← Тафсир

Тафсир · id 922

معاني القرآن وإعرابه للزجاج

الزجاج

Полный текст (2 149 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

(إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (٤٤) منصوبة مفعول لها، المعنى: ولا يُنْقَذُونَ إِلَّا لرَحْمَةٍ مِنَّا وَلمَتَاعٍ إِلَى حِينٍ. إلى انقضاء الأجل. * * * (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٥) ما أسلفتم من ذُنُوبكم، وما تعملونه فيما تستقبلون، وقيل ما بين أيديكم وَمَا خلفكم، على معنى اتقُوا أن ينزل بكم من العذاب مثلُ الذي نزلْ بالأمَمِ قَبْلَكُمْ، وَمَا خَلْفَكُمْ، أي اتقوا عذاب الآخرة. وَمِثْلُه (فَإن أعرضوا فَقَدْ أنْذَرْتُكُم صَاعِقَةً مثلَ صاعِقَةِ عادٍ وثمود). * * * (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٤٧) أي أطعموا وتصَدَّقُوا. (قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَ). كأنهم يقولون هذا على حد الاستهزاء. وجاء في التفسير أنها نَزَلَتْ في الزنادقة، وقيل في قوم من اليهود. * * * (وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٨) متى إنجاز هذا الوعْد، أردنا ذلك. * * * (مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (٤٩) في (يَخِصِّمُونَ) أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ. سكونُ الخاء والصاد مع تشديد الصادِ على جمع بين ساكنين، وهو أشد الأربعة وَأَرْدَؤُهَا، وكان بعض من

стр. 1647

يروي قراءة أهل المدينة يذهب إلى أن هذا لم يُضْبَطْ عن أهل المدينة كما لم يضبط عن أبي عمْرٍو إلى بارِئكم. وإنَّمَا زعم أن هذا تُخْتَلَسُ فيه الحركة اختلاساً وهي فتحة الخاء، والقول كما قال. والقراءة الجيِّدَة (يَخَصِّمُونَ) بفتح الخاء، والأصل يَخْتَصِمُونَ. فطرحت فتحة التاء على الخاء، وأدغمت في الصاد، وكسرُ الخاء جيِّدٌ أيضاً - تكسر الخاء لِسُكُونها وسُكُونِ - الصاد. وَقُرِئَتْ يختصمون، وهي جيدة أيضاً ومعناها يأخذهم وبعضهم يَخْصِمُ بَعْضاً، ويجوز أن يكون تأخذهم وهم عِنْدَ أنْفُسهم يخصمون في الحجة في أنهم لا يبعثون، فتقوم الساعة وهم متشاغلون في متصرفاتهم (١). * * * (فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (٥٠) لا يستطيع أحد أن يوصي في شيء من أَمْرِهِ. (وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ). لا يلبث إلى أن يصير إلى أهله ومنزله. يموت في مكانه. * * * (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١) الصور كما جاء في التفسير القرن الذي ينفُخ فيه إسْرافيلُ. وقد قال أَبُو عُبَيدة: إنَّ الصورَ جمع صُورَة، وصورة جمعها صور. كما قال الله : (وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ) وما قرأ أحد أحْسنَ صُورَكُمْ وَلَا قرأ أحد: وَنُفِخَ في الصُّوَرِ من وجه يثبُتُ. والأجداث القبور، واحدها جَدَثٌ، وَيَنْسِلُونَ: يخرجون بسرعة. * * * وقوله: (قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (٥٢) (قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا) هذا وقف التمام، وهذا قول المشركين (٢).

стр. 1648

وقوله: (هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ). (هذا) رفع بالابتداء، والخبر (مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ)، وهذا قول المشركين، أعني هذا ما وعد الرحمن، ويجوز أن يكون " هذا " من نعت مرقدنا على معنى من بَعَثَنا من مَرْقَدِنَا هَذَا الذي كنا راقدين فيه. ويكون ما وعد الرحمن وصدق المرسلون على ضربين: أحدهما على إضمار هذا. والثاني على إضمار حق، فيكون المعنى حق ما وعد الرحمن. والقول الأول أعني ابتداء هذا عليه التفسير، وهو قول أهل اللغة. * * * (إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (٥٣) و (إِلَّا صَيْحَةٌ وَاحِدَةٌ) وقد مضى إعْرَابُهما. (فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ). فالمعنى إن إهلاكَهُمْ كان بصيحة وبعثهم وَإحْيَاءَهم بصيحة. * * * (فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٤) المعنى من جوزي فإنما يجازى بعمله. * * * (إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (٥٥) و (فَاكِهُونَ) تفسيره فرحون. وجاء في التفسير أَنَّ شُغْلَهُمْ افتضاض الأبكار، وقيل في شغل عما فيه أهل النار، ويقرأ في شُغُل وَشُغْل وَشُغْل وشُغُل. يجوز في العربية. * * * وقوله : (هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (٥٦) وظُلَلٍ، ويجوز ظُلُلٍ.

стр. 1649

(عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ). وهي الفرش في الحجال، وَقِيلَ انهَا الفرش، وقيلَ الأسِزةُ. وهي على الحقيقة الفرش كانت في حجال أو غير حجال. * * * (لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ (٥٧) أي ما يَتمَنوْنَ، يقال: فلان في خَيْرِ مَا ادَّعَى، أي ما تمنى، وهو مأخوذ من الدعاء. المعنى كل مما يدعو أهلُ الجنةِ يَأتِيهِمْ. * * * (سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (٥٨) (سَلَامٌ) بدل من (ما) المعنى لهم ما يتمنون به سلام، أي وهذا مُنَى أهل الجنة أن يسلِّمَ اللَّه عَلَيْهم. و (قَوْلًا) منصوب على معنى لهم سلام يقوله اللَّه قَوْلاً. * * * (وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (٥٩) أي انفردوا عن المؤمنين. * * * (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وتقرأ أعْهِدْ - بالكسر، والفتحُ أكثر، على قولك عَهِدَ يَعْهَدُ. والكسر يجوز على ضربين: على عَهدَ يَعْهِدُ، وعلى عهِدَ يَعْهِد مثل حَسِبَ يَحْسِبُ، ومعناه ألم أتقدم إليكم بِعَهْدِ الِإيمان وترك عبادة الشيطان (١). * * * (وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢) (جُبْلًّا) ويقرأ (جِبِلًّا) - بكسر الجيم والباء، ويُقْرأ جُبُلًا - بضم الجيم والباء

стр. 1650

- وتُقْرَأُ جُبْلاً على إسكان الباء وضم الجيم، ويجوز جَبْلًا بفتح الجيم وَجِبْلًا بكسر الجيم، ويجوز أيْضاً جِبَلاً - بكسر الجيم وفتح الباء بغير تشديد اللام، على جمع جِبْلَةٍ. وجِبَل، والجِبْلَةُ في جميع ذلك معناه خليقة كثيرة وخلق كثير (١). * * * وقوله: (وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ (٦٦) المطموس الأعمى الذي لا يُتَبَين له جَفْن. لَا يُرَى شَفْرُ عينه، أي لو نشاء لأعْميْنَاهُمْ فعدلوا عن الطريق فمن أَيْنَ يُبْصرونَ لو فعَلْنا ذلك بهم. * * * (وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ (٦٧) (مَكَانَتِهِمْ) ومكاناتهم، والمكانة والمكانُ في معنىً وَاحدٍ. (فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ). أي لم يقدروا على ذَهاب وَلَا مَجِيءٍ. * * * (وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ (٦٨) (نَنْكُسْهُ) وَ (نُنَكِّسْهُ) وَ (نَنْكِسْهُ)، يقال نكسْتُه أَنْكُسُه وأَنْكِسُهُ جميعاً، ومعناه من أطَلْنا عُمْرَهُ نَكَّسْنَا خلقَه، فَصَارَ بدلُ القوة ضَعْفَاً وَبَدَلُ الشبَابِ هَرَماً (٢). * * * (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩) أي ما علمنا محمداً ﷺ قولَ الشِعْرِ. (وَمَا يَنْبَغِي لَهُ) أي ما يتسهل له ذلك. (إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ). أي الذي أتى به النبي ﷺ وزعم الكفار أنه شعر ما هو بشعر.

стр. 1651

وَلَيسَ يوجب هذا أن يكون النبي ﷺ لم يتمثل ببيت شعر قط. إنما يوجب هذا أن يكون النبي ﵇ ليس بشاعر، وأن يكون القرآن الذي أتى به من عند اللَّه، لإنه مُبَاين لكلام المخلوقين وأوزان أشعار العرب، والقرآن آية مُعجزة تدل على أن نبوة النبي ﷺ وآياته ثابتة أبداً. * * * وقوله: (لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧٠) يجوز - أن يكون المضمر في قوله (لِيُنْذِرَ) النبي ﵇. وجائز أن يكون القرآن ومعنى: (مَنْ كَانَ حَيًّا). أي من كان يعقل ما يخاطب به، فإن الكافِرَ كالميِّت في أنه لم يتدبَّرْ فَيَعْلَمَ أن النبي ﷺ وما جاء به حق. (وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ). ويجوزُ (وَيَحُقَّ القَوْلَ)، أي يوجب الحجة عليهم. ويجوز ُ لِتُنْذِر من كان حيًّا - بالتاء - خطاب للنبي ﷺ . ويجوز لِينْذَرَ أَيْ لِيَعْلَمَ، يقال نَذِرْتُ بكذا وكذا، أَنْذَرُ مثل عَلِمْتُ أَعْلَمُ. * * * وقوله: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (٧١) معنى (مَالِكُونَ)، ضابطون، لأن القَصْدَ ههنا إلى أنها ذليلة لَهُمْ ألا ترى إلى قوله (وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ) ومثله مِنَ الشعر:

стр. 1652

أصبحت لا أحمل السلاح ولا. . . أملِكُ رأسَ البعير إن نفرا أي لا أضبط رأس البعير. * * * وقوله: (فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (٧٢) معناه مَا يَرْكبُون، والدليل قراءة من قرأ (فَمِنْهَا رَكُوبَتُهُمْ) ويجوز رُكُوبُهم - بضم الراء ولا أعلم أحداً قرأ بها، على معنى فمنها رُكُوبُهم وأكلُهُم وَشُرْبُهُمْ (١). * * * (لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ (٧٥) أي هم للأصنام ينتصرون، والأصنام لا تستطيع نصرهم. * * * وقوله (وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) جاء في التفسير أن أُبَيَّ بن خَلَفٍ جاء إلى النبي ﷺ بعظم بَالٍ " ففركه ثم ذَرَّاهُ، وقال مَنْ يحيي هذا؟ فكان جوابه: (قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ). فابتداء القُدْرَةِ فيه أَبَينُ منها في الإعادة. ويقال إن عبد اللَّه بن أْبي كان صاحب القصةِ؛ ويقال العاص بن وائل. وأعْلَمهم أن خلق السَّمَاوَات والأرض أبلغ في القدرة، وعلى إحياء الموتى فقال: (أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١) وقال في موضع آخر: (لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ).

стр. 1653

وقال: (فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣) معناه تنزيه اللَّه من السوء ومن أن يوصف بغير القدرة، الذي بيده ملكوت كل شىء أى القدرة على كل شيء. (وإليه تُرْجَعُونَ). وَتَرْجِعُونَ أي هوْ يبعثكم بعد موتكم.

стр. 1654

سُورَةُ وَالصَّافَّاتِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله : (وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١) أكثر القراءة تبيين التاء، وقد قرئت على إدغام التاء في الصادِ. وكذلك (فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (٢) فإن شئت أدْغمت التاء في الزاي، وإن شئت بَيَّنْتَ، وكذلك (فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا (٣) (إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (٤) أقسم بهذه الأشياء أنَّه وَاحِدْ. وقيل معناه ورَبِّ هذه الأشياء إنه وَاحد. وتفسير الصافات أنها الملائكة، أي هم مطيعون في السماء يسبحون اللَّه فَالزاجِراتُ، رُوِيَ أن الملائكةَ تزجر السحاب، وقيل: (فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا) كل مَا زَجَرَ عَنْ مَعْصِية اللَّه. (فَالتَّالِيَاتِ ذِكْراً). قيل الملائكةُ، وجائز أن يكون الملائكة وغيرهم أيضاً مِمنْ يَتْلُونَ ذِكْرَ اللَّه (١).

стр. 1655

(رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ (٥) قيل المشارق ثلاثمائة وستون مشرقاً، ومثلها مِنَ المَغَاربِ. * * * (إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (٦) (بِزِينَةِ الْكَوَاكِبِ) على إضافة الزينة إلى الكواكب، وعلى هذا أكثرُ القِراءَةِ، وقد قرئت بالتنوين وَخَفْضِ الْكَوَاكِبِ، والمعنى أن الكَواكِبَ بدل من الزينة. المعنى إنا زينا السماء الدنيا بالكواكب، ويجوز بِزِينةٍ الكَواكِبَ. وهي أقل ما في القراءة على معنى بأن زينا الكَواكِبَ. ويجوز أن يكون الكواكب في النصْبِ بَدَلاً من قوله بزينةٍ، لأن " بِزينةٍ " في موضع نصب، ويجوز بزينةٍ الكواكبُ. ولا أَعْلَمُ أَحَداً قرأ بها، فلا تقرأن بها. إلا أن ثبتت بها رواية، لأن القراءة سنة. ورفع الكواكب على معنى أنا زينا السماء الدنيا بأن زَينتها الكواكبُ. وبأن زُيِّنَتِ الكَوَاكِبُ (١). * * * وقوله: (وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (٧) على معنى وحفظناها من كل شيطانٍ مَارِدٍ، على معنى وَحَفِظْناها حِفظاً من كل شيطان مارد. يُقْذَفونَ بها إذا استرقوا السَّمعَ. * * * (لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (٨) (لَا يَسْمَعُونَ) ويقرأ بالتشديد (يَسَّمَّعُونَ) على معنى يتسمَّعُونَ (٢). * * * (وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (٨) دُحُورًا) أي يُدْحَرُونَ أي يُبَاعَدُونَ. (وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (٩)

стр. 1656

قيل دائم وقيل موجع. * * * (إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ (١٠) (إِلَّا مَنْ خَطِفَ) - بفتحِ الطاء وكسرها، يقال خَطِفْتُ أَخْطَفُ. وخطَفْتُ أَخْطِفُ، إذا أخذت الشيء بسرعة، ويجوز إلا من خَطَّفَ بتشديد الطاء وفتح الخاء. ويجوز خِطَفَ. بكسر الخاء وفتح الطاء. والمعنى اختطف، فأدغمت التاء في الطاء وسقطت الألف لحركة الخاء، فمن فتح الخاء ألقى عليها فتحة التاء التي كانت في اختطف. ومن كسر فلسكونها وسكون الطاء. فأما مَنْ روى خِطِفَ الخطفة - بكسرالخاء والطاء - فلا وجه له إلا وجهاً ضعيفاً جداً يكون على اتباع الطاء كسر الخاء (١). * * * (فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ). يقال تَبِعْتهُ وَأَتْبَعْتهُ، واتَّبَعْتُه، إذا مَضَيْتُ في أثره. و (شِهَابٌ ثَاقِبٌ) كوكب مُضَيءٌ. * * * (فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ (١١) أي سَلْهم سؤال تَقْرِيرٍ. (أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا) من الأمم السالفة قبلهم وغيرهم من السماوات والأ رضين. (مِنْ طِينٍ لَازِبٍ). ولازم ومعناهما واحد، أي لازق (٢). * * * (بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (١٢) وتقرأ (عَجِبْتُ) - بضم التاء - ومعناه في الفتح بل عجبتَ يَا مُحمد مِن نُزُول الوحي عليك وَيَسْخَرون، ويجوز أن يكون معناه بل عجبتُ (٣)

стр. 1657

من إنكارِهم البعث. ومن قرأ (عَجِبتُ) فهو إخبار عن اللَّه. وقد أنكر قومٌ هَذهِ القراءةَ. وقالوا: اللَّه لا يعجب، وإنكارهم هذا غلط. لأن القراءة والرواية كثيرة والعجب من اللَّه خلافُهُ من الآدميين كما قال: (وَيَمْكُرُ اللَّهُ)، و (سَخِرَ اللَّهُ منهم)، (وَهُوَ خَادِعُهُمْ). والمكر من اللَّه والخداع خلافه من الآدميين. وأصل العجب في اللغة أن الإنسان إذا رأى ما ينكره ويقل مثله قال: عجبت من كذا وكذا، وكذا إذا فعل الآدميون ما ينكره اللَّه جاز أن يقولَ فيه عجبتُ واللَّه قد علم الشيء قبل كونه، ولكن الإنكار إنما يقع والعجب الذي يلزم به الحجة عند وقوع الشيء. * * * (وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ (١٤) أي إذا رأوا آية معجزة استسخروا واستهزأوا. * * * (وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٥) فجعلوا ما يدل على التوحيد مِما يَعجِزون عنه سحراً. نحو انشقاق القَمَر وما أشبهه. * * * وقوله: (أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (١٦) ويجوز (إِنَّا)، فمن قرأ (إِنَّا) اجتزأ - بألف الاستفهام. والمعنى في الوجهين أَنُبْعَثُ إذا كنا تراباً وعظاماً، وتفسيره لمبعوثون. * * * (قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ (١٨)

стр. 1658

المعنى قل نعم تُبْعَثُونَ وَأَنْتُم صَاغرُونَ، ثم فسر أن بعثهم يقع بزجرة واحدة بقوله: (فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ (١٩) أي يحيون ويبعثون بُصَرَاءَ ينظرون. * * * (وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ (٢٠) والويل: كلمة يقولها القائل وقت الهلكة. ومعنى (هَذَا يَوْمُ الدِّينِ). يوم الجزاء، أي يَومٌ نُجازى فيه بأعمالنا، فلما قالوا هذا يوم الدين قيل لهم نعم: (هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢١) أي هذا يوم يفصل فيه بين المحسن والمسيء، ويجازى كل بعَمَلِه، وبما يتفضل اللَّه به على المسلم. * * * (احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) معناه ونظراءهم وضرباءهم، تقول عندي من هذا أزواج، أي أمثال، وكذلك زوجان من الخفاف، أي كل واحد نظير صاحبه. وكذلك الزوج المرأة والزوج الرجل، وقد تناسبا بعقد النكاح. وكذلك قوله: (وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ (٥٨). * * * (فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (٢٣) يقال: هديت الرجل إذا دللته، وهديت العروس إلى زوجها. وأهديت الهديَّة، وكذلك تقول في العروس: أهديتها إذا جعلتها كالهديَّة.

стр. 1659

وقوله: (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤) أي احبسوهم. * * * (مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ (٢٥) قوله: (لَا تَنَاصَرُونَ) في موضع نصب على الحال، المعنى ما لكم غير مَتَنَاصِرين. * * * (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٧) أي يُسَائِلُ بعضُهم بعضاً. * * * (قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ (٢٨) هذا قول الكفار للذين أضلوهم. كنتم تخدعوننا بأقوى الأسباب، أي كنتم تأتوننا من قبل الدِّين فَتُرُوننا أن الدِّينَ والحقَّ ما تضلوننا به [وتُزَيِّنُون لنا ضلالتنا] (١). * * * (قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٢٩) أي إنما الكفْرُ مِنْ قِبَلِكُمْ. * * * (فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ (٣١) حِقت علينا كلمة العذاب. (إِنَّا لَذَائِقُونَ). أي إن الجماعة، المضِل والضال في النارِ. * * * (فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ (٣٢)

стр. 1660

أي أضْلَلْنَاكُمْ إنا كنا غَاوينَ ضَالين. * * * (إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (٣٤) المجرمون المشركون خاصة. * * * (إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥) يعني عن توحيد اللَّه ، وألَّا يَجْعَلُوا الأصْنَامَ آلِهة. * * * (يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (٤٥) الكأس الإناء إذا كانت فيه خمر فهو كأس، ويقَعُ الكأسُ لكلِ إناء مع شَرَابِهِ [فإن كان فارغاً فليس بكأس] (١). (مِنْ مَعِينٍ). أي من خمر تجري كما يجري الماء عَلَى وجه الأرض مِنَ العُيُونِ. * * * (بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (٤٦) أي ذَاتَ لَذةٍ. * * * (لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ (٤٧) لا تغْتَالُه عُقُولَهُم، لا تذْهبُ بِها، ولا يُصِيبهُم منها وجع. (وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ). (يُنْزِفُونَ) - بفتح الزاي وكسرها. فمن قرأ " يُنْزَفُونَ " فالمعنى لَا تَذْهَبُ عقولهم بشربها، يقال للسكران نزيف ومنزوف. ومن قرأ يُنْزِفونَ، فمعناه لا يُنْفِدُونَ شَرابَهم، أي هو دائم أبداً لهم. ويجوز أن يكون يُنْزِفُونَ يَسْكَرُونَ. قال الشاعر:

стр. 1661

لَعَمْرِي لئنْ أَنْزَفْتُمُ أَو صَحَوتُمُ. . . لبئسَ النَّدامَى كنتمُ آلَ أَبْجَرا * * * (وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ (٤٨) أي عندهم حُورٌ قد قصرن طرفَهن أي عُيونَهُن عَلَى أَزْوَاجِهِن. (عِينٌ) كِبَارُ الأعَيْنِ حِسَانُها. الواحدة عيناء. * * * (كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (٤٩) أي كأنَّ ألوانهن ألوانُ بيض النعَامِ. (مَكْنون)، الذي يكِنه رَأْسُ النعَامِ. ويجوز أن يكون مكنون مَصُون، يقال كننت الشيء إذا سترته، وصُنْتَهُ، فهو مَكْنونٌ، وأكْنَنْتَهُ إذَا أَضْمَرْتَه في نفسك. * * * (يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (٥٢) (الْمُصَدِّقِينَ) مخففة من صَدَّقَ فهو مُصَدِّق، ولا يجوز ههنا تشديد الصاد، لأن المصَّدِّقين الذين يعطون الصدقة. و (الْمُصَدِّقِينَ) الذين لا يُكذِبون، فالمعنى كان لي قرين يقول أئنك مِمن يُصَدِّق بالبعْث بَعدَ أن تَصِيرَ تُراباً وعظاماً، فأحبَّ قرينُه المسلم أن يراه بعد أن قيل له: (هَلْ أنتُم مُطَّلِعُونَ). أي هل تحبون أن تطلِعُوا فتعلموا أين منزلتكم من منزلة أهل النار. * * * (فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٥٥) فاطلع المسلم فرأى قرينه الذي كان يكذب بالبعث في سَواء الجحيم. أي في وسط الجحيم، وسواءكل شيء وسَطُه. ويقرأ: هَلْ أَنْتُمْ مُطْلِعُونَ - بفتح النون وكسرها وتخفيف الطاء - فمن فتح النُونَ مع التخفيف فقال " مُطْلِعُونَ " فهو بمعنَى طَالِعُون ومُطلِعُونَ، يقال طلعت عليهم وأطْلَعْتُ واطَّلَعْتُ بمعنًى ومن قرأ مُطْلِعُون - بكسر النون قرأ " فَأُطْلِعَ " ومن قرأ بفَتْح النونِ " مُطْلِعُونَ " وجب أن يقرأ فأُطْلَعَ. ويجوز ُ " فَأُطْلِعَ " على معنى هل أنتم مُطْلِعُونَ

стр. 1662

أَحَداً، فأمَّا الكسر للنون فهو شاذ عند البصريين والكوفيين جميعاً وله عند الجماعة وجه ضعيف وقد جاء مثله في الشعر: هم القائلون الخير والأمرونه. . . إذا ما خَشَوْا مِن مُحَدث الأمرْ معظما وأنشدوا: وما أدري وظني كل ظَني. . . أَمُسْلِمُني إلى قومي شَرَاحِ والذي أَنْشَدَنَيه محمد بن يزيد: أَيُسْلَمِنُي إلى قومي، وإنما الكلام أمُسْلِمِي وَأَيُسْلِمُنِي، وكذلك هم القائلون الخير والأمروه، وكل أسماء الفاعلين إذا ذكرت بعدها المضمر لم تذكر النون ولا التنوين. تقول: زَيْد ضَارِبي وهما ضارباك ولا يجوز وهو ضاربُني، ولا هم ضاربونك. ولا يجوز هم ضاربونك عندهم إلا في الشعر إلا أنه قد قُرِئ بالكسر: (هلْ أَنْتُم مُطلِعُون) على معنى مطلعوني، فحذفت الياء كما تحذف في رؤوس الآي، وبقيت الكسرة دليلاً عليها. وهو في النحو - أعني كسر النون - على مَا أَخْبَرْتُكَ، والقراءة قليلة بها، وأجودُ القراة وأكثرها مُطَّلِعُونَ - بتشديد الطاء وفتح النون - ثم الذي يليه مُطْلِعُونِ بتخفيف الطاء وفتح النون (١). * * * (قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦)

стр. 1663

(تَاللَّهِ) معناه واللَّه، والتاء بدل من الواو، لترْدِينِ أي لتهلكني، يقال رَدِيَ الرجُلُ يَرْدَى رَدًى إذَا هَلَكَ، وَأَرْدَيْتُه أَهْلَكتُه. * * * (وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٥٧) أي أُحْضَرَ العذاب كما أُحُضِرتَ. * * * (أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢) المعنى أنعيم الجنة وطعامها خير نزلاً أم شجرة الزقوم خَيْرٌ نُزُلًا. والنزُلُ: ههنا الرَّيْعُ والفضْلُ، @تقول: هذا طعام له نُزُل ونُزْل بتسكين الزَّاي وَضمها وَنَزَل، ويكون ذلك خير نُزُلاً؛ أي أذلك خير في باب الإنْزَال التي تُتَقوَّتُ ويمكن معها الإقامةُ - أَمْ نُزُلُ أهل النارِ. وإنما قيلَ لَهمْ فيما يقام للناس من الأنزال أقمت لهم نُزُلَهُمْ أي غذاءهم، وما يصلح معه أن ينزلوا عليه. * * * ومعنى: (إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (٦٣) عبرةً للظالمين، أي خبرةً افتتنوا بها، وكذبوا بها فصارت فتنة لهم. وذلك أنهم لما سمعوا أنها شجرة تخرج في أصل الجحيم قالُوا: الشجر يحترق بالنارِ، فكيف ينبت الشجر في النار فافتتنوا وكذبوا بذلك. * * * (طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (٦٥) فيه ثلاثة أقوال: قيل الشياطين حيات لها رءوس فشُبِّه طَلْعُهَا برءوس تلك الحيات، وقيل رءوس الشياطين نبت معروف. وقيل وهو القَوْل المعروفُ أن الشيء إذا استقبح شُبِّهَ بالشيطان، فقيل: كأنَّه وجه شيطانٍ، وكأنه رأسُ شيطان، والشيطان لا يُرى، ولكنه يستشعر أنه أقبح ما يكون من الأشياء، لو رُئِيَ لرئي في أقبح صورة. قال امرؤ القيس:

стр. 1664

أَيَقْتُلُني والمَشْرَفِيُّ مُضاجِعي ومَسْنونةٌ زُرْقٌ كأَنيابِ أَغوالِ؟ ولم يُرَ الغولُ قط ولا أنيابُها ولكن التمثيل بما يستقبح أبلغ في باب المذكر، يمثل بالشيطان وفي باب ما يستقبح في المؤنث يشبه بالغول (١). * * * (ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ (٦٧) أي لخلطاً ومِزَاجاً، ويُقْرأ (لَشُوباً مِنْ حَمِيم)، الشوْبُ المصدر، والشوبُ الاسمُ، والخَلْطُ: المخلوط (٢). * * * (فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ (٧٠) أي هم يَتْبعُونَ آثارَهم اتباعاً في سُرْعةٍ، ويقال (يُهْرَعُون) كأنهم يزعجونَ من الإسراع إلى اتباع آبائهم، يقال هُرِعَ وأهرع في معنًى واحدٍ إذا اسْتُحِثَّ وَأَسْرَعَ. * * * وَقَولَه: (إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٧٤) المخلصين الذين أخلَصَهُم اللَّه واصطفاهم لعبادَتِه. . ويقرأ المُخْلِصِين أي الموَحِّدِينَ. * * * (وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (٧٥) أي دعانا بأن ننقذه من الغرق، والمعنى فلنعم المجِيبون نَحْنُ. * * * (وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) يعني كرب الغَرَقِ الذي هو عذاب. * * * (وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (٧٧)

стр. 1665

لما جاء الطوفان لم يبق ألا نُوحَ وذُرئتُهُ، والخلق الباقون من ذُرئةِ نوح. * * * (وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (٧٨) أي تركنا عليه الذكر الجميل إلى يوم القيامة، وذلك الذكر قوله: (سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (٧٩) المعنى تَرَكنَا عليه في الآخرين أن يصلى عليه إلى يوم القيامة. * * * (وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (٨٣) أي من شيعة نوح، من أهلِ مِلَّتِه يعني نوحاً. * * * (إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٤) جاء في التفسير سليم من الشرك، وهو سليم من الشرك ومن كل دَنسٍ. * * * (فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٧) قال إبراهيم لقومه - وهم يعْبُدُون الأصْنَامَ: أي شيءٍ ظنكم بِرَبِّ العالمين وأنتم تعبدون: غيره. وموضع (ما) رفع بالابتداء، والخبرُ (ظَنُّكُمْ). * * * (فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩) قال لقومه وقد رأى نجماً إني سَقِيمٌ، فأوهمهم أن الطاعُونَ بِهِ. (فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (٩٠) فِراراً من أن يُعْدَىْ إليهم الطاعونُ، وإنما " قال إني سَقِيمٌ، لأن كل واحد وأن كانَ مُعَافىً فلا بد مِن أَنْ يَسْقَم ويموت، قال اللَّه تعالى: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠). أي إنك ستموت فيما يستقبل، وكذلك قوله:

стр. 1666

(إِنِّي سَقِيمٌ) أي سأسْقَم لا محالة. وقد روي في الحديث: لم يكذب إبراهيم إلا في ثَلَاثةٍ، وَقَدْ فَسَّرنَا ذَلِك، وأن هذه الثلاث وقعت فيها معارضة في قوله: (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا). على معنى: إنْ كَانُوأ يَنْطِقون فَقَدْ فَعَله كَبِيرُهُمْ وقوله: " سَارَّةُ أخْتِي "، أي أختي في الإسلام. وقوله: (إِنِّي سَقِيمٌ) على ما فسَّرنا. * * * (فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (٩٣) معنى راغ عليهم مال عليهم، وضرباً مصدر، المعنى فمال عَلَى الأصنام يضربُهُمْ ضرباً بِالْيَمِينِ، يحتمل وجهين (١): بيمينه، وبالقوة والمكانة. وقال: (عَلَيْهم) وهي الأصنام لأنهم جعلوها معبودةً بمنزلة ما يميز كما قال: (وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ). * * * (فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (٩٤) يعني قوم إبْرَاهِيم. (يَزِفُّونَ) يُسْرِعُونَ إلَيْهِ. ويقرأ على ثَلاثةِ أوْجُهٍ (٢). (يَزِفُّونَ) - بفتح الياء وُيزِفُّونَ - بِضَفمهَا، وَيزِفُونَ - بتخفيف الفاء. وأَعْرَبُها كُلُّها (يَزِفُّونَ) بفتح الياء وتشديد الفاء، وأصله من زفيف النعام، وهو ابتداء عَدْوِهَا، يقال زَفَّ النعام يَزِفُّ. ويُقْرَأ يُزِفُّون أي يصيرون إلى الزفِيفِ. ومثله قول الشاعر: تَمَنَّى حُصَيْنٌ أَن يَسُودَ جِذاعَه. . . فأَمْسَى حُصَيْنٌ قد أُذلَّ وأُقْهِرا معنى أَقْهَرَ صار إلى القَهْرِ. وكذلك يُزِفونَ. فأما يَزِفُونَ - بالتخفيف فهو من وَزَفَ يَزِفُ، بمعنى أَسْرَع، ولم يَعْرِفُهُ الفَرَّاء، ولا الكِسَائِى، وعَرفَه غيرُهمَا. * * * وقوله: (قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (٩٧)

стр. 1667

كل نار بعضُها فوق بَعض، وهي جَحْمٌ. * * * (رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠) يقول: هب لي ولداً صَالِحاً من الصالِحِينَ. * * * (فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١) وهذه البِشَارَة تدل على أنه غلام وأنه يبقى حتى يُوصفَ بالحلم. * * * (فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢) أي أدرك معه العَمَل، يقال إنَّه قد بلغ في ذلك الوقت ثلاث عشرة سنة. (قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى). تقرأ غَيْرَ مماله، وَ (تَرَى) - مُمَالَة، - و (تُرِي) - بلا إمالة، - وتُرِي - بالإمالة - و (ماذا تُرَى) ففيها خمسة أوجه (١): ترى - بالفتح وبالكسر. وكذلك في تُرِي وتُرَى،. وفيها خمسة أوجه أخر لم يقرأ بشيء منها، فَلَا تقرأنَّ بها، وهو أن تأتي الخمسة التي ذكرناها ممالة وغير ممالة بغير همز فتهمزها كلها، فما كان مُمَالاً هَمِزَ وأمال، وما لم يكن مُمَالاً أمال ولم يهمز. ويجوز ماذا تَرْأَى ممال. وماذا تُرْئِي، وماذا تُرْأَى، وماذا تَرَى وَمَاذا تُرَى. فمعنى ماذا تَرأَى وتُرْئي من الرأي، ومعنى ماذا تُرَى مَاذَا تُشِيرُ. وَزَعَم الفراء أن معناه مَاذَا تُرِيني من صَبْرِكَ، ولا أعلم أحَداً قَالَ هَذَا. وفي كل التفسير ما تُرِي ما تشير. * * * قال: (يَا أبَتِ افْعَلْ مَا تُومَرُ). ورؤية الأنبياء في المنام وحيٌ بمنزلة الوحي إليهم في اليقظة. وقد فَسَّرْنَا يا أَبَهْ، وإعرابَهُ فيما سَلَفَ من الكتاب.

стр. 1668

(سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ). يَقول على أمر اللَّه. * * * (فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) أسْلَما اسْتَسْلَمَا لأمر اللَّه. رضي إبراهيم بأن يذبح ابنه، ورضي ابنه بأن يُذبَح تصديقاً للرؤيا وطاعة للَّهِ. واختلف الناس في الذي أمر بذبحه مَنْ كانَ، فقال قوم إسحاق. وقال قوم إسماعيل. فأمَّا من قال إنه إسحاق، فعليٌّ رحمة اللَّه عليه وابنُ مَسْعُودٍ وكعب الأحبار، وجماعة من التابعين. وأما من قال إنه إسماعيل فابن عمر ومحمد بن كعب القرظي وسعيد بن المسيب وجماعة من التابعين. وحجة من قال إنه إسماعيل قوله: (وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢). وَحُجة من قال إنَّه اسحاق، قال: كانت في إسحاق بشارتان الأولى فبشرناه بغُلام حَلِيم. فلما استسلم للذبح واستسلم إبراهيم لذبحه بُشِرَ به نبيًّا من الصالحين. والقول فيهما كثير واللَّه أعلم أيهما كان الذبيح. فأمَّا جواب (فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ) أي صَرَعَهُ. فقد اختلف الناس فيه فقال قوم جوابه وناديناه، والواو زائدة، وقال قوم إن الجواب محذوف بأن في الكلام دليلاً عليه. المعنى فلما فعل ذلك سعِدَ وأتاه اللَّه نبوة وَلَدِه وأجزلَ لَهُ الثواب في الآخرة. * * * (وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧) الذِّبح: بكسر الذال الشيءُ الذي يُذْبَح، والذَّبْح المصدر، تقول: ذبحته أذْبَحُه ذَبْحاً. وقيل إنه الكَبْشُ الذي تُقُبِّلَ من ابن آدم حين قرَّبَه، وقيل إنَّه رَعَا

стр. 1669

في الجنة أربعين سنة، وقيل إنَه كان وَعِلًا من الأوْعَالِ. والأوعال التيوس الجبليَّةُ. * * * (وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (١١٥) قيل من الغرَقِ كما فُعِلَ بِفِرْعَوْنَ وَقَوْمِه. * * * (وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) جاء في التفسير أنه إدريس، ورويت عنِ ابن مَسْعُودٍ أنه قرأ: وإن إدريس، ورويت سلام على إدْرَاسِين (١). * * * (أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ (١٢٥) قيل إن بعلًا كانوا يعبدونه، صنماً من ذهب، وقيل إن بعلاً تعني، رَبًّا (٢). * * * (اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (١٢٦) وقرئت (اللَّهَ رَبَّكُمْ) على صِفَةِ أحْسَنِ الخَالِقِينَ اللَّهَ. وقرئت: (اللَّهُ رَبَّكُمْ) عَلَى الابثداء والخبر. * * * (سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ (١٣٠) (سَلامٌ عَلَى آلِ يَاسِينَ). وقُرئت إلْيَاس. فمن قرأ بالوصل فموضع إلياسين جمعٌ، هو وأمته المؤمنون، وكذلك يجمع مَا يُنْسَب إلى الشيء بلفظ الشيء، تقول: رأيت المَسامِعَة والمَهَالِبةَ، تريد بني المهَلَّب وبنيْ مِسْمَع، وكذلك: رأيت المهلبين والمِسْمَعِين. وفيها وجه آخر تكون فيه لغتان إلياس وإلياسين كما قال ميكال وميكائيل (٣). * * * وقوله: (إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (١٣٥) يعني في البَاقِينَ. * * * وقوله: (إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠) (أَبَق) هَرَبَ إلى الفلك المشحون، والمشحون المملوء.

стр. 1670

(فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (١٤١) (فَسَاهَمَ) قارع، و (الْمُدْحَضِينَ) المَغْلوِبينَ. لما صَارَ يونس في السفينة فلم تَسِرْ فقارَعَهُ أهل السفينة، ووقعت عليه القرعة فخرج منها وألقى نَفْسَهُ فى البحر. * * * (فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (١٤٢) وهو السمكة، ولما خرج من السفينة سَارَتْ. (وَهُوَ مُلِيمٌ). قد أتى بما يلام عليه، يقال: قد أَلَامَ الرجلُ فهو مُليم، إذا أتى ما يجب أن يلام عليه. * * * (فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) منَ المُصَلِّين. * * * (لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤) جاء في التفسير أنه لبث أربعين يوماً، وقال الحسن لم يَلْبَثْ إلا قَليلاً وأخرج من بطنه بُعَيْدَ الوقت الذي التقِمَ فيه. * * * (فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (١٤٥) يعني بالمكَان الخالي، والعراء عَلَى وجْهَيْن، مَقْصُورٌ وَمَمْدُودٌ. فالمقصور الناحِيَة، والعزاء ممدود المكان الخالي. قال أَبُو عُبَيدَةَ وغَيْرُهُ: إنما قيل له العراء لأنه لا شجر فيه، ولا شيءَ يُغَطيه، وقيل إن العراء وجه الأرْض. ومعناه وجه الأرض الخالي، وأنشدوا: وَرَفَعْتُ رِجلاً لا أَخافُ عِثارَها. . . ونَبَذْتُ بالبَلَدِ العَراء ِثيابي

стр. 1671

(وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (١٤٦) كل شجرة لا تنبت على ساقٍ، وإنَّمَا تمتد على وجه الأرض - نحو القَرْعِ والبطيخ والحنظل - فهو يقطين. وأحسب اشتقاقها من قَطَنَ بالمكان إذا أقام به، فهذا الشجر كله على وجه الأرض، فلذلك قيل يقطين. * * * (وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧) قال غير واحد معناه بل يزيدون. قال ذلك الفراء وَأَبُو عبيدة وقال غيرهما معناهُ أَو يزَيدونَ فِي تَقْدِيركم أنتم إذا رآهم الرائي قال هؤلاء مائة ألف أو يزيدون على المائة وهذا على أصل (أو). وقال قوم: معناها معنى الواو. و (أو) لا تكون بمعنى الواو، لأن الواو معناها الاجتماع، وليس فيها دليل أن أحد الشيئين قبل الآخر. و (أَوْ) مَعناها إفراد أحد شيئين أو أشياء. * * * وقوله : (فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (١٤٩) أي سلهم مسألة توبيخ وتقرير، لأنهم زعموا أن الملائكة بنات اللْه تعالى اللَّه عَنْ ذَلِكَ. * * * (أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ (١٥٠) معناه بل أَخَلَقْنَا الملائكة إِنَاثًا -. . (وَهُمْ شَاهِدُونَ). * * * (أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٥٢) أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣) هذه الألف مفتوحة، هذا الاختيار، لأن المعنى سَلْهُمْ هل أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ، فالألف ألف استفهام. ويجوز اصطفى على أن يكون

стр. 1672

حكاية عن قولهم ليَقُولًونَ اصطفى. وفتح الألف وقطعها أجود على أأصطفى. ثم تحذف ألف الوصل (١). * * * (وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٥٨) الْجِنَّة هَهُنَا المَلَائِكَةُ. * * * (وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ). أي: وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ وهم الملائكة أن الذين قالوا: ولد اللَّه. . . لمُحْضَرونَ العَذَابَ. * * * (سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٥٩) تنزيه اللَّه من السوء عن وَصْفِهِم. * * * (فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (١٦١) مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢) أي ما أنتم بمضلين عليه ألا مَنْ أَضَل اللَّهُ. * * * (إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ (١٦٣) أي لستم تضلون إلا أَهلَ النَّارِ، وقرأ الحَسَنُ " إِلَّا مَنْ هُوَ صَالُ الْجَحِيمِ " بضم اللام، والقراءة بكسر اللام، على معنى صالي. والوقف عليها ينبغي أن يكون بالياء، ولكنها محذوفة في المصحف. ولقراءة الحَسنِ وجْهَان: أحدهما أن يكون أراد صالونَ الجحيم فحذفت النونُ للإضافة وحذفت الواو لسكونها وسكون اللام من الجحيم، ويَذْهَبُ بِـ (مَنْ) مَذْهَبَ الجِنْسِ، أي بالجنس الذين هم صالوا الجحيم، ويجوز أن يكون صَالُ في معنى صائل، مفعول من صَالَى، مثل جرف هارٍ أي هائرٍ، والقراءة التي هي الإجماع كسر اللام (٢). * * * (وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤)

стр. 1673

هذا قول الملائكة، وههنا مضمر، المعنى مَا مِنا مَلَك إلا له مقام معلوم. * * * (وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) أَيْ نحن المصلونَ. * * * (وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (١٦٦) المُمَجِّدون للَّهِ، الذين ينزهُونَه عَنِ السوءِ. * * * (وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ (١٦٧) لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨) لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٩) كان كفار قريش يقولون لو جاءنا ذكر كما جاء غيرنا من الأولين لأخْلَصْنا العبادة للَّهِ ، فلما جاءهم كفروا به. * * * (فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (١٧٠) أي سوف يعلمون مَغَبَّةَ كفرهم، وما ينزل بِهم من العذاب والانتقام منهم في الدنيا والآخرة. . * * * وقوله: (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) أي تقدم الوعدُ لهم باأنَّ اللَّه ينصرهم بالحجة وبالظفر بِعَدُوهِمْ في الدنيا، والانتقام من عدوهم في الآخرة. * * * (وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣) حزب اللَّه لَهُمُ الغَلَبة. * * * (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٤) حتى تنقضي المدةُ التي أُمْهِلُوا إليها.

стр. 1674

(فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٧) نزل بهم العَذَابُ، وكان عذاب هؤلاء في الدنيا القَتْل. وقوله: (فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ) أي فبئس صباح [الذين أنذروا العذاب] (١). * * * (سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) فيه ثلاثة أوجه، فمن نصب فعلى مدح اللَّه . ومن قرأ بالرفع فعلى المدح أيضاً على معنى هُوَ رَبُّ الْعِزَّةِ. ومن خفض فعلى قوله رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ. وفي النصب أيضاً أعني رَبَّ الْعِزَّةِ، واذكر ربَّ الْعِزَّةِ (٢).

стр. 1675

سُورَةُ (ص) بسم اللَّه الزحمن ابرّحيم (ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) قرئت بالفتح وبالكسر، وبتسكين الدال، وهي أكثر القراءة. فمن أسكن " صاد " من حروف الهجاء، وتقدير الدال الوقف عليها. وقد فسرنا هذا في قوله (الم) أعني باب حروف الهجاء. ومعناه الصادق اللَّه، وقيل إنها قسم. * * * وقوله: (وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ). عطف عليها، المعنى أقسم بصاد وبالقرانِ ذي الذكر، ومن فتحها فعلى ضَرْبيْن، يكون فتحاً لالتقاء السَّاكنيْن، ويكون على معنى اتل صادَ، ويكون صاد اسماً للسورة لا ينصرف. ومن كسر فعلى ضربين - لالتقاء السَّاكنين. - وبكسرها على معنى صاد القرآن بعَمَلِك، من قولك صادَى يُصَادِي إذَا قَابَل وَعَادَل، يُقال صاديته إذا قابلته. وجواب قوله: صَادِ والقرآن (إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (٦٤). وقال قوم: الجوابُ: (كم أهلكنا قبلَهم مِنْ قَرْنٍ) ومعناه لَكَمْ أهلكنا قبلهم مِنْ قَرْنٍ فلما طال الكلام بَيْنهُمَا حذفت اللام. ومعنى (والقرْآنِ ذِي الذِّكْرِ). أي ذي الذكر والشرف، وقيل ذي الذكر: قد ذكرت فيه أَقَاصيصُ الأوليت والآخرين وما يُحتاج إليه في الحلال والحرام (١). * * * (كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ (٣)

стр. 1676

جاء في التفسير ولات حين نداء، وقال أهلُ اللغَةِ وَلَاتَ حينَ مَنْجًى ولا فَوْتَ، يقال نَاصَه ينوصُه إذَا فاته. وفي التفسير لات حين نداء معناه لات حِينَ نِداءٍ يُنْجي. ويجوز لات حِينُ مَنَاص. والرفع جيِّدٌ، والوقف عليها " لاَتْ " بالتاء، والكسائىُّ يقف بالهاء (لَاهْ) لأنه يجعلها هاء التأنيث. وحقيقة الوقف عليها بالتاء، وهذه التاء نظيرةُ التاء في الفعل في قولكَ ذَهَبَتْ وجَلَسَتْ، وفي قولك: رأيتُ زيداً ثمت عَمراً، فَتَاءُ الحروف بمنزلة تاء الأفعال، لأن التاء في الموضعين دخلت على ما لا يعرب، ولا هو في طريق الأسماء فإن قال قائِل: نجعلها بمنزلة قولهم: كان من الأمر ذيهْ وذيهْ، فهذه هاء في الوقف وهذه هاء دخلت على اسم لا يعرب، وقد أجازوا الخَفْضَ فقالوا: لاَتَ أَوَانٍ. وأنشدوا لأبي زُبَيْدٍ: طَلَبُوا صُلْحَنا ولات أَوانٍ. . . فأَجَبْنا أَنْ لَيسَ حِينَ بَقاءِ والذي أنشدنا أبو العباس محمد بن يزيد ورواه: طَلَبُوا صُلْحَنا ولات أَوانٌ وذكر أنه قد روي الكسرُ. فأمَّا النصب فعلى أنها عَمِلَتْ عمل ليس، المعنى وليس الوقت حين مناص ومن رفع بها جعل حين اسم ليس وأضمر الخبر على معنى لَيْس حينُ مَنْجًى لَنَا ومن خفض جعلها مبينة مكسورَةً لالتقاء السَّاكِنَين، كما قالوا: قَدلَكَ فبنوه على الكسر.

стр. 1677

والمعنى ليس حين مناصنا وحين منجانا، فلما قال: ولات أَوَان جعله على معنى ليس حينَ أَوَانِنَا، فلما حُذِفَ المضَافُ بُنِيَ على الوقف ثم كسِرَ لالتقَاءِ السَّاكِنين، والكسر شَاذ شبيه بالخطأ عند البصريين، ولم يَرْوِ سيبويه والخليل الكسر، والذي عليه العمل النصب والرفع. وقال الأخفَشُ: إن (لَاتَ حِينَ مَنَاصٍ) نصبها بـ (لا) كما تَقُولُ لَا رَجُلَ في الدار، ودخلت التاء للتأنيث (١). * * * وقوله جل وَعز: (وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٤) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥) (عُجَابٌ) في معنى عجيب، ويجوز (عُجَابٌ) في معنى عجيب يقال: رجل كريم وكُرَّام وكُرَام. وهذه حكاية عن ملأ من قُرَيْش لما مَرِضَ أبو طالب المرضة التي مات فيها أتاه أبو جهل بن هشام وجماعة من قريش يعودونه فشَكَوْا إليه النبي ﷺ وقالوا يشتم آلهتنا ويفعل، فعاتبه أبو طالب، فقال النبي ﷺ إني أدعُوكم إلى كلمة يدين لكم العرب بها، وتؤدي بها إليكم العجم الجزيَةَ، فقال أبو جهل: نَعَمْ وَعَشْراً على طريق الاستهزاء أي نقُولها وعشراً معها، فقال: لَا إلهَ إلا اللَّهُ، فقالوا: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا. ثم نَهَضُوا وانطلقوا من مجلسهم يقول بعضهم لبعْض امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ. * * * وقوله: (وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (٦) معناهْ أي امشوا، وتأويله يقولونَ امْشُوا. ويجوز: وانطلق الملأ منهم بأنِ امشوا أي بهذا القول. * * * وقوله: (مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ (٧)

стр. 1678

حكاية عنهم أيضاً، أي ما سمعنا بهذا في النصْرانِية وَلَا اليهوديةِ ولا فيما أدركنا عليه آباءنا. (إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ). أي إلا تقوُّل. * * * (أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ (٨) أي كيف أنزل الذكر عليه من بيننا، أي كيف أُنْزِلَ على محمد القرآن من بيننا. (بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي). أي ليس يقولون ما يعتقدونه إلا شَاكِّين. * * * وقوله: (أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ (٩) إن قال قائل: ما وجه اتصال (أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ) بقوله: (بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي)، أو بقوله (أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا). فهذا دليل على حَسَدِهم النبيَّ ﷺ بما آتاه اللَّه من فَضْل النبوةِ. فأعلمَ اللَّهُ أن الملكَ لَهُ والرسالَة إلَيْهِ. يصطفي من يشاء، ويؤتي الملك من يشاء وينزل الغيث والرحمة على من يشاء فقال: (أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ). أي ليس عندهم ذلك. * * * (أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ (١٠) أي ليس من ذلك شيء. (فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ). أي إن ادَّعَوا شيئاً من ذلك فليصعدوا في الأسباب التي توصلهم إلى السماء، وجائز أن يكون فليرتقوا في هذه الأسباب التي ذكرت وهي التي

стр. 1679

لا يملكها إلا الله. ثم وعد اللَّه نبيَّه ﵇ النَصْرَ علَيْهم فقال: (جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ (١١) (ما) لغوٌ، المعنى جند هُنَالِكَ مهزوم من الأحزاب. * * * (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ (١٢) جاءْ في التفسير أن فرعون كانت له حبال وأوتادٌ يُلْعَبُ له عَلَيْها (١). * * * (وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ (١٥) (مِنْ فَوَاقٍ) وفُواق بضم الفاء وفتحها، أي ما لها من رجُوع، والفُواق ما بين حَلْبَتَي الناقَةِ، وهو مشتق من الرجوع أيضاً لأنه يَعُودُ اللبَنُ إلى الضرْعِ بين الحلبتين، وأفاق من مرضه من هذا، أي رجع إلى الصحة. فالفواق هو من هذا أيضاً (٢). * * * (وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ (١٦) (القِط) النصيب، وأصله الصحيفة يكتب للإنسان فيها شيء يصل إليه قال الأعشى. ولا المَلِكُ النُّعْمانُ يوم لَقِيتُه. . . بغِبْطَته يُعْطِي القُطوطَ ويأْفِقُ يأْفِقُ يُفْضِلُ. وهذا تفسير قولهم: (عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا) وهوكقولهم (اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا) - الآية وقيل إنهم لما سمعوا أن المؤمن يؤتى كتابه بيمينه والكاقر يؤتى كتابه بشماله، فيسعد المؤمن ويهلك الكافر، قالوا ربَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا. واشتقاق القِط من قططت أي قطعتُ. وكذلك النصيب إنَّمَا هو القطعة من الشيء. * * * (اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (١٧) (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ) ْذا القوة، وكانت قوته على العبادة أتم قوة، كان يصوم يوماً ويفطر يوماً. وذلك أَشَدُّ الصوْمِ، وكان يُصَلِّي نصفَ الليل.

стр. 1680

(إِنَّهُ أَوَّابٌ). رجاع إلى اللَّه كثيراً، الآيب الراجع، والأوَّابُ الكثيرُ الرُّجوعِ. * * * (إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (١٨) الإشراق: طلوع الشمس وإضاءتُهَا، يُقَالُ شَرِقَت الشَمْسُ إذا طلعت. وأشرقت إذا أضاءت، وقد قيل شرقت وأشرقت إذا طلعت في معنى واحد. والأول أكثر. * * * (وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (١٩) كانت الجبال تُرَجَع التسبيح، وكانت الطير كذلك، فيجُوز أن تكون الهَاءُ للَّهِ - جلَّ وعزَّ - أي كل للَّهِ مسبح، الطير والجبال وَدَاودُ يسبحون للَّهِ ، ويرجعون التسبيح. ويجوز - واللَّه أعلم - أن يكون (كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ) كل يُرَجعْنَ التسبيح مع داود، يُجِبْنَهُ، كلما سبح سبحت الجبال والطير معه. * * * (وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ (٢٠) ويجوز وشدَّدنا، ولا أعلم أَحدأ قَرَأَ بهَا. معناه قوينا ملكه فكان من تقوية ماكه أنه كان يَحْرُسُ محرابه في كل ليلة ثلاثة وثلاثون ألفاً مِنَ الرجَال. وقيل أيضاً إنَّ رَجُلًا استعدى إليه على رجل، فادعى عليه أنه أخذ منه بَقَراً، فأنكر المدعى عليه فسأل داود المدعي البينة فلم يقمها، فرأى داود في منامه أن اللَّه يأمره أن يقتل المدعى عليه، فتثبت داود، وقال هو منام، فأتاهُ الوحي بعد ذلك أَنْ يَقْتُلَه فأحضره ثم أعلمه أن الله أَمَرهُ بقَتْلِه، فقال المُدَّعَى عليه: إن اللَّه - جلَّ وعزَّ - ما أخذني بهذا الذنب، وإني قتلت أبا هذا غِيلةً فقتله داود، فذلك مما كان عظم الله، وشدَّدَ ملكه به.

стр. 1681

(وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ). قيل في ذلك أن يحكم بالبينة واليمين، وقيل في فصل الخطاب، أن يفصل بين الحق والباطل. وقيل (أَما بعد)، وهو أول من قال أَمَّا بَعْدُ. * * * (وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (٢١) والمحرابُ أرفع بيت في الدار، وكذلك هو أرفع مكان في المسجد، والمحراب ههنا كالغرفة. قال الشاعر: رَبَّةُ مِحْرابٍ إِذا جِئْتُها. . . لم أَلْقَها أَو أَرْتَقي سُلَّما و (تَسَوَّرُوا) يدُلُّ على عُلُوٍّ. وقال (الخَصْم) ولفظه لفظ الواحد، و (تَسَوَّرُوا) لفظ الجماعة لأن قولك خصم يصلح للواحد والاثنين والجماعةِ والذكر والأنثى، يقال: هذا خَصم وهي خصم وهما خصم وهم خُصْم. وإنما صلح لجميع ذلك لأنه مصدر، تقول خصمته أَخْصِمُه خَصْماً. المعنى هما ذوا خصم وهم ذوو خصم، وإن قلت خصوم جاز كما تقول هما عدل وهما ذوا عدل، وقال اللَّه تعالى، (وَأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْل مِنْكُمْ). فمعنى هما عدل هما ذوا عدل. فما كان من المصادر قد وصفت به الأسماء فتوحيده جائز، وإن وصفت به الجماعة، وتذكيره جائز وإن وصفت به الأنثى، تقول هو رضًى وهما رِضًى، وكذلك هذه رضًى. * * * وقوله تعالى: (إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ (٢٢) لأنهم أتَوْه مِن غَير مَأتَى الخُصوم، وفي غير وقتهم، وفي وقت لم يكن

стр. 1682

داود يأذن فيه أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْه أحَد، فأنكر ذلك وَفزِع. وإنَّمَا بُعِثَ إليه مَلَكَان فتصَورا في صورة رَجُلَيْن متخاصِميْن. (قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ). القراءة - الرفع، والرافع لِخَصْمانِ نحن، والمعنى نحن خَصْمَانِ ولو كان في الكلام لاَ تَخَفْ خَصْمَيْنِ بَغَى بَعْضُنَا على بَعْض لجاز، على معنى أَتَينَاكَ خَصْمَيْنِ لأنه أنكر إتيانهم، وإتْيَانُ الخُصُومِ قَدْ كَان يعتاده كثيراً. (فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ). أي لا تَجُرْ، يقال أَشَط يُشِط إذا جَار، ويقرأ لَا تَشطُطْ بمعنى لا تَبْعُد عن الحق، وكذلك لَا تَشْطِطْ - بكَسْرِ الطاء وفتح التاء - معناه كمعنى الأول قال الشاعر: تَشُِطُّ غَداً دارُ جِيرانِنا. . . ولَلدَّارُ بَعْدَ غَدٍ (واهْدِنا إلى سَواءِ الصِّراطِ). إلى قصد الطريق - أي طريق الحق. * * * (إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (٢٣) كَنَى بالنعجة عن المرأة. قال الأعشى: فَرمَيْتُ غُفْلَةَ عَيْنِه عن شاتِه. . . فأَصَبْتُ حَبَّةَ قَلْبها وطِحالَها عنى بالشاة ههنا المرأة (١).

стр. 1683

(فَقَالَ أكْفِلْنِيهَا). أي اجعلني أنا أَكْفُلُهَا، وانزل أنت عنها. (وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ). غلبني في الخُصومَةِ، أي كان أقوى على الاحتجاج مِنِّي. * * * (قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (٢٤) المعنى بسؤاله نعجتك ليضمها إلى نعاجه. (وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ). من الشركاء، تقول فلان خليطي وشريكي في معنى وَاحِدٍ. (إلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ). أي قليل هم. وقوله: (وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ) الآية. ويقرأ بالتخفيف - فَتَنَاهُ - يعنى به الملكانِ. ومعنى ظن أيقن، ألا أنه ليس بيقينِ عيانٍ، أَما العِيَانُ فلا يقال فيه إلا علم. (فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ). مكث أرْبَعِينَ يَوْماً سَاجِداً لَا يَرْفَعُ رَأسَهُ يستغفر اللَّه من ذَنْبِهِ، إلا لصلاة مكتوبة ومَا لاَ بُدَّ له منه، وَلاَ ترقأ دَمْعَتُه (١).

стр. 1684

ويروى في التفسير - أن قصةَ داودَ والملكين سَبَبُها أن إبليس - غَضِبَ اللَّهُ عَليه - تمثل له في صورة طَيْرٍ مِنْ ذهَبٍ فسقط بقربه، فأوى إليْه ليأخذه فتنحَّى وطلبه حتى إذَا قَارَبَ أنْ يتناوله تنحى فَبَصُرَ دَاودُ في اتباعِ الطير بِامرأةٍ تغْتَسِلُ، وَبَصُرَتْ به فتجلَّلَت بشعرها حتى سترها ويقال إنها امرأة أُورِيَّا بن حَنَّا. وُيرْوَى أنه كتب إلى صاحب جنده أن يُقْدِمَ أُورِيَّا في حَرْبٍ كانت. فقدَّمَهُ فَقُتِلَ فتزوجَها دَاودُ، وُيرْوَى أن علِيًّا ﵇ قال: من قال: أن داود ﵇ قَارَفَ مِن هذه المرأة ريبةً جَلَدْتُه مائة وستين جلدة، لأن من قذف غير النبى جُلِدَ ثمانين جلدة، ومن قذف نبياً جلد مائةً وستين جَلدة. وكان في التفسير أن داود أحب أن يُتْلِفَ أُورِيَّا حتى يتزوج داود بامرأته. وهذا - واللَّه أعلم - إنما كان من داود على جهة محبَّة أن يتفق له ذلك من غير أن يتعمد أو يسعى فى دم الرجل، فجعله اللَّه له ذنباً لما أحبه. ويجوز أن يكون كتب في أن يُقَدَّمَ أمام التابوت هذا الرجُلُ لبأسه ونَجْدَتِه في الحرب ورَجَا كفايته فاتفق مع ذلك أن أصيب وبه حلت له امرأته فعوتب على محبة امرأة رجل ليس له غيرها، ولداود تسع وتسعون امرأة، فكان ذلك من ذنوب الأنبياء، فلما بالغ في التوبة وجهد نفسه في الرغبة إلى اللَّه في العفو حتى كاد أن يتلف نفسه تائباً ومُتَنَصِّلاً إلى اللَّه من ذنبه، واللَّه قد وصف ذلك فقال: (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ). وَقَوْل عَلِيٍّ ﵇ صلى اللَّه على داود ورحمه - يدل على صحة هذا التأويل، واللَّه أعلم. * * * (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)

стр. 1685

بهذا جاز أن يقال للخلفاء خلفاء الله في الأرض. (فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ). أي بحكم اللَّه (ذكنت خليفته. وقوله: (بِمَا نَسُوا يَوْمَ الحِسَابِ). أي بتركهم العَمَل لهذا اليوْمِ صاروا بمنزلة الناسين، وإن كانوا يُنْذَرُونَ ويُذَكَّرُونَ. * * * (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧) أعلمهم اللَّه أنه يعذبهم علي الظن. وكذْلك: (وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ) وإنَّمَا قيلَ لهم هذَا لأنهم جَحدوا البَعْثَ. ودليلُ هذا قوله: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥). إذا لم يكن رجعة لم يكن فصل بين الفاجر والبَرِّ. وبعد هذا: (أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨) ثم قال: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩) المعنى هذا كتاب لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ. ليُفكِروا في آياته، وفي أَدْبَارٍ أُمُورِهم. أي عواقبها. (وَليَتَذَكرَ أُولُو الألْبَابِ) أي ذَوُو العقولِ. * * * (وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٣٠)
следующие страницы →