← Тафсир

Тафсир · id 922

معاني القرآن وإعرابه للزجاج

الزجاج

Полный текст (2 149 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

أي تعاونا. جاء في التفسير أنهم عَنَوْا موسى وهارون. وقالوا عَنَوْا موسى وعيسى، وقيل عَنَوْا موسى ومحمًداً ﵉. وقرئ (سِحْرَانِ تَظَاهَرَا) يَعْنونَ كتَابَيْنِ، فقالوا: الإنجيل والقرآن، ودليل مَن قرأ (سِحْران) قوله: (قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا). وهذا لا يمنع سَاحِران، لأن المعنى يصيرُ: قل فأتوا بكتاب من عِنْد الله هُوَ أَهْدَى مِنْ كِتَابَيهِمَا. * * * وقوله: (فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠) فاعلم أن مَا ركبُوه من الكفر لا حجَّةَ لَهُم فِيه، وإنما آثروا فِيه الهَوَى وقد علموا أنه هو الحق. * * * (وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥١) أي فصَّلْنَاه بأن فصَّلْنا ذكر الأنبياء وَأَقَاصِيصَهُمْ، وأقاصيص مَنْ مَضَى، بعضها بِبَعْض. (لَعَلَّهُمْ يَتَذَكرُونَ) أي لَعَلًهُمْ يَعْتَبِرْونَ. * * * وقوله: (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) جاء في التفسير أن هؤلاء طائفة من أهل الكتاب كانُوا يَأخُذون به وينتهون إلَيْهِ ويقفون عندَهُ. كانوا يحكمون بحكم اللَّه، بالكتاب الذي أُنْزِلَ قَبل القرآن. فلما بُعِثَ مُحمًدٌ ﷺ وتلا عليهم القرآنَ قَالُوا آمَنَا بِهِ إنه الحَق مِنْ رَبِّنَا. وذلك أَنّ ذكَرَ محمد ﷺ كان مكْتُوباً عندهم في التوراة والإنجيل، فلم يعانده هؤلاء وآمَنُوا وَصَدقُوا، فأثنى اللَّه عليهم خيراً وقال:

стр. 1507

(أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٥٤) أي يؤتون أجرهم بإيمانهم بالكتاب الذي مِنْ قبلِ محمد ﷺ . و (يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ) بالِإيمان بمحمد ﷺ والقرآن. (وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ). معنى (وَيَدْرَءُونَ) يدفعون - بما يعلمون من الحسنات - ما تَقَدم لهم من السَيِّئاتِ. (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) أيْ يَتَصَدقون. * * * (وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ (٥٥) أي إذا سمعوا ما لا يجوز وينبغي أن يلغَى لم يلتفتوا إليه. (وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ). ليس يريدون بقولهم ههنا سلام عليكم التحيَّة. المعنى فيه أعرضوا عنه وقالوا سلام عليكم، أي بيننا وبينكم المتَاركةُ والتسَلمُ. وهذا قبل أن يؤمَرَ المُسْلِمُون بالقِتَالِ. * * * وقوله: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٥٦) أجمع المفسرون أنها نزلت في أَبِي طَالِبِ، وجائز أن يكون ابتداء نزولها في أبي طَالِبِ وهي عامَّةٌ، لأنه لاَ يهدي إلا اللَّه، وَلَا يُرْشِدُ ولا يوفق إلا هو، وكذلكَ هو يُضِلُّ من يشاء. * * * (وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٥٧) كانوا قالوا للنبي ﷺ إنا نعلم أن ما أتيت به حَق، ولكنا نكره إنْ آمَنَّا بِكَ

стр. 1508

أن نُقْصَدَ ونُتَخَطَّفَ منْ أرْضِنَا فأعلمهم الله أنه قَدْ تَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بأن آمنهم بمكَةَ، فَأعْلَمَهم أن قد آمَنَهمْ بحرمَةِ البَيْتِ، ومنع منهم العَذو أي فلو آمنوا لكان أولى بالتمكن والأمن والسَّلَامَةِ. * * * وقوله : (وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ (٥٩) يعني بأمِّها مَكًةَ، ولم يكن ليهْلكَهَا إلا بظلِمْ أهْلِهَا. * * * (أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٦١) يعني المؤمِن والكافِر، فالمؤمِن من آمن باللَّه ورسوله وأطاعه ووقف عند أَمْرِه فَلُقِيَه جزاءَ ذَلِكَ، وهو الجنَّة، والذي مُتِّعَ متاعَ الحياة الدنيا كافرُ. لم يُؤْمِنْ باللَّه ثم أُحْضِرَ يوم القيامَةِْ العَذَابَ وذلك قوله عز وجل: (ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ). وجاء في التفسير أن هذه الآية نَزَلَتْ في محمد ﷺ وأبي جَهْل ابْنِ هِشَام فالنبي ﷺ وُعِدَ وَعْداً حسناً فَهو لاَقِيه في الدنيا بأنه نُصِرَ على عَدوِّهِ في الدنيا، وهو في الآخرة في أعلى المراتب من الجنة، وأبو جهل من المُحْضَرِينَ. * * * وقوله : (وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا). (مَعِيشَتَهَا) مَنْصوبَةٌ بإسقاط في وَعَمَل الفِعْل. وتأويله بطرت في مَعِيشَتِها والبطرُ الطغيانُ بالنِعْمَةِ.

стр. 1509

وقوله: (وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٦٢) أي يوم ينادي الإنس. وسماهم " شركائي " على حِكَايَةِ قَوْلِهِمْ. المَعْنَى أين شركائي في قولكم، واللَّه واحد لا شريك له. * * * (قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ (٦٣) الجِنُّ، والشيَاطِين. (هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا). يعْنُونَ الِإنْسَ، أي سولنا لهم الغَيَّ والضلَالَ. (أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا). أي أضللناهم كما ضَلَلْنَا. * * * وقوله : (تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ). برئ بعضهم من بَعْض، وصاروا أَعْداءً، كما قال الله : (الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (٦٧). * * * وقوله: (وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ (٦٤) (فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ). أي لم يُجيبوهم بحجةٍ. (وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ). جوأب " لو " محذوف - واللَّه أعلم - المعنى لو كانوا يَهْتَدُونَ لما اتبعُوهم ولا رأوا العذابَ. * * * وقوله: (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٨) أجود الوقوف على (وَيَخْتَارُ)؛ وتكونْ " مَا " نفياً. المعنى ربك يخلق ما يشاء، وربك يختار ليْسَ لهم الخيرة. وما كانت لهم الخيرةُ، أي

стр. 1510

ليس لهم أن يَخْتاروا على اللَّه، هذا وجه. ويجوز أن يكون (ما) في معنى الذي فيكون المعنى ويختار الذي كان لهم فيه الخيرة. ويكون معنى الاختيار ههنا ما يتعبدهم به، أي ويختار لهم فيما يدعوهم إليه مِنْ عِبَادَتِه ما لهم فيه الخيرة، والقول الأول أجود - أي أن تكون (ما) نَفْياً. وقوله: (سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ). معنى سبحان الله تنزيه له من السوءِ. كذا هو في اللغة - وكذا جاء عن النبي ﷺ . * * * قوله: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (٧١) السَّرمَدُ في اللغَةِ الدائِمُ. وقوله: (مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ). أي بِنَهارٍ تُبْصرون فيه وتتصرفون في مَعَايشكم، وتصْلِحُ فيه ثماركم وَمَنَابتكُمْ لأن اللَّه جعل الصلاح للخلق بالليل مع النهار، فلو كان واحِدٌ منهما دون الآخر لهلك الخَلْقُ، وكذلك قوله في النهار: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٧٢) أعلمهم أن الليل والنهار رحمةٌ فقال: (وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٣)

стр. 1511

المعنى جَعَل لكم الزمانَ لَيْلاَ ونَهاراً، لتسكنوا بالليل وتبتغوا من فضل الله بالنهار. وجائز أن تَسْكنوا فيهما، وأن تبتغوا من فضل اللَّه فيهما. فيكون المعنى جعل لكم الزمان ليلًا ونهاراً لتسكنوا فيه ولتبتغوا مِنْ فَضْلِه. * * * وقوله: (وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٧٥) أي نزعنا من كل أمّة نَبِيًّا أي اخْتَرْنَا منها نبيًّا وكلَّ نَبيٍّ شاهد على أمته. وقوله: (فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ). أي هاتوا فيما اعْتَقَدْتم بُرْهَاناً أيْ بَيَاناً أنكم كنتم على حَقٍّ. (فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ). أي فعلموا أَنَّ الحق تَوحِيدُ اللَّه وَمَا جَاءَ بِهِ أنبياؤُه. وقوله: (وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ). أي لم ينتفعوا بكل ما عَبَدُوه مِنْ دونِ اللَّهِ، بل ضرَّهم أعظم الضَّرَرِ. * * * وقوله تعالى: (إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (٧٦) قَارُون اسم أَعْجمي لا ينصرف، ولو كان فَاعولًا مِنَ العربيَّةِ، مِنْ قَرنْتُ الشَّيءَ - لا يُصْرف. فلذلك لم يُنَوَّنْ. وجاء في التفسير أَن قارون كان ابنَ عَمِّ مُوسَى، وكان مِنَ

стр. 1512

العُلَماء بالتوْرَاةِ. فبغَى على موسى وَقَصَدَ إلى الإفساد عليه وتكذيبه. وكان من طلبه للإفْسَادِ عَلَيْه أَن بَغِيًّا كانت مَشْهُورَةً في بني إسرائيل. فَوَجَّهَ إليها قارونُ - وَكَانَ أَيْسَرَ أَهلِ زَمَانِهِ - يأمرها أن تَصِيرَ إليه، وهو في مَلأٍ مِنْ أَصْحابه لِتَتَكَذَّبَ على مُوسَى وتقول: إنه طلبني للفساد والرِّيبَةِ، وضمن لها قَارُونُ إنْ فعلتْ ذلك أن يَخْلِطها بِنِسَائِهِ، وَأَنْ يُعطِيها على ذلك عَطَاءَ كبيراً، فجاءت المرأةُ - وقارون جالس مع أصحابه - وَرَزَقها اللَّهُ التوبة فقالت في نفسِها مالي مَقَامُ توبةٍ مثلُ هذا، فأقبلت على أهل المجلس وقارُونَ حَاضِرٌ، فقالت لهم إن قارونَ هَذَا وَجَّه إليَّ يأمُرُنِي وَيَسْأَلُني أن أتكذَّب على موسى، وأن أقول إنه أرادَني للفساد وإنَّ قارونَ كاذبٌ في ذلك فلما سمع قارون كلامها تحيَّر وَأُبْلِسَ واتصَلَ الخَبَرُ بمُوسَى ﵇ فجعل اللَّهُ أَمْرَ قارون إلى مُوسَى وأمر الأرض أَنْ تطيعَه فيه، فَوَرَدَ مُوسَى على قارونَ فَاَحَسَّ قارون بِالبَلاءِ، فقال يا موسى ارْحَمْني، فقال: يا أرض خُذِيهِ فخُسِفَ به وَبِدَارِه إلى رُكْبَتَيهْ، فقال: يا موسى ارحمني، فقال: يا أرض خُذِيه فَخُسِف به إلى سُرتِهِ، ثم قال: يا أرض خذيه فخسف به إلى عُنُقِهِ واسترحَمَ موسى فقال يا أرض خذيه فخسف به حتى ساخت الأرضُ بِهِ وبداره، قال الله : (فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (٨١). * * * وقوله تعالى: (وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ). روي في التفسير أن مَفَاتِحَه كانت من جُلُودٍ على مقادر الإصبع وكانت تحمل على سبعين بَغْلًا أو ستين بَغْلاً، وجاء أَيْضاً أَن مفاتحه

стр. 1513

خزائنُه، وقيل إن العُصْبَةَ ههنا سَبْعُونَ رَجُلاً، وقيل أربعون، وقيل ما بين الخَمسة عَشَرَ إلى الأرْبَعِين، وقيل ما بين الثلاث إلى العشرة. والعُصْبَةُ في اللغة الجماعة الذين أَمْرُهُمْ وَاحِد يتابع بعضهم بعضاً في الفِعْلِ ويتعصَّبُ بعضهم لِبَعْضٍ. والأشبَهُ فيما جاء في التفسير أن مفاتحه خزائنهُ، وأنها خزائن المال الذي يُحْمَلُ على سَبْعِينَ، أو على أربعين بَغْلاً - واللَّه أعلم - لأن مفاتَح جلود على مِقْدَارِ الإصْبَع، تُحمَلُ على سبعين بغلاً للخزائن أمر عظيم - واللَّه أعلم -. ومعنى (لَتَنُوءُ بِالعُصْبَةِ) لَتُثْقِلُ العُصْبَةَ. قَالَ أَبُو زَيْدٍ: يقال نؤت بالحِمْلِ أنوءُ به نُوءاً إذا نَهَضْت به. وناء بي الحمل إذا أَثْقَلَنِي. وقوله: (إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ). جاء في التفسير لا تَأشَرْ إن اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الأشِرينَ. ولا تفرح ههنا - واللَّه أعلم - أي لا تفرح لكثرة المال في الدنيا لأن الذي يفرح بالمال ويصرفه في غير أَمْر الآخِرةِ مَذْمُوم فيه. قال اللَّه : (لِكَيْلَا تَأسَوُا عَلَى مَا فَاتَكُمْ). والدليل على أنهم أرادوا لا تفرح بالمال في الدنيا قولهم: (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧) ولا تنس نصيبك من الدنيا، أي لا تنس أن تعمل به لآخرتك. لأن حقيقة نصيب الإنسان من الدنيا الذي يعمل به لآخرَتِهِ.

стр. 1514

(قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (٧٨) ادَّعى أن المال أُءْطِ يَة لعلمه بالتوراة، والذي رُويَ أنه كانَ يَعْمَل الكِيميَاء، وهذا لايصح لأن الكيمياء باطلٌ لَا حقيقة له. * * * وقوله: (فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٧٩) جاء في التفسير أنه خرج هُوَ وأصحابه عَلَى خَيْلِهِمْ، وَعَلَيْهِمْ وَعَلَى الخَيْلِ الأرْجُوَانُ. والأرجوان في اللغة صبغ أَحْمَر. وقيل: كان عليهم وعلى خيلهم الديبَاج الأحْمَر. * * * وقوله: (وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ (٨٠) (وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ) أي لا يُلَقًى هَذه الفَعْلةَ، وهذه - الكلمة يعني قولهم: (وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا). * * * وقوله: (وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (٨٢) يعني الذين قالوا: (يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ). (يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ). هذه اللفظة لفظة " وَيْكَ " قد أَشْكَلَتْ على جَمَاعَةٍ من أَهْلِ اللغةِ وجَاءَ في التفسير أن معناها ألم تر أنه لَا يُفلح الكَافِرونَ. وقال بعضهم معناها أما تَرَى أنه لا يفلح الكافرونَ. وقال بعض النحويين - وهذا غلط عظيم - إنَّ مَعناها وَيْلَكَ اعْلَمْ أنه لا يفلح الكافرون فحذف اللام فبقيتْ وَيْكَ وَحَذَفَ أعلم أنه لا يفلح الكافرون، وهذا خطأ من ْغير جهة، لو كان كما قال لكانت أن مكسورة كما تقول: ويلك إنه قَدْ كَانَ كذا وكذا، ومن جهة أخرى أنْ يُقَالَ لمن خاطب القوم بهذا

стр. 1515

فقالوا: ويلك " إنه لا يفلح الكافرون "، ومن جهة أخرى أنه حذف اللام من ويل. والقول الصحيح في هذا ما ذكره سيبويه عن الخليل ويونس. قال سألت عنها الخليل فزعم أنها " وَيْ " مفصولة من كأنَّ. وأن القوم تنبهوا فقالوا: وَيْ، مَتندِّمِينَ على ما سلف منهم، وكل من تندم أو ندم فإظهار تندمه وندامته أن يقول " وي " كما تعاتب الرجل على ما سلف منه فقول: وي، كأنك قصدت مكروهي، فحقيقة الوقف عليها وَيْ، وهو أجود في الكلام، ومعناه التنبيه والتندم. قال الشاعر: سَألتَاني إلى طلاق إذ رأتاني. . . قلَّ مالي قد جِئْتما فِي بنكر وَيْ كأنْ مَنْ يكنْ له نَشَبٌ يُحْ. . . بَبْ ومَنْ يَفْتَقِرْ يَعِشْ عيشَ ضُرِّ فهذا تفسير الخليل، وهو مشاكل لما جاء في التفسير، لأن قول المفسرين هو تنبيه (١). * * * وقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٨٥) معنى فرض عليك القرآن أنزله عليك وألزمك، وفرض عليك العمل بما يوجبه القرآن.

стр. 1516

(لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ) جاء في التفسير: لَرَادُّكَ إِلَى مكانك بمكة. وقيل إلى معادٍ إلى مكانك في الجنة، وأكثر التفسير لباعثك، وعلى هذا كلام الناس: اذْكُر المَعَادَ. أي اذكر مبعثك في الآخرة. * * * وقوله : (وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ (٨٦) (فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ). أيْ مُعيناً للكَافِرِين، ويجوز فلا تَكُونَنْ ظهيراً، ولكني أكرهها لأنها تخالف المصحف، ويجب أن تكتب بالتخفيف بالألف. * * * وقوله: (وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٨) (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ). (وَجْهَهُ) منصوب بالاستثناء، ومعنى (إِلَّا وَجْهَهُ) إلا إياه، ويجوز (إِلَّا وَجْهُهُ) بالرفْع، ولكن لا ينبغي أن يقرأ بها، ويكون المعنى كل شيء غير وجهه هالك. وهو مثل قول الشاعر:. وكل أخ مفارقه أخوه. . . لَعَمْرَ أبيك إلا الفَرقَدَان المعنى وكل أخ غير الفرقدين مفارقه أَخُوه.

стр. 1517

سُورَةُ العَنْكَبُوت (مَكِّيَّة) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله: (الم (١) (الم) تفسيرها أنَا اللَّه أعلم. وقد فسرنا كل شيء قيل في هذا في أول سورة البقرة. وقوله: (أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) اللفظ لفظ استخبار والمعنى معنى تقرير وتوبيخ، ومعناه أَحَسِبُوا أَنْ نَقْنَع منهم أن يقولوا " إنَّا مؤمنون " فقط ولا يمتحنون بما يَتَبَينُ به حقيقة إيمانهم. وجاء في التفسير في قوله - جلَّ وعزَّ -: (وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ)، لا يختبرون بِمَا يُعْلَمُ بِهِ صدقُ إيمانهم من كذبه. وقيل: (لَا يُفْتَنُونَ) لَا يُبتَلَوْنَ فِي أَنْفُسِهم وأموالهم، فيعلَمُ بالصبر عَلى البَلاءِ الصادِق - الإيمان مِنْ غَيْرِه. وموضع " أن " الأولى نصب اسمُ حَسِبَ وخبره. وموضع " أن " الثانية نصب من جهتين: أجْوَدُهُمَا أنْ تَكُونَ مَنْصُوبَةً بِـ (يُتْرَكُوا) فيكون المعنى أحسب الناس أن يتركوا لأنْ يقولوا، وبأن يقولوا. فلما حذف حرف الخَفْضِ وصل بِـ (يُتْرَكُوا) إلى أن فَنَصبَ، ويَجُوزُ أن تكون الثانية

стр. 1518

العامل فيها " أَحسِبَ "، كان المعنى على هذا - والله أعلم - أَحَسِبَ النَاسُ أَنْ يَقولُوا آمَنَا وهم لا يُفْتَنونَ. والأولى أَجْوَد. * * * وقوله: (وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣) أي اخْتَبَرْنَا وابْتلينا. وقوله: (فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ). المعنى ولَيَعْلَمَنَّ صِدْقَ الصادِق بوقوع صِدْقِه منه، وكَذِبَ الكَاذِبِ بوقوع كَذِبِه مِنْه، وهو الذي يُجَازِي عليه، واللَّه قد عَلِمَ الصًادِق من الكاذِبِ قبل أَنْ يَخْلُقَهما ولكنَّ القَصْدَ قَصْد وقوع العلم بما يُجَازَى عَلَيْه. * * * وقوله: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٤) أي يَحْسَبُونَ أَنًهم يَفُوتُونَنا، أي ليس يُعْجِزُونَنَا. (ساء ما يحكمون) على معنى ساء حكماً يحكمونَ، كما تقول نعم رَجُلًا زَيْدٌ - ويجوز أن تكون رفعاً، على معنى ساء الحكم حكمهم. * * * وقوله: (مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٥) معناه واللَّه أعلم من كان يَرْجُو ثوابَ لِقَاءَ اللَّهِ،، فأمَّا من قال: إن معناه الخوف، فالخوف ضِدُّ الرجَاءِ، وليس في الكلام ضِد. وقد بيَّنَّا ذلك في كِتَابِ الأضْدَادِ. وقوله: (فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ).

стр. 1519

(مَن) في معنى الشرط، يرتفع بالابتداء، وخبرها كان، وجواب الجزاء (فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ). * * * وقوله: (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨) القراءة (حُسْناً)، وقد رويَتْ (إحْسَاناً). و (حُسْناً) أَجْوَدُ لموافقة المصحف، فمن قال حُسْناً فهو مِثْلُ وَصَّيْنَا، إلا أن يفعل بوالديه ما يحْسُنُ. ومن قرأ (إحْسَاناً) فمعنَاهُ ووصينا الإنسان أن يحسن إلى والديه إحساناً، وكأنَّ (حُسْناً) أعَمُّ في البر. وقوله: (وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا). معناه: وَإِنْ جَاهَدَاكَ أيها الإنسان والداك لتشرك بي، وكذلك على أَنْ تُشْرِكَ بي. ويروى أن رَجُلًا خرج مِنْ مَكةَ مُهَاجِراً إلى النبي ﷺ إلى المدينة، فَحَلَفتْ أمه أَنْ لا يظلها بيت حتى يرجع، فأَعلم اللَّه أَن برَّ الوَالِدَيْنِ وَاجِبٌ، ونهى أَنْ يَتابَعَا على مَعْصِيَةٍ اللَّه والشرك به، وإن كان ذلك عند الوالدين برًّا. * * * وقوله: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ (١٠) أي فإذا ناله أَذًى أَوْ عَذَابٌ بسبب إيمانه جَزِعَ من ذلك ما يجزع من عذاب اللَّه. وينبغي للمؤمن أَنْ يَصبرَ على الأذيَّةِ في اللَّه . * * * وقوله: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٢) يقرأ (وَلْنَحْملْ) بسكون اللام وبكسرها. في قوله (ولنَحْمِلْ). وهو أمر في تأويل الشرط والجزاء. والمعنى إن تَتَبِعُوا سَبِيلَنَا حَمْلنا خطاياكم.

стр. 1520

والمعنى إنْ كَانَ فيه إثم فنحنُ نَحْتَمِلُه. ومعنى " سبيلِنَا " الطريقَ في ديننا الذي نسلكه، فأَعلم اللَّه أنهم لا يحملون شيئاً من خطاياهم فقال: (وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ). معناه من شيء يُخففُ عن المحمولِ عنه العذابَ، ثم أعلم أنهم يَحملُونَ أَثْقَأنَّهمْ وأثقالاً مع أَثْقَالِهم كما قال : (لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ). فقال في هذه السورة: (وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ (١٣) وجاء في الحديث تفسير هذا أنه من سَنَّ سُنةً ظُلْم، أو من سَنَّ سُنَّةً سَيئَةً فعليه إثمها وإثم من عملٍ بها، ولا ينتقصُ مِنْ أَوْزَارِ الَّذِين عَمِلُوا بِهَا شَيء. وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَة كان له أَجْرُهَا وأَجْرُ من عمل بها إلى يوم القيامةِ وَلاَ يُنْتَقَصُ من أُجُورِهِمْ شيء. وعلى قوله: (عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ)، أي علمت ما قَدَّمَتْ من عَمَل، وما سَنَّتْ مِنْ سُنَةٍ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ، فإن ذلك مِما أَخَّرَتْ. ويَجُوزُ أن يكون (مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ) مَا قَدَّمَتْ مِنْ عَمَل وما أَخَّرَتْ مما كان يجب أن تُقَدِّمَهُ. ثم أعلم اللَّه أَنَه يُوَبِّخُهُمْ فقال: (وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ). فذلك سُؤالُ تَوْبِيخ كما قال: (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤). فَأَمًا سُؤَالُ اسْتِعْلاَم فقد أعلم اللَّه أَنَّهُ لا يَسْأَلً سُؤَالَ اسْتِعْلَام في

стр. 1521

قوله: (فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ (٣٩). * * * وقوله: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (١٤) (فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا) فالاستثناء مُسْتَعْمَل في كلام العَربِ، وتأويلُه عند النحْويينَ توكيدُ العَدَدِ وتحصيلُه وكمالُه، لأنك قد تذكر الجملةَ ويكون الحاصلُ أَكْثَرَهَا، فإذا أردت التوْكِيدَ في تمامها قُلْتَ كلها، وإذا أردت التوكيدَ في نقصانِها أدْخَلت فيها الاسْتثناء، تقول: جاءني إخوتك يعني أَن جَمِيعَهُم جاءك. وجائز أَنْ تَعْنِيَ أَن أكثرهم جاءَك، فَإذَا قُلْتَ: جاءني إخْوَتُكَ كُلُّهُمْ أَكَّدْتَ معنى الجَمَاعةِ، وأَعْلَمْتَ أنه لم يتَخَلَّفْ مِنْهُمْ أَحَد. وتقول أَيْضاً: جاءني إخْوَتُكَ إلا زيداً فتؤكد أن الجَمَاعَةَ تنقُصُ زيداً. وكذلك رُءُوس الأعْدَادِ مُشَبَّهَة بالجماعات، تقول: عندي عَشَرة، فتكون ناقِصَةً، وجائز أن تكون تامَّةً، فإذا قُلْتَ: عَشَرَة إلا نِصْفاً أو عشرة كَامِلة حَقَّقْتَ، وكذلك إذَا قُلْتَ: أَلْف إلَّا خَمْسِينَ فهو كقولك عشرة إلا نِصْفاً لأنك إنَّما اسْتَعْمَلْتَ الاستثناء فيما كان أَمْلَكَ بالعَشَرَةِ من التِسْعَةِ، لأن النِصْفَ قَدْ دَخَل في بابِ العَشرةِ، ولو قُلْتَ عشرة إلا واحداً أو إلا اثنَيْن كان جائزاً وفيه قُبْح، لأن تِسْعةً وَثَمانيةً يؤدي عَنْ ذَلِكَ العَدَدِ، ولكنه جائز من جهة التوْكِيدِ أَن هَذِه التَسْعَةَ لا تَزيد ولا تنقُصُ، لأنَّ قَوْلَكَ عَشَرة إلاً واحداً قد أخبرت أفيه، بحقيقة العَدد واسْتثنيت ما يكون نقصاناً من رأس العَددِ. والاختيار في الاستثناء في الأعداد التي هي عُقُودُ الكسُور والصحَاحِ جَائِز أن يستثنى. فأما استثناء نصف الشيء فقبيح

стр. 1522

جدَّا، لا يتكلم به الجَرَبُ، فإذَا قلتَ عشرةً إلا خمْسةً فليس تَطُور العَشَرةُ بِالخَمْسَةِ لأنها لَيْسَتْ تَقْرُبُ منها، وإنما تتكلم بالاستِثْنَاء كما تتكلم بِالنقْصَانِ، فتقول: عندي درهم ينقص قِيرَاطاً،. . ولو قلت عندي درهم ينقص خمسة دوانيق أو تنقُصُ نِصْفَه كان الأولى بذلك: عِنْدِي نصف دِرْهَمٌ. ولم يأت الاستثناء في كلام العَرَبِ إلا قليلٌ من كثير. فهذه جملة كافيةٌ. وقوله: (فَاَخَذهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ). الطوفَانُ مِن كُل شيءٍ ما كان كثيراً مُطِيفاً بالجماعة كلها كالْغَرَقِ الذِي يَشْتمِلُ عَلَى المدُنِ الكَبِيرَةِ. يقال فيه طوفان. وكذلك القتل الذرِيعُ والموت الجارف طوفان. * * * وقوله: (فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ (١٥) قد بَين في غير هذه الآية مَنْ أَصْحَابُ السفينةِ - في قوله: (قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ). * * * وقوله: (وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٦) المعنى وَأُرْسَلْنَا إبراهِيمَ عَطْفاً على نوح. * * * وقوله: (إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١٧)

стр. 1523

وقرئت (وَتُخَلِّقُونَ إفْكاً). أَوْثاناً أَصْناماً. وتخلقون إفْكاً فيه قَولانِ: تخلقون كذِباً، وقيل تعملون الأصْنَامَ، ويكون التأويلُ على هذا القول: إنما تعْبُدُونَ من دون الله أَوْثَاناً وأَنْتُم تصنعونَها. * * * وقوله: (أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (١٩) وتقرأ تَرَوا بالتاءِ. * * * (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠) (ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ). أي ثم إن الله يبعثهم ثانيةً بِنَشئِهِمْ نشأةً أخرى، كما قال: (وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى (٤٧). وأكثر القراءة (النَّشْأَةَ) بتسكين الشِين وتَرْكٌ لِمَدِّهِ. وقرأ أَبُو عَمْرٍ والنشَاءَةَ الأخْرَى بِالمَدِّ. * * * وقوله تعالى: (وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٢٢) أي ليس يعجز اللَّهَ خلْقٌ في السماء ولَا في الأرْضِ. وفي هذا قولان: أَحَدُهُما معناهُ ما أنتم بمعجزين في الأرض ولا أهل السماء مُعْجِزين في السَّمَاءِ، أي مَن في السَّمَاوَات ومَن في الأرض غير مُعْجِزِينَ ويجوز - والله أعلم - وما أنتُمْ بمعجزين في الأرْضِ، ولا لو كنتم في السماء، أي لا ملجأ من الله إلا إليهِ. * * * وقوله : (وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٣) روي عن قَتَادَة أنه قال: إن اللهَ ذَمَّ قَوْماً هَانُوا عَلَيْه فقال: (أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي)، وقال: (إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ). وينبغي للمؤمن ألا ييئَسَ من روح الله، ولا من رَحْمَتِه، وَلاَ يأمَنُ مِنْ عَذَابِه وعِقَابِه، وصِفَةُ المُؤمِنِ أَن يكون راجياً للَّهِ، خائفاً.

стр. 1524

(فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٤) وقرأ الحسنُ فما كان جَوَابُ قَوْمِهِ - بالرفع - فمن نصب جَعَل " أَنْ قَالُوا " اسم كَانَ، ومن رفع الجَوَابَ جَعَلَه اسمَ كان وجَعَلَ الخَبَرَ " أَنْ قَالُوا " وَمَا عَمِلَتْ فيه، ويكون المَعْنَى ما كان الجوابُ إلا مَقالَتَهُم: اقْتُلوه، لما أَنْ دَعَاهُم إبراهيم إلى توحيد اللَّه ، واحتَجَّ عليْهم بأنهم يعبدون ما لا يضرهم ولا ينفعُهُمْ، جعلوا الجواب اقتلوه أو حَِّقُوهُ. وقوله: (فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ). المعنى فحرقوه فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ. ويُرْوَى أن إبراهيم ﷺ لم تعمل النارُ في شيء منه إلا في وَثَاقِهِ الذي شُدَّ بِهِ. ويروى أن جميع الدواب والهَوَام كانت تطفئ عن إبراهيم إلا الوزغ، فإنها كانت تنفخ النار، فأمِرَ بِقَتْلِهَا ويرد أنه لم ينتفع في ذلك اليوم بِالنارِ، أعني يَوْمَ أخذوا إبراهيم ﵇. وجميع ما ذكرناه في هذه القِصةِ مِما رواه عبد اللَّه بن أحمد بن حَنْبَل عَنْ أَبيه، وكذلك أكثر ما رَوَيْتُ في هذا الكتاب من التفسير. فهو من كتاب التفسير عن أحمد بن حنبل. * * * وقال : (وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٥) أي قال إبراهيم لقوْمِهِ إنما اتخذتم هذه الأوثان لِتَتَوادُّوا بها في الحياة الدنْيَا. (ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا).

стр. 1525

وهذا كما قال الله : (الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (٦٧). وفيها في القراءَةِ أَرْبعَةُ أَوْجُهُ. مِنْهَا: (مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ)، بفتح (مَوَدَّةَ) وبالإضافة إلى بَيْنٍ، وبنصْب مَوَدَّةً والتنوين، ونصب بَيْنَ. (مَوَدَّةً بَيْنَكُمْ) ويجوز (مَوَدَّةُ بَيْنِكُمْ) - بالرفع والِإضَافَةِ إلى بين. ويجوز (مَوَدَّةٌ بَيْنَكُمْ) - بالرفع والتنوين ونصبُ بَيْن. فالنصْبُ في (مَوَدَّةَ) من أجل أنها مفعول لها، أي اتخذتم هذا للمودةِ بينكم. ومن رفع فمن جهتين: إحْدَاهُمَا أن يكون " ما " في معنى " الذي " ويكون المعنى: إن ما اتخذتموه من دون الله أوثاناً مَوَدةُ بينكم، فيكون (مَوَدَّة) خبرَ إن، ويكون برفع (مَوَدَّة) على إضْمارِ هيَ، كَأنهُ قال: تِلْكَ مودةٌ بَيْنَكُمْ في الحياة الدنيا، أي أُلْفَتُكُمْ واجتماعكم على الأصنَامِ مَوَدَّةٌ بينكم في الحياة الدنيا (١). * * * وقوله : (فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٦) صَدَّق لُوطٌ إبراهيمَ ﵇، وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي. إبْرَاهِيمُ هاجَرَ من كُوثَى (٢) إلى الشام. * * * وقوله: (وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧) (وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا). قيل الذكر الحسن، وكذلك (وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ). وقيل (وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا) أنه ليس مِنْ أمةٍ من المُسْلمين واليهودِ والمجوسِ والنصارى إلا وهم يعظمون إبراهيم. وقيل (وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا)

стр. 1526

أن الأنبياء مِنْ وَلَدِه، وقيل الولد الصالح. * * * ْوقوله تعالى: (وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٢٨) المعنى أنه لم يَنْزُ ذَكرٌ على ذَكَرٍ قبل قَوْمِ لُوطٍ. * * * وقوله: (أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٩) اللفظ لفظ استفهام، والمعنى معنى التقرير والتوبيخ. (وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ). جاء في التفسير ويقْطَعونَ سبيلَ الوَلَدِ، وقيل: يعترضون الناسَ. في الطرُقِ لِطلَب الفَاحِشة. (وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ). أي تأتون في مجالسكم المنَكَرَ، قيل إنهم كانوا يَخْذِفونَ الناسَ في مجالِسهِمْ ويسخرون مِنْهم، فأَعلم اللَّه جلَّ وعزَّ. أن هذا من المنكر، وأنه لا ينبغِي أن تتعاشر الناس عليه، ولا يجتمعوا إلا فيما قَرَّب إلى اللَّه وباعَدَ مِنْ سَخَطِهِ، وألَّا يجتمعوا على الهزء والتلَهِّي. وقيل (وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ) أنهُمْ كانوا يَفْسُقَونَْ في مَجَالِسِهِم. * * * وقوله: (وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (٣٨) المعنى وأهلكنا عاداً وثموداً، لأن قبل هذا قَارُونَ وأصْحَابَهُ، فأخذتهم الرجفة. * * * وقوله: (فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠)

стр. 1527

(فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا) وهم قومُ. لوطٍ. (وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ) وهم قوم ثمودَ وَمَدْين. (وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأرْضَ) وهم قارون وأَصْحابُه. . (وَمنهم من أغْرَقْنَا) وهم قوم نوح وفرْعَوْنَ. فأَعلم اللَّه أن الذي فُعِلَ بهم عَدْلٌ، وأنه لم يَظْلمْهُمْ، وأنهم ظلموا أَنْفُسَهمْ. لأنه قَدْ بَيَّنَ لَهُمْ، وذلك قوله: (وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ). أتوا ما أَتَوْه وَقَدْ بَيَّن لهم أن عاقبته عَذَابُهُمْ * * * وقوله : (مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٤١) (لَوْ) مُتصِلة بقوله (اتَّخَذُوا) أي لو علموا أن اتخاذهم الأولياء كاتِخَاذِ العنكبوتِ، ليس أنهم لا يَعْلَمُونَ أن بيت العنكبوت ضعيف. وذلك أن بيت العنكبوت لا بَيْتَ أضعفُ منه، فيما يَتَّخِذُه الهَوَام في البيوت، ولا أقل وقايةً منه من حَرٍّ أَو بَرْدٍ. والمعنى أن أولياءَهُمْ لَا يَنْقُصُونَهُمْ، ولا يرزقونهم ولا يدفعون عنهم ضرَراً، كما أن بيت العَنكَبُوتِ غير مُوقٍ للعنكبوت. * * * وقوله تعالى: (اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (٤٥) قال الحسن وَقَتَادَةُ: من لم تنهه صَلاَتُه عن الفحشاء والمنكر فليست صَلَاتُه بِصَلاة، وهي وَبَال عَلَيه.

стр. 1528

وقوله: (وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ). فيها أوجه: فمنها أن أكبر في معنى كبير، وجَاَءَ في التفسير: ولذكر اللَّه إِياكم إذَا ذَكَرْتموهُ أكبر من ذكركم. ووجه آخر معناه (وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ) النهى عن الفحشاء والمنكر، أكبر من الانتهاء عن الفحشاء والمنكر، لأن اللَّه قد نهى عنها. * * * وقوله: (وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٤٦) أي: أهلَ الحربِ، فالمعنى: لا تجادلوا أهل الجزيَةِ إلاَّ بالتي هي أحَسَن، وقاتلوا الذين ظلموا. وقيل إن الآية منسوخة بقوله: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩). فكان الصَّغَارُ خارجاً مِنَ التي هي أَحْسَن، فالأشْبَه أَن تكون مَنْسوخَة. وجائز أن يكون الصغار أخذَ الجزية مِنهم وَإن كرهوا، فالذين تؤْخَذ منهم الجزية بنص الكتاب إليهود والنصَارَى، لأنهم أصحاب التوراة والإنجيل، فأمَّا المجوس فأخذت منهم الجِزْيَةُ لقول رسول الله ﷺ : " سنُّوا بِهِم سئة أهل الكتاب ". واختلف الناسُ فيمن سِوى هؤلاء من الكفار مثل عبدَة الأوثان ومن أشْبَهُهمْ فهم عند مالك بَن أنس يجرون هذَا المجرى. تؤخذ منهم الجزية كانوا عَجَماً أو عَرَباً، وأما أهل العِراقِ فقالوا نَقْبَلُ الجزية من العَجَم غير العَرَبِ إِذا كانوا كفاراً، وإن خرجوا من هذه الأصْنافِ أعني إليهود

стр. 1529

والنصارى والمجوس، نحو الهندِ والترك والديلم، فأمَّا العَرَب عندهم فإذا خرجوا من هذه الثلاثة الأصناف لم تُقْبَلْ منهم جِزْيَة، وكان القتل في أمرهم إن أقاموا على مِلَّةٍ غير اليَهُوديةِ والنصرانية والمجوسيةِ. وبعض الفقهاء لا يرى إلا القَتْلَ في عبدة الأووثان والأصنام ومن أشَبَهَهُمْ. * * * وقوله : (وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨) أي ما كنت قرأت الكتُبَ وَلَا كُنْتَ كاتباً، وكذلك صفة النبي ﷺ عندهم في التوراة والإنجيل. وقوله: (إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ) قيل إنهم كُفار قرَيْشِ. * * * وقوله: (بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ (٤٩) قيل فيه ثلاثة أوجُهٍ: منها بل القرآن آيات بينات، ومنها بل النبي ﷺ وأموره آيات بينات، ومِنْها (بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ) أي بل إنه لا يقرأ ولا يكتب، آيات بَينَات، لأنه إذا لم يكن قرأ كتاباً، ولا هو كاتب ثم أخبر بأقاصيص الأولين والأنبياء فذلك آيات بينَّات في صدور الذين أوتوا العلم. * * * وقوله: (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٣) هذه نزلت في قوم جهلة قالوا: (اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ)، فأعلمَ اللَّهُ أنَّ

стр. 1530

لِعَذَابِهِمْ أَجَلًا فقال: (بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ (٤٦). وقوله : (وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً). مَعناه فُجَاءَةً، و (بَغْتَةً) اسم مَنْصُوبٌ في موضع الحال، ومعناه وَلَيأتينَّهُمْ مفاجأةً). * * * وقوله : (أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ). كان قوم من المسلمين كتبوا شيئاً عن اليهود فأتوا به النبي ﷺ . فقال ﵇: كَفَى بها حَماقةَ قَوْم، أو ضَلَالَة قَوْم أَنْ رَغبوا عما أَتَى بِهِ نَبيُّهُمْ إلى ما أتى به غير نبيِّهِمْ إلى غير قومهم. * * * وقوله : (يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ (٥٦) تفسيرها: قيل إنهُمْ أُمِرُوا بالهجرة من الموضع الذي لا تمكنهم فيه عبادة اللَّه وأداء فرائضِه، وأصل هذا فيمن كان يمكنه مِمنْ آمن وكان لا يمكنه إظهار إيمانه، وكذلك يجب على كل من كان في بلد يُعمل فيه بالمَعَاصِي ولا يمكنه بغير ذلك أن يُهَاجِرَ وينتقِلَ إلى حيث يَتَهيُأ له أن يعبُدَ الله حق عِبَادَتِهِ. * * * وقوله : (فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ). " إِيَّايَ" منصوب بفعل مضمر، الذي ظهر يفسِّرُهُ. المعنى فاعبدوا إياي - فاعبدوني، فاستغنى بأحد الفعلين، أعني الثاني - عن إظهار الأول، فإذا قلت: فإياي فاعبدوا، فإياي منصوب بما بعد الفاء،

стр. 1531

ولا تنصِبْه بِفِعْل مُضْمَرٍ كما أنك إذا قلْتَ: بِزَيْد فَامْرُر، فالباء متعلقة بامْرُرْ، والمعنى: إنَّ أرضي واسِعَة فَاعْبُدونِ، فالفاء إذا قُلْتَ زيداً فاضرب لا يصلح إلا أَنْ تكون جواباً للشرطِ، كان قائلًا قال: أنا لا أَضربُ عَمْراً، ولكني أضرب زيداً، فقُلتَ أنت مُجيباً له: فاضرب زيداً، ثم قلت زيداً فاضرب، فجعلت تقديم الاسم بدلاً من الشرط. كأنك قلت إن كان الأمر على ما تصف فاضرب زيداً، وهذا مذهب جميع النحويين البصريين. * * * وقوله: (وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٠) كل حيوان على الأرض مما يعقل، وما لا يَعْقِل فهو دابة، وإنما هو من دَبَّتْ علَى الأرض فهي دَابَّة، والمعنى نفسٍ دابَّة. ومعنى (وَكَأَيِّنْ): وكم من دَابَّةٍ. وقوله: (لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا). أي لا تدَّخر رزقها، إنما تصبح فَيَرْزُقُها اللَّه. وعلى هذا أكثر الحيوان والدَّبِيبِ وليس في الحيوان الذي هو دبيب ما يدخِرُ فيما تبيَّن غيرُ النَّمْلِ، فإن ادِّخَارَه بيِّنٌ. * * * وقوله: (وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٦٤) (وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ). معناه هي دار الحياة الدائمة. * * * وقوله : (لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا). وقرئت (لَنُثَوِيَنَّهُمْ) - بالثاء - يقال ثوى الرجل إذا أقام بالمكان وَأَثْوَيْتُه أنزلته منزلاً يقيم فيه (١). * * * وقوله : (لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٦٦)

стр. 1532

(وَلِيَتَمَتَّعُوا) قرئ بكَسْر اللام وتسكينها، والكسر أَجْوَدُ على معنى لكي يكفروا وكي يتمتعُوا (١). * * * وقوله: (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥) أي لم يدعوا أن تُنْجِيَهُمْ أَصنامُهُم وما يعبدونه مع اللَّه. (فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ). أي يعبدون مع اللَّه غيره. * * * وقوله: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩) أعلم اللَّه أنه يَزِيدُ المجاهدين هدايةً كما أَنهُ يُضِل الفاسقين. ويَزِيد الكافرين بِكفْرِهِمْ ضَلَالَةً، كذلك يَزِيدُ المُجَاهِدِين هِدايةً - كذا قال : (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (١٧). فالمعنى أَنهُ آتاهم ثواب تقواهم وَزَادَهم هُدى عَلَى هِدَايتِهِم. وقوله: (وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ). تأويله إن الله نَاصِرُهم، لأن قوله: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا). اللَّه معهم. يدل على نصرهم، والنصرة تكون في عُلُوِّهِمْ على عَدُوِّهِمْ بالْغَلَبَةِ بالحِجةِ والغَلَبة بالقَهْرِ والقدرة.

стр. 1533

سُورَةُ الرُّوم بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله : (الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) قد شَرَحْنَا ما جاء في (الم)، وقُرِئَتْ غُلِبَتْ بضم الغَيْنِ. وقرأ أبو عَمْرٍو (غَلَبَتْ) - بفتح الغَيْن - والمعنى على غُلِبَتْ. وهي إجماع القراء. وذلك أن فارِسَ كانت قد غَلَبَتِ الروم في ذلك الوَقتِ، والروم مغلوبة. فالقراءة غُلِبَتْ. * * * وقوله: (فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) قيل في أطراف الشام، وتأويله أدنى الأرض مِنْ أَرْض العَرَبِ. وقوله: (وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ). هذه من الآيات التي تدل على أن القرآن من عند اللَّه، لأنه أَنْبَأ بما سيكون، وهذا لا يعلمه إلا اللَّه وكان المشركون سُرُّوا بأن غَلَبَتْ فَارِس الرُّومَ، وَذَلِكَ لأنَّهم قالوا: إنكُمْ أيها المسلمون تَزْعَمُونَ بأنكُمْ تُنْصَرون بأنكم أهلُ كتاب، فقد غَلَبَتْ فَارِس الرومَ. وفارس ليست أهل كتاب، والروم أهل كتابٍ، فكذلك سنغلبكم نحن. فأَعلم اللَّه أَن الرومَ سَيَغْلِبُونَ في بِضْعِ سِنِين، وسَيُسَرُّ المسلمُونَ بِذَلِكَ فراهَنَ المُسْلِمُونَ المُشْرُكين وبايعوهم على صحة هذا الخبر. والبِضْعُ ما بين الثلاث إلى التِسْع، فلما مضى بعض البضْع

стр. 1534

طالبَ المشركون المُسْلِمِين وقالوا قدْ غَلَبْنَاكُمْ، لأنه قد مَضت بضع سنين ولم تغلب الرومُ فَارِسَ، واحتج عليهم المسلمون بأن البِضْعَ لَمْ يَكْمُل، وزادوهم وأخروهم إلى تمام البِضْعِ، فغلبت الروم فارسَ وقمَرَ المسلمون وذلك قبل أن يُحَرَّمَ القِمَارُ وَفرِحَ المسلمون وخَزِيَ الكافرون. * * * وقوله : (لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) القراءة الضم، وعليه أهل العربية، والقراء كُلُّهم مجمعون عليه، فأمَّا النحويون فيجيزون مِنْ قَبْلٍ ومن بَعْدٍ بالتنوين. وبعضهم يجيز من قَبْلِ وَمِن بَعْدِ - بغير تنوين، وهذا خَطَأ لأن قَبْل وبَعْد ههنا أصلهما الخفض ولكن بُنيَتَا علَى الضم لأنهما غايَتَانِ. ومعنى (غاية) أن الكلمة حذفت منها الإضافَةُ، وَجُعِلَت غاية الكلمة ما بقيَ بعد الحَذْفِ. وإنما بُنِيَتَا على الضم لأن إعرابَهُمَا في الإضَافَةِ النصبُ والخَفْضُ. تقول: رأيته قبلَكَ وَمِنْ قَبْلِكَ، ولا يرفعان لأنهما لا يُحدَّث عَنْهُمَا لأنهما اسْتُعْمِلتَا ظرفَيْنِ، فلما عُدِلَا عن بابهما حُركا بغير الحركتين اللتَيْنِ كانتا تَدْخُلَانِ عليهما بحق الإعراب. فأمَّا وجوب ذهاب إعْرَابِهما، وَبِنَاؤُهما فلأنهُما عُرفَا من غير جهة التعريف، لأنه حذف منهما ما أضيفتا إلَيْه. والمعنى للَّهِ الأمر من قبل أَنْ يُغْلَبَ الروم ومن بعد ما غُلِبَتْ، وأَما الخَفْض والتنْوِينُ فعلى من جعلهما نكرتين. المعنى: لِلَّهِ الأمر مِنْ تَقَدُّمٍ وَتَأخُّرٍ. والضمُ أَجْوَدُ، فأما الكسر بلا تنوينٍ فذكر الفرَاء أَنَه تَرْكُهْ عَلَى ما كَانَ يَكُونُ عَلَيْه في الإضافَةِ ولم يُنَوَّن، واحتج بقول الأول:

стр. 1535

بين ذراعَيْ وَجبْهةِ الأَسَدِ وبقَوْلِه: ألا غلَالَةَ أَوْ بَدَاهَةَ قارِح نَهْدِ الجُرَارَة وليس هذا كذلك لأن معنى بين ذراعي وجبهة الأسَدِ. بين ذراعيه وَجَبْهَتِهِ فقد ذكِرَ أَحَدَ المضافَيْن إلَيْهِمَا، وذلك لوكان للَّهِ الأمْرُ من قَبْلِ وَمِنْ بَعْدِ كَذا لجاز وكان المعنَى من قبل كذا ومن بعد كذا. وليس هذا القول - مما يُعرَّج عَلَيْهِ ولا قاله أحد من النحويين المتقدمين (١). * * * وقوله : (مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ). . الغَلَبُ والطلَبُ مَصْدَران، تقول: غَلَبْتُ غَلَباً، وَطَلَبْتُ طَلَباً. ْوزعم بعض النحويين أَنه في الأصل مِنْ بَعْد غَلَبَتِهِم، وذكر أن الإضافة لما وقعت حذفت هاء الغلبةِ، وهذا خطأ. الغلبةُ والغَلَبُ مصدر غَلَبْتُ مثل الجَلَبُ والجَلبةُ. * * * وقوله: (وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦) القراءة النصْبُ فيْ وَعْد، ويَجُوز الرفْعُ، ويجوز النصب، ولا أعلم أَحداً قرأ بالرفع. فالنصب على أَنهُ مَصْدَرٌ مؤكِدٌ، لِأن قوله (وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سيغلبون). هو وعدْ من اللَّه للمؤمنين، وقوله (وَعْدَ اللَّه) بمنزلة وعَدَ اللَّهُ

стр. 1536

وَعْداً ومن قال: وَعْدُ الله كان على معنى ذلك وَعْدُ اللَّه كما قال: (كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ). وقوله : (يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (٧) هذا في مشركي أهل مكة المعنى يعلمون من معايش الحياة الدنيا، لأنهم كانوا يعالجون التجارات، فأَعلم اللَّه لما نفى أنهم لا يعلمون مَا الَّذِي يَجْهَلُونَ، ومقدار ما يَعْلَمُونَ فقال: (يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ). " هم " الأولى مرفوعة بالابتداء، و " هم " الثانية ابتداء ثانٍ. و (غافلون) خبر " هم " الثانية، والجملة الثانية خبر " هم " الأولى. والفائدة في الكلام أو ذكر " هم " ثانية، وإن كانت ابتداء تَجْري مجرى التوكيد كما تقول زيد هو عَالِم، فهو أوكد من قولك زيد عالم. ويصلح أن تكون " هم " بدلاً من " هم " الأولى مُؤكدَةً أَيْضاً، كما تقول: رأيته إيَّاهُ. * * * وقوله : (أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ (٨) معناه: أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فيعلموا، لأن في الكلام دليلاً عَلَيْه، وَمَعنى بالحق ههنا " إلا للحَق " أي لإقامة الحق. ) وَأَجَلٍ مُسَمًّى). أي لِإقامة الحق وَأَجَلٍ مُسَمًّى؛ وهو الوقت الذي توَفَّى فيه كل نَفْس ما كَسَبَتْ. وقوله: (وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ).

стр. 1537

أي لكافرون بلقاءِ رَبَهم، تَقَدَّمت الباءَ لأنها متَصِلةٌ بكافِرُونَ، وما اتَصَلَ بخبرِ إنَّ جازَ أن يُقَدَّم قبْلَ اللام، ولا يجوز أن تَدْخلَ اللامُ بَعْدَ مضيِّ الخَبَرِ. لا يجوز أن تقول إن زيداً كافر لباللَّّه. لأن َ اللام حَقُهَا أن تدخل عَلى الابتداء والخبر. أو بين الابتداء والخَبر، لأنها تؤكد الجملة، فلا تأتي تَوْكيداً وقد مضَت الجملة. ولا اختلاف بين النحويين في أن اللام لا تدخل بغير الخبر. * * * وقوله : (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٩) يعني أن الذين أهلكوا من الأمم الخالِيةِ، كانُوا أكثر حَرْثاً وعِمارَةً من أهل مكة، لأن أهل مكة لم يكونوا أصحاب حرث. * * * وقوله : (ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِءُونَ (١٠) القراءة بنصب (عَاقِبَةَ) ورفعها، فمن نصب جعل السوءى اسم كان ومن رفع " عَاقِبَةُ " جعل (السُّوأَى) خبراً لِكان، والتفسير، في قوله (أَسَاءُوا) ههنا أنهم أشركوا، و (السُّوأَى) النَّارُ، وإنما كان (أَسَاءُوا) ههنا يَدُل على الشرك لقوله: (وإِنَ كَثيراً مِنَ النَّاسِ بِلقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ). فإساءتُهم ههنا كفرهم، وجزاء الكُفْرِ النَّارُ. وَدَل أيضاً على أن (أَسَاءُوا) ههنا الكُفْر (أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِءُونَ). فالمعنى: ثم كانَ عَاقِبةُ الكافِرين النَّارَ لتكذِيبِهمْ بآيات اللَّه واستهزائهم. * * * وقوله : (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ (١٢) أعلم الله أنهم في القيامة ينقطعون فِي الحجة انقطاع يئسين منْ رَحْمةِ اللَّه، والمبلس الساكت المنقطع في حجته، اليائس من أن يَهتدِي إليها، تقول: ناظرت فلاناً فأبلس أي انقطع وأمسك ويئس من أن يحتج.

стр. 1538

وقوله: (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤) جاء في التفسير أنه افتراق لا اجتماعَ بعده، وفيما بعده دليل على أن التفرق هو للمسلمين والكافرين، فقال: (يومئِذ يتفرقون)، ثم بين على أي حال يتفرقون فقال: (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥) وجاء في التفسير أنْ " يُحْبَرُونَ " سماع الغناء في الجنة، والحبرة في اللغة كل نعمة حسنة، فهي حَبْرة، والتحبير التحسين والحَبْرُ العِالم أيضاً هو من هذا، المعنى أنه متخلق بأحسن أخلاق المؤمنين، والحِبْرُ المِدِادِ إنما سُمِّيَ لأنَّه يُحَسِّنُ به. * * * وقوله: (وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (١٦) أي حال المؤمنين السماع في الجنة، والشغل بغاية النعمة. وحال الكافرين العذاب الأليم هم حاضروه أبداً غير مُخَففٍ عنهم، ثم أعلم بعد هذا ما تُدْرَكُ به الجَنَّةُ، ويتباعد به عَن النارِ بقوله: (فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (١٨) " جاء في التفسير عن ابن عباس أن الدليل على أن الصلوات خمس هذه الآية (فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ) فحين تمسون صلاة المغرب وَعِشَاءُ الآخرة وحين تصبحون صلاة الغداة. وعشياً صلاة العصر، وحين تظهرون صلاة الظهر. وقد قيل إن قوله:

стр. 1539

(وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ) إنها الصلاة الخامسة، فيكون على هذا التفسير قوله: (حين تمسون) لصلاة واحدة. ومعنى سبحان اللَّه تنزيه اللَّه من السوء. هذا لا اختلاف فيه. * * * وقوله (يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (١٩) جاء في التفسير أنه يخرج النطفَة - وهي الميت - من الحيِّ مِنَ الإنسان، ويُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ، يخرج الإنسان من النطفة. (وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا). أي يجعلها تنبت، وإحياء الأرض إخراج النَّبات منها. وقوله: (وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ). أيْ وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ مِنْ قُبُورِكُمْ مَبْعُوثِينَ. وموضِعُ الكاف نَصْبٌ بِـ (تُخْرَجُونَ) والمعنى أن بعثكم عليه كخلقكم، أي هما في قُدْرَتِهِ مُتَسَاويانِ. * * * وقوله : (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (٢٠) أَيْ من العَلَامَاتِ التي تدل على أن اللَّهَ وَاحِد لا مثيل له ظهورُ القُدرة التي يعجز عنها المخلوقون، ومعنى خلقكم مِنْ تُرَابٍ، أي خلق آدَمَ مِنْ تُرَابٍ. (ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ). أي: آدَمُ وَذرِيتُهُ.

стр. 1540

(وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢١) خلق حَواءَ مِنْ ضلع من أضلاع آدم، وجعل بين المرأة والزوج المودة والرحمة مِنْ قِبَلِ اللَّهِ، وأن الفرْك وهو البُغْضُ مِنْ قِبَلِ الشيطانِ، يقَال فَرِكَت المرأة زوجها تَفْرِكَه فِرْكاً، إذا أبغضته. * * * وقوله : (وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٤) (خَوْفًا وَطَمَعًا) منصوبان على المفعول له، المعنى يريكم البرق للخوف والطمع، وهو خَوْفٌ لِلمُسَافِر، وطمع للحَاضِرِ. المعنى ومن آياتهِ آيَة يريكم بها البرق خَوْفًا وَطَمَعًا. هذا أَجوَدُ في العطْفِ. لأنه قال: (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ) فنسق باسم على اسم، ومثله من الشعر. وما الدَّهرُ إِلا تارَتانِ فمنهما. . . أَموتُ وأُخْرى أَبْتَغي العَيْشَ أَكْدَحُ المعنى فمنهما تارة أموتها أي أموت فيها، ويجوز أن يكون المعنى ويريكم البرق خَوْفًا وَطَمَعًا من آياته، فيكون عطفاً بِجُمْلَةٍ عَلَى جُمْلَةٍ. * * * وقوله : (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (٢٥) أي تقوم السماء بِغَيْرِ عَمَدٍ، وكذلك الأرض قائمة بأمْرِه. والسماء محيطة بها. * * * وقوله : (ثُمَّ إذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الأرْضِ). أي للبعث بعد الموت. * * * وقوله: (وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (٢٦)

стр. 1541

معناه مطيعونَ، والمعنى: وهذا من آياته، ولم يذكر " ومن آياته " لأنه قد تقدم ذكر ذَلِكَ مَراتٍ. ومعنى " قانتون " مطيعون طاعة لا يجوز أن تقع معها معصية، لأن القنوت القيام بالطاعة. ومعنى الطاعة ههنا، أنَ من في السَّمَاوَات الأرض في خلقهم دليل على أنهم مخلوقون بإرادة الله لا يقدر أحَد على تغيير الخلقة، ولا يقدر عليه فلك مُقربٌ، فآثار الصنعة والخلقة تدل على الطاعة، ليس يعني طاعة العباد، إنما هِيَ طاعَةُ الإرادة والمشيئة. * * * وقوله : (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧) فيه غير قول، فمنها أن الهاء تعود على الخلق، فالمعنى الإعادة والبعث أهون على الإنسان من إنشائه، لأنه يُقَاسِي في النشء ما لا يقاسيه في الإعادة والبعث. وقال أبو عبيدة وكثيرُ من أهل اللغة: إن مَعْنَاهُ: وَهُوَ هيِّنٌ عليه. وإن " أهْون " ههنا ليس معناه أن الإعادة أهون عليه من الابتداء، لأن الإعادة والابتداء كلٌ سَهْلٌ عَلَيْه ومن ذلك من الشعر: لعَمْرُكَ ما أَدرِي وإِنِّي لأَوْجَلُ. . . على أَيِّنا تَغْدُو المَنِيَّةُ أَوَّلُ فمعنى لأوجل لَوجِلٌ، وقالوا الله أكبر أي اللَّه كبيرٌ، وهو غير منكر، وَأَحْسَنُ مِنْ هذين الوجهين أنه خاطب العباد بما يعقلون فأعلمهم أنه يجب عندهم أن يكونَ البعث أسْهَلُ وأهون من الابتداء

стр. 1542

والإنشاء، وجعله مثلاً لهم فقال: (وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ). أي قوله: (وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) قد ضربَهُ لكم مَثَلًا فبما يصعب ويسهل. * * * وقوله تعالى: (ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٨) هذا مثل ضربهُ اللَّه لمن جَعَلَ له شَريكاً مِنْ خلقه. فأعلم أَنَّ مَمْلُوك الإنسان ليس بشريكهه في ماله وزوجته، وأنه لا يخافُ من مملوكه أن يَرِثَه فقال: ضرب لكم مثلا من أنفسكم أن جعلتم ما هو مِلْكٌ للًه من خلقه مثلَ اللَّه، وأنتم كلكم بَشَر، ليس مماليككم بمنزلتكم في أموالكم، فاللَّه أجْدَرُ ألَّا يَكونَ يُعْدَلُ به خلقه. (كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ). موضع الكاف نَصَب. * * * وقوله : (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠) الحنيف الذي يميل إلى الشيء فلا يرجع عنه كالحَنَفَ في الرجلِ وهو مَيْلها إلى خارجها خلْقَةً. لا يَملكُ الأحنَفُ إنْ يَرُدَّ حَنَفَهُ. وقوله : (فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا). (فِطْرَتَ اللَّهِ) منصوب بمعنى اتَبِعْ فطرة اللَّهِ، لأن معنى (فَأَقِمْ وَجْهَكَ) اتبع الدينَ القَيِّمَ. اتبع فِطرةَ اللَّه، ومعنى فطرة الله خِلْقَةَ اللَّه التي خلق عليها البشرَ، وقول النبي ﷺ : " كل مَوْلُودٍ يُولَدُ على الفِطرة

стр. 1543

حتى يكون أبواه يُهوِّدَانِه وَيُنَصِّرَانه ويُمَجِّسَانه ". مَعْنَاهُ أن اللَّه فطر الخلق على الإيمان على ما جاء في الحديث، أن اللَّه - جل ثناؤه - أخرج مِنْ صُلب آدم ذُريتَهُ كالذَّرِّ، وَأَشْهَدَهُمْ على أَنْفُسِهِمْ بأنه خَالِقُهُمْ، قال اللَّه : (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى). فكل مولود فهو من تلك الذرية التي شَهِدَتْ بِأنَّ اللَّهَ خَالِقُهَا. فمعنى (فِطْرَتَ اللَّهِ) دين الله الذي فَطَرَ الناس عليه. * * * وقوله : (لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ). أكثر ما جاء في التفْسِير أن معناه لا تبديل لِدين اللَّهِ، وما بعده يدل عليه، وهو قوله: (ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) أي لا يعلمون بحقيقة ذلك. * * * وقوله: (مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) (مُنِيبِينَ) مَنْصُوبُ عَلَى الحال بقوله: (فَأقِمْ وَجْهَكَ) زعم جميع النحويين أن معنى هذا فأقيموا وُجُوهَكم منيبين إليه، لأن مخاطبة النبي ﷺ يدخُلُ معه فيها الأمةُ، والدليل على ذلك قوله: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ). وقوله (مُنِيبِينَ) معناه راجعين إليه إلى كلِ ما أَمَر به ولا يخرجون عن شيء مِنْ أَمْرِه، فأعلمهم اللَّه أن الطريقة المستقيمة في دين الإسلام هو اتباع الفطرةِ والتقْوَى مع الإسلام وأداء الفرائض. وأَنه لا ينفع ذلك إلا بالإخْلَاصِ في التوحيد فقال: (وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٣٢)

стр. 1544

وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٣٢) (فَارقُوا دِينَهُمْ) وقرئت (فَرَّقُوا دِينَهُمْ). (وَكَانُوا شِيَعًا). فِرَقاً، فأمرهم اللَّه بالاجتماع والألْفَةِ ولُزوم الجماعة، والسنَةُ في الهدايةُ، والضَلَالة هي الفُرْقَةُ. * * * وقوله : (كُل حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ). أي كل حزب من هذه الجماعة الذين فارقوا دينهم فَرِحٌ يَظُنُ أَنهُ هو المُهْتَدِي. ثم أعلم اللَّه أنهم إذا مَسهُم ضُر دَعَوْا ربهم منيبين إليه، أي لا يلجأون في شدائدَهم إلى مَنْ عَبَدوه مع اللَّه - عز وجل - إنما يَرجِعُون في دُعائِهِمْ إلَيْه وَحْدَه. (ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٣٣) أي إذا أذاقهم رحمةً بأن يخلصهم من تلك الشدة التي دعَوْا فيها الله وحده مَروا بعد ذلك على شركِهِم. وقولهم : (لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٤) معنى " فَتَمَتَعُوا " خطاب بعد الإخبار لأنه لَمَّا قال: " لِيَكْفُرُوا " كان خبراً عَنْ غائب. فكان المعنى فتمتعوا أيها الفَاعلون لِهَذَا فسوف تعلمون. وليس هذا بأمرٍ لازم. أَمرَهُمْ اللَّه بِهِ. وهو أَمر عَلَى جهة الوَعِيدِ والتَهدُّد، وذلك مستعمل في كلام الناس تقول: إن أسمعتني مَكْروهاً فَعَلْتُ بك وَصَنَعْتُ ثم تقول: افعَلْ بي كذا وكذا فإنك سترى ما ينزل بك، فليس إذا لم يُسْمِعْكَ كان عاصياً لك. فهذا دليل أنه ليس بأمرٍ لازم، وكذلك (فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ)

стр. 1545

وكذلك: (اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ). لم دخَيَّروا بين الإيمان والكفر ولكنه جرى على خطاب العِبَاد وحِوَارِ العربِ الذي تستعمله في المبالغة في الوعيد، ألا ترى أن قوله بعد (فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا) فهذا مما يؤكد أمر الوَعِيدِ. * * * وقوله: (فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٣٨) جعل اللَّه لذي القُرْبَى حَقًّا وكذلك للمساكين وابنُ السّبيل الضَّيفُ فجعل الضيافة لازمةً. فأمَّا القَراباتُ فالمواريث قدْ بَيَّنَتْ مَا يَجِبُ لكل صنف منهم، وفرائض المواريث كأنها قَدْ نسختْ هذا أعني أمر حق القرابة، وجائز أن يكون للقرابة حق لازم في البر. * * * وقوله: (وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (٣٩) يعني به دفع الإنسان الشيء ليعوض ما هو أكثر منه، فذلك في أكثر التفسير لَيْسَ بحرام، ولكنه لَا ثَوابَ لمن زادَ عَلَى ما أَخَذَ. والرِّبَا ربوان، والحرام كل قرض يؤخذ به أكثر منه أو يجرُّ مَنفعة، فهذا حرام، والذي ليس بحرام هو الذي يَهَبُه الإنسان يستدعي به ما هو أكثر مِنْهُ، أو يهدي الهدِيَّة يستدعي بها ما هو أكثر منها. وقوله: (وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ).
следующие страницы →