وقوله: (إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠)
جاءت قريظة من فَوْقِهِمْ، وجاءت قريش وغَطَفَانُ من ناحية مَكةَ.
مِنْ أَسْفَلَ مِنْهُمْ.
وقوله: (وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا).
اختلف القراءُ فيها. فقرأ بَعْضُهُمْ بِإثْبَاتِ الألِفِ فِي الوَقْفِ
والوَصْلِ وقرأ بعضهم " الظنُون " بغير ألِفٍ في الوصل، وبألف في
الوقف.
وقرأ أبو عَمْرٍو " الظُّنُونَ " بغير ألف، في الوصل والوقف.
والذي عليه حُذَّاق النحويين والمتبعُونَ السُّنَّةَ من حُذاقِهِمْ أَن يقرأَوا
(الظُّنُونَا).
ويقفون على الألف ولا يَصِلُونَ، وإنَّمَا فَعَلُوا ذَلِكَ لأن
أواخر الآيات عِنْدَهُمْ فَوَاصلُ، ويثَبتُون في آخرها في الوقف ما قد
يحذف مثله في الوَصْلِ.
وَهُؤلاءِ يتبعُون المُصْحَفَ ويكرهون أَنْ يَصِلُوا ويثبتوا الألِفَ، لأن الآخر لم يقفوا عَلَيْهِ فيجروه مجرى الفَوَاصِلِ.
ومثل هذا من كلام العَرَبِ في القَوَافِي:
أَقِلِّي اللوم عَاذِل والعِتَابَا.
فأثبت الألف لِأنَّهَا في موضع فاصِلةٍ وهي القافية (١).
* * *
وقوله : (هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (١١)
ويجوز زَلْزَالاً. بفتح الزاي، والمصدر من المَضَاعَفِ يجيء على
ضربين فَعْلال وَفِعْلال نحوِ قَلْقَلَهُ قَلْقَالًا وَقِلْقَالاً وَزَلَزلْزَلَتْهُ زَلْزَالاً
وَزِلْزَالاً، والكسر أكثر وَأَجْوَدُ لأنْ غيرَ المَضَاعَفِ من هذا الباب مكسورُ
стр. 1577
الأول، نحو دَحْرَجْتُه دِحْراجاً لا يجوز فيه غير الكسر.
ومعنى (هُنَالِكَ ابْتُلِيَ المومِنُونَ) أَيْ فِي تلكَ الحال اخْتُبِرَ المؤمِنُونَ.
ومعنى (زُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا)، أزْعِجوا إزعاجاً شديداً وحُرِّكوا.
* * *
وقوله: (وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (١٢)
موضع " إذْ " نَصْب
المعنى اذكر إذ يَقول المنافقون.
ومعنى الآية أن المنافقين قالوا: وَعَدَنا محمدٌ ﷺ أن فارسَ والرومَ تُفْتَحَانِ عَلَيْنَا، وَنَحْن بمكاننا هذا ما يقدر أحدنا أن يبرز لحاجَتِه، فهذا وعْد غرور.
* * *
وقوله (وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا (١٣)
ويقرأ " لاَ مَقَام لَكمْ " بفتح الميمِ، فمن ضم الميم فالمعنى لا إقامة
لكم، تقول: أقمت في البَلَدِ إقامةً ومُقاماً.
ومن قرأ لا مَقَام لكم " - بفتح الميم، فالمعنى لا مكان لكم تقيمون فيه، وهؤلاء كانوا يُثَبِّطونَ المؤمنين عن النبي ﷺ .
(وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ).
أي مُعَوَّرة وذلك أنهم قالوا إِنَّ بُيُوتَنَا مِمَّا يَلِي العَدو، ونحن
نُسْرَقَ مِنْهَا، فكذبَهُم اللَّه تعالى وأعلم أن قَصْدَهم الهَرَبُ والفرار.
فقال: (وَمَا هِيَ بِعَورَةٍ).
ويقرأ: وَمَا هِيَ بِعَوِرَةٍ.
يقَال عَوِرَ المَكَان يَعْوَرُ عَوَراً، وهو عَوِر
стр. 1578
وبيوت عَوِرة، وبيوت عَوْرَة على ضَربَيْن، على تسْكِين عَوْرَة، وعلَى
معْنَى ذات عَوْرَة.
(إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا).
أي ما يريدون تحرزاً مِنْ سَرَقٍ، ولكن المنافقين يريدون الفرار
عن نُصْرَةِ النبي ﵇.
* * *
(وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا (١٤)
أي وَلَوْ دُخِلَتْ البيوت من نواحيها.
(ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا)، ويقرأ بالقصر (لَأَتَوْهَا)، فمن قرأ (لَآتَوْهَا) بالمدِّ فالمعنى لأعطوها، أي لَوْ قِيلَ لَهمْ كُونوا على المسلمين مُظْهِرِينَ الفتنةَ لَفَعَلوا ذَلِكَ، (وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا).
ومن قرأ (لَأَتَوْهَا) بالقصر، فالمعنى لَقَصدُوها.
* * *
وقوله : (قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا (١٨)
أي الذين يُعَوقون عن النبي ﷺ نُصَّارَهُ، وذلك أنهم قالوا لِنُصَّار النبي ﷺ : ما محمد وأصحابه إلا أكلة رَأْس. ولو كانوا لحماً لالْتَهَمَهُمْ أَبُو سفيانَ وأَصْحابُه فخلوهم وَتَعَالَوْا إلَيْنَا.
وقوله: (وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا).
أي لا يأتون الحرب مع أصحاب النبي ﷺ إلا تَعْذِيراً
يوهِمُونَهِمْ أَنَّهم مَعَهُمْ.
* * *
(أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (١٩)
" أشِحَّةً " منصوبٌ عَلَى الحَال، المعنى يَأتُونَ الحربَ بُخَلاءَ عَلَيكمْ
стр. 1579
بالظفر والغنيمة فَإذَا جَاءَ الخَوْفُ فهم أَجْبَنُ قَوْمٍ، فإذا جاءت الغنيمة
فأشحُّ قَوْمٍ وَأَخْصَمُهُم.
(فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ).
لأنهم يحضرون على غَيْر نية خَيْرٍ، إلا نية شَر.
(فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ).
معنى " سَلَقُوكم " خاطبوكم أَشَدَّ مخَاطَبةِ وَأَبْلَغَهَا في الغنيمة، يقال:
خَطِيبٌ مِسْلَاق وسَلَّاق إذَا كانَ بَلِيغاً في خُطْبَتِهِ.
(أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ).
أي خاطبوكم وهم أَشِحَّة عَلَى المالَ والغنيمة.
وقوله (أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ).
أي هم وإن أظهروا الإِيمانَ ونافقوا فليسوا بمؤمنين.
* * *
وقوله: (يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا (٢٠)
أي يحسبون الأحزاب بعدَ انْهِزامهم وذَهَابِهم لم يذهبوا لجُبْنِهِمْ
وَخَوفِهِم منهم.
(وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ).
أي إذا جاءت الجنودُ والأحزابُ ودُّوا أنهم في البادية.
* * *
وقوله تعالى: (وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (٢٢)
стр. 1580
فوصف اللَّهُ حَالَ المنافِقين في حَرْبِ الكافرين وحال المؤمنين
في حَرْبِ الكَافِرينَ.
فوصف المنافقين بالفشل والجبْنِ والروَغَانِ
والمسارعة إلى الفتنةِ والزيادة في الكُفْرِ، ووصف المؤمنين بالثبُوتِ
عند الخوف في الإيمان، فقال، (وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (٢٢).
والوعد أن اللَّه قال لهم: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤).
فكذلك لَمَّا ابْتُلِي أصحاب النبي ﷺ وزُلْزلُوا زلزالاً شَدِيدًا عَلِمُوا أن الجنَّةَ والنصْرَ قَدْ وَجَبَا لَهُمْ.
* * *
وقوله تعالى: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (٢٣)
المعنى أَنهُم عَاهَدُوا في الإسلام فَأقَامُوا عَلَى عَهْدِهِمْ.
وموضع (مَا) نَصْبٌ بِـ (صَدَقُوا).
(فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ).
أي أجله وَلَمْ يُبَدِّلْ.
وهو قوله: (وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا).
فالمعنى أنَّهُ مات على دينه غيرَ مُبَدِّل.
* * *
(لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٤)
стр. 1581
أي ليجزي الذين صدقوا فِي عَهْدِهم، والمنافقون كذبوا في
عهدهم لأنهم أظهروا الإسلام وأَبْطَنُوا الكُفْرَ.
وقوله تعالى: (وَيُعَذِبَ المُنَافِقِينَ إنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيهِمْ).
أي أَو يَنْقُلَهُمْ من النفاقِ إلى الإيمانِ.
* * *
وقوله: (وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (٢٥)
يعنى به هَهُنَا أبا سُفْيَانَ وَأَصْحَابه الأحْزَاب.
(لم يَنَالُوا خَيْراً).
أي لم يظفروا بالمسلمين وكان ذلك عندهم خيراً فخوطبوا عَلَى
استعْمَالِهم.
وقوله: (وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا (٢٦)
يُعْنَى بِهِ بنو قريظة، ومعنى (ظَاهَرُوهُمْ) عَاوَنُوهم على النبي ﷺ فقذف اللَّه في قلوبهم الرعب وأَنْزَلَهُمْ على حُكْم سَعْدٍ.
وكان سعد حكم فِيهِمْ بأنْ يُقْتَلَ مُقَاتِلهم، وتُسْبَىْ ذَرَارِيهِمْ.
* * *
(وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا (٢٧)
جعل النبي ﷺ أرْضَهم وديارَهُمْ وَأَمْوَالَهُم للمهاجرِينَ لأنهم لم يكونوا ذوي عَقَارِ.
ومعنى الصيَاصِى كل ما يُمْتَنَعُ بِهِ، والصياصي ههنا الحُصُونُ.
وقيل القُصُورُ، والقُصُورُ قد يُتَحَصَّنُ فيهَا.
والصَّياصِي قرونِ البقر والظِباء وكل قَرْنٍ صَيْصَية، لأن ذوات القرُون يَتَحَصَّنُ بِقُرونها وتَمْتَنِعُ بِها، وصيصة الديك شوكتهُ لأنه يَتَحَصَّنُ بها أيضاً.
стр. 1582
وقوله: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨)
وَكُنَ أَرَدْن شَيئاً من أَمْرِ الدُّنْيَا، فأمر اللَّه رسوله ﷺ أَنْ يَخيّرَ نساءَهُ بين الإقامة مَعَة على طلب ما عند اللَّه، أو التسْريح إنْ أَرَدْنَ
الحياةَ الدنيَا وزينتها، فاخترن الآخرة على الدنيا والجنَّة على الزينة.
* * *
وقوله: (وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)
أي من آثر منكن الآخرة فَأجْره أَجر عَظِيمٌ.
* * *
وقوله: (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢)
ولم يقل كواحدة من النساء، لأن أَحَداً نفي عام للمذكر والمؤنث
والواحِدِ والجماعة.
وقوله: (إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ).
أي لا تَقلْن قولاً يجد به مُنَافِقٌ سَبيلاً إلى أن يطمع في مًوَافقتكنَّ
له.
(وَقُلْنَ قَولاً مَعْرُوفاً).
أي قُلْنَ ما يوجبه الدِّين والإسلام بغير خضوعٍ فيه، بل بتصريح
وبَيَانٍ.
(فَيطْمعَ) بالنصب وهي القِراءَة، وَجَوَابُ (فلا تَخْضَ) (فَيطْمعَ)
ويقرأ (فَيطْمِعْ) الذي في قلبه مرض، بتسكين العَيْن، نسق على
فلا تَخْضَعْنَ فيطمعْ.
* * *
وقوله (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣)
стр. 1583
ويقرأ " وقِرْنَ " - بكسر القاف - فمن قرأ بالفتح فهو من قَرِرْتُ
بِالمكَانِ أقَرُّ. فالمعْنَى، واقرَرْن فإذا خُفِفَتْ صارت وَقَرْنَ حذفت الألف
لثقل - التضعيف في الراء، وألقيت حركتها على القاف.
والأجْوَدُ وَقِرْنَ فِي بُيُوتِكُنَ - بكسر القاف - وهو من الوَقَارِ، تقول: وَقَرَ يَقِرُ في المكان.
ويصلح أن يكون من قَرَرْتُ في المكانِ أَقِره فيحذف على أنه
من " واقْرِرْنَ " بكسر الراءِ الأولى، والكسر من جهتين، من أنه من
الوقار، ومن أنه من القرار جميعاً.
* * *
وقوله تعالى: (وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى).
التبرُّجُ إظْهَارَ الزِينَةِ، وما تُسْتَدْعَى به شهوةُ الرجُلِ.
وقيل إنهُن كن يتكسَّرْن في مِشْيَتِهِنَّ، وَيَتَبختَرنَ، وقيل إن الجاهلية الأولى
من كان من لدن آدم إلى زمن نوح، وقيل من زمن نوح إلى زمن إدريس.
وقيل منذ زمن عيسى إلى زمن النبي ﷺ .
والأشبه أن تكون منذ زمن عيسى إلى زمن النبي ﷺ لأنهم هم الجاهليةُ المعروفُونَ لأنه روى أنهم كانوا يتخذون البغَايَا - وهن الفواجر يُغْلِلْنَ لَهُمْ.
فإن قيل: لم قيل الأولى؟
قيل يقال لكل متقدِّم ومتقدِّمَةٍ أولى
وأول، فتأويله أنهم تقدَّمُوا أمَّةَ محمد ﷺ .
فهم أولى وهم أول من أمة محمد ﷺ .
* * *
وقوله : (مَنْ يَأْتِ مِنْكنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ).
стр. 1584
وتقرأ (مُبَيَّنَةٍ).
(يُضَاعَفْ لَهَا العذابُ ضِعْفَين).
القراءة يُضَاعَفْ بألِفٍ، وقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَحْدَهُ يُضَعِّفْ، وكلاهما
جَيِّدٌ.
وقال أَبُو عُبَيْدَة: يعذب ثلاثة أَعْذِبَةٍ، قال: كان عليها أن يعَذَب
مَرةً وَاحدَةً، فإذا ضُوعِفَتْ المرة ضِعْفَينِ، صار العذاب ثلاثة أَعْذِبَةٍ.
وهذا القول ليس بشيء لأنَّ معنى يضاعف لها العذاب ضعفين يجعل
عذاب جرمها - كعذابَيْ جُرْمَيْنِ.
والدليل عليه (نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ) فلا يكون أن تعطى على الطاعة أَجْرَين وعلى المَعْصِيَةِ ثلاثة أَعْذِبَةٍ
ومعنى ضعف الشيء مِثلُه، لأن ضِعف الشيء الذي يُضْعِفُه بمنزلة مثقال
الشيء.
ومعنى (يَقْنُتْ) يقيم على الطاعة.
(وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا) جاء في التفسير أَنَهُ الجنَّةُ.
* * *
وقوله: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ).
(أَهْلَ الْبَيْتِ) منصوب على المدح، ولو قرئت أهلِ البيتِ
- بالخفض - أو قرئت. أهلُ البيت بالرفع لجاز ذلك ولكنَّ القراءَةَ
النصبُ.
وهو على وجْهَيْنِ:
على مَعْنَى أعني أهلَ البَيْتِ.
وعلى النداء، على معنى يا أهل البَيْتِ.
والرجْسُ في اللغةِ كل مستنكر مسْتَقْذرٍ من مأكول أو عمَلٍ أَوْ فَاحِشَةٍ.
وقيل إن أهل البيت ههنا يعنى به نساء النبي ﷺ
وقيل نساء النبي ﷺ والرجال الذين هم آله.
واللغة تدل على أنه للنساء والرجال
стр. 1585
جميعاً لقوله (عَنكم) بالميم، وَيُطَهِّرَكُمْ.
ولو كان للنساء لم يجز إلا عَنكُن وَيُطَهِّرَكُنَّ.
والدليلُ على هذا قوله: (وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ) حيث أفرد النساء بالخطاب.
* * *
وقوله : (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٣٥)
لما نزل في نساء النبي ﷺ ما نزل، قال النساء من المُسْلِمَاتِ: فما نزل فينا نحن شيء، فأَعلم اللَّه أن النساء والرجَالَ يجازَوْنَ بِاَعْمَالِهِم المغفرةَ والأجرَ العظيمَ.
* * *
وقوله : (وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ).
المعنى والحافظين فروجهم والحافظاتها والذاكرين اللَّه كَثِيراً.
والذاكِراتِهِ.
استغنى عن ذكر الهاء بِمَا تَقدَّمَ ودل على المحذوف، وَمِثْله
ونخلعُ ونتركُ من يَفْجُركَ، المعنى ونخلع من يفجُرُكَ ونترُكُهُ.
ومثله من الشعر.
وكُمْتاً مُدَمَّاةً كأَنَّ مُتُونَها. . . جَرى فَوْقَها واسْتَشْعَرَتْ لون مُذْهَب
على رفع لوْنِ.
المعنى جرى فوقها لون مذهب واستشعرته.
* * *
وقوله تعالى: (وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ للَّهِ وَرَسُولِه).
بالياء، (وَتَعْمَلْ) بالتاء.
стр. 1586
الأول محمول على اللفظ، وتعمل على المعنى.
ومن قرأهما جميعاً بالتاء حمل على المعنى. أراد والتي تقنت منكن للَّهِ ورسوله
وتعمل.
ومن قرأ الأول بالتاء قبُحَ أن يَقْرأ وَيَعْمَلْ، لأنه قد حمل
على المعنى، وأوضح الموصول بأنه مؤنث، فيقبح الحمل على اللفظ.
* * *
وقوله : (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦)
الخِيَرَةُ: التخْيِيرُ.
ونزلت هذه الآية بسبب زينبَ بنتِ جحْش.
وكانت بنت عمَّةِ رَسُول الله ﷺ وزيْدِ بن حَارِثَةَ، وكان زيد مولى رسول اللَّه ﷺ وكانت منزلته منه في محبَّتهِ إياه كمنزلة الولد، فخطب رسول اللَّه ﷺ زَيْنَبَ ليزوجها من زَيْدٍ، فظنت أنه خطبها لنفسه ﵇، فلما علمت أنه يريدها لزيدٍ كرهت ذلك.
وأعلم اللَّه - جل وَعَلَا - أنه لا اختيار على ما قضاه اللَّه ورسوله، وزوَّجَها مِنْ زَيْدٍ.
* * *
وقوله : (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٣٧)
стр. 1587
معنى أنعم اللَّه عليه هداه للإسلام، وأنعمت عليه أعتقته من
الرق، وكان زيد شَكا إلى النبي ﵇ أَمْرَ زَيْنَبَ، فأمره
بالتمسك بها، وكان ﵇ يحب التزوج بها إلا أنه عليه
السلام آثر ما يحب من الأمر بالمعروف فقال: (أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ).
(وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ).
أي تكره مقالة النَّاسِ.
(فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا).
أي فلما طلَّقها زيد.
والوَطَر في اللغة والأرَبُ بمعنًى واحد.
قال الخليل: معنى الوطر كل حاجَةٍ يكون لك فيها هِمَّة، فإذا بلغها البالغ
قيل قد قضى وطره وَأَرَبَه، أي بَلَغ مُرادَه مِنها.
وقوله : (لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا).
أي زوجناك زينب وهي امرأةُ زيد الذي قد تبنَّيت به، لئلا يُظَن
أَنه من تبنَّى بِرَجُل لم تحِل امرأتُه للمُتَبَنِّي.
* * *
وقوله تعالى: (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٤٠)
أي لم يكن زيد ابنَ محمد ﷺ لم يلده، وقد وُلِدَ لِرَسُولِ اللَّه ﷺ -
стр. 1588
ذكورٌ إبراهيم والطيب والقاسم والمطهَّر (١)، وإنما تأويله: ما كان
يحرم عليه مِمنْ تبنى به ما يحرم على الوالد.
والنبي ﷺ أبو المؤمنين في التبجيل والتعظيم.
وقرئت: وخاتِمَ النبيينَ وخاتَم النبيين.
فمَنْ كَسَرَ التاء فمعناه ختم النبيين، ومن قرأ وخاتَم النبيينَ - بفتحِ التاء -
فمعناه آخر النبيين، لَا نَبِى بعده ﷺ .
ويجوز: ولكن رسول اللَهِ وخاتمُ النبيين.
فمن نصب فالمعنى ولكن كان رَسُولَ اللَّهِ وكان خاتَمَ النبيينَ.
ومن رفع فالمعنى ولكن هُوَ خَاتَمُ النبيين.
* * *
وقوله : (مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا (٣٨)).
(سُنَّةَ) منصوب على المصدر، لأن معناه " ما كان على النبي من
حرج فيما فرض الله سَنَّ الله سُنَّةً حسنة وَاسِعَةً لَا حَرج فيها.
أي لا ضِيقَ فيها والسُّنَّة الطريقة، والسَنَنُ مِنْ ذَا كلِّه.
* * *
وقوله : (فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ).
معناه في النبيينَ الذين قبل محمد - صلى الله عليهم وسلم -.
أي سُنَّةَ الله في التَّوْسعة على محمد ﷺ فيما فرض اللَّه له كسُنَّتِهِ في الأنبياء المَاضِين.
* * *
وقوله تعالى: (الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٣٩)
" الذين " في موضع خَفْض نعت لقوله (فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ)
ويجوز أن يكون رَفْعاً على المدح عَلَى هَمْ (الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ).
ويجوز أن يكون نصباً على معنى أعني الذين يُبَلِّغُونَ.
стр. 1589
وقوله: : (هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣)
صلاة اللَّه على خلقه رَحْمَتُه وهدايته إياهم.
* * *
وقوله: (تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا (٤٤)
تحية أهل الجنَّةِ سلام، قال الله : (تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ).
* * *
وقوله : (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥)
أي: شاهداً على أُمَّتِكَ بالِإبْلاَغِ، إبلاع الرسالة، ومبشراً بالجنَّة
ومُنذِراً من النَّارِ، وهذا كله منصوب على الحال، أي أَرْسَلْنَاكَ في حال
الشهادة والبِشَارَةِ والإنذار.
* * *
(وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦)
أي داعياً إلى توحيد الله وما يُقَرِّبُ منه، وبإذْنِهِ أي بِأمْرِه.
(وَسِرَاجًا مُنِيرًا).
أي وكتاباً بَيناً، المعنى أرسلناك شاهداً وذَا سراج مُنِير وذا كتاب
بَيِّنٍ، وَإنْ شئت كان (وَسِرَاجًا) منصوباً على معنى دَاعِياً إلى اللَّهِ وتالِياً
كتاباً بيِّناً.
* * *
وقوله : (وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٤٨)
(وَدَعْ أَذَاهُمْ).
معناه دع أذى المنافقين، وتأويل (وَدَعْ أَذَاهُمْ) دَعْهُم لا تجازهِمْ
عَلَيْه إلى أن تؤمَرَ فيهم بِأَمْرٍ.
* * *
وقوله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٤٩)
стр. 1590
معنى (تَمَسُّوهُنَّ) تقربوهنَّ.
(فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا)
قال بعضهم: (فَمَتِّعُوهُنَّ) نسخها قوله تعالى (وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ).
والنصف ينوب عن التمتيع، إلا أن يكون لم يسمِّ لها مهراً، فلها نصف مهر مثلها، وأسقط الله العدة عن التي لم يُدخل بها؛ لأنَّّ العدة في الأصل استبراءٌ.
* * *
وقوله : (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥٠)
(أُجُورَهُنَّ) مهورهنَّ.
(وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ)
وأصل الإملاك في الإماء والعبيد ما يجوز سبيه وفيئه فأما سبي الخبيثة فلا يجوز وطئه ولا ملكه.
يقال: هذا سبيُ طيبة وسبيُ خبيثة
فسبيُ الطيبة سبيُ من يجوز حربه من أهل الكفر.
فأما من كان له عهد فلا يجوز سبيه ولا ملك عبدٍ منه ولا أمَةٍ
وقوله : (وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ)
وتقرأ (أَنْ وَهَبَتْ) بالفتح.
أي: أن وهبت نفسها للنبي ﷺ حلَّت له ومن
стр. 1591
قرأ " أنْ وَهَبَتْ " بالفتح فالمعنى أحَلَلْنَاها لأنْ وَهَبَتْ نفسها.
(وخالِصَةً) منصوب على الحال.
المعنى إنا أَحْلَلنَا لك هؤلاء.
وأحللنا لك من وَهَبَتْ نفسها لك. وإنما قيل للنبي ههنا لأنه لو قيل أن وهبت نفسها لك كان يجوز أن يتوهم أن في الكلام دليلاً أنه يجوز ذلك لغير النبي ﵇، كما جاز في قوله: (وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ)، لأن
بَنَاتِ العَمِّ وبنات الخال يحللن للناس.
وقوله: (قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ).
أي إن التزويج لا يَنْعقِد إلا بِوَلِيٍّ وَشَاهدين، وملك اليمين لَا
يَكُونَ إلا مِمَنْ يَجُوزُ سَبْيُه.
وَقَولُه: (تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا (٥١)
ترجي بالهمز وغير الهمز، والهمز أكثر وأَجْوَدُ، ومعنى تُرْجِي
تُؤَخِرَ بالهَمْزِ وَغَيرِ الهمز، المعنى واحدٌ، وهذا مما خص اللَّه به النبي
﵇ فكان له أن يؤخر من أحب من نِسائه ويؤوي إليه من
أحب من نسائه وليس ذلك لغيره مِنْ أمَّتِهِ، وله أَنْ يَرُدَّ من أَخَّر إلى
فراشه ﵇.
(وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ).
أي إن أردت ممن عزلت أن تُؤْوِيَ إليكَ فلا جناح عليك.
(ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ).
أي ويرضيْنَ كُلُّهُنَّ) بِمَا آتَيْتَهُنَّمن تقريب وإرجاء
ويجوز النصب في (كُلُّهُنَّ) توكيداً للهاء والنونِ.
стр. 1592
وقوله : (لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا (٥٢)
ويقرأ: لا تحل لك النساء - بالتاء، فمن قرأ بالياء فلأن الياء في
معنى جمع النساء، والنساء يدل على التأنيث فيستغنى عن تأنيث
يحل.
ويجوز لا تحل - بالتاء - على معنى لا تحل لك جماعة النساء.
وقوله: (وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ).
موضع " ما " رفع المعنى لا يحل لك إلا مَا ملكتْ يَمينكَ.
جعل " ما " بدلاً مِنَ النَساءِ
ويجوز أن يكون موضع " ما " نَصْباً على معنى لا يحل لك
النساء أَسْتَثْنِي ما ملكت يمينك.
* * *
وقوله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (٥٣)
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ)
بضم البَاءِ وقد رُويت عَنْ عَاصِم " بِيوت " بكسر الباء وعن جَمَاعَةٍ
من أهل الكوفة.
وليس يروي البصريون بِيُوت بكسر الباء، بل يقولون
إن الضم بعد الكسر ليس موجوداً في كلام العرب ولا في أشعارِها.
والذين كسروا فكأنهم ذهبوا إلى اتباع الياء، والاختيار عند الكوفيين
الضَّم في (بيُوت).
وقوله: (إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ).
في موضع نصب. المعنى إلا بأن يُؤذنَ لَكم، أو لأنْ يؤذَنَ لكم.
وقوله: (إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ).
(إِنَاهُ) نَضْجُه وبلوغه، يقال أَنَى يأنِي إنَاءً إذا نَضِج وَبَلَغَ.
و" غيرَ " منصوبةٌ على الحال، المعنى إلا أن يؤذن لكم غير منتظرين.
ولا يجوز الخفض في " غير " لأنها إذا كانت نعتاً للطعام لم يكن بدٌّ من إظهار
стр. 1593
الفاعل لا يجوز إلا غير ناظرين إناه أنتم.
* * *
وقوله : (وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ).
ويجوز (فَيَسْتَحي) منكم بياء واحدة، وكذلك قوله: (وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي
مِنَ الحَق) ويَسْتَحْي بالتخفيف على استحيَيْتُ واسْتَحَيْتُ، والحذف لثقل
الياءين.
وكان النبي ﷺ يحتمل إطَالَتُهُمْ كرماً منه فيصبر على الأذَى في ذلك، فعلم الله من يحضره الأدَبَ فصار أَدَباً لهم ولمن بعدهم.
وقوله: (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ).
أي إذا أردتم أن تخاطبوا أزواج النبي ﷺ في أمر فخاطِبُوهُن من وراء حِجَابٍ، فنزل الأمر بالاستِتَارِ.
وقوله: (وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ).
أي ما كان لكم أذاه في شيء من الأشياء.
(وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا).
مَوْضعْ " أنْ " رَفع.
المعنى: وَمَا كان لكم أن تنكحوا أزواجه من بعده، وذَلِكَ أنه ذُكِرَ أن رَجُلاً قال: إذَا تُوفِّيَ مُحمدٌ تَزَوَّجْتُ امْرَأَتَهُ فلانةً، فأعلم الله أن ذَلِكَ محرَّمٌ بقوله: (إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا).
أي كانَ ذنباً عَظِيماً.
وقوله: (لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (٥٥)
стр. 1594
ولم يرد في هذه القِصةِ أَعْمَامُهُنَّ وَلَا أَخْوَالُهُنَّ.
فجاء في التفسير أنه لم يذكر العَمّ والخَال، لأنَّ كُل واحد منهما يحل لابنة المرأة، فتحِل لابن عمها وابن خالها. فقيل كُرِهَ ذلك لأنهما يصفانها لأبنائِهِمَا.
وهذه الآية نزلت في الحجاب فيمن يحل للمرأَةِ البُرُوزُ لَهُ، فذكر الأب
والابْنُ إلى آخر الآية.
المعنى لا جناح عليهن في رؤية آبَائِهِن لَهُنَّ، ولم يذكر العم
والخالَ لأنهما يجريان مجرى الوالدين في الرؤية.
وقد جاء في القرآن تسمية العم أباً في قوله: (قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا)، فَجَعَلَ العمَّ أباً.
* * *
وقوله : (لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (٦٠)
المعنى لنسطنك عليهم.
(ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (٦٠) مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (٦١)
(مَلْعُونِينَ)
منصوب على الحال، المعنى لا يجاورونك إلَّا وهم ملعونون.
وقوله: (أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا).
لا يجوز أن يكون " ملعونين " منصوباً بما بعد (أَيْنَمَا)، لا يجوز أن
تقولَ: مَلْعُوناً أَيْنَمَا ثقف أخِذَ زَيْدٌ يُضْرَب، لأن ما بعدما حروف الشرط
لا يعمل فيما قبلها.
* * *
وقوله: (سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (٦٢)
(سُنَّةَ اللَّهِ) مَنْضوبٌ بمعنى قوله أخذوا وَقُتِلُوا، فالمعنى سَنَّ اللَّه
стр. 1595
في الذين ينافقون الأنبياء ويرجفون بِهِمْ أن يُقتلوا حَيْثُما ثقِفُوا.
* * *
وقوله: (وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (٦٧)
الاختيار " السبيلا " بألف، وأن يوقف عليها، لأن أواخر الآي
وفواصلها يجري فيها ما يجري في أَوَاخِر الأبياتِ من الشِعْر.
والفَوَاصِل، لأنه خوطب العربُ بما يعقلون في الكلام المؤلفِ فَيُدَلُّ
بالوقف في هذه الأشياء وزيادة الحروف فيها، - نحو: الظنونا.
والسبيلا، والرسولا - أن الكلام قد تم وانقطع، وأن ما بعده مستأنف.
* * *
وقوله: (رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا (٦٨)
(وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا)
ويقرأ (كثيرًا) ومعناهما قريب.
* * *
وقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (٦٩)
أي لا تؤذوا النبي ﵇ كما آذى أَصحاب موسى
مُوسَى، ﵇، فينزلَ بكم ما نزل بهم.
وكان أذاهم لموسى فيما جاء في التفسير أَنهم عابُوه بشيء في
بدنه فاغتسَل يوماً ووضع ثوبه على حجر فذهب الحجر بثوبه فاتبعه
موسى فرآه بنو إسرائيل ولم يروا ذلك العيب الذي آذوه بذكره.
(وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا).
كفمَة اللَّه تكليماً وبرأه من العيب الذي رموه به بآية معجزة.
* * *
وقوله : (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢)
стр. 1596
روي عن ابن عَبَّاس وسَعِيدِ بن جبير أنهما قالا: الأمانة ههنا
الفرائض التي افترضها اللَّه على عبادة، وقال ابن عُمَر: عرضت على
آدمَ الطاعةُ والمعصيةُ وعرف ثوابَ الطاعة. وعقابَ المعصية.
وحقيقة هذه الآية - واللَّه أعلم، وهو موافق للتفسير - أن اللَّه ائتمن بني آدم على ما افترضه عليهم من طاعته، وائتمن السَّمَاوَاتِ والأرضَ
والجبالَ على طاعته والخضوع له، فأعلمنا الله أنه قال:
(ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١).
وأعلمنا أن من الحجارة ما يَهْبِطُ من خشية اللَّه وأن الشمس والقمرَ والنجومَ والملائكةَ وكثيراً من الناس يسجدون للَّهِ.
فأعلمنا اللَّه أن السَّمَاوَات والأرض والجبال لم تحتمل الأمانة، أي
أَدَّتْها، وكل من خان الأمانة فقد احتملها، وكذلك كل من أَثِمَ فقد
احتمل الإثم، قال اللَّه عزَّ جل: (وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ). فأَعلم اللَّه أن من باء بالإثم يسمَّى حاملا للإثْمِ.
فالسَّمَاوَات والأرض والجبال أَبَيْنَ أن يحملن الأمانة وأدَّينَها.
وَأَدَاؤها طاعة اللَّه فيمَا أَمَر به، والعَمَلُ به وترك المَعْصِيَةِ.
وحَمَلَها الإنْسانُ، قال الحَسَنُ: الكافر والمنافق حَمَلا الأمانة ولم
يطيعا.
فهذا المعنى والله أعلم.
ومن أطاع من الأنبياء والصديقين والمؤمنين فلا قال كان ظلوماً جَهُولًا، وتصديق ذلك ما يتلو هذه الآية
من قوله: (لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٣)
стр. 1597
سُورَةُ سبأ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١)
واللَّهُ المحمُود فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وحمده فِي الآخرة يدل عليه
قول أهل الجنة: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ) أي أورثنا أرض الجنةِ.
* * *
وقوله تعالى: (يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ (٢)
أي ما يدخل في الأرض وما يخرج منها.
ما يدخل في الأرض من قَطْرٍ وغيره، وما يخرج منها من زرع وغيره.
(وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا).
ما يَصْعَدُ فِيها، يقال عرج يَعْرج إذا صَعَدَ، والمعارج - الدَّرَجُ -
من هذا، ويقال: عَرِج يَعْرِج، إذا صار ذَا عَرَجٍ، وَعَرَجَ يَعْرُج إذَا غَمَزَ
من شيء أصابه.
стр. 1598
(وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٣)
الساعة التي يبعث فيها الخَلَقُ، المعنى أنهم قالوا: لَا نُبْعَثُ.
فقال اللَّه تعالى:
(قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ).
بالخَفْضِ في (عَالِمِ) صفة للَّهِ ، ويقرأ بالرفع من وجهين.
أحدهما الابتداء، ويكون المعنى: عَالِمُ الغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ).
ويكون " لَا يَعْزُبُ عَنْهُ " هو خَبَر عالم الغَيْبِ.
ويرفع على جهة المدح للَّهِ .
المعنى هو عالم الغيب ويجوز النصبُ ولم يُقْرأْ به على معنى
اذْكُرْ عالمَ الغيب، ويقرأ علَّامُ الغيوب وعلَّامَ الغيبِ جَائزٌ.
ويقرأ (لا يعزِب عنه) بِكَسْرِ الزاي، يقال: عَزَب عَنِي يَعْزُبُ ويعْزِبُ
إذَا غَابَ.
* * *
(لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)
اللام دخَلت جواباً لقوله: (قُلْ بَلَى وَرَبِي لَتَأْتِينكُمْ) للمجازاة
أي من أجل المجازاة بالثواب والعقاب.
وقوله: (أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ).
بيَّن اللَّه أَن جزاءَهم المغفرةُ وهي التغطيةُ على الذنُوب.
* * *
وقوله: - جل وعلا -: (وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (٥)
ويقرأ (مُعاجِزين) وَمُعاجزين في مَعْنَى مُسَابقين، ومن قرأ مُعَجِّزِينَ
ْفمعناه أنهم يُعَجِّزوُنَ من آمن بها، ويَكُونُ في معنى مُثبِّطِينَ وهو معنى
تعجيزهم من آمن بها.
стр. 1599
وقوله: (أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ).
(أَلِيمٍ)
بالخفض نعت للزجْزِ، (أليمٌ) نعت للعذاب.
* * *
وقوله تعالى: (وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٦)
ههنا علماء إليهود الذين آمَنُوا بالنبي ﵇، منهم كعبُ
الأحبار وعبدُ اللَّه بنُ سلام، أي وَلِيَرى، وموضع " يرى، عطف على
قوله: (ليجزي)
و (الْحَقَّ) منصوب. خبر ليرى الذي
و" هُوَ " ههنا فصل يدل على أن الذي بعدها ليس بنعتٍ، ويسميه الكوفيون العماد.
" لا تدخل " هو " عماداً إلا في المعرفة وما أشبهها، وقد بيَّنَّا ذلك فيما
مَضَى.
والرفع جائز في قوله (هُوَ الْحَقُّ).
* * *
(وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (٧)
هذا قول المشركين الذين لا يؤمنون بالبعث، يقول بعضهم
لبعض: هل ندلكم على محمد الذي يزعم أنكم مبعوثون بعد أنْ
تكونوا عظاماً وتراباً ورفاتاً وفي هذه الآية نظر في العربية لطيف.
ونحن نشرحه إن شاء اللَّه.
(إِذَا) في موضع نَصْب بِـ (مُزِّقْتُمْ) ولا يمكن أَنْ يَعْمل فيها (جَدِيدٍ)
لأن ما بعد (أن) لا يعمل فيما قبلها.
والتأويل هل ندلكم على رجل يقول لكم إنكم إذا مزقتم تبعثونَ، ويكون " إذا " بمنزلة " إن " الجزاء، يعمل فيها الذي يليها.
قال قيس بن الخطيم:
стр. 1600
إذَا قصُرتْ أسْيافُنا كان وَصْلُها. . . خطانا إلى أعدائنا فنضاربُ
المعنى يكون وصلها، الدليل على ذلك جزم " فَنُضَارِبْ ".
ويجوز أن يكون العامل في " إذا " مضمراً، يدل عليه (إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ)
ويكون المعنى هل ندلكم على رجل يُنَبئكُمْ يقول لكم إذا
مزقتم بعثتم، إنكم لفي خلق جديد، كما قالوا: (أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَا تُراباً
وَعِظَاماً أَئِنَا لَمَبْعُوثُونَ).
فإذا يجوز أنْ تكون منصوبة بفعل يدل عليه " إنَا لَمَبْعُوثُونَ "
ولا يجوز " أنكُمْ لَفِي خلق جديد " بالفتح، لأن اللام إذا جاءت لم يجز إلا كسر إن (١).
* * *
وقوله : (أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٩)
أي ألم يَتَأمَّلُوا ويعْلَمُوا أن الذي خلق السماء والأرض قادر على
أن يبعثهم، وقَادِرٌ أن يخسف بِهِمُ الأرْضَ أو يسقط السماء عليهم
كِسَفاً.
* * *
وقوله : (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ).
أي إن في ذلك عَلَامة تَدلَّ مَنْ أَنَابَ إلى اللَّه ورجع إليه وتأمَّل ما
خلق على أنه قادر على أن يحيي الموتى.
* * *
وقوله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠)
стр. 1601
وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠)
المعنى فقلْنا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ، وَتُقْرأ أُوَبِي معه، على معنى
عودي في التسبيح معه كلما عاد فيه.
ومن قرأ (أَوِّبِي مَعَه) فمعناه رَجعِي مَعَه، يقال آب يؤوب إذَا رَجَع، وكل ومعنى رَجِّعِي مَعَه سَبِّحي معه ورَجِّعي
التسبيح معه.
وَالطيْرَ - والطَّيْرُ، فالرفع من جهتين.
إحداهما أن يكون نسقاً على ما في (أَوِّبِي)، المعنى يَا جِبَالُ رجِّعي التسبيح أنت والطيْرُ، ويجوز أِنِ يكون مرفوعاً عل البَدَل.
المعنى: يا جبال ويا أيُهَا الطيرُ (أَوِّبِي مَعَه).
والنصْب مِنْ ثَلاثِ جَهاتٍ:
أن يكونَ عطفاً على قوله: " ولقد آتينا داود مِنَا فَضْلاً والطيرَ "
أي وسَخرْنَا له الطيْرَ. حَكى ذلك أبو عبيدة
عن أبي عمرِو بنِ العلاء، ويجوز أن يكون نصباً على النداء.
المعنى: يا جبال أوِّبي مَعَهُ والطيْرَ، كأنَّه قال دعونا الجبال والطير، فالطير
معطوف على مَوْضِع الجِبَالِ في الأصل، وكل منادى - عند البصريين
كلهم - في موضع نصبٍ.
وقد شرحنا حال المضموم في النداء، وأن المعرفة مبني عَلَى الضم.
ويجوز أن يكون " والطيْرَ " نصب على معنى " مع " كما تقول: قمت وزيداً، أي قمت مع زيدٍ، فالمعنى (أَوِّبِي مَعَه) ومع الطير (١).
* * *
وقوله : (وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠) أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١)
أي: جعلناه لَيِّناً.
وَأَوَّل مَنْ عَمل الدرُوع دَاودُ، وكان ما يُسْتجنُّ به مِنَْ الحديد إنما كانَ قِطَعَ حَدِيدٍ نحو هذه الجَواشِنَ.
стр. 1602
و " أن " ههنا، في تأويل التفسير كأنَّه قيل: وألَنا له الحديد أن أعمل
سابغاتٍ، بمعنى قلنا له: اعمل سابِغَاتٍ، ويكون في معنى لأن
يعمل سابغات. وتصل إن بلفظ الأمر، ومثل هذا من الكلام أَرْسَلَ إليه
أَنْ قُمْ إليَّ، أي قال قم إلى فلانٍ، ويكون بمعنى أرسل إليه بأن يقوم
إلى فلانٍ.
ومعنى " سَابِغَاتٍ " دروع سابغات فذكر الصفة لأنها تدل على
الموصوف، ومعنى السابغ الذي يغطي كل شيء يكون عليه حتى
يَفْضُل.
(وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ).
السَّردُ في اللغة تقدمة شيء إلى شيء تأتي به مُنَسَّقاً بَعْضُه في
إثْر بَعْض مُتَتَابِعاً فمنه سَرَدَ فلان الحدِيثَ، وقيل في التفسير: السَّرْدُ
السَّمْرُ والسَّتْر والخلق وقيل هو أَنْ لاَ يَجْعَل المِسْمَارَ غليظاً والثقبَ
دَقيقاً، ولا يجعلَ المسمارَ دَقِيقاً، والثقبَ واسِعاً فَيتقَلْقَلْ وَيَنْخَلِع
وينقصفُ.
قَدِّرْ في ذلك أي اجْعَلْهُ عَلَى القصد وقدر الحاجة.
والذي جاء في التفسير غَيْرُ خارج عن اللغة لأن السَّمْرَ تقدِيمُكَ
طرف الحلقة إلى طرفها الآخر، وزعم سيبويه أن قول العرب: رجل
سَرَنْدِيٌّ مشتق من السَّردِ، وذلك أن معناه الجريء، قال: والجرِيء
الذي يمضي قُدُماً.
стр. 1603
وتفسير: (وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ) - جعلناه ليِّناً كالخُيُوط يطاوعه حَتى عَمِلَ
الدروعَ.
* * *
وقوله تعالى: (وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ (١٢)
النصب في الريح هو الوجه وقراءة أكثر القراء، على معنى
وسَخَّرْنَا لسلَيمانَ الريح، ويجوز الرفع ولسليمان الريح غدوها شهرٌ.
والرفع على مَعْنَى ثبتت له الريح، وهو يؤول في المعنى إلى معنى
سخرنا الريح، كما أنك إذا قلت: للَّهِ الحمد فتأويله استقر لله
الحمدُ، وهُوَ يرجعُ إلى معنى أحمدُ اللَّه الحمْدَ.
وقوله: (غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ).
أي غدوها مَسيرةُ شَهْرٍ، وكذلك روَاحُها.
وكان سليمان يجلس على سريره هو وأصحابه فتسير بهم الريح بالغداة مسيرة شهر، وتسيرُ بالعَشِي مَسِيرَة شَهْرٍ.
(وأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ القِطْرِ).
القطر النحَاسُ، وهو الصُّفرُ، فأُذيب مذ ذاك وكان قبلَ سليمانَ لَا
يذُوبُ.
(وَمِنَ الجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ).
موضع " مَنْ " نصب، المعنى سخرنا له من الجن مَنْ يعمَلُ.
ويجوز أن يكون موضع " مَنْ " رفعاً.
ويكون المعنى فيما أعطيناه من الجنِّ (مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْه بإذْنِ رَبِّه)
أي بأمْر رَبِّه.
(وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا).
стр. 1604
أي من يعدل.
ثم بَيَّن ما كانوا يعملون بين يَدَيْه فقال:
(يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (١٣)
المحراب الذي يصَلَّى فيه، وأشرف موضع في الدارِ وفي البيت
يقال له المحراب.
(وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ).
أكثر القرَّاء على الوقف بغير يا وكان الأصل الوقفَ بالياء، إلا
أن الكسرة تنوب عنها، وكانت بغير ألف ولام الوقف عليها بغير ياء.
تقول: هذه جواب، فأدْخِلَت الألف واللام وترك الكلام على ما كان
عليه قَبْلَ دخولِهِمَا.
والجوابي جمعُ جَابية، والجابية الحوض الكبير
قال الأعشى:
كجابية السيج العراقي تَفْهَقُ
أن يعملون له جفانه كالحياض العظام التي يجمع فيها الماء.
(وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ): ثابتات.
(اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا).
" شكراً " منتصب على وَجْهَيْن:
أحدهما اعملوا للشكر، أي اشكروا
стр. 1605
الله على ما آتاكم. ويكون (اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا) على معنى اشكروا
شكراً.
* * *
وقوله تالى: (فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ (١٤)
المنسأة العصا، وإنما سُمِّيَتْ منسأة لأنها يُنْسَأُ بها (١)
ومعنى يُنْسَأُ بها يطرد بها ويؤخر بها، فلما توفي سليمان توفي وهو متكئ عليها
- على عصاه - فلم يعلم الجنُّ بموته حتى أكلت الأرضَةُ العصا.
حَتَّى خرَّ.
(فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ) مَوْتَهُ، المعنى (أن لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ
ما لبثوا فِي الْعَذَابِ المُهِينِ).
ْالمعنى لأنهم لو كانوا يعلمون ما غاب عَنْهُم مَا عَمِلُوا مُسخرِين.
إِنَّمَا عَمِلُوا وهم يظنون أنه حَيٌّ يقف عَلَى عَمَلِهِمْ.
وقال بعضهم تبينت الإنسُ الجِن أن لو كانوا يعلمون الغَيْبَ.
ويجوز أن يكون تبينت الجِن أن لو كانوا يعلمون الغَيْبَ، والجن تتبيَّنُ أَنها لا تعلمُ الغَيْبَ، فكانَتْ تُوهِمُ أنها تعلم الغَيْبَ فَتَبَيَّنَتْ أنه قد بأن للناس أنَّها لَا تَعْلَمُ، كما تَقُولُ للذي يدعي عندَكَ الباطِلَ إذا تبينت له: قد بينت أن الذي
يقول بَاطِل، وهو لم يزل يعلم ذلك ولكنك أردت أن توبخَهُ وَأَنْ تُعْلِمَهُ
أنك قد علمت بطلان قوله.
* * *
وقوله : (لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (١٥)
ويقرأ " مَسْكِنِهِمْ " بفتح الكاف وكسرها، ويقرأ مَسَاكِنِهم ويقرأ لِسَبَأ
стр. 1606
- بالفتح وترك الصرف - وَلِسَبإٍ. فمن فتح وترك الصرْفَ فلأنه جَعَلَ
سَبأ اسم قبيلة، وَمَنْ صرف وكسر ونوَّنَ جعل سبأ اسْماً للرجُل واسماً
للحيِّ وكل جائز حَسَن.
(آيَةٌ جَنَّتَانِ).
(آيَةٌ) رفع اسم كان، وَ (جَنَّتَانِ) رفع على نوعين، على أنه بدَل من آيةٍ
وعلى إضمارٍ كأنَّه لما قيل آية، قيل الآية جَنَّتَانِ، والجَنتَانِ
البُسْتَانَانِ.
فكان لهم بستانان، بستان يَمْنَةً، وبُسْتَان يَسْرَة.
(كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ).
المعنى قيل لهم: كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ.
* * *
وقوله : (بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ). على معنى هذه بلدة طيبة.
(وَرَبٌّ غَفُورٌ) على معنى واللَّه رَبٌّ غَفُورٌ.
* * *
(فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (١٦)
المعنى: أعرضوا عن أمر الله.
(فَأرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ العَرِم).
والعَرِم فيه أقوال قال أَبو عبيدة جمع عَرِمَةٍ، وهي السِّكْرُ
والمُسَنَّاة وقيل العَرِمُ اسمُ الوَادِي، وقيل العَرِمُ ههنا اسم الجُرَذ
الذي ثقب السِّكْر علَيْهِم، وهو الذي يقال له الخُلْدُ.
وقيل: العَرِمُ المطر الشديد، وكانوا في نِعْمةٍ وكانت لهم جِنَان يمنَةً وَيَسْرةً، وكانت المرأة تخرج على رَأسها الزَّبِيلُ فتعمل بيديها وتسير بين ذلك الشجر
стр. 1607
فيسقط في زبيلها ما تحتاج إليه من ثمار ذَلِكَ الشَجَرِ، فلم يَشْكُرُوا.
فبعث اللَّه عليهم جُرَذاً، وكان لهُم سِكْر فيه أبوابٌ، يفتحون ما
يحتاجون إليه من الماء، فثقب ذلك الجرذ حتى نقب عَلَيْهم فَغَرَّق
تينك الجنتين.
(وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ).
آيْ بِهَاتَيْنِ الجنتَينِ المَوْصُوفتين.
(جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ).
وأُكْل خَمْطٍ - الضَمُّ والإسكان في الكافِ جَائِزَانِ، ويقرأ ذَوَاتَيْ
أكُل خمطٍ وذواتي أُكْل خمْطٍ. ومعنى خمط: يقال الكل نبت قد أَخَذ
طَعْماً من مرارة حتى لا يمكن أكله خَمْط.
وفي كتاب الخليل الخمطُ شَجَرُ الأرَاكِ
وقد جاء في التفسير أَن الخَمْطَ الأراك وأكله ثمَرهُ.
قال الله : (تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ) (١).
* * *
(ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (١٧)
" ذلك " في موضع نَصْبٍ، المعنى جزيناهم ذلك بكفرهم.
(وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ).
وتقرأ وهل يُجَازَى، ويجوز وهل وَهَلْ يُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ، وَهَذَا مِما
يُساَلُ عَنْهُ.
يقال: اللَّه يُجازي الكَفُورَ وغيرَ الكَفُورِ.
والمعنى في هذه الآية أن المؤمن تُكَفَرُ عنه السيئَات، والْكَافِرَ يحبطُ عمله فيجازى بكل سوء يعمله قال اللَّه : (الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ)
стр. 1608
وقال: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٢٨).
فأعلم - جلَّ وعزَّ - أنه يحبط عمل الكافِرِ، وأعْلَمَنا أن الحَسَنَاتِ يذهِبْنَ السيْئَاتِ، وأن المؤمنَ تُكِفَرُ عنه سَيِّئَاتِه حَسَنَاتُه.
* * *
وقوله تعالى: (وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ (١٨)
هذا عطف على قوله: (لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ)
(وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً).
فَكانوا لا يَحْتَاجُونَ من وادي سبأ إلى الشام إلى زَادٍ.
وقيل القُرَى التي باركنا فيها بَيْتُ المقْدِسِ، وقيل أيضاً الشامُ.
فكانت القرى إلى كل هذه المواضِعِ من وادي سبأ متصلة.
* * *
(وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ).
جعلنا مَسِيرَهُمْ بمقدار حيث أرادُوا أَن يقيموا حَلُّوا بقرية آمِنينَ.
* * *
(فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (١٩)
(رَبَّنَا بَعِّدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا)
ويقرأ (رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا)، ويقرأ (رَبَّنَا بَعَّدَ بَيْنَ أَسْفَارِنَا)، ويقرأ
(رَبَّنَا) - بالنصْبِ - بَعُدَ بَيْن أسفارنا - برفع بَيْن -، ويقرأ بَيْن أسفارنا، ويقرأ رَبُّنا بَاعَدَ بين أسْفَارِنَا (١).
(وَظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ)
فمن قرأ بَعُدَ بَيْنُ أَسْفارنا برفع بيْن، فالمعنى بَعُدَ ما يتصِلُ
стр. 1609
بِسَفَرِنَا، ومن قرأ بَعُدَ بين أسْفارنا فالمعنى بَعُدَ ما بين أسفارنا، وَبَعُد
سيْرنا بين أَسْفَارِنا، ومن قرأ باعِدْ فعلى وجه المسألَةِ، ويكون المعنى
أنهم سئموا الرَّاحَةَ وبطِرُوا النعمَةَ، كما قال قوم موسى: (ادْعُ لَنَا رَبِّكَ
يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأرْضُ - إلى قوله: (الذي هُوَ أدنى بالَّذِي هُوَ خَير).
(وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ).
أي فرقناهم في البلاد لأنهم لما أذهب الله بِجَنتَيْهِمْ وغرق
مَكانَهُم تبدَّدُوا في البلاد فصارت العَرَبُ تتمثل بِهم في الفرقَةِ فتقول:
تفرقوا أيْدِيَ سبَأ، وأيادي سَبَأ
قال الشاعِرِ:
مِنْ صَادِرٍ أو وَارِدٍ أَيْدي سَبَا.
وقال كثير:
أيادي سبا يا عز ما كنت بعدكم. . . فلم يحل للعينين بعدك منظر
* * *
(وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠)
(وَلَقَدْ صَدَقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ)
ويقرأ (وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ) - برفع إبْلِيسَ ونصب الظن.
وصدقه في ظَنَه أَنًهُ ظَن - بهم إذا أغْوَاهم اتبَعوه فوجدهم كذلك فقال:
(فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ).
فمن قال (صَدَّقَ) نَصَبَ الظن لأنه مفعولٌ بِهِ، ومن خَفَّفَ فقال " صَدَق " نصب الظنَّ مصدراً
стр. 1610
على معنى صدق عليهم إبليس ظَنًّا ظَنَّه، وصدق في ظنه.
وفيها وجهان آخرانِ، أحدهما ولقد صدق عليهم إبليسُ ظنُّهُ، ظَنه بدل من إبْلِيسَ، كما قال تعالى: (يَسْالُونَكَ عَنِ الشَهْرِ الحَرَامِ قِتَال فِيهِ).
ويجوز وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنُّهُ، على معنى صدق ظن إبليسَ باتباعِهم إيَّاهُ وقد قُرِئ بهما.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (٢١)
أي ما كان له عليهم من حجة كما قال: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ
عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ).
(إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ).
أي إلا لنعلم ذلك علمَ وقوعه مِنْهُمْ، وهو الذي يُجَازَوْنَ عَلَيْه.
واللَّه يعلم الغيبَ وَيَعْلَمُ مَنْ يؤمن مِمن يَكْفُر قبلَ أَنْ يؤمِنَ المؤمنُ
ويكفُرَ الكافِرُ ولكن ذلك لا يُوجِبُ ثواباً وَلَا عقَاباً، إنما يثابون
ويعاقبون بما كانوا عَامِلينَ.
وقوله: (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢)
يعني أن الذين يزعمون أنهم شركاء الله مِنَ المَلَائكة وَغَيْرِهِمْ لاَ
شِرْكَ لهم ولا مُعينَ للَّهِ فيما خَلَق.
* * *
وقوله : (وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٢٣)
(أَذِنَ لَهُ)
بضم الهمزة وفتحها، ويكون المعنى لمني أذَن لَه.
أي، لمن أذن الله له أن يشفع، ويجوز إلا لمن أذن أن يُشْفَعَ له فيكون " من "
стр. 1611
للشافعين، ويجوز أَنْ يكونَ للمَشْفُوعَ لَهُمْ.
والأجود أن يكون للشافعين، لقوله: (حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ).
لأن الذين فزع عن قلوبهم ههنا الملائكةُ، وتقرأ حتى إذَا فَزَّعَ
عن قُلُوِبهِمْ - بفتح الفاء - وقرأ الحسن: حَتَّى إذَا فَرَغَ عَنْ قُلُوبِهِمْ -
بالراء غيرَ المعجمة وبالغين المعجمة - ومعنى فُزعَ كُشِفَ الفَزَعُ عَنْ
قُلُوبِهِمْ وَفَزَّعَ عن قلوبِهِمْ كشفَ الله الفَزَع عن قُلُوبهِمْ، وقراءة
الحسن، فُرِّغَ تَرْجع إلى هذا المعنى لأنهما فَرغتْ من الفَزَع.
وتفسير هذا أن جبريل ﵇ كان لِما نزل إلى محمد ﷺ بالْوَحْي ظنت الملائكة أَنَه نزل لِشيءٍ من أمر الساعَةِ فَتَفَزعَتْ لِذَلِكَ، فلما انكشف عنها الفَزَعُ: (قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ).
فسألت لأيَ شيءٍ ينزل جبريل.
(قَالُوا الْحَقَّ).
أي قالوا قال الحق، ولو قرئت - قَالُوا الْحَقُّ لكان وَجْهاً. يكون
المعنى قالوا هو الحق (١).
* * *
(قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٤)
روي في التفسير أن المعنى وإنا لعلى هدى وإنكم لفي ضلال
مبين، وهذا في اللغة غير جائز ولكنه في التفسير يُؤول إلى هذا
المعنى. إنا لعلى هدى أو في ضلال مبين أو إنكم لعلى هدى أو في
ضلال مبين، وإنكم لعلى هدى أو في ضلال مبين.
فهذا كما يقول القائل: إذا كانت الحال تدل على أنه صَادق - أَحَدُنا صادق، وأَحَدُنا كاذب، والمعنى أَحَدُنَا صادق أو كاذب.
ويؤول معنى الآية إلى إنَا لِمَا أقمنا من البرهان لعلى هدى، وإنكم لفي ضلال مبين.
стр. 1612
وقوله: (قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ (٢٦)
معنى يفتح: يحكم، وكذلك الفتاح: الحاكم.
* * *
وقوله - جلَّ وعزَّ -: (قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ كَلَّا بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧)
المعنى ألحقتموهم به، ولكنه حذف لأنه في صلة الذين.
وقوله (كَلَّا بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).
معنى (كَلَّا) رَدْعٌ وتنبيه، المعنى ارْتَدِعُوا عَنْ هذَا القولِ وَتَنبَّهُوا
عَن ضَلاَلِتكُمْ، بل هو اللَّه الواحد الذي ليس كمثله شيء.
* * *
وقوله : (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٨)
معنى كافَة الإحاطَةُ في اللغة، والمعنى أرسلناك جامعاً للناس
في الإنذار والإبلاغ، فاَرْسَلَ اللَّه النبي ﷺ إلى العرب والعجم، وقال: أَنا سَابِق العَرَبِ إلى الإسلام، وَصُهَيْبٌ سابق الروم وبلال سابق الحبشة وسلمانُ سابق الفرس، أي الرسالة عامة، والسابقون من العجَم
هؤلاء.
* * *
وقوله: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (٣١)
يعنون لا نؤمن بما أتى به محمد ﷺ ولا بالكتب المتقدِّمَةِ.
* * *
وقوله: (وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ
(٣٣)
(بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ).
معناه بل مكركم في الليل والنهار.
(وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا) أشْبَاهاً.
(وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ).
стр. 1613
أَسَروها بينهم. أقبل بعضهم يَلُوم بَعْضاً، ويُعرِّف بعضهم بَعْضاً
الندامَةَ.
* *
(وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٣٤)
مُتْرَفُوها أُولو التُّرْفَةِ وهم رؤُساؤها وقادة الشَرِّ وَيَتبعُهُمْ السِّفْلَةُ.
* * *
وقوله (وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ (٣٧)
ولم يقل باللتَين ولا باللذَيْنِ ولا باللاتِي، وكل ذلك جائز، ولكن
الذِي في المصحف التِي، والمعنى وما أَمْوَالكم بالتي تقربكم ولا
أَوْلَادُكم بالذين يُقَرَبُونكم ولكنه حُذِفَ اختصاراً وإيجَازاً.
وقد شرحنا مثل هذا.
وقوله (إلا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً).
موضع " مَنْ " نصب بالاستثناء على البدل من الكاف والميم.
على معنى ما يُقَربُ إلا مَنْ آمَنَ وَعَمِل صَالحاً، أي ما تُقَربُ الأموالُ إلا
مَنْ آمن وعمل بها في طاعة اللَّه.
(فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا).
الضعف ههنا يحتاج إلى تفسير ولا أَعْلَمُ أَحَداً فَسَّرَهُ تفسيراً بيِّناً.
وجزاء الضعف ههنا عشر حسنات، تأويله فأولئِكَ لهم جَزاءُ الضعْفِ
الذي أَعْلَمْناكم مقدارهُ، وهو قوله: (مَنْ جَاء بالحسنة فله عَشْرُ أمثالها)
فيه أوجُهُ في العَرَبيةِ، فالذي قرئ به خفض الضعف بإضَافَةِ الجزاء
إليه، ويجوز (فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ) على معنى فأولئك لهم الضعفُ
стр. 1614
جزاءً، المعنى في حال المجازاة، ويجوز فأُولَئِكَ لهم جزاءً الضِعْفَ
على نصب الضعْف. المعنى، فأُولَئِكَ لهم أَنْ نُجَازِيَهم الضعْفَ.
ويجوز رفع الضعف من جهتين:
على معنى فأُولَئِكَ لهم الضعْفُ عَلَىْ أن الضَعْفَ بدل من الجزاء، فيكون مرفوعاً على إضمار هو، فأُولَئِكَ لهم جزاء، كأنَّه قال ما هو فقال: الضِعْفُ.
ويجوز النَصْبَ فِي الضعْفِ على مفعول ما لم يسم فاعله على معنى فأولئك لهم أن يجازَوُا الضعْفَ.
والقراءة من هذه الأوجه كلها خفض الضعف ورفع جزاء.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ (٤٤)
يُعْنَى به مشركو العَربِ بمكةَ لَمْ يَكونُوا أَصْحابَ كُتُبٍ ولا بعث
بنبي قبل محمد ﷺ .
* * *
(وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (٤٥)
أي عُشر الذي آتينا من قبلهم من القوة والقُدْرَةِ.
(فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ).
حذفت الياء، المعنى فكيف كان نكيري، لأنه آخر آيةٍ.
* * *
وقوله : (قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (٤٦)
أي أَعِظُكمْ بأن توحدْوا الله وأَنْ تَقولوا لا إله إلا اللَّهُ مخلصاً
وقد قيل واحدة في الطاعة، والطاعة تَتَضَمَّن التوحيدَ والِإخلاصَ.
стр. 1615
المعنى: فأنا أعظكم بهذه الخصلة الواحدة أن تقُومُوا، أي لأنْ تَقومُوا.
(أنْ تَقُومُوا للَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى).
أي أعظكم بطاعة اللَّه لأن تقومُوا للَّهِ منفردين ومُجْتَمِعين.
(ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ).
المعنى ثم تتفكروا فتعلموا أن النبي ﷺ ما هو بمجنون كما تقولون، والجِنَّة الجُنُونُ.
(إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ).
أي يُنْذِرُكم أنكم إنْ عَصَيْتُمْ لقيتم عذاباً شديداً.
* * *
وقوله : (قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٤٧)
معناه ما سألتكم من أجر على الرسالة أُؤَدِّيها إليكم، والقرآن
الذي أتيتكم به من عند الله - فهو لكم - وتأويله أني إنما أنذركم
وأُبَلِّغُكُمْ الرسالة ولستُ أَجُرُّ إلى نفسي عَرَضاً من أعراض الدنيا.
(إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ).
أي إنما أَطْلُب ثوابَ الله بتأدية الرسَالةِ، والياء في " أجري " مُسَكنَة
وَمَفْتُوحةٌ والأجود الفتح لأنها اسم فيبنى على الفتح.
* * *
وقوله : (قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (٤٨)
بكسر الغين - ويجوز علامَ الغيوب بالنصْبِ، فمن نَصَب فعَلام الغيوب صِفة
لِرَبِّي.
المعنى قل إن ربي علامَ الغيوب يقذف بالحق
ومن رفع " علامُ الغيوب " فعلى وجهين:
أحدهما أن يكون صِفةً على موضع أن ربي، لأن تأويله قل ربي علَّامُ الغيوب يقذف بالحق، وإنَّ مؤكدة.