر بالفرض فيه (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ)
ومعنى من شهد: من كان شاهداً غير مسافر فليصم، ومن كان مسافراً أو مريضاً فقد جُعِل له أن
следующие страницы →