← Тафсир

Тафсир · id 922

معاني القرآن وإعرابه للزجاج

الزجاج

Полный текст (2 149 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

معناه مطيعونَ، والمعنى: وهذا من آياته، ولم يذكر " ومن آياته " لأنه قد تقدم ذكر ذَلِكَ مَراتٍ. ومعنى " قانتون " مطيعون طاعة لا يجوز أن تقع معها معصية، لأن القنوت القيام بالطاعة. ومعنى الطاعة ههنا، أنَ من في السَّمَاوَات الأرض في خلقهم دليل على أنهم مخلوقون بإرادة الله لا يقدر أحَد على تغيير الخلقة، ولا يقدر عليه فلك مُقربٌ، فآثار الصنعة والخلقة تدل على الطاعة، ليس يعني طاعة العباد، إنما هِيَ طاعَةُ الإرادة والمشيئة. * * * وقوله : (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧) فيه غير قول، فمنها أن الهاء تعود على الخلق، فالمعنى الإعادة والبعث أهون على الإنسان من إنشائه، لأنه يُقَاسِي في النشء ما لا يقاسيه في الإعادة والبعث. وقال أبو عبيدة وكثيرُ من أهل اللغة: إن مَعْنَاهُ: وَهُوَ هيِّنٌ عليه. وإن " أهْون " ههنا ليس معناه أن الإعادة أهون عليه من الابتداء، لأن الإعادة والابتداء كلٌ سَهْلٌ عَلَيْه ومن ذلك من الشعر: لعَمْرُكَ ما أَدرِي وإِنِّي لأَوْجَلُ. . . على أَيِّنا تَغْدُو المَنِيَّةُ أَوَّلُ فمعنى لأوجل لَوجِلٌ، وقالوا الله أكبر أي اللَّه كبيرٌ، وهو غير منكر، وَأَحْسَنُ مِنْ هذين الوجهين أنه خاطب العباد بما يعقلون فأعلمهم أنه يجب عندهم أن يكونَ البعث أسْهَلُ وأهون من الابتداء

стр. 1542

والإنشاء، وجعله مثلاً لهم فقال: (وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ). أي قوله: (وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) قد ضربَهُ لكم مَثَلًا فبما يصعب ويسهل. * * * وقوله تعالى: (ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٨) هذا مثل ضربهُ اللَّه لمن جَعَلَ له شَريكاً مِنْ خلقه. فأعلم أَنَّ مَمْلُوك الإنسان ليس بشريكهه في ماله وزوجته، وأنه لا يخافُ من مملوكه أن يَرِثَه فقال: ضرب لكم مثلا من أنفسكم أن جعلتم ما هو مِلْكٌ للًه من خلقه مثلَ اللَّه، وأنتم كلكم بَشَر، ليس مماليككم بمنزلتكم في أموالكم، فاللَّه أجْدَرُ ألَّا يَكونَ يُعْدَلُ به خلقه. (كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ). موضع الكاف نَصَب. * * * وقوله : (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠) الحنيف الذي يميل إلى الشيء فلا يرجع عنه كالحَنَفَ في الرجلِ وهو مَيْلها إلى خارجها خلْقَةً. لا يَملكُ الأحنَفُ إنْ يَرُدَّ حَنَفَهُ. وقوله : (فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا). (فِطْرَتَ اللَّهِ) منصوب بمعنى اتَبِعْ فطرة اللَّهِ، لأن معنى (فَأَقِمْ وَجْهَكَ) اتبع الدينَ القَيِّمَ. اتبع فِطرةَ اللَّه، ومعنى فطرة الله خِلْقَةَ اللَّه التي خلق عليها البشرَ، وقول النبي ﷺ : " كل مَوْلُودٍ يُولَدُ على الفِطرة

стр. 1543

حتى يكون أبواه يُهوِّدَانِه وَيُنَصِّرَانه ويُمَجِّسَانه ". مَعْنَاهُ أن اللَّه فطر الخلق على الإيمان على ما جاء في الحديث، أن اللَّه - جل ثناؤه - أخرج مِنْ صُلب آدم ذُريتَهُ كالذَّرِّ، وَأَشْهَدَهُمْ على أَنْفُسِهِمْ بأنه خَالِقُهُمْ، قال اللَّه : (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى). فكل مولود فهو من تلك الذرية التي شَهِدَتْ بِأنَّ اللَّهَ خَالِقُهَا. فمعنى (فِطْرَتَ اللَّهِ) دين الله الذي فَطَرَ الناس عليه. * * * وقوله : (لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ). أكثر ما جاء في التفْسِير أن معناه لا تبديل لِدين اللَّهِ، وما بعده يدل عليه، وهو قوله: (ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) أي لا يعلمون بحقيقة ذلك. * * * وقوله: (مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) (مُنِيبِينَ) مَنْصُوبُ عَلَى الحال بقوله: (فَأقِمْ وَجْهَكَ) زعم جميع النحويين أن معنى هذا فأقيموا وُجُوهَكم منيبين إليه، لأن مخاطبة النبي ﷺ يدخُلُ معه فيها الأمةُ، والدليل على ذلك قوله: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ). وقوله (مُنِيبِينَ) معناه راجعين إليه إلى كلِ ما أَمَر به ولا يخرجون عن شيء مِنْ أَمْرِه، فأعلمهم اللَّه أن الطريقة المستقيمة في دين الإسلام هو اتباع الفطرةِ والتقْوَى مع الإسلام وأداء الفرائض. وأَنه لا ينفع ذلك إلا بالإخْلَاصِ في التوحيد فقال: (وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٣٢)

стр. 1544

وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٣٢) (فَارقُوا دِينَهُمْ) وقرئت (فَرَّقُوا دِينَهُمْ). (وَكَانُوا شِيَعًا). فِرَقاً، فأمرهم اللَّه بالاجتماع والألْفَةِ ولُزوم الجماعة، والسنَةُ في الهدايةُ، والضَلَالة هي الفُرْقَةُ. * * * وقوله : (كُل حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ). أي كل حزب من هذه الجماعة الذين فارقوا دينهم فَرِحٌ يَظُنُ أَنهُ هو المُهْتَدِي. ثم أعلم اللَّه أنهم إذا مَسهُم ضُر دَعَوْا ربهم منيبين إليه، أي لا يلجأون في شدائدَهم إلى مَنْ عَبَدوه مع اللَّه - عز وجل - إنما يَرجِعُون في دُعائِهِمْ إلَيْه وَحْدَه. (ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٣٣) أي إذا أذاقهم رحمةً بأن يخلصهم من تلك الشدة التي دعَوْا فيها الله وحده مَروا بعد ذلك على شركِهِم. وقولهم : (لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٤) معنى " فَتَمَتَعُوا " خطاب بعد الإخبار لأنه لَمَّا قال: " لِيَكْفُرُوا " كان خبراً عَنْ غائب. فكان المعنى فتمتعوا أيها الفَاعلون لِهَذَا فسوف تعلمون. وليس هذا بأمرٍ لازم. أَمرَهُمْ اللَّه بِهِ. وهو أَمر عَلَى جهة الوَعِيدِ والتَهدُّد، وذلك مستعمل في كلام الناس تقول: إن أسمعتني مَكْروهاً فَعَلْتُ بك وَصَنَعْتُ ثم تقول: افعَلْ بي كذا وكذا فإنك سترى ما ينزل بك، فليس إذا لم يُسْمِعْكَ كان عاصياً لك. فهذا دليل أنه ليس بأمرٍ لازم، وكذلك (فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ)

стр. 1545

وكذلك: (اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ). لم دخَيَّروا بين الإيمان والكفر ولكنه جرى على خطاب العِبَاد وحِوَارِ العربِ الذي تستعمله في المبالغة في الوعيد، ألا ترى أن قوله بعد (فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا) فهذا مما يؤكد أمر الوَعِيدِ. * * * وقوله: (فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٣٨) جعل اللَّه لذي القُرْبَى حَقًّا وكذلك للمساكين وابنُ السّبيل الضَّيفُ فجعل الضيافة لازمةً. فأمَّا القَراباتُ فالمواريث قدْ بَيَّنَتْ مَا يَجِبُ لكل صنف منهم، وفرائض المواريث كأنها قَدْ نسختْ هذا أعني أمر حق القرابة، وجائز أن يكون للقرابة حق لازم في البر. * * * وقوله: (وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (٣٩) يعني به دفع الإنسان الشيء ليعوض ما هو أكثر منه، فذلك في أكثر التفسير لَيْسَ بحرام، ولكنه لَا ثَوابَ لمن زادَ عَلَى ما أَخَذَ. والرِّبَا ربوان، والحرام كل قرض يؤخذ به أكثر منه أو يجرُّ مَنفعة، فهذا حرام، والذي ليس بحرام هو الذي يَهَبُه الإنسان يستدعي به ما هو أكثر مِنْهُ، أو يهدي الهدِيَّة يستدعي بها ما هو أكثر منها. وقوله: (وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ).

стр. 1546

أي وما أَعْطَيتُمْ من صَدَقَةٍ لا تطلبون بها المكافأة وإنما يقصدون بها ما عند اللَّه. (فَأُولَئِكَ هُم [المُضْعَفُونَ]). أي فأهلها هم المضعَفُونَ، أَيْ هم الذي يضاعف لهم الثواب. يعطون بالحسنة عشْرةَ أمثالها ويضاعف الله لمن يشاء، وقيل (المُضْعِفُونَ) كما يقال رجل مَقْوٍ، أي صاحب قوةٍ، وموسِر أي صاحب يَسَارٍ، وكذلك مُضْعِفٌ، أي ذو أضعاف من الحسنات (١). * * * وقوله تعالى: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١) ويقرأ بالياء أيضاً (لِيُذيقَهُمْ) أي ليذيقهم ثواب بَعْضِ أَعْمَالِهم. ومعناه ظهر الجَدْبُ في البَر والقَحْطُ في البَحْرِ، أي في مُدُنِ البحر. أي فى المدُن التي عَلَى الأنْهَارِ، وكل ذي ماء فهو بَحْر. * * * وقوله : (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ (٤٣) معنى (فَأَقِمْ وَجْهَكَ) أَقم قصدك واجْعَلْ جِهَتَك اتباع الدين القيِّم من قبل أن تأتِيَ الساعَةِ وتقوم القيامَةُ فلا ينفع نفساً إيمَانُهَا لم تكن آمَنت من قبل أَوْ كَسَبَتْ فِي إيمَانِها خَيْراً. وَمَعْنَى: (يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ). يتفرقون فيصيرون فَرِيقاً في الجنةِ وَفَرِيقاً في السَّعيرِ. * * * وقوله: (مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (٤٤) (فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ). أي لأنفسهم يوطئونَ.

стр. 1547

وقوله : (وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا). أي فَرَأَوُا النبْتَ قد اصْفَر وَجَفَّ. (لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ). ومعناه ليظلُّنَّ، لأن معنى الكلام الشرط والجزاء. فهم يستبشرون بالغيث ويكْفِرُون إذا انقطع عنهم الغَيْثُ وجفَّ النباتُ. * * * وقوله: (اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٨) (وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا) أَي قطعاً من السحاب. وقوله: (فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ). أي فترى المطر يخرج من خلل السحاب، فاعلم أَئه يُنْشِئ السحابَ ويحي الأرض ويرسل الريَاحَ، وذلك كله دليل على القدرة التي يعجز عنها المخلوقون، وأنه قادر على إحياء الموتى. * * * وقوله تعالى: (وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ (٤٩) المعنى أن ينْزِلَ عليهم المطر، ويقرأ (أَنْ يُنْزَلَ) وَمَعْنَى مُبْلِسينَ مُنْقَطِعين انقطاع آيسين. فأمَّا تَكْرِيرُ قوله (من قبل) ففيه وَجْهَانِ (١): قال قطرب إن قَبْلَ الأولى للتنزيل، وقَبْل الثانية لِلْمَطَرِ. وقال الأخفش وَغيرُه من البَصْرِيين: تكرير قبل على جهة التوكيد. والمعنى وإن كانوا من قبل تنزيل المطر لَمُبْلِسينَ. والقول كما قالوا لأن تنزيل المطر بمعنى المطر، لأن المطر لا يكون إلا بِتَنْزِيل كما أن الرياحَ لا تُعْرَفُ إلا بِمُرورِهَا قال الشاعر:

стр. 1548

مَشَيْنَ كما اهتزَّتِ رماحٌ. . . تسفَّهَتْ أَعَالِيَها مَرُّ الرِّياحِ النَّواسِم فمعنى مَر الرياح كقولك تَسَفهتْ أعاليها مر الرياح النواسم. * * * وقوله : (فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٥٠) (أَثَرِ رَحْمَتِ اللَّهِ) ويقرأ (آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ)، يعني آثار المطر الذي هو رحمة من اللَّه (كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا)، وإحْيَاؤها أن جَعَلها تُنْبِتُ فكذلك إحياءُ الموتى، فقال: (إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى). ذلك إشارة إلى اللَّه . وقوله: (فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٥٢) هذا مثل ضربه الله للكفار كما قال: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ)، فجعلهم في تركهم العَمَل بما يسمعون وَوَعْيِ ما يُبْصِرُونَ بمنزلة الموتَى، لأن ما بيَّنَ من قدرَتِه وصنعته التي لا يقدر على مثلها المخلوقون دليل على وحدانيته. * * * (وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٥٣) وقوله: (إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا). أي ما يَسْمَعُ إلا من يؤمن بآياتنا، وجَعَلَ الإسماع ههنا إسماعاً إذاِ قُبِلَ وعُمِلَ بما سُمِعَ، وإذا لم يُقْبَل بمنزلة ما لم يُسْمع ولم يبصر. وقوله: (وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ).

стр. 1549

القراءة بالجر في " العُمْيِ " والنصْب جائز، بهَادٍ العُمْيَ عن ضلالَتِهِمْ. فالقراءة بالجر، فأمَّا النصْبُ فإنْ كانت فيها رِوَاية، وإلا فَلَيْسَت القراءة بها - جائزة، لأن كل ما يُقْرأُ به ولم يتقدم فيه رِوَاية لِقراء الأمصار المتقدِّمِينَ فالقراءة به بِدْعَة وإن جاز في العربية، والعمل في القراءة كلها على اتباع السُّنَّةِ. * * * وقوله : (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ (٥٤) تأويله أنه خلقكم من النطَفِ في حالِ ضَعْفٍ ثم قَوَّاكُمْ في حال الشبيبة ثم جَعَل بَعْدَ الشَبِيبةِ ضعفاً وَشَيْبةً. وروي في الحديث أن ابن عمر قال: قرأت على النبي ﷺ : (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ). قال فأقرأني من ضعْفٍ، وقرأ عطية علي ابن عمر من ضَعْفٍ فأقرأه من ضُعْفٍ، وقال له: قرأتها على النبي ﷺ من ضَعْفٍ فاقرأني من ضُعْفٍ. فالذي روى عطية عن ابن عمر عن النبي ﷺ (مِنْ ضُعْفٍ)، بالضَّم، وقد قِرِئَتْ بفتح الضادِ، والاختيارُ الضم، للرواية. * * * وقوله : (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ (٥٥) يعني يوم القيامَةِ، والسَّاعَةُ في القُرآنِ على معنى الساعة التي تقوم فيها القيامة فلذلك ترك ذِكْرَ أَنْ يُعَرِّف أَي سَاعَةٍ هي. (يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ) يَحْلِفُ المجرمون. (مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ). أي ما لبثوا في قُبُورهم إلا ساعةً واحدة. (كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ).

стр. 1550

أي مثل هذا الكَذِب كذبهُم لأنهم أقسموا على غَيْر تحقيق. * * * وقوله : (وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٥٦) أي في علم اللَّهِ المُثْبَتِ في اللوْحِ المَحْفُوظِ. * * * وقوله: (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (٦٠) أي إن ما وَعَدَك اللَّه من النصْرِ عَلَى عَدُوك حقٌّ، وإظهار دين الإسلام حقٌّ. (وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ). أي لا يستفزنَّكَ عن دِينَكِ الذين لا يوقنون، أي هم ضُلَّالٌ شَاكُّونَ.

стр. 1551

سُورَة لقْمَان (مَكِّيَّة) ما خَلَا ثلاث آيات منها مَدَنِية، قوله: (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ) إلى تمام الثلاث آيات. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الم (١) قال ابن عباس معنى (الم) أنا الله أعلم، وقد فسرنا في سورة البقرة جميعَ ما قيل في (الم) وما أشبهها. * * * وقوله: (تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (٢) معناه هذه الآيات، تلك الآيات التي وعِدْتُمْ بها في التَوْرَاةِ ويجوز أن يكون بمعنى هذه آيات الكتاب، وقد تقدم تفسير مثلِ هذا من سورة البقرة أيضاً. * * * وقوله: (هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (٣) القراءة بالنصب على الحال، المعنى تلك آيات الكتاب في حال الهداية والرحمة.

стр. 1552

وقوله : (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٦) (لِيَضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) ويقرأ: (لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ). فأكثر ما جاء في التفسير أن (لَهوَ الحديث) ههنا الغِنَاءُ لأنه يُلْهِي عَنْ ذكر اللَّه، وقد روي عن النبي ﷺ أنه حرم بيع المغنية. وقد قيل في تفسير هذه الآية إن لهو الحديث ههنا الشركُ. فمن قرأ (ليُضِل) - بضم الياء - فمعناه ليضل غيرَهُ، فإذا أضل غيرَهُ فقد ضَل هُوَ أيضاً. ومن قرأ (لِيَضِل) فمعناه ليصير أمرُه إلى الضلَالِ، فكَاَنه وَإنْ لم يَكُنْ يُقَدَّرُ أَنه يَضِل فسيصير أمره إلى أنْ يَضِل. وقوله: (وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا). أي يَتخِذَ آياتِ اللَّه هُزُوًا، وقد جرى ذكر الآيات في قوله: (تلك آيات الكتاب الحكيم). وقد جاء في التفسير أيضاً أن قوله: (وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا) يَتخِذَ سَبيلَ اللَّه هُزَوًا. * * * وقوله: (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (١٠) وصف اللَّه خَلْقَه الذي يَعْجِزُ المَخْلُوقُونَ عن أن يأتوا بمثله، أَوْ يَقْدِرُوا على نَوْع منه ثَم قال: (هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ). وقوله: (بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا)، قيل في التفسير إنها بِعَمَدٍ لَا تَرَوْنَهَا. أي لا ترون تلك العَمَدِ، وقيل خلقها بغير عَمَدٍ وكذلك ترونها.

стр. 1553

والمعنى في التفسير يؤول إلى شيء وَاحِد، ويكون تأويل (بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا) الذي فُسِّرَ بعَمدٍ لا ترونها. يكون معنى العمد قدرته التي يمسك بها السماوات والأرض. (وَألْقَى في الأرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ). (رَوَاسيَ) جِبالٌ ثَوابِتٌ، كما قال : (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (٦) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (٧). فمعنى (أنْ تَمِيدَ بِكُمْ) كَراهةَ أنْ تَمِيدَ بِكُمْ. ومعنى " تميد " تتحرك حركة شَدِيدَةً. * * * وقوله: (وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (١٢) معناه لأن تشكر للَّهِ، ويجوز أن تكون " أَنْ " مُفَسَّرة، فيكون المعنى أي اشْكُرْ لِلَّهِ ﵎: وتأويل " أن اشكر للَّهِ " قُلنَا له: اشكر للَّهِ على ما آتاك. وقد اختلف في التفسير في لقمانَ فقيل: كان نبيًّا، وقيل: كان حكيماً، وقيل كان رَجُلاً صَالِحاً، وقيل: كان حبشياً غليظ المَشَافِرِ مُشَقَّقَ الرجْلَيْنِ ولكن اللَّهَ آتاهُ الحكمةَ، فلسنا نشك أنه كانَ حكيماً لقول الله : (وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الحِكْمَةَ). وقيل كان نَجَّاراً وقيل كان خياطاً، وقيل كان رَاعِياً. وَرُويَ في التفسير أن إنساناً وقف عليه وهو في مجلسه فَقَالَ لَهُ: ألَسْتَ الَّذِي كُنْتَ تَرْعَى مَعي في موضع كذا وكذا؟ قال: بلى، قال فما بلغ بكَ ما أَرَى؟ فقال: صِدْقُ الحَدِيثِ والصَّمْتُ عَمَّا لا يعنيني. وقوله: (وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)

стр. 1554

موضع " إذْ " نَصْبٌ بقوله: (ولقد آتينا لقمان الحكمة) أي ولقد آتينا لقمان الحكمة إذ قال، لأن هذه المْوْعِظَةَ حكمة. وقوله: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ). يعني أنَّ اللَّهَ هُوَ المحيي المميتُ الرازِق المُنْعِمُ وحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ فإذا أَشْرَكَ به أَحَدٌ غيره فذلك أعظَمُ الظلم؛ لأنه جَعَل النِعْمَةَ لِغَير رَبِّهَا. وَأَصْلُ الظلْمِ في اللغة وضع الشيء في غير مَوْضِعِه. وقد بيَّنَّا ذَلِكَ فِيمَا سَلَفَ من الكِتَابِ. * * * وقوله : (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) جاء في التفسير (وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ) ضَعْفاً على ضَعْفٍ، أي لَزِمَهَا لحملها إياه أن ضَعُفَتْ مَرةً بَعْدَ مَرة. وموضع " أَنْ " نَصْبٌ بـ (وَصَّيْنَا). المعنى وصَينا الإنسان أن اشُكَره لي ولوالديك، أيْ وَصَّيْنَاه بشكرنا وَبِشُكْرِ والديه. * * * وقوله : (وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٥) يُرْوَى أَن سَعْدَ بنَ أَبِي وَقاص ذكر أن هذه الآية نَزَلَتْ بسببه. وذلك أنه كان أسْلَمَ فحَلَفَتْ أُمُّه أَلأ تاكُلَ طعاماً، ولا تشرب شراباً حتى يَرْتَدَّ إلَى الكُفْرِ، فمكثت ثلاثاً لا تطْعَمُ ولا تَشْرَبُ حتى شَجَرُوا فاها - أي فتحوه - بعِودٍ. حتى أكلت وشربت، وُيرْوى أنه قال: لو كانت لها سَبْعُونَ نَفْساً فخرجت لما ارتْددْت عَنِ الإسلام. * * * وقوله : (وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً).

стр. 1555

يقال: صَاحَبْته مُصَاحَباً وَمُصاحَبَةً. ومعنى المعروف ما يستحسن من الأفعال. (وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ). أي اتِبعْ سَبِيل مَنْ رَجَع إِلَيَّ. * * * وقوله: (يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (١٦) (إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ) وتقرأ (مِثْقَالُ حَبَّةٍ). الآية إلى قوله (لطيف خبير) أي لطيف في استخراجها خبير بمكانها. ويقال في صخرة، أي في الصخرة التي تحت الأرض. ويروى أن ابن لقمان سأل لقمانَ فقال: أَرَأَيْتَ الحَبَّةَ تَكُونَ في مَقْلِ البَحرِ، أي في مغاص البحر أَيَعْلَمُهَا اللَّه. يقال مَقَلَ يَمْقُل إذَا غَاصَ، فَأعْلَمَهُ أن اللَّه يعلم الحَبَّةَ حيث كانت، وفي أخفى المواضع، لأن الحبَّة في الصخرة أخفى من الماء، ثم أعلمه أَنهَا حيث كانت يَعلَمُها بلُطْفِه وخِبْرَتِه. وهذا مثل لأعمال العِبَادِ أَنَ الله يأتي بأعمالهم يومَ القيامة (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨). فأمَّا رِفع " مثقال " مع تأنيث " تك " فلأن مِثْقَالَ حبة من خردل راجع إلى معنى خرْدَلَةٍ، فهو بمنزلة إن تك حَبة من خردل. ومن قرأ: (إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ) - بالنصب - فعلى معنى أن التي سَألْتني عنها إن تك

стр. 1556

ْمثقال حبة، وعلى معنى أن فَعْلَةَ الإنسان وإن صَغُرَتْ يأت الله بها. ويجوز أنها إن تك بالتاء مثقال حبة من خردل، على معنى أن القصة كما تقول: أنَّها هند قائمة، ولو قُلْتَ أنَّها زيد قائم لجاز، إلا أن النحويين يختارون ذلك مَعَ المُذَكرِ، ويجيزون مع المؤنث التأنيث والتذكير، يقولون: إنهُ هِنْدٌ قَائِمَة، وإنها أمة اللَّه قائمة. فيجيزون الوَجْهَيْن. فأمَّا أنَّها إن تَكُ مثقَالَ حَبةٍ من خردل عند من لا يجيز إنها زَيْد قَائِم "، فيجوز عنده هذا لأن مَعْنَاه التأنيث بِرَدِّ (ما) إلى الحبَّةِ من الخردل (١). * * * وقوله تعالى: (وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (١٨) ويقرأ تُصَاعِرُ، ويجوز في العربية: ولا تُصْعِرْ، ولا أعلم أحَداً قرأ بها، فإذا لم ترو فلا تقرأ بها، ومعناه لا تُعْرِضْ عن الناس تَكَبُّراً، يقال أصاب البعيرَ صَعَرٌ وصَيَد إذا أَصَابه دَاء فلوى منه عنُقَهُ، فيقال للمتكبر فيه صَعَر، وفيه صَيَدٌ، فأما (تُصَعِّرْ) فعلى وجه المُبَالَغَة، ويصاعر جاء على معنى يُفَاعِل، كأنك تُعَارِضُهُمْ بِوَجْهِك. ومعنى (تُصْعِرْ) تلزم خَدَّك الصَّعَرَ، لأنه لا داء بالإنسان أَدْوَأَ من الكِبْرِ. والمعنى في الثلاثة هذا. المعنى: إلا أن (تُصَعِّرْ) وَتُصَاعِرْ أبْلَغُ من (تُصْعِرْ) (٢). * * * وقوله: (وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا). أي لا تَمْشِ مُتَبَخْتِراً مُخْتَالاً. * * * وقوله : (وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (١٩) (وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ).

стр. 1557

معنى اغْضُض انقص، ومن ذلك غضضت بَصرِي، وَفُلَان يَغُضُّ بَصَرَهُ من فُلَانٍ أي يتنقَصهُ. ومعثى: (أنْكَرُ الأصْوَاتِ) أقبح الأصوات، يقال: أَتانَا فُلان بوجه مُنكَر الخِلْقَةِ، أي قبيح. * * * وقوله : (أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٢٠) تسخير ما في السَّمَاوَات الشمس والقمرُ والنجُومُ، ومعنى تسخيرها للآدميين الانتفاع بها في بلوغ مَنَابِتهم، والاهتداء بالنجوم فِي مَسَالِكِهِمْ، وتسخير ما في الأرض تسخير بحارها وأنهارها ودوابها وجميع منافعها. (وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً). (نِعَمَةً) ويقرأ (نِعَمَهُ) على الجمع. فمن قرأ (نِعَمَةً) فعلى معنى ما أعطاهم من توحيده . ومن قرأ (نِعَمَهُ) فعلى جَميعِ مَا أَنْعَمَ به عَلَيهِمْ (١). * * * قوله : (وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٢٢) أي من أسلم فقد استمسك بقول: لا إلَهَ إلا اللَّهُ، وَهِيَ العُرْوَةُ الوُثْقَى. * * * وقوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٧) (وَالْبَحْرَ) ويقرأ " والبحرُ " بالرفْعِ.

стр. 1558

فأما النصبُ فعطف على (ما) والمعنى ولو أن ما في الأرْضِ ولو أن البحرَ، والرفع حسن على وجهين: على معنى. والبحرُ هَذِه حَاله. ويجوز أن يكون معطوفاً على موضع إن مع ما بعدها لأن معنى لو أَن ما في الأرض لَوْ وقع ما فِي الأرْضِ، لأن (لو) تطلب الأفعال فإذا جاءت معها (إنَّ) لم تذكر معها الأفعال، لأنه تذكر معها الأسماء والأفعال. * * * وقوله : (مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ). معناه ما انقطعت، ويروى أَن المشركين قالوا في القرآن: إن هَذا كلام سَينْفَدُ، وسيقطع، فأَعلم اللَّه أَن كَلِمَاتِه وحكمتَهُ لا تَنفدُ (١). * * * وقوله: (مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٢٨) تأويله إلا كخلق نفس وَاحِدَةٍ، وكبعث نَفْس وَاحِدَةٍ، أي قُدْرَةُ اللَّهِ عَلَى بعثْ الخلق أجمعين وعلى خلق الخلق أجمعين كَقُدْرَتِه على خلق نفس واحدةٍ وبعث نفس وَاحِدَةٍ. * * * وقوله: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٩) (يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ) معناه يدخل الليل في النهار، لَيْلَ الصيف في نَهاره. (وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ). يدخل نهار الشتاء في ليله. * * * وقوله : (أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣١) ويقرأ بِنِعِمات اللَّه، ويجوز بِنَعْمَات اللَّه، ويجوز بِنِعَمَات اللَّه

стр. 1559

بفتح العين ففيها ثلاثة أوجه إذَا جُمِعَتْ، وأكثر القراءة بنعمة اللَّهَ على الواحدة، وأما الكسر فعلى مذهب من جَمَع كِسْرةً علىْ كِسِرَاتٍ. ومَنْ أَسْكن وهو أجود أَوْجُهِهِ فعلى من جمع كِسْرات، لأن كِسْراتٍ بقل مثله في كلام العَرَبِ، إنما جاء في أصول الأبنية ما توالت فيه كسرتان نحو إبل وإطِل فقط، ومن قرأ بِنِعَمَات الله فلأن الفتح أخف الحركات. قال الشاعر: ولما رَأوْنا بَادياً رُكُبَاتُنَا. . . عَلَى مَوْطِنٍ لا نَخْلِطُ الجدَّ بالهَزلِ والأكثر رُكَبات، وَرُكْبَات أَجْوَدُ لِثِقَلِ الضَّمَّةِ، ولكنه أكثر من الكلام من نِعِمَات، وكِسِراتٍ. * * * وقوله : (لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ). روى قتادَةُ أَن أحبَّ العِبَادِ إلَى الله مَنْ إذَا أعْطي شَكَرَ وإذا ابْتُلِيَ صَبَرَ. فأعلم اللَّه أَن المُعْتَبِرَ المُتَفَكِرَ في خلق السَّمَاوَات والأرض هو الصبَّار الشَّكور. * * * وقوله : (وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ (٣٢) قال في. الموج: " كَالظُّلَلِ" لأن موج البحر يعظمَ حتى يصيرَ كأنَّهُ ظُلَلٌ. وقوله: (خَتَّارٍ كَفُورٍ). الخَتْر: أَقبح الغَدْرِ. * * * وقوله : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٣٣)

стр. 1560

(وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا). (جازٍ) في المصحف بغير ياء، والأصْلُ جَازِيٌّ. وَذَكر سيبويه والخليل أن الاختيار في الوقف هُوَ جَاز، بغير ياء والأصل جازيٌّ بضمة وتنوينٍ، فَثَقُلَتِ الضمةُ في الياء، فحذفت وسكنت الياء والتنوين فحذفت الياء لالتقاء السَّاكنين، وكان ينبغي أن يكونَ في الوقف بياءٍ لأن التنوين قد سقط ولكن الفُصحَاءَ مِنَ العَرَبِ وقفوا بغير ياء لِيُعْلمُوا أن هذه اليَاءَ تَسْقُط في الوصل. وزعم يُونُس أَن بعض العرب الموثوقِ بهم يقف بياء، ولكن الاخْتِيار اتباعُ المصحف والوقف بغَيْر يَاءٍ * * * وقوله : (وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ). الْغَرُورُ: الشيطان. * * * وقوله : (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤) جاء في التفسير أن هذه الخمسَ مفاتحُ الغَيْب التي قال اللَّه عز وجل فيها،: (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ) فمن ادَّعى أنه يعلم شيئاً من هذه فَقد كَفَرَ بالقُرآنِ، لأنهُ قَدْ خَالَفَهُ.

стр. 1561

سُورَةُ السَّجدة (مَكِّيَّة) إلا ثلاث آيات منها مدنية، (أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا) إلى تَمامِ الثلاثِ آيات. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله : (الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) روى أحمد بن حنبل. بإسناد له أن النبى ﷺ كان يقرأ في كل لَيْلةٍ سورةَ السجْدَةِ " الم تنزيل "، وسورة " تبارك الملك ". وروى كَعْبُ الأحبار أنه قال: من قرأ سورة السجدة كَتبت له سَبْعُونَ حسنةً وحُطتْ عَنْهُ سبعونَ سَيئةً وَرَفعَتْ له سَبْعُونَ دَرَجَة. * * * وقوله: (الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ) قد شرحنا ما قيل في " الم "، ورفع (تَنْزِيلُ) على خبر الابتداء على إضمار الذي نتلو. تنزيل الكتاب. ويجوز أن يكون في المعنى خبراً عن (الم)، أي (الم) مِنْ تنزيل الكتاب. ويجوز أن يكون رفعه - على الابتداء، ويكون خبر الابتداء (لَا رَيْبَ فيه). * * * وقوله : (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣) معناه بل أيقولون افتراه.

стр. 1562

وقوله: (لَتُنْذِرَ قَوْماً مَا أتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ) وَمِثْلُهُ (لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ). و" ما " في جمع الموضعين نَفْيٌ، أي لم يشاهدُوا هُمْ ولا آباؤهم نبيًّا. فأما الإنذار بما قدم من رسل اللَّه صلى اللَّه عليهم فعلى آبائهم به الحجة، لأن اللَّه لا يُعَذَبُ إلا من كفر بالرسُل. والدليل على ذلك قوله: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) (١). * * * قوله: (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٥) أعلم الله أنه يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، ثم يعرج الأمر إليه في يوم، وذلك اليوم مقداره ألفُ سَنَةٍ مما تعدُونَ. ومعنى يَعْرُج ينزل ويَصْعَدُ يقال عَرَجْتُ في السِّلْمِ أَعْرُجُ، ويُقَالُ عَرِج يَعْرَجُ إذَا صَار أَعْرَجَ. * * * وقوله تعالى: (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧) وقد قرئ (خَلَقَهُ) بتحريك اللام وتسكينها جميعاً - ويجوز خَلْقهُ بالرفع ولا أعلم أحداً قرأ بها. فأمَّا (خَلَقَهُ) فعلى الفِعْلِ المَاضِي. وتأويل الِإحْسَانِ في هذا أنه خَلَقَهُ على إرَادَتِه فخلق الإِنْسَانَ في أحسن تَقْوِيمٍ، وخلق القِرْدَ على ما أحب وخَلقُه إياهُ على ذلك مِنْ أَبْلَغِ الحكمةِ ومن قرأ (خَلْقَهُ) بتسكين اللام فعلى وَجْهَيْنِ: أحدهما المَصدَرَ الذي دل عليه أَحْسَنَ، والمعنى الذي خلق كل شيء خلقه. ويجوز أن يكون على البَدَلِ فيكون المعنى الذي أَحْسَنَ خلْقَ كُل شيء. خَلَقَهُ، والرفعُ على إضمار: " ذَلِكَ خَلْقُه " (٢). * * * وقوله : (وَبَدَأَ خَلْقَ الإنْسَانِ مِنْ طَينٍ).

стр. 1563

يعني آدم وَذُريتهُ، فآدم خلق من طين. * * * (ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٨) ومعنى مَهِين ضَعيف، ومعنى السلالة في اللغة ما ينسَل من الشيء القليل، وكذلك الفعالةُ نحو الفُضَالَةُ والنُّخامَةُ والقُوارةُ. * * * وقوله : (وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ (١٠) ويقرأَ (أَنَّا لَفِي خلق جَدِيدٍ)، ويقرأ (إنَّا لَفِي خَلْق جَديدٍ) وموضع (إذَا) نصب، فمن قرأ (أَإِنَّا) فعلى معنى أنُبْعَث إذا ضَللنَا في الأرْضِ. وَيَكُونُ يَدُلًّ عَلَيه " إنَا لَفِي خَلْق جَدِيدٍ "، ومن قرأ إنا لفي خلق - جديد فإذا منصوبة بـ ضللنا، ويكون بمعنى الشرط والجزاء، ولا يضر ألا يذكر الفاء، لأن " إذَا " قد وليها الفعل الماضي، ولا يجوز أن ينتصبَ " إذا " بما بعْدَ " أن "، لا خلاف بين النحويين في ذلك، ومعنى " إذَا ضَلَلنَا " إذا مُتْنَا فَصِرْنَا تُراباً وعظاماً فَضَلِلْنَا في الأرض فلم يتبينْ شيء من خَلْقِنَا، ويقرأ صَلَلْنَا بالصادِ، ومعناه على ضربين: أحدهما أَنْتَنَّا وَتَغَيَّرْنَا، وتَغَيَّرَتْ صُوَرُنا، يقال صَلَّ اللحم وَأَصَلَّ إذا أنْتَنَ وَتَغيَّرَ. والضرب الثاني صَلَلْنَا صرنا من جِنْسِ الصَّلَّةِ، وهي الأرض اليابسة (١). * * * وقوله: (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١١) من تَوْفِيَةِ العَدَدِ، تأويرله أنه يقْبِضُ أَرْواحكُمٍ أَجْمعين فلا ينقص واحدٌ منكم، كما تقول: قد استَوْفَيْتُ مِنْ فُلَانٍ وتوفيْتُ من فلان مالي عنده، فتأويله أَنهُ لَمْ يَبْقَ لي عَلَيه شيء.

стр. 1564

وقوله: (وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (١٢) هذا متروك الجواب، وخِطابُ النبي ﷺ خطابُ الخلق الدليل عليه ذلك: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ) فهو بمنزلة وَلَوْ تَرَوْنَ فالجواب لرأيتم ما يعتبر به غاية الاعتبار. وقوله: (رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا). فيه إضمار " يَقُولُون رَبَّنَا أَبْصَرْنَا. * * * وقوله: (وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣) تأويله مثل قوله: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لِجَمَعَهُم عَلَى الهُدَى). ومثله (فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ). وقوله: (وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ). قال قتادة بذنوبهم، وهذا حسن، لأن اللَّه قال: (إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ). * * * وقوله: (فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٤) تِاويل النسيان ههنا الترك، المعنى فذوقوا بما تركتم عمل لقاء يومكم هذا فتركناكم من الرحمة. * * * وقوله : (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦)

стр. 1565

معنى (تَتَجَافَى) ترتفع وَتُفَارِقُ المضاجعَ، ومعنى (خَوْفًا وَطَمَعًا) خوفاً من عذاب اللَّه وطمعاً في رحمة اللَّه. وانتصاب (خَوْفًا وَطَمَعًا) لأنه مفعول له، كما تقول: فَعَلْتُ ذلك حِذَارَ الشَرِّ أَي لِحذارِ الشَرِّ وحقيقته أنه في موضع المصدَرِ، لأن (يَدْعُونَ رَبَّهُمْ) في هذا الموضعِ يدل على أنهم يَخَافُونَ عذابَه وَيرْجُونَ رَحْمَتَهُ، فهو في تأويل يَخَافون خوفاً ويطمعون طمعاً. وقوله: (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ). أي ينفقون في طاعة اللَّهِ، وقد اختلف في تفسيرها، وأكثر ما جاء في التفسير أنهم كانوا يصلون في الليل وقت صلاة العتمة المكتوبة لا ينامون عنها، وقيل التطوع بين الصلاتين، صلاة المغرب والعشاء الآخرة. * * * وقوله: (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧) دليل على أنها الصلَاةُ في جَوْفِ الليْلِ، لأنه عمل يستسِرُّ الإنْسَانُ به فجعل لفظ ما يجازى به (أُخْفِيَ). ويقرأ بإسكان الياء، ويكون المعنى ما أخفي أنا لهم. إخبار عن اللَّه. وإذا قرئت: (أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ) - بفتح الياء - فعلى تأويل الفعل الماضي، ويكون اسم ما لم يسم فاعله ما في أُخْفِيَ من ذكر " ما " وقرأ الناس كلهم (مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ) إلا أبا هُرَيْرَةَ فإنه قرأ (من قرَّاتِ أعْيُنٍ). ورواه عن النبي ﷺ . (جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).

стр. 1566

" جزاء " أيضاً منصوب مفعول له. وقُرئت: فلا تعلم نفس ما أَخْفَى لَهمْ، أي ما أخفى اللَّه لهم (١). * * * وقوله: (أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (١٨) جاء في التفسير أنها نزلت في علي بن أبي طالب ﵇. وعقْبَةَ بنِ أَبي معَيْطِ. فالمؤمن عَلِيٌّ ﵁، والفاسق عقبة ابن أبي معيط، فشهد الله لِعليٍّ بالإيمان وإنه في الجنة بقوله: (أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى). وقال: (لَا يَسْتَوُونَ)، ولو كان قال: لا يتسويان لكان جَائزاً. ولكن " مَنْ " لفظها لفظ الواحد، وهي تدل على الواحِد وعلى الجماعة فجاء (لَا يَسْتَوُونَ) على معنى لا يستوي المؤمِنُونَ والكَافِرونَ. ويجوز أن يكونَ " لا يَسْتوُونَ " للاثنين، لأن معنى الاثنين جماعة. * * * وقوله : (وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢١) الأدنى ما يصيبهم في الدنيا، وقد اختلف في تفسيرها. فقيل: ما يصيبهم من الجدب والخوف، ويكون دليل هذا القول قوله: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ). وقيل " الْعَذَابِ الْأَدْنَى " ههنا السِّبَاءُ والقتل، وجملته أن كل ما يعذَّبُ به في الدنيا فهو الْعَذَابِ الْأَدْنَى، والعذاب الأكبر عذاب الآخرة. * * * وقوله: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (٢٣)

стр. 1567

جاء في التفسير لا تكن في شك من لقاء موسى ﵇. ودليل هذا القول في التفسير قوله: (وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا)، فالمعنى لا تكن يا محمد في مِرْيةٍ من لقائه. والخطابُ للنبي ﷺ بمنزلة الخطاب له ولأِمَّتِهِ في هذا الموضع، أي فلا تكونوا في شك من لقاء النبي ﵇ بموسى. وَقِيلَ (فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ) أي من لقاء موسى الكتاب، ويكون الهاء للكتاب، ويكون في لقائه ذكرُ مُوسى، ويجوز أن يكون الهاء لموسي، والكتاب محذوف، لأنْ ذكر الكتاب قد جرى كما جرى ذكر موسى. وهذا واللَّه أعلم أشبه بالتفسير. * * * وقوله: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤) أكثر البصرئينَ لا يجيزون (أَئِمَّةً) بهمزتين، وابن أبي اسحاق وحدَه يجيز اجتماعَ هَمْزَتين، وسيبويه والخليل وجميع البصريين - إلا ابنَ إسحاق - يقولون أيمة - بهمزة وياء - وإذا كانَ الهمزتان في كلمة وَاحِدَةٍ لم يجيزوا إلا إبدال الثانية في نحو أَيِمة وآدم، ومن قرأ أَئِمةً لَزِمه أَنْ يَقُول في " آدم " أَأْدَم " لأنه أفعل من الأدْمَةِ، وأئمة أَفْعِلَة، ولا ينبغي أن تقرأ ألا أيمَّةَ، لأن من حقَق الهمزة فيما يجوز فيه تخفيف الهمز أجاز التخفيف فكذلك هو يجيز التخفيف في أيمة، فتصير قراءة أَيِمَّة إجماعاً. وقوله: (لَمَّا صَبَرُوا). وَلِمَا صَبروا، والقراءة بالتشديد والتخفيف في " لَمَّا "، فالتخفيف معناه جعلناهم أئمة لِصَبْرِهِمْ، ومن قرأ " لَمَّا، صَبَروا فالمعنى مَعنى

стр. 1568

حكاية المجازاة. لَمَّا صَبَرُوا جعلناهم أئمة، وأصل الجزاء في هذا كأنهُ قيل إن صَبرتُمْ جعلناكم أئمةً، فلما صبروا جُعِلوا أَئِمةً. * * * وقوله : (أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ (٢٦) وقرئت بالنُونِ ((أَوَلَمْ نَهْدِ لَهُمْ). وزعم بعض النحويين أن (كَمْ) في موضع رفع بـ (يَهْدِ) والمعنى عنده أولم نُبَيِّنْ لهم القرون التي أهلكنا مِنْ قَبْلِهِمْ. وهذا عندنا - أعني عند البصريين - لا يجوز، لأنه لايعمل ما قبل (كَمْ) في (كَمْ)، لا يجوز في قولك كم رَجُل جاءني. وأنت مخبر أن تقول جاءني كم رجل، لأن (كَمْ) لا تُزَالُ عن الابتداء. ولذلك جاز أن يفصل بينها وبين ما عملت فيه إِذَا نصبت بما في الخبر والاستفهام تقول في الخبر: كَمْ بجودٍ مُقْرِفاً نالَ الغِنَى

стр. 1569

ففصلت بين (كَمْ) وبين قولك مقرفاً بِقَوْلِكَ (بجودٍ)، فيكون الفَصْلُ فيها بين (كَمْ) وما عملت فيه عِوَضاً من تصرفها، ألا ترى أنه لا يجوز عشرون عندي درهماً، ويجوز في الخبر كم عندي دِرهماً جَيِّداً. وحقيقة هذا أَن (كَمْ) في موضع نصبٍ بـ (أَهْلَكْنَا). وفاعل " يَهْدِ " ما دل عليه المعنى مما سلف من الكلام. ويكون (كَمْ) أَيْضاً دليلا على الفاعل في يهدي، ويدل على هذا قراءة من قرأ أو لم نَهْدِ - بالنونِ - أي ألم نبين لهم. ويجوز أيضا على " يهد " بالياء - أن يكون الفعلُ لله يدل عليه قراءة من قرأ (أولَم نَهْدِ). * * * وقوله (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ (٢٧) يُقرأ (الجُرُزَ)، ويجوز، الجَرَزَ والجُرْز والجَرْز. كل ذلك قد حكي في (الْجُرُزِ). جاء في التفسير أنها أرض اليَمَنِ، والجرز عند أَهْل اللغَةِ الأرض التي لا تُنْبِتُ. وكان أصلها أنها تأكل نباتها، يقال امرأة جَزُوز إذا كانت أكولاً، ويقال: سيف جراز إذَا كان مستأصلا. فمن قال جُرْزٌ فهو تخفيف جرُز، ومن قال: جَرَز وَجَرْز فهما لغتان. ويجوز أن يكون جَرْز مَصْدَراً وُصِفَ به كأنَّه أرض ذات جَرْزٍ - أعني بإسكان الراء، أي ذَات أكل للنبَاتِ. وقوله: (يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ). ويجوز في (يَمْشون في مساكنهم): تَمْشون. * * * وقوله تعالى: (وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٨)

стр. 1570

جاء في التفسير أن أصحاب النبي ﵇ قالوا: يُوشِكُ أن يكون لنا يوم نستريح فيه، فقال المشركون: مَتَى هَذَا الفَتحُ إن كُنتُم صَادَقِينَ، فأعلم الله أَن الراحة في الجنة في الآخرةِ. وجاء أيضاً في الفتح مَتَى هذا الحَكمُ إنْ كنتم صادقين، ومتى هذا الفَصلُ. فأَعلم اللَّه أَن يَوْمَ الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمَانُهُمْ. وَلَا هم يُنْظَرُونَ. أَيْ أَنَّهم ما داموا في الدنيا فالتوبة مَعْرُوضَة لَهُمْ ولا توبة في الآخرةِ. * * * (فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ (٣٠) وقرئت: (وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ)، و (مُنْتَظَرُونَ).

стр. 1571

سُورَةُ الأحزاب (مدنية) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله : (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١) معناه اثبتْ على تقوى الله ودُم عَلَيها. وقوله: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا). أي كان عليمأ بما يكون قبل كونه، حكيماً فيما يخلقه قبل خلقه إياه. * * * (وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٢) يَعْني به القرآنَ. * * * وقوله: (وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٣) معناه وكفى اللَّه وكيلاً، دخلت الباء بمعنى الأمر، وإن كان لفظُه لفظَ الخبرَ. المعنى اكتف باللَّه وَكِيلًا. * * * وقوله : (مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (٤) قال ابن عباس: إن النبي ﷺ صَلَّى فسها كما يسهو الرجال في صلاته، وخطرت على باله كلمة فقال المنافقون إنَّ لَه قَلْبَيْن، قلباً معكم وقلباً مع أصحابه. وأكثر ما جاء في التفسير أن عبد اللَّه بن خَطَل

стр. 1572

كانت قُريْش تسميه ذا القلبين، وروي أنه قال: إن لي قَلْبَيْنِ أَفْهَمُ بِكل وَاحِدٍ منهما أكثر مما يَفْهَمُ محمدٌ، فأكذبه اللَّه فقال: (مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ). ثم قَرَنَ بهذا الكلام ما يقوله المشركونَ غيرهم مما لا حقيقة له فقال : (وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ). وتقْرَأُ (تَظَّاهَرُونَ) مِنْهُنَّ، فمن قَرأ (تُظَاهِرُونَ) بالتخفيف فعلى قولك: ظاهر الرجُل من امْرَأَتِه، ومن قرأ (تَظَّاهَرُونَ) - بالتشديد - فعلى تظاهر الرجلُ من امْرأته، ومعناه أنه قال لها: أَنْتِ عليَّ كظَهرِ أُمِّي، فأعلم اللَّه أن الزوجة لَا تَكونُ أُمًّا، وكانتِ الجَاهِلية تُطَلِّقُ بهذا الكلام، فأنزل اللَّه كفارة الظهار في سور المجادلة. * * * وقوله : (وَمَا جَعَل أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ). أي ما جعل من تدعونه ابناً وليس بِوَلَدٍ في الحقيقة - ابناً. وكانوا يتوارثون على الهجرة ولا يرث الأعرابي من المُهَاجِر، وَإنْ كان النسَبُ يوجب له الإرث. فأَعلم اللَّهُ أَنَ أُولى الأرحام بعضُهُمْ أولى بِبَعْض، وأبطل الِإرث بالهجرة. وقوله: (ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ). أي ادِّعاؤُكم نَسبَ من لا حقيقة لنسبه قولْ بِالْفَمِ لا حقيقة معنًى تَحْتَهُ. (وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ). أي اللَّه لا يجعل الابن غير الابن، وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ، أي يَهْدِي

стр. 1573

السبيلَ المستقيمة مثل قوله: (فَقدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيل). * * * وقوله: (ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥) (ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ) أي هو أعْدَلُ. (فَإنْ لَمْ تَعَلَمُوا آبَاءَهُمْ). أي فإنْ لم تعلموا أنَّ المدعوَّ ابنُ فُلانٍ فهو أخوكَ في الدِّينِ إذا كان مؤمِناً، أي فقل يا أخي. (وَمَوَالِيكُمْ) أي بَنُو عَمِّكم، ويجوز أن يكون: وَمَوالِيكُمْ - أي. أَوْلِياؤكُمْ في الدِّين. (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ). في هذا وَجْهَانِ: أَحَدُهُما وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ مِما قد فعلتمُوهُ قبْلَ أن تُنْهَوْا عن هذا، وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ، أَي ولكن الإثم فيما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ. و (ما) في موضع جَرٍّ. عطف على (مَا) الأولَى المعنى: وليس عليكمْ جناح في الذي أخطاتم به. ولكن في الذي تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ. ويجوز أن يكون: ولا جناح عليكم في أن تقولوا له با بُنَيَّ على غير أن تَتَعَمَّدَ أن تجريه مجرى الوَلَدِ في الإرْثِ. * * * وقوله (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا (٦) وفي بعض القراءة: النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهُوَ أَبٌ لَهُمْ،

стр. 1574

ولا يجوز أن تقرأ بها لأنها لَيْسَت في المصحف المجمع عليه. والنبي ﵇ أبو الأمة في الحقيقة. ومعنى (وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ)، أي لا تحل زوجة النبي ﷺ لأحَدٍ بَعْدَه إذ هي بمنزلة الأمِ. وقوله: (وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ). أي ذو الرحِم بِذِي رَحِمِه أولى من المُهَاجِر إذَا لم يَكُنْ مِنْ ذَوِي رحِمِهِ. * * * وقوله : (إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا). (إِلَّا أَنْ) استثناء ليست من الأول المعنى لكن فِعْلُكم إلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعروفاً جائِزٌ، وهو أن يوصَي الرجلُ لِمَنْ يَتَولَّاهُ بما أحب من ثُلُثِهِ، إذَا لم يكن وارثاً، لأنه لَا وَصِيةَ لِوَارِثٍ. (كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا). أي كان ذلك في الكِتابِ الذي فُرِضَ فيه الفرضُ (مَسْطُورًا) أَي مكتوباً. * * * وقوله: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٧) موضع " إذْ " نصب المعنى اذكر إذْ أَخَذْنَا، فذكرَهُ اللَّهُ ﷺ في أَخذِ الميثاقِ قبل نوح. وجاء في التفسير: إنِي خُلِقْتُ قَبْلَ الأنبياء، وَبُعِثْت بَعْدَهُمْ. فَعَلى هذا القولِ لا تَقْدِيمَ في هذا الكلام ولا تأخِيرَ. هو على نَسَقِه، وَأخِذَ الميثاق حيث أخرجوا مِنْ صُلْبِ آدَمَ - صلى اللَّه عليه - كالذَّرِّ. وَمَذْهَبُ أهل اللغة أن الواو معناها الاجتماع، وليس فيها دَلِيل

стр. 1575

أن المذكور أولاً لا يستقيم أَنْ يكونَ مَعْناه التأخِيرُ. فالمعنى على مذهب أَهْلِ اللُّغة، وَمِنْ نُوح وإبرَاهيم ومُوسَى وعِيسَى ابن مَريمَ وَمِنْك. ومثله قوله: (وَاسجدِي وَارْكَعِي مع الراكِعِينَ). * * * وقوله: (لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا (٨) معناه ليسأل المبلِّغين من الرسلِ عَنْ صِدْقِهِمْ في تبليغهم. وتأويل مَسْألَةِ الرسُلِ - واللَّه يعلم - أنهم صادقون - التبكيت للذين كفروا بِهِمْ، كما قال اللَّه (وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ)، فأجاب فقال: (سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ)، ثم قال (مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ)، فتأويله التَبْكيتُ للمُكَذِبِينَ، فعلى هذا (لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا (٨) أي للكافرين بالرسُلِ (١). * * * وقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٩) هؤلاء الجنودُ هم الأحْزاب، والجنود الذين كانوا: هم قرَيْش مَعَ أبي سفْيَانَ وغطفَان وبنو قريظة، تحزَّبوا وتظاهروا على حرب رسول اللَّه ﷺ فأرسل اللَّه عليهم ريحاً كفَأَت قذورَهم، أي قَلَبَتْهَا، وقَلَعَتْ فساطيطهم وأظعنتهمْ من مَكانهم، والجنودُ التي لم يروها المَلَائِكَة.

стр. 1576

وقوله: (إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) جاءت قريظة من فَوْقِهِمْ، وجاءت قريش وغَطَفَانُ من ناحية مَكةَ. مِنْ أَسْفَلَ مِنْهُمْ. وقوله: (وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا). اختلف القراءُ فيها. فقرأ بَعْضُهُمْ بِإثْبَاتِ الألِفِ فِي الوَقْفِ والوَصْلِ وقرأ بعضهم " الظنُون " بغير ألِفٍ في الوصل، وبألف في الوقف. وقرأ أبو عَمْرٍو " الظُّنُونَ " بغير ألف، في الوصل والوقف. والذي عليه حُذَّاق النحويين والمتبعُونَ السُّنَّةَ من حُذاقِهِمْ أَن يقرأَوا (الظُّنُونَا). ويقفون على الألف ولا يَصِلُونَ، وإنَّمَا فَعَلُوا ذَلِكَ لأن أواخر الآيات عِنْدَهُمْ فَوَاصلُ، ويثَبتُون في آخرها في الوقف ما قد يحذف مثله في الوَصْلِ. وَهُؤلاءِ يتبعُون المُصْحَفَ ويكرهون أَنْ يَصِلُوا ويثبتوا الألِفَ، لأن الآخر لم يقفوا عَلَيْهِ فيجروه مجرى الفَوَاصِلِ. ومثل هذا من كلام العَرَبِ في القَوَافِي: أَقِلِّي اللوم عَاذِل والعِتَابَا. فأثبت الألف لِأنَّهَا في موضع فاصِلةٍ وهي القافية (١). * * * وقوله : (هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (١١) ويجوز زَلْزَالاً. بفتح الزاي، والمصدر من المَضَاعَفِ يجيء على ضربين فَعْلال وَفِعْلال نحوِ قَلْقَلَهُ قَلْقَالًا وَقِلْقَالاً وَزَلَزلْزَلَتْهُ زَلْزَالاً وَزِلْزَالاً، والكسر أكثر وَأَجْوَدُ لأنْ غيرَ المَضَاعَفِ من هذا الباب مكسورُ

стр. 1577

الأول، نحو دَحْرَجْتُه دِحْراجاً لا يجوز فيه غير الكسر. ومعنى (هُنَالِكَ ابْتُلِيَ المومِنُونَ) أَيْ فِي تلكَ الحال اخْتُبِرَ المؤمِنُونَ. ومعنى (زُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا)، أزْعِجوا إزعاجاً شديداً وحُرِّكوا. * * * وقوله: (وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (١٢) موضع " إذْ " نَصْب المعنى اذكر إذ يَقول المنافقون. ومعنى الآية أن المنافقين قالوا: وَعَدَنا محمدٌ ﷺ أن فارسَ والرومَ تُفْتَحَانِ عَلَيْنَا، وَنَحْن بمكاننا هذا ما يقدر أحدنا أن يبرز لحاجَتِه، فهذا وعْد غرور. * * * وقوله (وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا (١٣) ويقرأ " لاَ مَقَام لَكمْ " بفتح الميمِ، فمن ضم الميم فالمعنى لا إقامة لكم، تقول: أقمت في البَلَدِ إقامةً ومُقاماً. ومن قرأ لا مَقَام لكم " - بفتح الميم، فالمعنى لا مكان لكم تقيمون فيه، وهؤلاء كانوا يُثَبِّطونَ المؤمنين عن النبي ﷺ . (وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ). أي مُعَوَّرة وذلك أنهم قالوا إِنَّ بُيُوتَنَا مِمَّا يَلِي العَدو، ونحن نُسْرَقَ مِنْهَا، فكذبَهُم اللَّه تعالى وأعلم أن قَصْدَهم الهَرَبُ والفرار. فقال: (وَمَا هِيَ بِعَورَةٍ). ويقرأ: وَمَا هِيَ بِعَوِرَةٍ. يقَال عَوِرَ المَكَان يَعْوَرُ عَوَراً، وهو عَوِر

стр. 1578

وبيوت عَوِرة، وبيوت عَوْرَة على ضَربَيْن، على تسْكِين عَوْرَة، وعلَى معْنَى ذات عَوْرَة. (إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا). أي ما يريدون تحرزاً مِنْ سَرَقٍ، ولكن المنافقين يريدون الفرار عن نُصْرَةِ النبي ﵇. * * * (وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا (١٤) أي وَلَوْ دُخِلَتْ البيوت من نواحيها. (ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا)، ويقرأ بالقصر (لَأَتَوْهَا)، فمن قرأ (لَآتَوْهَا) بالمدِّ فالمعنى لأعطوها، أي لَوْ قِيلَ لَهمْ كُونوا على المسلمين مُظْهِرِينَ الفتنةَ لَفَعَلوا ذَلِكَ، (وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا). ومن قرأ (لَأَتَوْهَا) بالقصر، فالمعنى لَقَصدُوها. * * * وقوله : (قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا (١٨) أي الذين يُعَوقون عن النبي ﷺ نُصَّارَهُ، وذلك أنهم قالوا لِنُصَّار النبي ﷺ : ما محمد وأصحابه إلا أكلة رَأْس. ولو كانوا لحماً لالْتَهَمَهُمْ أَبُو سفيانَ وأَصْحابُه فخلوهم وَتَعَالَوْا إلَيْنَا. وقوله: (وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا). أي لا يأتون الحرب مع أصحاب النبي ﷺ إلا تَعْذِيراً يوهِمُونَهِمْ أَنَّهم مَعَهُمْ. * * * (أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (١٩) " أشِحَّةً " منصوبٌ عَلَى الحَال، المعنى يَأتُونَ الحربَ بُخَلاءَ عَلَيكمْ

стр. 1579

بالظفر والغنيمة فَإذَا جَاءَ الخَوْفُ فهم أَجْبَنُ قَوْمٍ، فإذا جاءت الغنيمة فأشحُّ قَوْمٍ وَأَخْصَمُهُم. (فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ). لأنهم يحضرون على غَيْر نية خَيْرٍ، إلا نية شَر. (فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ). معنى " سَلَقُوكم " خاطبوكم أَشَدَّ مخَاطَبةِ وَأَبْلَغَهَا في الغنيمة، يقال: خَطِيبٌ مِسْلَاق وسَلَّاق إذَا كانَ بَلِيغاً في خُطْبَتِهِ. (أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ). أي خاطبوكم وهم أَشِحَّة عَلَى المالَ والغنيمة. وقوله (أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ). أي هم وإن أظهروا الإِيمانَ ونافقوا فليسوا بمؤمنين. * * * وقوله: (يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا (٢٠) أي يحسبون الأحزاب بعدَ انْهِزامهم وذَهَابِهم لم يذهبوا لجُبْنِهِمْ وَخَوفِهِم منهم. (وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ). أي إذا جاءت الجنودُ والأحزابُ ودُّوا أنهم في البادية. * * * وقوله تعالى: (وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (٢٢)

стр. 1580

فوصف اللَّهُ حَالَ المنافِقين في حَرْبِ الكافرين وحال المؤمنين في حَرْبِ الكَافِرينَ. فوصف المنافقين بالفشل والجبْنِ والروَغَانِ والمسارعة إلى الفتنةِ والزيادة في الكُفْرِ، ووصف المؤمنين بالثبُوتِ عند الخوف في الإيمان، فقال، (وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (٢٢). والوعد أن اللَّه قال لهم: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤). فكذلك لَمَّا ابْتُلِي أصحاب النبي ﷺ وزُلْزلُوا زلزالاً شَدِيدًا عَلِمُوا أن الجنَّةَ والنصْرَ قَدْ وَجَبَا لَهُمْ. * * * وقوله تعالى: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (٢٣) المعنى أَنهُم عَاهَدُوا في الإسلام فَأقَامُوا عَلَى عَهْدِهِمْ. وموضع (مَا) نَصْبٌ بِـ (صَدَقُوا). (فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ). أي أجله وَلَمْ يُبَدِّلْ. وهو قوله: (وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا). فالمعنى أنَّهُ مات على دينه غيرَ مُبَدِّل. * * * (لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٤)
следующие страницы →