← Тафсир

Тафсир · id 922

معاني القرآن وإعرابه للزجاج

الزجاج

Полный текст (2 149 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

للشافعين، ويجوز أَنْ يكونَ للمَشْفُوعَ لَهُمْ. والأجود أن يكون للشافعين، لقوله: (حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ). لأن الذين فزع عن قلوبهم ههنا الملائكةُ، وتقرأ حتى إذَا فَزَّعَ عن قُلُوِبهِمْ - بفتح الفاء - وقرأ الحسن: حَتَّى إذَا فَرَغَ عَنْ قُلُوبِهِمْ - بالراء غيرَ المعجمة وبالغين المعجمة - ومعنى فُزعَ كُشِفَ الفَزَعُ عَنْ قُلُوبِهِمْ وَفَزَّعَ عن قلوبِهِمْ كشفَ الله الفَزَع عن قُلُوبهِمْ، وقراءة الحسن، فُرِّغَ تَرْجع إلى هذا المعنى لأنهما فَرغتْ من الفَزَع. وتفسير هذا أن جبريل ﵇ كان لِما نزل إلى محمد ﷺ بالْوَحْي ظنت الملائكة أَنَه نزل لِشيءٍ من أمر الساعَةِ فَتَفَزعَتْ لِذَلِكَ، فلما انكشف عنها الفَزَعُ: (قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ). فسألت لأيَ شيءٍ ينزل جبريل. (قَالُوا الْحَقَّ). أي قالوا قال الحق، ولو قرئت - قَالُوا الْحَقُّ لكان وَجْهاً. يكون المعنى قالوا هو الحق (١). * * * (قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٤) روي في التفسير أن المعنى وإنا لعلى هدى وإنكم لفي ضلال مبين، وهذا في اللغة غير جائز ولكنه في التفسير يُؤول إلى هذا المعنى. إنا لعلى هدى أو في ضلال مبين أو إنكم لعلى هدى أو في ضلال مبين، وإنكم لعلى هدى أو في ضلال مبين. فهذا كما يقول القائل: إذا كانت الحال تدل على أنه صَادق - أَحَدُنا صادق، وأَحَدُنا كاذب، والمعنى أَحَدُنَا صادق أو كاذب. ويؤول معنى الآية إلى إنَا لِمَا أقمنا من البرهان لعلى هدى، وإنكم لفي ضلال مبين.

стр. 1612

وقوله: (قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ (٢٦) معنى يفتح: يحكم، وكذلك الفتاح: الحاكم. * * * وقوله - جلَّ وعزَّ -: (قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ كَلَّا بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧) المعنى ألحقتموهم به، ولكنه حذف لأنه في صلة الذين. وقوله (كَلَّا بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ). معنى (كَلَّا) رَدْعٌ وتنبيه، المعنى ارْتَدِعُوا عَنْ هذَا القولِ وَتَنبَّهُوا عَن ضَلاَلِتكُمْ، بل هو اللَّه الواحد الذي ليس كمثله شيء. * * * وقوله : (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٨) معنى كافَة الإحاطَةُ في اللغة، والمعنى أرسلناك جامعاً للناس في الإنذار والإبلاغ، فاَرْسَلَ اللَّه النبي ﷺ إلى العرب والعجم، وقال: أَنا سَابِق العَرَبِ إلى الإسلام، وَصُهَيْبٌ سابق الروم وبلال سابق الحبشة وسلمانُ سابق الفرس، أي الرسالة عامة، والسابقون من العجَم هؤلاء. * * * وقوله: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (٣١) يعنون لا نؤمن بما أتى به محمد ﷺ ولا بالكتب المتقدِّمَةِ. * * * وقوله: (وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٣٣) (بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ). معناه بل مكركم في الليل والنهار. (وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا) أشْبَاهاً. (وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ).

стр. 1613

أَسَروها بينهم. أقبل بعضهم يَلُوم بَعْضاً، ويُعرِّف بعضهم بَعْضاً الندامَةَ. * * (وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٣٤) مُتْرَفُوها أُولو التُّرْفَةِ وهم رؤُساؤها وقادة الشَرِّ وَيَتبعُهُمْ السِّفْلَةُ. * * * وقوله (وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ (٣٧) ولم يقل باللتَين ولا باللذَيْنِ ولا باللاتِي، وكل ذلك جائز، ولكن الذِي في المصحف التِي، والمعنى وما أَمْوَالكم بالتي تقربكم ولا أَوْلَادُكم بالذين يُقَرَبُونكم ولكنه حُذِفَ اختصاراً وإيجَازاً. وقد شرحنا مثل هذا. وقوله (إلا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً). موضع " مَنْ " نصب بالاستثناء على البدل من الكاف والميم. على معنى ما يُقَربُ إلا مَنْ آمَنَ وَعَمِل صَالحاً، أي ما تُقَربُ الأموالُ إلا مَنْ آمن وعمل بها في طاعة اللَّه. (فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا). الضعف ههنا يحتاج إلى تفسير ولا أَعْلَمُ أَحَداً فَسَّرَهُ تفسيراً بيِّناً. وجزاء الضعف ههنا عشر حسنات، تأويله فأولئِكَ لهم جَزاءُ الضعْفِ الذي أَعْلَمْناكم مقدارهُ، وهو قوله: (مَنْ جَاء بالحسنة فله عَشْرُ أمثالها) فيه أوجُهُ في العَرَبيةِ، فالذي قرئ به خفض الضعف بإضَافَةِ الجزاء إليه، ويجوز (فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ) على معنى فأولئك لهم الضعفُ

стр. 1614

جزاءً، المعنى في حال المجازاة، ويجوز فأُولَئِكَ لهم جزاءً الضِعْفَ على نصب الضعْف. المعنى، فأُولَئِكَ لهم أَنْ نُجَازِيَهم الضعْفَ. ويجوز رفع الضعف من جهتين: على معنى فأُولَئِكَ لهم الضعْفُ عَلَىْ أن الضَعْفَ بدل من الجزاء، فيكون مرفوعاً على إضمار هو، فأُولَئِكَ لهم جزاء، كأنَّه قال ما هو فقال: الضِعْفُ. ويجوز النَصْبَ فِي الضعْفِ على مفعول ما لم يسم فاعله على معنى فأولئك لهم أن يجازَوُا الضعْفَ. والقراءة من هذه الأوجه كلها خفض الضعف ورفع جزاء. * * * وقوله جلَّ وعزَّ: (وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ (٤٤) يُعْنَى به مشركو العَربِ بمكةَ لَمْ يَكونُوا أَصْحابَ كُتُبٍ ولا بعث بنبي قبل محمد ﷺ . * * * (وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (٤٥) أي عُشر الذي آتينا من قبلهم من القوة والقُدْرَةِ. (فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ). حذفت الياء، المعنى فكيف كان نكيري، لأنه آخر آيةٍ. * * * وقوله : (قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (٤٦) أي أَعِظُكمْ بأن توحدْوا الله وأَنْ تَقولوا لا إله إلا اللَّهُ مخلصاً وقد قيل واحدة في الطاعة، والطاعة تَتَضَمَّن التوحيدَ والِإخلاصَ.

стр. 1615

المعنى: فأنا أعظكم بهذه الخصلة الواحدة أن تقُومُوا، أي لأنْ تَقومُوا. (أنْ تَقُومُوا للَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى). أي أعظكم بطاعة اللَّه لأن تقومُوا للَّهِ منفردين ومُجْتَمِعين. (ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ). المعنى ثم تتفكروا فتعلموا أن النبي ﷺ ما هو بمجنون كما تقولون، والجِنَّة الجُنُونُ. (إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ). أي يُنْذِرُكم أنكم إنْ عَصَيْتُمْ لقيتم عذاباً شديداً. * * * وقوله : (قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٤٧) معناه ما سألتكم من أجر على الرسالة أُؤَدِّيها إليكم، والقرآن الذي أتيتكم به من عند الله - فهو لكم - وتأويله أني إنما أنذركم وأُبَلِّغُكُمْ الرسالة ولستُ أَجُرُّ إلى نفسي عَرَضاً من أعراض الدنيا. (إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ). أي إنما أَطْلُب ثوابَ الله بتأدية الرسَالةِ، والياء في " أجري " مُسَكنَة وَمَفْتُوحةٌ والأجود الفتح لأنها اسم فيبنى على الفتح. * * * وقوله : (قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (٤٨) بكسر الغين - ويجوز علامَ الغيوب بالنصْبِ، فمن نَصَب فعَلام الغيوب صِفة لِرَبِّي. المعنى قل إن ربي علامَ الغيوب يقذف بالحق ومن رفع " علامُ الغيوب " فعلى وجهين: أحدهما أن يكون صِفةً على موضع أن ربي، لأن تأويله قل ربي علَّامُ الغيوب يقذف بالحق، وإنَّ مؤكدة.

стр. 1616

ويجوز الرفع على البَدَلِ مِما في تَقذِف، المعنى قل إن ربي يقذف هو بالحق علامُ الغيوبِ، ومعنى يقذف بالحق أي يأتي بالحق ويرمي بالحق، كما قال - جلَّ وعزَّ -: (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ). * * * وقوله: (قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ (٤٩) أي قل جاء أمر اللَّه الذي هو الحق، وما يُبْدِئ البَاطِلُ. " ما " في موضع نصب على مَعْنى وأَيُّ شيءٍ يبدئ الباطِلُ وأيُّ شيءٍ يُعِيدُ. والأجود أن يكون " ما " نفياً على معنى ما يبدئ الباطل وما يعيد. والباطل. ههنا إبليس. المعنى وما يعيد إبليس وما يفيد، أي لا يخلق ولا يبعث. واللَّه الخالقُ والباعث. ويجوز أَنْ يكونَ البَاطِلُ صَاحِب البَاطِلِ وهو إبليس. * * * وقوله: (وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (٥١) هذا في وقت بَعْثِهم. وقوله: (فَلَا فَوْتَ) أي فلا فوت لهم، لا يمكنهم أن يَفُوتُوا. (وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ) في التفسير: من تحت أقدامهم. ويجوز فَلَا فَوْتٌ، ولا أعلم أحداً قَرَأَ بِهَا فإن لم تثبت بها روَايةٌ فَلَا تقرأنَّ بها، فإن القراءة سُنَّةٌ. * * * وقوله: (وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٥٢) (وَقَالُوا آمَنَّا)، في الوقت الذي قال اللَّه - جل وعلا فيه: (لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ) والتَنَاؤشُ التناوُل، أي فكيف

стр. 1617

لهم أن يتناولوا ما كان مبذولاً لهم وكان قريباً منهم، فكيف يتناولونه حين بَعُدَ عَنْهُمْ. وَمَنْ هَمَزَ فقال: التَنَاؤشُ، فلأن واو التناؤش مَضْمُومَة. وكل واو مضمومة ضمَّتُها لازمة، إن شئت أبْدَلْتَ منها همزة وإن شِئْتَ لم تبدل نحو قولك أَدْوُر وتقاوُم، وإن شئت قلت: أدؤر وتَقَاؤم فهَمَزْتَ، ويجوز أن يكون التنَاؤُش من النَّيِّش، وهي الحركة في إبطاء فالمعنى من أين لهم أن يتحركوا فيما لا حيلة لهم فيه. * * * (وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٥٣) أي كانوا يرجمون ويرمون بالغيب، وترجيمهم أنهم كانوا يظنون أنهم لا يبعثون. * * * (وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ (٥٤) المعنى من الرجوع إلى الدنيا، والإيمان. (كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ). أي بمن كان مذهبُه مَذْهَبَهُم. (إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ). فقد أعلمنا اللَّه جلَّ وعزَّ أنه يُعذبُ عَلَى الشَّكِّ. وقد قال قوم من الضلَّالِ أن - الشاكِّين لا شيء عليهم، وهذا كفر ونقض للقرآن لأن اللَّه - جلَّ وعزَّ - قال: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧).

стр. 1618

سُورَة المَلاَئِكَة (مَكِّيَّة) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) قال ابن عباس ﵀: ما كنت أدْري ما فاطرُ السَّمَاوَاتِ والأرْض حتى اختصم إليَّ أعرابيان في بِئْر فقال أحدهما: أنا فَطَرْتُها. أي ابتدأْتُهَا. وقيل فاطر السَّمَاوَات والأرض خالق السَّمَاوَات والأرض. ويجوز فَاطِرُ وفَاطِرَ بالرفع والنصب، والقراءة على خفض فاطر. وكذلك (جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ). معنى أولي أصحاب أجنحة، وثُلَاثَ ورُبَاعَ في موضع خفض. وكذلك مثنى إلا أنه فتح ثُلاثَ ورُبَاعَ لأنه لا يتصرف لِعِلتيْن إحداهما أنه معدول عن ثلاثةٍ ثلاثةٍ وَأَرْبَعِةٍ أَرْبَعةٍ واثنين اثنين، فهذه علة. والعلة الثانيةُ، أَن عُدُولَهُ وَقع فِي حَالِ النَّكِرَةِ قال الشاعر: ولكنَّما أَهلي بوادٍ أَنِيسُه. . . سِباغٌ تَبَغَّى الناسَ مَثْنى ومَوْحَدا * * * وقوله : (يَزِيدُ في الخَلْقِ مَا يَشَاءُ). يعنى في خلق الملائكة، والرسلُ مِنَ الملائِكَةِ جبريل وميكائيلُ وإسرافيلُ ومَلَكُ الموت.

стр. 1619

(مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢) (يَفْتَح) في موضع جزم على معنى الشرط والجزاء، وجواب الجزاء (فَلَا مُمْسِكَ لَهَا)، ولو كان فلا ممسك له لجاز لأن " ما " في لفظ تذكيرا، ولكنه لَمَّا جَرَى ذكرُ الرحمة كان فلا ممسك لها أحسن، ألا ترى إلى قوله: (وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ). ومعنى ما يفتح الله أي ما يَأتيهِمْ بِهِ من مَطَرٍ ورِزقٍ فلا يقدر أَحَدٌ أن يُمْسِكَه، وما يُمْسِكْ اللَّهُ من ذلك فلا يقدر قادرٌ أن يرسله. ويجوز - ولا أعلم أحَداً قرأ به - " ما يفتحُ اللَّه للناس من رحمة وَما يُمْسِكُ " برفعهما على معنى الذي يفتحه اللَّه للناس من رحمة فلا ممسك لها. والذي يمسك فلا مرسل له، ويجوز " فلا مُمْسِكٌ لها " بالتنوين، وما يمسك فَلَا مُرْسِلٌ له من بعده، وَلَا أعْلَمُ أَحَداً قرأ بها فلا تقرأنَّ بما لم تثبت فيه رواية وإن جاء في العربية لأن القراءةَ سُنَّةٌ. * * * وقوله : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٣) هذا ذكر بعد قوله: (مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا) فأكد ذلك بأن جعل السؤال لهم (هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ). (هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرِ اللَّهِ) وقُرئت (هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ) بالرفع، على رفع غير. المعنى هَلْ خَالِقٌ غير اللَّه لأن " مِن " مؤكدة، وقد قرئ بهما جميعاً، غَيْرُ وَغَيْرِ، وفيها وجه آخر يجوز في العربية نصب (غيرَ) " هل مِنْ خالقٍ غَيرَ اللَّهِ يرزقكم " ويكون النصب على الاستثناء، كأنَّه هل من خالق إلا اللَّهُ يرزقكم) (١).

стр. 1620

(فَأنَّى تُؤفكُونَ). أي من أين يقع لكم الإفْكُ والتكذيب بتوحيد اللَّه وإنكار البعث. * * * (وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤) هذا تَأسٍّ للنبي ﷺ أعلمه الله أَنه قد كُذِبَت رُسُلْ من قبله، وَأَعْلَمَهُ أنه نَصَرَهُمْ فقال جلَّ وعزَّ، (فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا). ْ (وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ). وتَرْجِعُ الأمُورُ، المعنى الأمْرُ رَاجعْ إلى اللَّه في مجازاة من كذَّبَ، ونُصْرةِ من كُذِّب مِن رُسُلِهِ. * * * وقوله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٥) أي ما وعدكم اللَّه من مجازاة فحق. (فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا). أي وإنْ كان لكم حظ في الدنيا يَغُضُّ مِنْ دِينِكُمْ فلا تؤثروا ذلك الحظَّ. (وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ). والغَرُورُ: الشيطانُ، ويَقْرَأُ الغُرورُ بضم الغَيْنِ، وَهِيَ الأبَاطِيلُ ويجوز أن يكون الغُرور: جمع غَاز وغُرور، مثل قاعد وقُعُود، ويجوز أن يكون جمع غَرٍّ مَصدَرُ غَرَرْتُه غَرًّا. فَأما أَن يكون مصدر غررته غُروراً

стр. 1621

فبعيد. لأن المتعدية لا تكاد تقع مصادِرَهَا عَلى فُعُول، وقد جاء بعضها على فُعُول نحو لزمته لزوماً، وَنَهِكَه المرض نُهُوكاً فيجوز غررته غُروراً على ذلك. * * * وقوله تعالى: (أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٨) الجواب هَهُنَا عَلَى ضَرْبَيْن: أحدهما يدل عليه (فَلَا تَذْهَب نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ). ويكون المعنى أفمن زين له سوء عمله فأضله اللَّه ذهبت نفسك عَلَيْه حَسْرةً، ويكون " فلا تذهب نفس "ايدل عليه. وقد قرئت " فلا تُذْهبْ نَفْسَكَ " بضم التاء وجزم الباء ونصب النفس. ويجوز أن يكون الجواب محذوفاً ويكون المعنى: أفمن زُيِّن له سوء عمله كمن هداه اللَّه، ويكون دليله (فإن اللَّه يضل من يشاء ويهدي من يشاء). * * * وقوله: (وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ (٩) (فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيْتٍ) و (مَيِّتٍ) (فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ) أَيْ نُنْشِى المعنى مثل ذلك، أي مثل إحْيَاءِ الأرْض، وكذلك بعثكم. * * * (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ (١٠) أي من كان يريد بعبادته غير اللَّه العزةَ فلله العزة جميعاً، أي في حال اجْتِمَاعِها، أي يجتمع له في الدنيا والآخرة. ثم بين كيف يَعِز باللَّهِ فقال:

стр. 1622

(إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ). أي إليه يصل الكلم الذي هو توحيد اللَّه، وَهُوَ قَوْلُ لَا إلَه ألا اللَّهُ والعمل الصالِحُ يَرْفَعُه. المعنى إذَا وَحَّدَ اللَّهَ وعجل بِطَاعَتِه ارْتَفَع ذَلِكَ إلى اللَّه، واللَّه - عزَّ - وجل - يرتفع إليه كل شيء ويعلم كل شيء. ولكن المعنى فيه ههنا العمل الصالح هو الذي يرفع ذكر التوحيد حتى يكون مُثَبِّتاً للمُوَحِّدِ حقيقة التوحيد. والضمير في (يرفعه) يجوز أن يكون أَحَدَ ثلاثة أشياء، وذلك قول أهل اللغة جميعاً، فيكون والعمل الصالح يرفع الكلمَ الطيبَ، ويجوز أن يكون والعمل الِصالح يرفعه الكلم الطيب، أي لا يقبل العمل الصالح إلا من مُوَحِّدٍ، والقول الثالث أن يرفعه الله . * * * (وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ). المعنى مكرُ الذين يمكرون بالنبي ﷺ . (هُوَ يَبُورُ). أَيْ يَفْسُدُ، وقد بين ما مكرهم في سورة الأنفال، في قوله: (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ). ففسد جميع مكرهم فجعل اللَّه كلمة نبيِّه وأوليَائِه العُلْيَا، وَأَيديَهم العَالِيةَ بالنصر والحجة. * * * (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (١١) (وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ). وقرئت يَنْقُصُ. ويجوز " وَمَا نُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا نَنْقُصُ " بالنون جَمِيعاً ولَكِنهُ لم يقرأ بها فيما بلغني، فلا تقرأنَّ بها. وتأويل الآية أن

стр. 1623

الله جلَّ وعزَّ قد كتب عُمَرَ كُلِ مُعَمَّر وكتب يُعَمَّر كذا وكذا سنةً وكذا وكذا شهرا، وكذا وكذا يَوْماً، وكذا وكذا ساعةً، فكل ما نَقَصَ مِنْ عُمْره من سنة أو شهر أو يوم أو ساعةٍ كتب ذلك حتى يبلغ أَجَلَهُ. * * * (وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢) ْالفُرَاتُ المبالِغُ في العُذُوبَةِ. (وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ). الأجاج الشديد المرارة، والأجاج أيضاً الشديدُ الحَرَارَةِ. (وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا). وإنما تستخرج الحلية مِنَ المِلْح دُونَ العذْبِ، إلا أنهما لما كانا مُخْتَلِطَ يْنِ العَذْبُ والمِلْحُ، جاز أن يقال تستخرجون الحلية - وهي اللؤلؤ والمَرْجَانُ وما أشبه ذلك مِنْهُمَا - كما قال: (يخرج منهما اللؤلؤ والمُرجَانُ). (وَتَرَى الفُلْكَ فيه مَوَاخِرَ). المعنى في مواخر تشق الماء. وجاء في التفسير أنها تُصَاعِدُ وَتَنْحَدِرُ في البَحْرِ بريح وَاحِدَةٍ. والفُلْكُ جمع فُلْكٍ - لفظ الواحد كلفظ الجمع لأن فُعْلًا جمع فَعَل نحو أَسَدٍ وَأسْدٍ، وَوَثَنٍ وَوُثْن، فكذلك جَمْعُ فُعْل لأنهما أخْتَانِ في الجمع، تقول: جَبَل وأَجْبَال، وَقُفْل وأقفال، وكذلك أسد وآسَاد. وفُلْك للواحد وفُلْكٌ للجَمْاعَةِ. * * * وقوله : (وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣)). وهي لُفَافَة النواة، والنقير النقرةُ فِي ظَهْرِ النواةِ، والفتيل الذي في وَسَطِ النَّوَاةِ.

стр. 1624

(إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤) (وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ) المعنى يقولون: ما كنتم إيَّانَا تَعْبُدُونَ، فيكفرون بِعِبَادَتِكم إيَّاهُمْ (وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ). وهو اللَّه، لأن ما أَنبأ اللَّه بِه مِما يَكُون فهو وحدَه يخْبُرُهُ، لا يَشْرَكُه فِيه أَحَدٌ. * * * (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (١٨) (وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا) المعنى إن تدع نَفْسٌ مُثقَلة بالذنُوب إلى حِمْلِها، إلى ذُنوبها، لا يُحْمَلْ مِنْ ذنوبها شيء. (وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى). أي ولو كان الذي تدعوه ذا قربى مثل الأب والابن، ومن أشبه هؤلاء. * * * (إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ). فتأويل " تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ " - وهو النبي ﷺ تنذر الخلق أَجْمَعِين، والمعنى. ههنا أَن إنْذَارَك ينفع الذين يخشون رَبَّهُمْ. * * * (وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (٢٠) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (٢١) هذا مثل ضَربه اللَّه للمؤمنين والكافرين، المعنى لا يستوي الأعمى عن الحق وهو الكافر، والبصير بالحق وهو المؤمِنُ الذي يبصر رَشْدَه. وَلاَ الظلُمَاتُ وَلاَ النُّورُ، الظلمات الضلالات، والنور الهدي (وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ) المعنى لا يستوي أصحاب الحق الذين هم في

стр. 1625

ظِلٍّ من الحَق، ولا أصحاب الباطل الذين هم في حَرُورٍ أي في حَرٍّ دَائمٍ لَيْلاً ونهاراً. والحَرُورُ استيقاد الحرِّ ولفحه بالنهار وبالليل. والسَّمُومُ لا يكون إلَّا بالنَّهَارِ (١). * * * (وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢) الأحياء هم المؤمنون، والأموات الكافرونَ، ودليل ذلك قوله (أَمْوَاتٌ غَيرُ أحياءٍ). * * * وقوله : (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا). قال عمر بن الخطاب ﵀ يرفعُهُ: سابقنا سابق. وَمُقْتَصِدُنَا نَاجٍ، وظالمنا مَغْفُورٌ لَهُ. والآية تدل على أن المؤمنين مغفور لهم، لمقتصدهم الظالِم لِنَفْسِهِ منهم بعد صحة العقد. وقد جاء في التفسير أن قوله: (فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ) الكَافِرُ وهو قول ابن عباس، وَقَد رُوِيَ عنِ الحَسَنِ أَنَه الْمُنَافِقُ. واللفظ يدل على ما قاله عمر عن النبي ﷺ وَمَا عليه أَكْثَرُ المفسرِينَ، لأن قوله: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ) يدل على أن جملة المصطَفَيْنَ هؤلاء. وقال اللَّه (قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى). * * * (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (٢٧)

стр. 1626

(وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا). جُدَدٌ جمع جُدَّة، وهي الخطَّةُ والطريقَةُ، قال امرؤ القيس كأَن سَراتَهُ وجُدَّةَ مَتْنِه. . . كنائِنُ يَجْرِي فَوقَهُنَّ دَلِيصُ (١) " جُدَّةَ مَتْنِه " الخطَّة السوداء التي تراها في ظَهْرِ حِمارِ الوَحْشِ. وكل طريقةٍ جادَّة وجُدَّة. (وَغَرَابِيبُ سُودٌ). أي ومن الجبال غَرابِيبُ وهي الحِرَارُ، الجبال التي هيْ ذات صُخورٍ سُودٍ. والغِرْبِيبُ الشديد السوادِ (٢). * * * (وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨) المعنى وفيما خلقنا مختلف ألوانه، ومن الناس والدواب والأنْعَامِ كذلك أي كاختلاف الثمرات والجبال. (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ). أي من كان عالماً باللَّهِ اشتدت خشيته له. وجاء في التفسير كفى بخشية الله عِلْماً، وبالاغْتِرَارِ بِاللَّه جَهْلاً. * * * (إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩) (يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ). أي لَنْ تَفْسُدَ وَلَنْ تَكْسَدَ. * * * (لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (٣٠) غفور لذنُوبِهم شكور لِحَسنَاتِهِمْ.

стр. 1627

(جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٣٣) فيها وجهانْ: أحدُهُما يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ ومِنْ لؤلُؤٍ. ويجوز ولؤلُؤاً على مَغْنَى يحلون أساورَ، لأن معنى من أَساوِرَ كمعنى أَسَاورَ. والتفسير على الخفض أكثر، على معنى يحلون فيها من أَسَاوِرَ مِنْ ذَهبٍ ولؤلُؤٍ. وجاء في التفسير أَن ذَلِكَ الذهَبَ في صَفاءِ اللؤلُؤِ، كما قال : (قواريرَ قواريرَ من فضة)، أي هي قوارير ولكن بياضها كبياض الفضةِ، والفضة أَصْلُه. وَيَجُوزُ أَنْ يكون يُحَلَّوْنَ مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ، وَيُحَلَّوْنَ من لؤلُؤٍ. ويجوز على مَعْنَى وَيُحَلَّوْنَ لؤلُؤاً. وأساور جمعُ إسْوِرَة وَأَساوِر وَوَاحِدُهَا سِوَار. والأسْوَارُ من أَساوِرَةِ الفُرْس، وَهُوَ الجيِّدُ الرمْي بالسهام. قال الشاعر: وَوَتَّرَ الأَسَاوِرُ القِياسَا. . . صُغْدِيَّةً تَنْتَزِعُ الأَنْفاسَا * * * (وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤) ويجوز الحُزْن مثل الرُّشْد والرَّشَد، والعُرْبُ والعَرَب، ومعنى أذهب عنا الحَزَنَ أذهب عنا كل ما يُحْزِنُ، من حُزْنٍ في مَقَاسٍ. وحُزْنٍ لِعَذابٍ، أَوْ حُزْنٍ للمَوْتِ، وقد أذهب اللَّه عن أهل الجنةِ كُل حُزْنٍ. * * * (الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ (٣٥)

стр. 1628

مثل الإقامة، تقول: أقمت بالمكان إقامة ومقامةً ومُقَاماً أي أَحَلَّنا دار الخُلُودِ من فَضْله، أي ذلك بتفضله لا بأعْمَالِنَا. (لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ): أي تَعَب. (وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ). واللغُوب الِإعياء من التعَب. وقد قرأ أبو عبد الرحمن السُّلَّمِي لَغُوب - بفتح اللام - والضمُّ أكثر، ومعنى لَغُوب شيء يَلْغَبُ مِنه، أي لا نتكلف شيئاً نَعْيَا مِنْهُ. * * * (وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦) (فَيَمُوتُوا) نصب، وعلامة النصب سقوط النون، وهو جواب النفي. والمعنى لا يقضى عليهم الموت فيموتوا. (وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا). أي من عذاب نار جهنَّمَ. (كَذَلِكَ يُجْزَى كُلُّ كَفُورٍ). و (نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ). وفيها وجه ثالث: (كذَلِكَ يَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ)، أي كذلك يجزي اللَّهُ. المعنى مثلَ ذلك الجزاء الذي ذكرنا. ولا أَعْلَم أَحَداً قرأ بها، أعني يجزي بالياء وفتحها. * * * (وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٣٧) يستغيثون رَبَّنَا أَخْرِجْنَا. المعنى يقولون: (رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ). المعنى إن تخرجنا نعمَلْ صَالِحاً، فوبَّخَهُمُ اللَّهُ فقال: (أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ).

стр. 1629

معناه أَوَ لَمْ نُعَمِّرْكم العُمْرَ الذي يتذكر فيه من تذكر. وجاء في التفسير: لَقَدْ أَعْذَرَ اللَّه إلى عَبْدٍ عَمَّرهُ ستين سنةً. ويقال من الستين إلى السبعين. وقد جاء في التفسير أنه يدخل فيها ابنُ سبعَ عَشْرَةَ سَنة وقد قيل أربعين. (وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ). يعنى النبي ﷺ وقيل الشيْبُ. والقولُ الأول أن النبي ﷺ النذيرُ أكثرُ التفسير عليه، وقد قيل الأربعين. * * * (إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٣٨) القراءة الكثيرة بالخفض ويجوز عالمٌ غيبَ السَّمَاوَات على معنى يعلم، وعالمٌ غيبَ على معنى قد علم ذلك. * * * (هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا (٣٩) " خلائف " جمع خليفة، المعنى جَعَلَكُمْ أُمَّةً خلفت مَنْ قبلها - ورأت وشاهدت فيمن - سلف ما ينبغي أن يعتبر به. (فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُه). المعنى فعليه جزاء كفره. (وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا). المقت أشدُّ الإبغاض. (قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا (٤٠) (قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ) معناه قل أَخْبِروني عن شركائكم.

стр. 1630

(مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ). المعنى بأي شيء أوجبتم لهم شركة اللَّه، أبخلق خلقوه من الأرض (أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاواتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً). أي أم أعطيناهم كتاباً بما يدعونه من الشركة. (فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِنْهُ). ويقرأ (بَيِّنَاتٍ). (بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا). والغرور الأباطِيلُ التي تغُرُّ. ومعنى إن يعد: ما يعد، و (بَعْضُهُمْ) بَدَلٌ مِنَ الظالمين. * * * (إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤١) معنى يمسك يمنع السماوات والأرض من أن تزولا. ولما قالت النصارى المسيحُ ابن اللَّه وقالت اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابنُ اللَّهِ كادت السَّمَاوَات يَتَفَطرْنَ منه، وكادَت الجبال تَزُول، وكادت الأرض تنشق، قال اللَّه: (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩). الثلاث الآيات فأمسكها اللَّه. وقال السماواتِ والأرْضَ؛ لأن الأرْضَ تَدُلُ عَلَى الأرَضِينَ (وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ). يحتمل هذا - واللْه أعلم - وجهين من الجواب: أحدهما زوالهما

стр. 1631

في القيامة قال اللَّه: (وَإذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ) ويحتمل أن يقال إن زالتا وهما لا يزولان. وقوله في هذا الموضع: (إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا). فإن قوماً سألوا فقالوا: لِمَ كان في هذا الموضع ذكرُ الحلم والمَغْفِرَةِ وهذا موضع يدل على القدرة؟ فالجواب في هذا أنه لما أمسك السَّمَاوَات والأرض عند قولهم: (اتَخَذَ الرحْمَنُ وَلَداً). حَلُمَ فلم يعجل لهم بالعقوبة وأمسك السماوات والأرضَ أن تزولا من عظم فِرْيَتِهِمْ. * * * (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا (٤٢) يعني المشركين، وكانوا حَلَفْوا واجتهدوا (لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ) أي من اليهود والنصارى وغَيرِهِمْ. (فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ). وهو محمد ﷺ . (مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا). إلا أن نفروا عن الحقِّ. * * * (اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا (٤٣) " استكباراً " نصبٌ، مفعول له. المعنى ما زادهم إلا أَنْ نَفَرُوا للاستكبار. .

стр. 1632

اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا (٤٣) (وَمَكْرَ السَّيِّئِ). أي وَمَكْرَ الشرك. (وَلَا يَحِيقُ) يُحِيطُ. وقرأ حمزَةُ: (وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئْ) - على الوقف، وهذا عند النحويين الحذَّاقِ لَحْنٌ، ولا يجوز، وإنما يجوز مثله في الشعر في الاضطرار قال الشاعر: إذا اعْوَجَجْنَ قلتُ صاحِبْ قَوِّمِ ْوالأصل يا صَاحِبُ قَوِّمِ، ولكنه حذف مُضْطَراً. وكانَّ الضم بعدَ الكَسْرِ والكسر بعدَ الكسر يستثقل. وأنشدوا أيضاً. فاليومَ أَشْرَبْ غيرَ مُسْتَحْقِب. . . إِثْماً من الله ولا وَاغِلِ وهذان البيتان قد أنشدهما جميع النحويين المذكورين وزعموا كلهم أن هذا من الاضطرار في الشعر ولا يجوز مثله في كتاب اللَّه. وأنشدناهما أبو العباس محمد بن يزيد ﵀ إذا اعْوَجَجْنَ قلتُ صاحِ قَوِّمِ وهذا جيِّدٌ بالغ، وأنشدنا: فاليوم فَاشْرَبْ غَيرَ مستحقب وأما ما يروى عن أبي عمرو بن العلاء في قراءته إلى بَارِئْكُم. فإنما هو أن يختلس الكسر اختلاساً، ولا يَجْزِم بَارِئِكم، وهذا أعني

стр. 1633

جزم بارئكم إنما رواه عن أبي عمرو من لا يضبط النحو كضبط سيبويه والخليل، ورواه سيبويه باختلاس الكسر، كأنَّه تقلَّلَ صَوْته عند الكسرة (١). * * * (فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ). معناه فهل ينتظرون إلا مثلَ أيام الَّذِينَ خَلَوْا من قَبْلِهِمْ. والمعنى فهل ينتظرون إلا أن ينزل بهم من العذاب مثلُ الذي نزل بمن قبلهم. * * * (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا (٤٤) (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ). المعنى لَيفُوتَه من شيء من أَمْر السماوات ولا مِنْ أَمْرِ الأرْضِ. * * * (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا (٤٥) قالوا: قال (عَلَى ظَهْرِهَا)، لأن المعنى يُعْلَم أنهُ على ظهر الأرض، وهذا حقيقتُه أَنَهُ قد جرى ذكر الأرض بقوله فيما قَبْلَ هذه الآية يليها قوله: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ) فلذلك جاء على ظهرها. وقوله: (مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ). فيه قولان: فقيل مِن دَابَّةٍ من الإنس والجن وكل ما يعقل. وجاء عن ابن مَسْعُودٍ كادَ الجُعَل يهلكُ في جُحْرِه لذَنْبِ ابن آدم. فهذا يدل على العموم. والذِي جاء أنه يُعْنَى به الإنسُ والجِنُّ كأنَّه أشبه، واللَّهُ أعلم. آخر سورة الملائكة.

стр. 1634

سُورَة يس (مَكِّيَّة) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ جاء في التفسير (يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) معناه يا إنسانُ، وجاء يا رجل وجاء يا محمدُ والذي عند أهل العربية أنه بمنزلة " الم " افتتاح السُّورَةِ، وجاء أن معناه القسم، وبعضهم أعنى بعضَ العَرَب تقول: يَاسِنَ وَالقُرْآنَ بفتح النون، وهذا جائز في العربية، والتسكين أجودُ لأنها حروف هجاء. وقد شرحنا أشباه ذلك. فأمَّا من فتح فعلى ضربين: على أن (يس) اسم للسورة حكاية كأنَّه قال: اتْلُ يس، وهو على وزن هابيل وقابيل لا ينصرف، ويجوز أن يكون فتحَ لالتقاء السَّاكنين. * * * وقوله جلَّ وعزَّ: (وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) معناه أن آياتِه أحكمتْ وَبُيِّنَ فِيهَا الأمْرُ والنهيُ والأمثال وأقاصيص الأمم السالفة. * * * (إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) هذا خطاب لمحمد ﷺ وهو جَوابُ القَسَمِ جواب (والقُرْآن إنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم). أي: على طريق الأنبياء الذين تقدموك. وأحسن ما في العربية أن يكون (لَمِنَ المرسلين) خَبرُ " إنَّ " ويكون (على صراط مستقيم)

стр. 1635

خبراً ثانياً، فالمعنى إنك لمن المرسلين الذين أرسلوا على طريقة مستقيمة. * * * وقوله : (تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٥) تقرأ (تَنْزِيلُ) - بالرفع والنصب - فمن نصب فعلى المصدر على معنى نَزَّلَ اللَّه ذلك تنزيلا. ومن رفع فعلى معنى الذي أنزل إليك تنزيلُ العزيز الرحيم. * * * (لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (٦) جاء في التفسير لتنذر قوماً مِثْلَ مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ. وجاء لتنذر قوماً لم يُنْذرْ آبَاؤُهم، فيكونُ (مَا) جُحْداً - وهذا - واللَّه أعلم - الاختيار؛ لأن قوله " فَهُمْ غَافِلُونَ " دليل على معنى لم ينذر آباؤهم وإذا كان قد أنذر آباؤهم فهم غافلون ففيه بُعْدٌ، ولكنه قد جاء في التفسير. ودليل النفي قوله: (وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ (٤٤). ولوكان آباؤهم منذرين لكانوا مُنْذَرِينَ دَارِسِين لكتب - والله أعلم. * * * (لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٧) القول ههنا - واللَّه أعلم - مثل قوله: (وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ). المعنى لقد حق القول على أكثرهم بكفرهم وعِنَادِهم. أَضَلَّهم اللَّه وَمَنَعَهُمْ مِنَ الهُدَى.

стр. 1636

وقوله جلَّ وعزَّ (إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (٨) وقرأ ابن عباس وابن مسعود رحمهما اللَّه: إنا جعلنا (فِي أيْمَانِهِمْ). وقرأ بعضهم (في أَيْدِيهم أَغلَالًا)، وهاتان القراءتان لا يجب أن يقرأ بواحدة منهما؛ لأنهما بخلاف المصحف. فالمعنى في قوله في أعناقهم ومن قرأ (في أيمانهم) ومن قرأ (في أيديهم) فمعنى واحد. وذلك أنه لا يكونُ الغُل في العنقُ دُونَ اليَدِ ولا في اليد دون العُنُق، فالمعنى إنا جعلنا في أعْنَاقِهِمْ وفي أيمانهم أَغْلَالًا. (فَهِيَ إلَى الأذْقَانِ). كناية عن الأيدي لَا عن الأعناق، لأن الغُل يجعل اليد تلي الذقْنَ، والعُنُق هو مُقَارِبٌ للذقَن، لَا يجعَلُ الغُلُّ العُنَقَ إلى الذقَنِ. وقوله: (فَهُمْ مُقْمَحُونَ). المُقْمَحُ " الرافع رأسِه الغَاضُّ بَصرِه، وقيل للكانونين شَهْرَا قِمَاح لأن الِإبل إذَا وَرَدَتْ الماءَ ترفع رُءوسَها لِشدةِ بَرْدِه، ولذا قيل شهرا قِمَاح، وإنما ذكرت الأعناق ولم تذكر الأيدي إيجازاً واختصاراً لأن الغل يتضمَّنُ العُنُقَ واليَدَ. ومن قرأ (في أيمانهم) فهو أيضاً يدل على العُنُق. ومثل هذا قول المُثَقَّب: فما أَدْرِي إذا يَمَّمْتُ أَرْضاً. . . أُرِيدُ الخَيْرَ أَيُّهما يَلِيني؟ أَأَلخَيْر الذي أنا أَبْتَغيهِ. . . أمِ الشَّر الذي هو يَبْتَغِيني

стр. 1637

وإنما ذكر الخير وحده، ثم قال أَيُّهما يليني، لأن قد علم أَنً الإنسان الخيرُ والشر مُعرَّضَانِ له، لا يدري إذا أَمَّ أَرْضاً أَيَلْقاه هذا أم هذا، ومثله من كتاب اللَّه: (سَرَابِيل تَقِيكمُ الْحَرَّ)، ولم يذكر البرد. لأن ما وَقَى هذا وَقَى هذا. * * * (وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (٩) (سَدًّا) و (سُدًّا) - بالفتح والضمِ - ومعناهما واحدٌ. وقد قيل: السد فعل الإنْسَانِ والسُّد خلقة المسدود. وفيه وجهان: أحدهما قد جاء في التفسير، وهو أَن قوماً أرادوا بالنبي ﷺ سوءاً فحال اللَّه بينهم وبين ذلك فجعلوا بمنزلة من هذه حاله، فجعلوا بمنزلة من غُلَّتْ يمينه وسُدَّ طريقه من بين يديه ومن خَلْفِهِ وَجُعِلَ على بَصَرِهِ غِشَاوة، وهو معنى (فَأغْشَيْنَاهُمْ). . ويقرأ فَأعْشَيْنَاهُمْ بالعَيْن غير معجمة، فحال اللَّه بينهم وبين رسوله وكان في هؤلاء أبو جهل فيما يُرْوَى، ويجوز أن يكون وصَفَ إضْلاَلَهُم فقال: (إنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالاً فَهِيَ إلَى الأذْقَانِ)، أي أضللناهم فأمسكنا أيديهم عن النفقة في سبيل اللَّه والسعيِ فيما يقرب إلى اللَّهِ (وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا)، كما قال: (خَتَمَ اللَّه عَلَى قُلُوِبهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ) الآية. والدليل على هذا قوله: (وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤمِنُونَ)، لأن من أضله الله هذا الإضلال لم ينفعه الِإنذار. * * * (إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (١١)

стр. 1638

أي من استمع القران واتبعه. (وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ). أي خاف الله من حيث لا يراه أحد. (فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ). المعنى من اتبع الذكر وخشي الرحمن فبشره بمغفرةٍ وَأَجْرٍ كريم. المغفرة هى العفو عن ذنوبه، وأجر كريم بالجنة. * * * (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (١٢) ما أسلفوا من أعْمَالِهم، ونكتب آثارهم أي من سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً كتِبَ له ثوابها، ومن سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً كتبَ عَليه عقابها. وقد قيل: (وتُكتَبُ آثارُهم) أي خطَاهمْ، والأول أكثر وأبْيَن. * * * (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣) (مَثَلًا) مفعول منصوب به، معنى قول الناس: اضرب له مثلًا أي اذكر له مثلاً، ويقال: عندي من هذا الضرب شيء كثير، أي مِنْ هذَا المِثَال وتقول: هذه الأشياء على ضرب واحد أي عَلَى مِثال واحدٍ. فيعني اضرب لهم مَثَلًا: مثل لهم مَثَلًا. وقوله: (أصْحَابَ القَرْيَةِ). أي خبر أصحاب القرية. إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (١٤) (إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ).

стр. 1639

جاء في التفسير أنهم أهل إنطاكية، وجه إليهم عيسى اثنين فَكَذبُوهُمَا قال: (فَعَزَزْنَا بِثَالِث). ويقرأ فَعَزَزْنا - بالتشديد والتخفيف - ومعنى فعززنا فقويْنَا وشدَّدْنَا الرسالة بثالث أي برسول ثالث: (فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ) إلى - قوله (الْبَلَاغُ الْمُبِينُ). فأعلمهم الرسُلُ إنما عليهم البلاغُ. * * * (قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨) (قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ) أي نَشَاءَمْنَا. (لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ). أي لنقتلنكم رَجْماً. * * * (قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (١٩) (قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ) ويجوز طَيْرُكُم معكم. لأنه يقال طَائر وَطَير في معنى واحد، ولا أعلم أحَداً قرأ ههنا طيركم بغير ألف، والمعنى قالوا شُؤْمُكُم مَعَكُمْ. (أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ). أي أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ تَطَيَّرتم، ويقرأ أَأَنْ ذُكِرتُم، أي لأن ذكِرْتُمْ (١). * * * وقوله: (وَجَاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) هذا رجل كان يعبد اللَّه في غارٍ في جَبَل، فلما سمع بالمرسلين جاء يسعى، أي يَعْدُو إليهم، فقال: أتريدون أَجْراً على ما جئتم به فقال المرسلون: لا، وكان يقال لهذا الرجل فيما رُوي حبيبُ النجار

стр. 1640

فأقبل على قومه فقال: (يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٢١) - إلى قوله - (فَاسْمَعُونِ). فأشهد الرسلَ على إيمانِه - قال قتادة: هذا رجل دَعَا قومه إلى الله ومخضَهُمُ النَصِيحَةَ فقتلوه على ذلك وأقبلوا يرجمونه وهو يقول: اللهم اهد قومي اللهم اهد قومي، فأدخله الله الجنَّةَ فهو حيٌّ فيها يرزق، والمعنى فلما عَذبَهُ قومه، قِيلَ ادْخُلِ الجنَّةَ. فلما شاهدها قال: (يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (٢٧) . أي بمغفرة ربي لي، (من المكرمين) أي من المُدْخَلِينَ الجنةَ. وقيل أيْضاً بما غفر لي* ربي أي ليتهم يعلمون بالعمل والإيمان الذي غفر لي به رَبِّي، ويجوز " بِمَ غَفَرَ لِي رَبِّي "، على معني بأي شيء غفر لي ربي، ويجوز ِ أن يكون " بما " في هذا المعنى بإثبات الألف، تقُول: قد علمت بما صَنَعْتَ هذا، وقد علمت بم صنعت هذا، أي قد علمت بأي شيء صنعت هذا، وحذف الألف في هذا المعنى أجود. * * * (وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ (٢٨) المعنى لم نُنْزِلْ عَلَيهِمْ جُنْداً، لم نَنْتَصِرْ للرسول الذي كَذَبُوهُ بِجُنْدٍ. * * * ومعنىْ (إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ (٢٩) ما كانت إلا صيحة واحدةً، إلا أَنْ صِيحَ بهم صيحة واحدة فماتوا

стр. 1641

معذبين بها، ويقرأ (إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةٌ) - قَرَأ بها أَبُو جَعْفَرٍ المدني وحدَهُ. وهي جيدة في العربية، فمن نصب فالمعنى ما وقعت عليهم عقوبة الأ صيحةً واحدةً. (فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ). أي ساكنون قَدْ ماتُوا وصاروا بمنزلة الرماد الخَامِدِ الهَامِدِ. * * * (يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ (٣٠) وقرئت يا حسرةَ الْعِبادِ بغير على، ولكني لا أحب القراءة بشيء خالف المصحف ألبتةَ. وهذه من أصعب مسألة في القرآن. إذا قالَ القَائِلُ: ما الفائدة في مناداة الحسرة، والحسرة مما لا يجيب؟ فالفائدة في مناداتها كالفائدة في مناداة ما لا يعقل، لأن النداء باب تنبيه. إذَا قلت يا زيدُ فإن لم تكن دعوته لتخاطبه لِغير النداء فلا معنى للكلام، إنما تقول يا زيد فتنبهه بالنداء ثم تقول له: فعلت كذا وافعل كذا، وما أحببت مما له فيه فائدة، ألا ترى أنك تقولُ لَمِنْ هُوَ مُقْبِل عَلَيْكَ: يا زيد ما أَحْسَنَ مَا صَنَعْتَ، ولو قلت له: ما أَحْسَن مَا صَنَعْتَ كنت قد بلغت في الفائدة ما أفهمت به، غير أن قولك يا زيد أوكد في الكلام. وأبلغ في الإفهام. وكذا إذا قلت للمخاطب أنا أعجب مما فعلتَ، فقد - أَفدْتَه أنك متعجب، ولو قلت: واعجباه مما فعلت، ويا عجباه أتفعل كذا وكذا، كان دعاؤك العجب أبلغَ في الفائدة. والمعنى يَا عَجبُ أقبل، فإنه من أوقاتك، وإنما نَداءُ العَجَبِ تنبيه لتمكن علم المخاطب بالتعجب من فعله. وكذلك إذَا قُلتَ: - ويلْ لزيدٍ أَوْ وَيلَ زَيْدٍ: لم فعل

стр. 1642

كذا وكذا كان أبلغ. وكذلك في كتاب اللَّه : (يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ) وكذلك (يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ). وكذلك (يا حَسْرةً على العِبَادِ). والمعنى في التفسير أن استهزاءهم بالرسُل حَسْرة عليهم. والحَسْرَةُ أَن يَرْكَبَ الإنسانَ مِنْ شِدة الندَمِ ما لا نهاية له بعده حتى يبقى قلبُه حَسِيراً (١). * * * وقوله : (أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ (٣١) أي: فيخافون أن يعجَّل لَهُم في الدنيا مثلُ الذي عُجِّل لغيرهم مِمن أُهْلِكَ، وأنهم مع ذلك لا يعودون إلى الدنيا أبداً. وموضع " كَمْ " نصبُ بـ (أَهْلَكْنَا) لأن " كَمْ " لا يعمل فيها ما قبلها، خبراً كانت أو استفهاماً. تقول في الخبر: كم سِرْتُ، تريد سرت فراسخ كثيرةً، ولا يجوز سرت كم فرسخاً، وذلك أن كم في بابها بمنزلة رُبَّ، وأن أصلها الاستفهام والإبهام، فكما أنك إذا استفهمت فقلت للمخاطب: كم فرسخاً سرت لم يجز سرتَ كم فرسخاً، لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله، فكذلك إذا جُعِلَتْ كم خَبَراً فالإبهامُ قائم فيها. و (أَنَّهُمْ) بدل من معنى (ألم يروا كم أهلكنا). والمعنى ألم يروا أن القرون التي أهلكنا أنهم لا يرجعون. ويجوز (إِنهم لا يَرْجِعُونَ) بكسر " إنَّ " ومعنى ذلك الاستئناف. المعنى هم إليهم لا يَرْجِعُون (٢).

стр. 1643

وقوله : (وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (٣٢) من قرأ بالتخفيف (لَمَا) فما زائدة مؤكدة، والمعنى إنْ كل لجميع لدينا مُحْضَرُونَ، ومعناه وَمَا كُلٌّ إلا جميع لدينا مُحْضَرونَ،. ويقرأ (لَمَّا) بالتًشْدِيد ومعنى (لَمَّا) ههنا (ألَّا)، تقول سألتك لَمَّا فعلت. وتفسير الآية أنَّهم يحضرون يوم القيامة فيقفون على ما عملوا. * * * وقوله: (وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣) (الْمَيْتَةُ) ويقرأ بالتشديد وأصل الميْتة الميِّتَة، والأصل التشديد، والتخفيف أكثر، وكلاهما جائز. (وَآيَةٌ) مرفوعة بالابتداء، وخبرها (لَهُمْ) أي وعلامة تدلهم على التوحيد وأَن اللَّه يبعث الموتى إحياءَ الأرض الميتَةِ. ويجوز أن يكون آية مرفوعة بالابتداء، وخبرها الأرض الميتة. * * * وقوّله: (وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (٣٤) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٣٥) ويجوز ثُمْره - بإسكان الميم وضَم الثاء. (وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ). ويقرأ (وَمَا عَمِلَتْ) بغير هاء (١)، وموضع " ما " خفض. المعنى ليأكلوا من ثمره ومما عملته أيديهم. ويجوز أن تكون (ما) نفياً، على معنى ليأكلوا من ثمره ولم تعمله أيْدِيهِمْ. هذا على إثبات الهاء، وإذا حذفت الهاء فالاختيار أن يكون " ما " في موضع خفض، ويكون (ما) في معنى الذي، فيحسن حذف الهاء، ويكون هذا على قوله:

стр. 1644

(أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤). * * * وقوله: (سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ (٣٦) (سُبْحَانَ) تَبْرئَةُ اللَّه من السوءِ وتنزيهه. ومعنى الأزواج، الأجناس كلها من النبات والحيوان وغيرها. (وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ). مما خلق اللَّه من جميع الأنواع والأشباه. * * * (وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧) ومعنى نسلخ نُخْرِجُ منه النهار إخراجاً لا يبقى معه شيء من ضوء النهار، وذلك من العلامات الدالة على توحيد اللَّه - وقدرته. * * * (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨) المعنى وَآيَةٌ لَهُمُ الشَمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرَ لَهَا. أي لأجَل قَدْ أُجِّلَ لَهَا وقدِّرَ لها. ومن قرأ " لا مُسْتَقَر لها " فمعناه أنها جارية أبداً لا تثبت في مكانٍ. * * * (وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) يقرأ بالرفْع والنصب، فمن نصب فعلى " وَقَدَّرْنَا القَمَرَ مَنَازِلَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ " والرفع على معنى وآية لهم القَمَرُ قَدَّرْنَاهُ. ويجوز أن يكون على الابتداء و (قَدَّرْنَاهُ) الخبر. (حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ). العُرجونُ عودُ العِذقِ الذي يسمى الكباسة. وحقيقة العرجون

стр. 1645

أنه العود الذي عليه العذق، والعرجون عود العذق الذي تركبه الشماريخ من العذق، فإذَا جَفَّ وَقدُمَ دَق وَصَغُرَ فحينئذ يشبه الهِلَالَ في آخر الشهر، وفي أول مطلعه. وتقدير (عُرْجُون) فُعْلُول. منَ الانعراج (١). * * * (لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠) المعنى لا يذهب أحدهما بمعنى الآخر. (وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ). لكل وَاحِدٍ منهما فَلَك، ومعنى يسبحون يَسيرُونَ فيه بانبساط. وكل من انبسط في شيء فَقَدْ سَبحَ فيه، ومن ذلك السباحة في الماء. * * * (وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١) خوطب بهذا أَهْلُ مَكَةَ، وقيل حَمَلْنَا ذُريتَهُمْ لأن من حمل مع نوح ﵇ في الفلك فهم آباؤهم، وذُرياتُهُم. والمشحون في اللغة المملوء، شحنت السفينة إذا ملأتها. وشحنت المدينة وأشحنتها إذا مَلأتها. * * * وقوله: (وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ (٤٢) الأكثر في التفسير أن مِنْ مِثْلِه من مثل سفينة نوح، وقيل من مثله يغنَى به الإبل، وأن الإبل في البريَّةِ بمنزلة السُّفُنِ في البحر. * * * (وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ (٤٣) أي فلا مُغِيثَ لهم.

стр. 1646

(إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (٤٤) منصوبة مفعول لها، المعنى: ولا يُنْقَذُونَ إِلَّا لرَحْمَةٍ مِنَّا وَلمَتَاعٍ إِلَى حِينٍ. إلى انقضاء الأجل. * * * (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٥) ما أسلفتم من ذُنُوبكم، وما تعملونه فيما تستقبلون، وقيل ما بين أيديكم وَمَا خلفكم، على معنى اتقُوا أن ينزل بكم من العذاب مثلُ الذي نزلْ بالأمَمِ قَبْلَكُمْ، وَمَا خَلْفَكُمْ، أي اتقوا عذاب الآخرة. وَمِثْلُه (فَإن أعرضوا فَقَدْ أنْذَرْتُكُم صَاعِقَةً مثلَ صاعِقَةِ عادٍ وثمود). * * * (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٤٧) أي أطعموا وتصَدَّقُوا. (قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَ). كأنهم يقولون هذا على حد الاستهزاء. وجاء في التفسير أنها نَزَلَتْ في الزنادقة، وقيل في قوم من اليهود. * * * (وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٨) متى إنجاز هذا الوعْد، أردنا ذلك. * * * (مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (٤٩) في (يَخِصِّمُونَ) أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ. سكونُ الخاء والصاد مع تشديد الصادِ على جمع بين ساكنين، وهو أشد الأربعة وَأَرْدَؤُهَا، وكان بعض من

стр. 1647

يروي قراءة أهل المدينة يذهب إلى أن هذا لم يُضْبَطْ عن أهل المدينة كما لم يضبط عن أبي عمْرٍو إلى بارِئكم. وإنَّمَا زعم أن هذا تُخْتَلَسُ فيه الحركة اختلاساً وهي فتحة الخاء، والقول كما قال. والقراءة الجيِّدَة (يَخَصِّمُونَ) بفتح الخاء، والأصل يَخْتَصِمُونَ. فطرحت فتحة التاء على الخاء، وأدغمت في الصاد، وكسرُ الخاء جيِّدٌ أيضاً - تكسر الخاء لِسُكُونها وسُكُونِ - الصاد. وَقُرِئَتْ يختصمون، وهي جيدة أيضاً ومعناها يأخذهم وبعضهم يَخْصِمُ بَعْضاً، ويجوز أن يكون تأخذهم وهم عِنْدَ أنْفُسهم يخصمون في الحجة في أنهم لا يبعثون، فتقوم الساعة وهم متشاغلون في متصرفاتهم (١). * * * (فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (٥٠) لا يستطيع أحد أن يوصي في شيء من أَمْرِهِ. (وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ). لا يلبث إلى أن يصير إلى أهله ومنزله. يموت في مكانه. * * * (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١) الصور كما جاء في التفسير القرن الذي ينفُخ فيه إسْرافيلُ. وقد قال أَبُو عُبَيدة: إنَّ الصورَ جمع صُورَة، وصورة جمعها صور. كما قال الله : (وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ) وما قرأ أحد أحْسنَ صُورَكُمْ وَلَا قرأ أحد: وَنُفِخَ في الصُّوَرِ من وجه يثبُتُ. والأجداث القبور، واحدها جَدَثٌ، وَيَنْسِلُونَ: يخرجون بسرعة. * * * وقوله: (قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (٥٢) (قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا) هذا وقف التمام، وهذا قول المشركين (٢).

стр. 1648

وقوله: (هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ). (هذا) رفع بالابتداء، والخبر (مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ)، وهذا قول المشركين، أعني هذا ما وعد الرحمن، ويجوز أن يكون " هذا " من نعت مرقدنا على معنى من بَعَثَنا من مَرْقَدِنَا هَذَا الذي كنا راقدين فيه. ويكون ما وعد الرحمن وصدق المرسلون على ضربين: أحدهما على إضمار هذا. والثاني على إضمار حق، فيكون المعنى حق ما وعد الرحمن. والقول الأول أعني ابتداء هذا عليه التفسير، وهو قول أهل اللغة. * * * (إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (٥٣) و (إِلَّا صَيْحَةٌ وَاحِدَةٌ) وقد مضى إعْرَابُهما. (فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ). فالمعنى إن إهلاكَهُمْ كان بصيحة وبعثهم وَإحْيَاءَهم بصيحة. * * * (فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٤) المعنى من جوزي فإنما يجازى بعمله. * * * (إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (٥٥) و (فَاكِهُونَ) تفسيره فرحون. وجاء في التفسير أَنَّ شُغْلَهُمْ افتضاض الأبكار، وقيل في شغل عما فيه أهل النار، ويقرأ في شُغُل وَشُغْل وَشُغْل وشُغُل. يجوز في العربية. * * * وقوله : (هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (٥٦) وظُلَلٍ، ويجوز ظُلُلٍ.

стр. 1649

(عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ). وهي الفرش في الحجال، وَقِيلَ انهَا الفرش، وقيلَ الأسِزةُ. وهي على الحقيقة الفرش كانت في حجال أو غير حجال. * * * (لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ (٥٧) أي ما يَتمَنوْنَ، يقال: فلان في خَيْرِ مَا ادَّعَى، أي ما تمنى، وهو مأخوذ من الدعاء. المعنى كل مما يدعو أهلُ الجنةِ يَأتِيهِمْ. * * * (سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (٥٨) (سَلَامٌ) بدل من (ما) المعنى لهم ما يتمنون به سلام، أي وهذا مُنَى أهل الجنة أن يسلِّمَ اللَّه عَلَيْهم. و (قَوْلًا) منصوب على معنى لهم سلام يقوله اللَّه قَوْلاً. * * * (وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (٥٩) أي انفردوا عن المؤمنين. * * * (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وتقرأ أعْهِدْ - بالكسر، والفتحُ أكثر، على قولك عَهِدَ يَعْهَدُ. والكسر يجوز على ضربين: على عَهدَ يَعْهِدُ، وعلى عهِدَ يَعْهِد مثل حَسِبَ يَحْسِبُ، ومعناه ألم أتقدم إليكم بِعَهْدِ الِإيمان وترك عبادة الشيطان (١). * * * (وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢) (جُبْلًّا) ويقرأ (جِبِلًّا) - بكسر الجيم والباء، ويُقْرأ جُبُلًا - بضم الجيم والباء

стр. 1650

- وتُقْرَأُ جُبْلاً على إسكان الباء وضم الجيم، ويجوز جَبْلًا بفتح الجيم وَجِبْلًا بكسر الجيم، ويجوز أيْضاً جِبَلاً - بكسر الجيم وفتح الباء بغير تشديد اللام، على جمع جِبْلَةٍ. وجِبَل، والجِبْلَةُ في جميع ذلك معناه خليقة كثيرة وخلق كثير (١). * * * وقوله: (وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ (٦٦) المطموس الأعمى الذي لا يُتَبَين له جَفْن. لَا يُرَى شَفْرُ عينه، أي لو نشاء لأعْميْنَاهُمْ فعدلوا عن الطريق فمن أَيْنَ يُبْصرونَ لو فعَلْنا ذلك بهم. * * * (وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ (٦٧) (مَكَانَتِهِمْ) ومكاناتهم، والمكانة والمكانُ في معنىً وَاحدٍ. (فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ). أي لم يقدروا على ذَهاب وَلَا مَجِيءٍ. * * * (وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ (٦٨) (نَنْكُسْهُ) وَ (نُنَكِّسْهُ) وَ (نَنْكِسْهُ)، يقال نكسْتُه أَنْكُسُه وأَنْكِسُهُ جميعاً، ومعناه من أطَلْنا عُمْرَهُ نَكَّسْنَا خلقَه، فَصَارَ بدلُ القوة ضَعْفَاً وَبَدَلُ الشبَابِ هَرَماً (٢). * * * (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩) أي ما علمنا محمداً ﷺ قولَ الشِعْرِ. (وَمَا يَنْبَغِي لَهُ) أي ما يتسهل له ذلك. (إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ). أي الذي أتى به النبي ﷺ وزعم الكفار أنه شعر ما هو بشعر.
следующие страницы →