(وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ).
قيل في ذلك أن يحكم بالبينة واليمين، وقيل في فصل الخطاب، أن
يفصل بين الحق والباطل.
وقيل (أَما بعد)، وهو أول من قال أَمَّا بَعْدُ.
* * *
(وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (٢١)
والمحرابُ أرفع بيت في الدار، وكذلك هو أرفع مكان في
المسجد، والمحراب ههنا كالغرفة.
قال الشاعر:
رَبَّةُ مِحْرابٍ إِذا جِئْتُها. . . لم أَلْقَها أَو أَرْتَقي سُلَّما
و (تَسَوَّرُوا) يدُلُّ على عُلُوٍّ.
وقال (الخَصْم) ولفظه لفظ الواحد، و (تَسَوَّرُوا)
لفظ الجماعة لأن قولك خصم يصلح للواحد والاثنين والجماعةِ والذكر
والأنثى، يقال: هذا خَصم وهي خصم وهما خصم وهم خُصْم.
وإنما صلح لجميع ذلك لأنه مصدر، تقول خصمته أَخْصِمُه خَصْماً.
المعنى هما ذوا خصم وهم ذوو خصم، وإن قلت خصوم جاز كما تقول هما عدل وهما ذوا عدل، وقال اللَّه تعالى، (وَأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْل مِنْكُمْ).
فمعنى هما عدل هما ذوا عدل.
فما كان من المصادر قد وصفت به الأسماء فتوحيده جائز، وإن
وصفت به الجماعة، وتذكيره جائز وإن وصفت به الأنثى، تقول هو رضًى وهما رِضًى، وكذلك هذه رضًى.
* * *
وقوله تعالى: (إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ (٢٢)
لأنهم أتَوْه مِن غَير مَأتَى الخُصوم، وفي غير وقتهم، وفي وقت لم يكن
стр. 1682
داود يأذن فيه أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْه أحَد، فأنكر ذلك وَفزِع.
وإنَّمَا بُعِثَ إليه مَلَكَان فتصَورا في صورة رَجُلَيْن متخاصِميْن.
(قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ).
القراءة - الرفع، والرافع لِخَصْمانِ نحن، والمعنى نحن خَصْمَانِ ولو كان
في الكلام لاَ تَخَفْ خَصْمَيْنِ بَغَى بَعْضُنَا على بَعْض لجاز، على معنى
أَتَينَاكَ خَصْمَيْنِ لأنه أنكر إتيانهم، وإتْيَانُ الخُصُومِ قَدْ كَان يعتاده كثيراً.
(فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ).
أي لا تَجُرْ، يقال أَشَط يُشِط إذا جَار، ويقرأ لَا تَشطُطْ بمعنى لا تَبْعُد
عن الحق، وكذلك لَا تَشْطِطْ - بكَسْرِ الطاء وفتح التاء - معناه كمعنى الأول
قال الشاعر:
تَشُِطُّ غَداً دارُ جِيرانِنا. . . ولَلدَّارُ بَعْدَ غَدٍ
(واهْدِنا إلى سَواءِ الصِّراطِ).
إلى قصد الطريق - أي طريق الحق.
* * *
(إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (٢٣)
كَنَى بالنعجة عن المرأة.
قال الأعشى:
فَرمَيْتُ غُفْلَةَ عَيْنِه عن شاتِه. . . فأَصَبْتُ حَبَّةَ قَلْبها وطِحالَها
عنى بالشاة ههنا المرأة (١).
стр. 1683
(فَقَالَ أكْفِلْنِيهَا).
أي اجعلني أنا أَكْفُلُهَا، وانزل أنت عنها.
(وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ).
غلبني في الخُصومَةِ، أي كان أقوى على الاحتجاج مِنِّي.
* * *
(قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (٢٤)
المعنى بسؤاله نعجتك ليضمها إلى نعاجه.
(وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ).
من الشركاء، تقول فلان خليطي وشريكي في معنى وَاحِدٍ.
(إلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ).
أي قليل هم.
وقوله: (وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ) الآية.
ويقرأ بالتخفيف - فَتَنَاهُ - يعنى به الملكانِ.
ومعنى ظن أيقن، ألا أنه ليس بيقينِ عيانٍ، أَما العِيَانُ فلا يقال فيه إلا علم.
(فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ).
مكث أرْبَعِينَ يَوْماً سَاجِداً لَا يَرْفَعُ رَأسَهُ يستغفر اللَّه من ذَنْبِهِ، إلا لصلاة
مكتوبة ومَا لاَ بُدَّ له منه، وَلاَ ترقأ دَمْعَتُه (١).
стр. 1684
ويروى في التفسير - أن قصةَ داودَ والملكين سَبَبُها أن إبليس - غَضِبَ اللَّهُ
عَليه - تمثل له في صورة طَيْرٍ مِنْ ذهَبٍ فسقط بقربه، فأوى إليْه ليأخذه فتنحَّى وطلبه حتى إذَا قَارَبَ أنْ يتناوله تنحى فَبَصُرَ دَاودُ في اتباعِ الطير بِامرأةٍ تغْتَسِلُ، وَبَصُرَتْ به فتجلَّلَت بشعرها حتى سترها
ويقال إنها امرأة أُورِيَّا بن حَنَّا.
وُيرْوَى أنه كتب إلى صاحب جنده أن يُقْدِمَ أُورِيَّا في حَرْبٍ كانت.
فقدَّمَهُ فَقُتِلَ فتزوجَها دَاودُ، وُيرْوَى أن علِيًّا ﵇ قال:
من قال: أن داود ﵇ قَارَفَ مِن هذه المرأة ريبةً جَلَدْتُه مائة وستين جلدة، لأن من قذف غير النبى جُلِدَ ثمانين جلدة، ومن قذف نبياً جلد مائةً وستين جَلدة.
وكان في التفسير أن داود أحب أن يُتْلِفَ أُورِيَّا حتى يتزوج داود بامرأته.
وهذا - واللَّه أعلم - إنما كان من داود على جهة محبَّة أن يتفق له ذلك من غير أن يتعمد أو يسعى فى دم الرجل، فجعله اللَّه له ذنباً لما أحبه.
ويجوز أن يكون كتب في أن يُقَدَّمَ أمام التابوت هذا الرجُلُ لبأسه ونَجْدَتِه في الحرب ورَجَا كفايته فاتفق مع ذلك أن أصيب وبه حلت له امرأته فعوتب على محبة امرأة رجل ليس له غيرها، ولداود تسع وتسعون امرأة، فكان ذلك من ذنوب الأنبياء، فلما بالغ في التوبة وجهد نفسه في الرغبة إلى اللَّه في العفو حتى كاد أن يتلف نفسه تائباً ومُتَنَصِّلاً إلى اللَّه من ذنبه، واللَّه قد وصف ذلك فقال: (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ).
وَقَوْل عَلِيٍّ ﵇ صلى اللَّه على داود ورحمه - يدل على صحة
هذا التأويل، واللَّه أعلم.
* * *
(يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)
стр. 1685
بهذا جاز أن يقال للخلفاء خلفاء الله في الأرض.
(فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ).
أي بحكم اللَّه (ذكنت خليفته.
وقوله: (بِمَا نَسُوا يَوْمَ الحِسَابِ).
أي بتركهم العَمَل لهذا اليوْمِ صاروا بمنزلة الناسين، وإن كانوا يُنْذَرُونَ
ويُذَكَّرُونَ.
* * *
(وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧)
أعلمهم اللَّه أنه يعذبهم علي الظن.
وكذْلك: (وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ)
وإنَّمَا قيلَ لهم هذَا لأنهم جَحدوا البَعْثَ.
ودليلُ هذا قوله: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥).
إذا لم يكن رجعة لم يكن فصل بين الفاجر والبَرِّ.
وبعد هذا: (أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨)
ثم قال: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ
(٢٩)
المعنى هذا كتاب لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ. ليُفكِروا في آياته، وفي أَدْبَارٍ أُمُورِهم.
أي عواقبها.
(وَليَتَذَكرَ أُولُو الألْبَابِ) أي ذَوُو العقولِ.
* * *
(وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٣٠)
стр. 1686
المعنى نعم العبدُ سُلَيْمَانُ إنَّه أوَّابٌ كَثِير الرجوعِ.
* * *
(إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (٣١)
الصافنات الخيل القائمة، وقال أهلُ اللُّغَة وأهل التفسير، الضافنُ القائم
الذي يثني إحدى يديه أو إحدى رجليه حتى يقف بها على سَنْبُكِه.
وهو طرف الحافِرِ، فثلاث من قوائمه متصلة بالأرض، وقائمة منها تَتصِلُ بالأرْضِ طرف حافِرهَا فقط
قال الشاعر
أَلِفَ الصُّفُونَ فلا يَزالُ كأَنه. . . مما يَقُومُ على الثلاثِ كسيرا
وقال بعضهم الصافِن القائِمُ ثَنَى إحْدَى قَوائمِه ولم يثنها، والخيل أكثر ما
تقف - إذا وقفت - صافنةً، لأنها كأَنَّهَا تُراوح بين قوائمها.
* * *
(فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ
(٣٢)
" الخير " ههنا الخيلُ، والنبي ﷺ سمَى زيد الخيل - زيد الخير، وإنما سميت الخيل الخير لأن الخير معقود بنواصي الخيل - كذا جاء في الحديث.
وكانت هذه الخيل وردت على سليمان من غنيمة جيش كان له، فتشاغل
стр. 1687
باعتراضها إلى أن غابت الشمس وفاتته صلاة العصر.
قال أهل اللغة: (حَتَّى تَوارَتْ بِالحِجَابِ).
يعنى الشمس، ولم يَجْر للشمس ذكر. .
وهذا لا أحسبهم أعْطَوُا الفكرَ حقَّه فيه، لأن في الآية دليلاً يدل على الشمس، وهو قوله: (إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ) والعِشي في معنى بَعدَ زَوال الشمس.
حتى تَوارَتِ الشمسُ بالحجاب، وليس يجوز الإضمارُ إلا أن يجرِيَ ذكْر أو دَليلُ ذِكْرٍ بمنزلة الذِكْرِ.
وكان سليمان لِهَيْبَتِه لا يَجْسُر عليه أَحَدٌ حَتَّى يُنَبَّه لوقت صلاة، ولست أدري هل كانت صلاةُ العَصْرِ مَفْروضَةً في ذلك الوقت أم لا، إلا أن اعتراضه الخيل قد شغله حتى جاز وَقْت يذكر اللَّه - جلَّ وعزَّ - فيه.
ومعنى (أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ) آثرت حب الخير على ذكر اللَّه (١).
* * *
(رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ (٣٣)
المسح ههنا على ما جاء في التفسير القطع، وَروي أنه ضَرَبَ سُوقها
وأعناقَها (٢)، وسُوق جمعُ سَاقٍ، مثل دَار ودُور. ولم يكن سليمان ليضرب أعناقها إلا وقد أباح اللَّه ذلك، لأنه لا يجعل التوبة من الذنب بذَنْبٍ عظيم. وقال قوم إنه مسح أعناقها وسوقها بالماء وبيده، وهذا ليس يوجب شغلها إياه، أعني أن يمسحها بالماء، وإنَّمَا قال ذلك قوم لأن قتلها كان عندهم منكراً.
وليس ما يبيحه اللَّه بمنكر، وجائز أن يباح ذلك لسليمان في وقته ويحظر في هذا الوقت، ومالك يذهب إلى أنه لا ينبغي أن يؤكل لحم الخيل والبغال
والحمير، لقول اللَّه : (وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً)
وقال في الإبل: (لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ)
стр. 1688
(وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (٣٤)
(فَتَنَّا) امتحنا.
(وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا).
جاء في التفسير أنه كان لسليمان ابن فخاف عليه الشياطينَ، لأن
الشياطين كانت تَقْدِر الراحة مما كانت فيه بموت سليمان، فقالت إن بقي له
وَلَدٌ لَمْ نَنْفكَّ مما نحن فيه، فغذاه في السحاب إشفاقاً عليه فمات. فألقى
على كرسيه جَسَدٌ، فجائز أن يكون هذا مُجازاتَهُ على ذَنْبِه، وجائز أن يكون فأثكله اللَّه وَلَدَهُ.
وأكثر ما جاء في التفسير أن " جسداً " ههنا شيطان، وأن سليمان أُمِرَ ألا
يتزوج امرأةً إلا من بني إسرائيل، فتزوج من غيرهم امرأةً كانت تعبد غير اللَّه، فعاقبه اللَّه بأن سَلَبَه مُلكَهُ وكان ملكه في خاتمه فدفعه عند دخوله الحمام إلى شيطانٍ، وجاء في التفسير أنه يقال له صَخْر، فطرحه في البحر فمَكث أربعين يوماً يتيه في الأرض حتى وَجَدَ الخاتم في بطن سَمكةٍ.
وكان شيطان تصور في صورته وجلس مجلسه، وكان أمره ينفذ في جميع مَا كَان يَنْفُذُ فيه أَمْرُ سُلَيمانَ، خَلَا نساءِ سُليمانَ، إلى أن رَدَّ اللَّه عليه ملكه (١).
قال: (فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ).
أي ذلك الذنب.
(وَإِن لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ) حسن مَرْجِع.
* * *
(قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٣٥)
стр. 1689
أي هب لي ملكاً يكون فيه آية تدل على نبوتي، لا ينبغي لأحد من
بعدي من الآدميين الذين ليسوا بأنْبياء، يكون له آية تدل على أنك غفرت لي
وَرَددت إليَّ نبوتي. والدليل على هذا قوله
(فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (٣٦)
(رُخَاءً) لينةً، وقيل (تجري بأمره) ليست بشديدة كما يحب.
(حَيْثُ أصَابَ)
إجماع المفسرين وأهل اللُّغَةِ أنه حيث أراد، وحَقِيقَتُهُ
قَصَدَ، وكذلك قولك للمجيب في المسألة: أَصَبْتَ، أي قَصدْتَ، فلم
تخطئ الجواب.
* * *
(وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧)
(الشَّيَاطِين) نسق على الريح.
وقوله (كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ) يدل على أنه من الشياطين.
المعنى وسخرنا له كل بناء من الشياطين وكل غواص.
وكان من يبني: (يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ).
وكان من يغوص يخرجون له الحلية من البحر.
(وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٣٨)
مَرَدَةُ الجن الشياطين، سُخروا له حتى قَرَنَهم في الأصْفَادِ.
والأصفاد السلاسل من الحديد، - وكل ما شددته شدًّا وثيقاً بالحديد وغيره، فَقَد صَفَدْتَه
وكل من أعطيته عطاء جزيلًا. فقد أصفدتَه كأنك أعطيته ما ترتبط به، كما تقول للمُتَخِذِ مَالاً أَصْلاً يبقى عليه: قد اتخذت عقدة جَيدَةً.
* * *
(هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٩)
(هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ)
أي أطلق من شئت مِنهم.
стр. 1690
(هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ
(أَوْ أَمْسِكْ) أو احبس مَن شئت ولا حِسَابَ عليك في حَبْسِه.
وجائز أن يكون عطاؤنا ما أعطيناكَ من المال والكثرة والملك.
فامنن، أي فاعْطِ منه.
(أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ).
بغير مِنةٍ عَلَيْكَ، وإن شئت بغير حساب بغير جَزاء.
* * *
(وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ
(٤١)
(عَبْدَنَا) منصوب بوقوع الفعل عليه، و (أَيُّوبَ) بدل من (عَبْدَنَا)، لأن أيوب
هو الاسم الخاص، والاسم الخاص لا يكون نعتاً إنما يكون بدلًا مُبيّناً
بِـ (نُصْبٍ) وَنَصَبٍ - بفتح النون والصاد، ونُصْبٍ بضم النون بمعنًى وَاحدٍ - وقَدْ قُرئتْ بِنُصْب بضم النون - وإسكان الصاد، وقرئت بفتح النون وإسكان الصاد.
وَنَصَبٍ بفتح النون والصادِ بِمَنْزِلَةِ نُصْبٍ بضم النونِ، والنُّصْب والنَّصَب بمنزلة الرُّشْد والرَّشَدِ، والبُّخل والبَّخل والعُرْب والعَرَب. والنَّصْبُ - بفتح النون وإسْكانِ الصادِ على أصل المصدر، والنُّصْب والنصَبُ على معنى نَصَبْتُ نَصْباً وَنُصْباً. وَنَصْباً على أصل المصدر.
ومعنى (بِنُصْب وَعَذَابٍ) بضُرٍّ في بَدِنِي، وَعَذَابٍ في مَالِي وَأَهْلِي
ويجوز أن يكون بضُرٍّ في بَدَني وعذاب فيه.
وروي أنه مكث أيوب ﵇ سَبْعَ سِنِينَ مُبتَلًى يسعى الدُّودُ من
بَدَنِه، فنادى رَبِّه: (أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) (١).
* * *
(ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (٤٢)
المعنىٍ قلنا له: ارْكُضْ بِرِجْلِكَ: معناه دُسِ الأرض برجلك فداس
الأرْض دَوْسَة خفيفةً، فنبعت له عَيْن فاغتسل منها فَذَهَبِ الداء من ظاهر بدنه، ثم داس دَوْسة ثانية فنبع ماء فشرب منه فغسِلَت الداء من باطن بَدَنِه.
стр. 1691
(وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٤٣)
قيل: وَوَهَبْنَا له أهله أعطيناه في الآخِرة ثوابَ فقدهم، ووهبنا له في
الدنيا مثلهم، وقيل أُحْيِي له أَهْلُه، وَوُهِبَ لَهُ مِثْلُهم.
(رَحْمَةً مِنَّاا).
(رَحْمَةً) منصوبة مفعول لها.
(وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ).
لذوي العقول، ومعنى (وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ) إذا ابتُليَ اللبيبُ ذَكر بَلاءَ
أَيوبَ فصَبَرَ.
* * *
(وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٤٤)
المعنى وقلنا خذ بيدك. والضغث الحِزْمَةُ منَ الحَشِيش أو الريحان أو ما
أشبه ذلك.
وجاء في التفسير أن امرأة أيوبَ قالت له: لو تقربت إلى الشيطان
فذبحت له عَنَاقاً: قال ولا كفًّا من تُرَاب، وَحَلَفَ أن يَجْلِدَها إذا عُوفيَ مائةَ
جَلْدةٍ، وشكر الله لها خِدْمَتَها إيَّاهُ فجعل تحلة يَمِينهِ أن يأخذ حزْمَة فيها مائة
قضيبٍ فيضربها ضربة واحدة.
فاختلف النَّاسُ فَقَالَ قومٌ هذا لِأيوبَ ﵇ خاصَّةً.
وقال قوم: هذا لسائر الناس.
(أَوَّابٌ) كثير الرجوع إلى اللَّه.
* * *
(وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (٤٥)
(وَاذْكر عَبْدَنَا - (وعبادنا) (١)
من قال (عبادَنا) جعل إبراهيمَ وإسحاق ويعقوبَ بدَلاً مِنْ عِبَادِنَا.
ومن قرأ
стр. 1692
عبَدنَا جعل إبراهيم وحدَهُ البَدَلَ، وجعل إسحاق ويعقوب عَطْفاً على قوله
عَبْدنا.
وقوله: (أُولي الأيْدِي).
وقرئت الأيْد بغير ياء ومعنى أولي الأيدي أولي القوة في العبادة.
(والأبْصَارِ) أي هم ذوو بَصِيرةٍ فيما يقرب إلى اللَّه.
وقد يقول للقوم: لهم أيَدي بهؤلاء أي هم قادرون عليهم
قال الشاعر:
اعْمِدْ لِما تَعْلُو فما لكَ بالذِي. . . لا تَسْتَطِيع مِنَ الأُمورِ يَدانِ
أي اعمد لما تَقْهرُ ولا تعمد لما تُقْهَرُ فِيه، أي فما لك قَوة.
من قرأ أُولي الأيْدِ بِغَير يَاء فمعناه من التأييد والتقوية على الشيء.
* * *
وقوله: (إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (٤٦)
ويقرأ بخالصةِ ذكرى الدار على إضافة خالصة إلى ذكرى
ومن قرأ بالتنوين جعل ذكرى الدار بدلًا مِنْ خَالِصَةٍ.
ويكون المعنى إنا أَخْلَصناهم بذكرى الدَّارِ.
ومعنى الدار ههنا الدار الآخرة.
وتأويله يحتمل وجهين:
أحدهما: إنا أَخْلَصْنَاهم جعلناهم لنا خالصين، بأن جعلناهم يُذَكِرُون بالدار
الآخرة، وُيزَهِّدُونَ في الدنيا، وكذلك شأن الأنبياء صلوات اللَّه عَلَيْهِم. وَيَجُوزُ أنْ يكون بأنهم يكثرون ذكر الآخرة والرجوع إلى الله جلَّ وعَزَّ.
* * *
(وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ (٤٧)
أي الذين اتخذهم اللَّهُ صَفْوةً، صَفاهم من الأدناس كلِّهَا وَأَخْلَصَهُم
منها.
стр. 1693
وقوله: (وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ (٤٨)
ويقرأ واللَّيْسَعَ وَذَا الكِفْلِ.
وكان تكفلَ بعمل رَجُل صالح. يقال إنه كان يصلي ذلك الرجل في كل يوم مائة صلاة فتُوُفِّيَ الرجل الصالح فتكفل ذو الكفل بعمله، فكان يعمل عمله، ويقال إن ذا الكفل تكفَّل بأمْرِ أَنْبِيَاءَ فخلَّصهم من القتل فسُمِّيَ ذا الكِفْلِ.
(وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ).
المعنى وكل هؤلاء المذكورين من الأخيار.
والأخيار جمع خيِّر وأَخْيارٌ مثل ميِّت وأموات.
* * *
(هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ (٤٩)
معناه - واللَّه - أعلم - هذا شرف وذكر جميل يذكرون به أَبداً، وإن لهم
مع ذلك لَحُسْنَ مآبٍ أي لحسن مَرْجع.
يذكرون في الدنيا بالجميل ويرجعون في الآخرة إلى مغفرة اللَّه.
ثم بين كيف حسن ذلك المرجعْ فقال:
* * *
(جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ (٥٠)
(جَنَّاتِ) بدل من (لَحُسْنَ مَآبٍ)
ومعنى مفتحة لهم الأبواب أي منها.
وقال بعضهم: مُفَتحَةً لهم أبْوَابُها والمعنى وَاحِد، إلا أن على تقدير العَرَبيةِ
" الأبْوابُ مِنْهَا " أجودُ من أَنْ تجعل الألف واللام وبدلًا من الهاء والألف. لأن معنى الألف واللام ليس معنى الهاء والألف في شيء.
لأن الهاء والألف اسم، والألف واللام دخلتا للتعريف، ولا يبدل حرف جاء لمعنى من اسم ولا ينوب عنه. هذا محال (١).
* * *
(وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ (٥٢)
стр. 1694
يعني حُوراً قد قَصَرْن طَرْفَهُن على أزواجهن فلا يَنْظُرْنَ إلى غيرهم.
(أَتْرَابٌ).
أقران، (وَكَواعِبَ أَتْرَاباً) أي أسنانهن وَاحِدة، وهن في غاية الشباب
والحُسْنِ.
* * *
(هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ (٥٣)
أي ليوم تجزى كل نفس بِمَا عَملَتْ، ثم أعلم اللَّه أن نعيم
أهل الجنة غير منقطع فقال:
* * *
(إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ (٥٤)
أي ماله من انقطاع.
* * *
(هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (٥٥)
المعنى: الأمر هذا. فهذا رفع خبرَ الابتداء المحذوف، وإن شئت كان
هذا رفعاً بالابتداء والخبر محذوف، وجهنم بدل مِنْ (شَرَّ مَآب)، أي شر مَرْجِع.
* * *
(هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (٥٧)
بتشديد السين وتخفيفها، وحميم رفع من جهتين:
إحداهما على معنى هذا حميم وغسَّاق فليذوقوه.
ويجوز أن يكون (هذا) على معنى تفسير هذا (فليذوقوه) ثم قال بعد
(حميم وغسَّاق).
ويجوز أن يكون (هذا) في موضع نصب على هذا التفسير.
ويجوز أن يكون في موضع رفع.
فإذا كان في موضع نصب فعلى " فَلْيَذُقُوا هَذا " فليذقوه.
كما قال: (وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ). ومثْلُ ذَلِكَ زَيداً فاضربه.
стр. 1695
ومن رفع فبالابتداء ويجعل الأمر في موضع خبر الابتداء، مثل
(وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا).
وقيل إن معنى (غساق) الشديدُ البرْدِ الذي يُحْرِقُ من بَرْدِه، وقيل إن
الغساقَ ما يغسق من جلود أهل النار.
ولو قطرت منه قطرة في المشرقِ لِأنْتَنَتْ أهل المغرب.
وكذلك لو سقطت في المغرب (١).
* * *
(وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ (٥٨)
وَيُقْرأ (وأُخَرُ) (وَآخَرُ) عطف على قوله (حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ).
أي وعَذَابٌ آخَرُ مِنْ شَكْلِه - يقول مثل ذلك الأول.
ومن قرأ وأُخرُ، فالمعنى وأنواع أُخَر من شكله.
لأن قوله: (أزواج) معناه أنواع.
* * *
(هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ (٥٩)
الفوج هم تُبَّاعُ الرؤسَاءِ وَأَصْحابهم في الضلالة
وقيل لهم: (لَا مَرْحَبًا) مَنْصُوبٌ كقولك رَحُبَتْ بِلَادُكَ مرحبا، وصَادفْتَ مَرْحَباً، فأدْخَلْتَ (لا) على ذَلِكَ المعنى (٢).
* * *
(قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ (٦٠)
هذا قول الأتْباعِ للرؤساء.
* * *
(قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ (٦١)
أي زِدْه على عذابه عذاباً آخر.
ودليل هذا قوله تعالى: (رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (٦٧) رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ)
وَمعنى صعْفين مَعْنَى فِزده عذاباً ضِعْفاً.
стр. 1696
وقوله تعالى: (أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ (٦٣)
(أَتَّخَذْنَاهُمْ)
يقرأ بقطع الألفِ وفتحها على مَعْنَى الاستفهام (١)
ومن وصلها كان على
معنى. إنا اتخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا، ويقرأ (سِخْرِيًّا) و (سُخْرِيًّا) - بالكَسْر والضمِ.
والمعنى واحد،.
وقَدْ قَال قَوْمٌ: إن ما كان من التسخير فهو مضموم الأول.
وما كان من الهزؤ فهو مكسور الأول.
* * *
وقوله : (إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (٦٤)
أي إن وَصْفَنَا الذي وصفناه عَنْهُم لَحَق (٢)
ثم بين ما هو فقال: هو
تخاصم أهل النار، وهذا كله على معنى إذا كان يومُ القيامة
قال أهل النار كذا وكذلك كلُّ شيء في القرآن
مما يحكي عن أهل الجنة والنار.
* * *
ْ (قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٦٥)
أي قل إنك تنذر، وإنك تدعو إلى توحيد اللَّه.
وَلَوْ قُرِئَتْ: (إِلَّا اللَّهَ الْوَاحِدَ الْقَهَّارَ) - بالنصب - لجَازَتْ ولكنهُ لَم يقْرأ بها، فَلَا تقرأن بها.
ومن نصب فعلى الاستثناء، ومن رفع فعلى معنى ما إله إلا اللَّهُ.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (٦٨)
أي قل النبأ الَّذِي أنبأتكم به عن اللَّه نبأ عَظِيم، والذي
أنبأتكمْ به دليل على نُبُوتي.
يعني ما أنبأكم به النبي ﷺ من قصة آدم
وإبليس، فإن ذلك لا يعلم إلا بقراءة الكُتُبِ أو بِوَحْي من اللَّه، وقد علم
الذين خاطبهم النبي ﷺ أنه لم يقرأ كتاباً ولا خطه بيمينهِ ولا كان رَيْبٌ فيما يخبر به أنه وحيٌ ثم بيَّنَ ذلك فقال:
* * *
(مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٦٩)
стр. 1697
أي ما علمت هذه الأقاصيص إِلا بِوَحْيٍ منَ اللَّهِ.
* * *
(إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (٧١)
هم الملأ من الملائكة، وملأ كل قرية وجوههم وأفَاضِلهَمَ.
* * *
(قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ (٧٥)
((قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ)
تقرأ على ثلاثة أوجه:
(بِيَدَيَّ) على التَّثْنِية، و (بِيَدَيَ اسْتَكْبَرْتَ) بفتح الياء
وتخفيفها وتوحيد اليد، وبتسكين اليد والتوحيد، (بِيَدَي استكبرت) (١).
* * *
(قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٧٧)
أي فإنَّكَ لَعين، معناه فإنك مرجوم باللعنة.
* * *
(وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (٧٨)
يوم تدان كل نفس بما كسبت، ومعنى يوم الدين يوم الجزاء.
* * *
(إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٨١)
الَّذِي لَا يَعْلَمُه إِلا اللَّهُ، ويوْم الوَقْتِ يَومُ القيامة.
* * *
وقوله: (إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)
بفتح اللام، أخْلَصَهُم اللَّه لِعِبَادَتِه، ومن كسر اللام، فإنَّمَا أراد الَّذِين
أخْلَصُوا دينَهُمْ اللَّه.
* * *
(قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤)
стр. 1698
وقرئت: (قَالَ فَالْحَقَّ وَالْحَقَّ أَقُولُ) بنصبهما جميعاً.
فَمن رَفَع فعلى ضربين:
على معنى فَأنا الحقُّ، والحقُّ أقُولُ.
ويجوز رفْعُه علي معْنَى فَالحَقُّ مِنِّي.
ومن نصب فعلى معنى فالحقَّ أَقُولُ والحقَّ لأملأن جهنم حَقًّا.
* * *
(وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (٨٨)
أي بعد الموت.
стр. 1699
سُورَة الزُّمَر
(مَكِّيَّة)
ما خلا ثلاث آيات نزلت بالمدينة
(قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ)
إلى تمام ثلاث آيَاتٍ.
يقال سورة الغُرَف ويقال سورة الزمَر.
روي عن وهب بن منبه أنه قَالَ: مَنْ أَحَبَّ أن يعرف قضاء اللَّه في
خلقه فليقرأ سورةَ الغُرَف.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله جلَّ وعزَّ: (تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ).
الكتاب ههنا القرآن، ورفع تنزيل الكتاب من جهتين:
إحداهما الابتداء ويكون الخبر من اللَّه، أي نزل من عند اللَّه.
ويجوز أن يكون رفعه على: هذا تنزيل الكتاب.
* * *
وقوله: (فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢)
(الدِّينَ) منصوب بوقوع الفعل عليه، و (مُخْلصاً) منصوب على الحال، أي
فاعبد اللَّه موحداً لا تشرك به شيئاً.
وزعم بعض النحويين أنه يجوز مخلصاً له الدِّينُ، وقال يرفع الدِّينُ على قولك مخلِصاً، له الدِّينُ، ويكون مخلصاً تمام الكلام.
ويكون له الدين ابتداء.
وهذا لا يجوز من جهتين.
إحداهما أنه لم يقرأ به،
стр. 1700
والأخرى أنه يفسده (أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ) فيكون " له الدينُ " مكرراً
في الكلام، لا يحتاج إليه، وإنما الفائدة في (أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ)
تحسن بقوله (مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ).
ومعنى إخلاص الدِّينِ ههنا عبادة الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وهذا جرى
تثبيتاً للتوحيد، ونفياً للشرك، ألا ترى قوله: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (٣)
أي فَأَخْلِصْ أَنْتَ الدِّينَ، ولا تتخذ من دونه أولياء، فهذا كله يؤكده
مخلصاً له الدِّينَ.
وموضع (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ. .)
(الَّذِينَ) رفع بالابتداء، وخبرهم محذوف، في الكلام دليل عليه
المعنى والذين اتخذوا مِنْ دُونهِ أَوْليَاءَ يقولون مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى.
والدليل على هذا أيضاً قراءة أُبَى: (مَا نَعْبُدكُمْ إلا لتُقرِّبُونَا إلَى اللَّهِ).
هذا تصحيح الحكاية.
المعنى يَقُولُون لأوليَائِهِمْ: ما نعبدكم إلا لتقربونا إلى اللَّه زلفى، وعلى هذا
المعنى، يقولون ما نعبدهم، أي يقولون لمن يقول لهم لم عبدتموهم:
ما نعبدهم إلا ليُقَربُونَا إلى الله زلفى. أَيْ قُرْبَى.
ثم أعلم أنه لا يهدي هؤلاء فقال:
(إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ).
ثُمَّ أَعْلَمَ جلَّ وعزَّ: أنه تعالى عن هذه الصفة فقال:
(لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٤)
стр. 1701
أي تنزيهاً له عن ذلك. .
(هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ).
وفي هذا دليل أن الذين اتخذوا من دونه أولياء قد دخل فيهم من قال
عيسى ابن اللَّه - جلَّ اللَّه وعزَّ عن ذلك -.
ومن قال: العُزيْرُ ابن اللَّه.
ثم بَيَّنَ - جلَّ وعزَّ - مَا يَدُل على توحيده بما خلق ويعجز عنه المخلوقونَ فقال:
(خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٦)
" ثُمَّ " لا تكون إلا لشيءٍ بعد شيء.
والنفس الواحدة يعني بها آدم ﷺ وزوجها حَوَّاءُ. وإنَّما قوله " ثُمَّ " لمعنى خلقكم من نَفْس واحدةٍ، أي خلقها
وَاحِدة ثم جعل منها زوجها، أي خلقها ثم جَعَل مِنها زَوْجَها قَبْلَكُمْ.
وقوله: (وأنْزَلَ لَكُمْ مِن الأنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ).
يعنى من الإبل ذَكَراً وأُنْثَى، ومن البقر ذكراً وأنثى ومن الضأن كذلك
ومِن المَعْزِ ذكراً وأُنثى.
يقال للذكر والأنثى زوجان كل وَاحِدٍ منهما يقال له
زوج.
(يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ).
نُطَفاً ثم عَلَقاً ثم مُضَغاً ثم عِظَاما ثم تُكْسَى العظامُ لحْماً، ثم تُصَوَّرُ
وتنفخُ فيها الروحُ، فذلك معنى قوله: خَلْقاً من بعْدِ خَلْقٍ في ظلمات ثلاث في البطن، والرَّحِم، والمشيمة.
وقد قيل في الأصلاب والرحِم والبَطْن.
(ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ).
المعنى الَّذِي دَبَّر الخَلْقَ هَذا التَدْبِيرَ لَيْس كَمثِله شيء.
(فَأَنَّى تُصْرَفُونَ).
стр. 1702
المعنى فمن أين تصرفون عن طريق الحق، مثل: (فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ)
أي ْفكيف تعدلون عن الحق بعد هذا البيانِ الذي يدل على صحة التوحيد.
* * *
(إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٧)
(وَإنْ تَشكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ).
معناه يرضى الشكر، لأن قوله ((وَإنْ تَشكُرُوا) يَدُلُّ عَلَى الشكر.
وقوله: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى).
لا يؤخذ أَحَذ بِذنب أَحَدٍ.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ (٨)
(مُنِيبًا إِلَيْهِ) أي تائباً إليه.
(ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ).
أي أذهب الضُّرَّ عَنْهُ وَأَنْعَمَ عَلَيْهِ.
(نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ).
يقول: نسي الذعَاء الذي كان يتضرع به إلى اللَّه - جلَّ وعزَّ -
وجائز أن يكون معناه نسي اللَّه الذي كان يَتَضَرع إلَيْهِ من قبل.
ومثله: (وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥).
فكانت (ما) تدل على اللَّه، و " من " عبارة عن كل مُمَيِّز.
و (ما) يكون لكل نوع، تقول: ما عندك؟ فيكونُ الجوابُ رجل
أو فرس أو ما شئت من الأجناس، فَيَدْخُل المميز في (ما) من جهةِ دُخولها
على الأجناس.
(قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا).
لفظ هذا لفظ أمر، ومعناه - التهديد والوعيد.
ومثله (فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ) ومثله: (فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ)، ومثله قوله
стр. 1703
لمن يتهدده: عُدْ لِما أكره وَحَسْبُكَ، فأنت لست تأمره في المعنى وإنَّمَا تتوعده وتتهدده.
* * *
وقوله : (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩)
(أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ)
ساعات الليل، وأكثر القراءة بتشديد الميم عَلى معنى بل أم من هو
قانت - والقانت المقيم على الطاعة، ودعاء القُنُوتِ الدعاء في القيام، فالقانت القائم بما يجب عليه من أمر اللَّه، ويُقرأ (أَمَنْ هو قانِتٌ) بتخفيف الميم، وتأويله: أمن هو قانت كهذا الذي ذكرنا ممن جعل للَّهِ أنداداً، وكذلك (أَمَّنْ) معناه بَلْ أَمَنْ هو قانت كغيره، أي أمن هو مُطيعٌ كَمن هُوَ عَاص.
(يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ).
معناه يحذر عذاب الآخرة.
(قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ).
أي لا يستوي العالم والجاهل، وكذلك لا يَسْتَوي المُطيعُ والعَاصِي
و (أولُوا الألْبَابِ): ذوو العقول، وواحد الألباب لب وهي العقول.
**
(قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠)
ذكر سعة الأرض ههنا لِمَن كان يعبد الأصنام.
وَأَمَرنا بالمهاجرة عن البَلَدِ الذي يُكَرَهُ فيه على عبادتها، كما قال:
(أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا)
وقد جرى ذكر الأوثان في قوله: (وَجَعلَ للَّهِ أنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلهِ).
(إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ).
стр. 1704
أي من صبر على البلاء في طاعة اللَّه أُعْطِيَ أَجْرَهُ بغَير حساب.
جاء في التفسير بغير مكيال وَغير مِيزَانٍ.
يُغْرَفُ لَهُ غَرْفاً، وهذا وإن كان الثوابُ لا يقع على بعضه كيل ولا وَزْن مِما يَتنَغمُ به الإنسان من اللذَةَ@ والسرُور والرَّاحة، فإنهُ
يمثل ما يعلم بحاسَّةِ القلب بما يدرك بالنظَرِ، فيعرف مقدار القلَّة من الكثرة.
* * *
وقوله: (قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (١١)
يقول: إني أمرت بتوحيد اللَّه، وأُمِرَ الخلقُ كلُّهُمْ بذلك، وَأَلَّا يُتخذَ من
دُوبهِ وَليًّا ولا يجعلَ له أَنْدَاداً.
* * *
وقوله: (فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١٥)
(فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ)
هذا على ما قلنا من الوعيد مثل قوله: (قُلْ تمتعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً).
وهذا يدل - واللَّه أعلم - على أنه قَبْلَ أن يؤمَرَ المسلمون بالحرب، وهو مثل (فمن شاء فليؤمن ومَنْ شَاءَ فَليَكْفُر).
وقد بين حظ المؤمنين من جزيل الثواب، وحظ الكافرين من عظيم العقاب.
وقوله تعالى: (قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ).
هذا يعني به الكفار، فإنهم خسروا أَنْفُسَهُم بالتخليد في النارِ، وَخَسِرُوا
أهْليهم لأنهم لم يدْخُلوا مَدْخَل المؤمنين الذين لهم أهل في الجنة، ثم بين
حَالهم فقال: (أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ).
* * *
(لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ (١٦)
وهذا مثل قوله (يَوْمَ يَغْشَاهُمُ العَذَابُ مِنْ فَوْقهِمْ)
стр. 1705
(ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ).
أي ذلك الذي وُصِفَ مِن العَذَابِ وما أَعَدَّهُ لأهل الضلَالِ الَّذِي يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ.
(يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ).
القراءة بحذف الياء، وهو الاختيار عند أهل العربية، ويجوز: يَا عِبَادِي
وَيَا عِبَادِيَ، والحذف أجود وعليه القراءة.
* * *
وقوله: (وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧)
أي الذين اجْتَنَبُوا الشياطين أن يتبعوهم.
(وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ
(١٨)
وهذا فيه واللَّه أعلم وَجهَانِ:
أَحَدهما أن يكون يستمعون القرآن وغيره فيتبَعُونَ القرآن.
وجائز أن يكونوا يستمعون جميع ما أمر الله به فيتبِعون أحسن
ذلك نحو القصاص والعفو، فإن من عفا وترك ما يجب له أعظم ثواباً ممن
اقتص، ومثله: (وَلَمَنْ صَبَر وَغَفَرَ إن ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِْ الأمُورِ).
(وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١).
* * *
وقوله: (أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ (١٩)
هذا من لطيف العربية، ومعناه معنى الشرط والجزاء.
وأَلِفُ الاستفهام ههنا مَعْنَاهَا معنى التوقيف، والألف الثانية في
(أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ) جاءت مُؤَكِّدةً مُعَادَةً لمَّا طال الكلام، لأنه لا يصلح في العربية أن تأتي بألف الاستفهام في الاسْمِ وألف أُخْرَى في الخبر.
والمعنى أفمن حق عليه كلمة العذاب أفانت تنقذه.
وَمِثْلُه (أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (٣٥).
стр. 1706
أعَادَ " أنكم " - ثانية، والمعنى أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا
مُخْرَجونَ، ويكون - واللَّه أعلم - على وجه آخر، على أنه حُذِفَ وفي الكلام دليل على المحذوف، على معنى أفمن حق عليه كلمة العذاب يَتَخَلَّصُ منه، أو يِنْجُو مِنه، أفأنت تنقذه، أي لا يقدر أحد أن ينقذَ مَنْ أَضَلَّه اللَّهُ، وسبق في علمه أَنه من أَهْلِ النارِ.
* * *
وقوله - جلَّ وعزَّ -: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٢١)
جاء في التفسير أَنَ كلَّ مَا فِي الأرْضِ فابتَداؤه مِنَ السَّمَاءِ، ومعنى
" ينابيعُ " الأمكنة التي ينبع منها الماء، وواحد الينابيع يَنْبُوع، وتقدره يَفْعُول من نَبَعَ يَنْبُعُ.
* * *
(لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ).
منازل في الجنة رفيعة، وفوقها منازل أَرْفَعُ مِنْهَا.
(وَعْدَ اللَّهِ).
القراءة النصب، ويجوز (وَعْدُ اللَّهِ)
فَمَنْ نَصَبَ وَهِي القِراءةُ، فبِمَعْنى لَهُم غُرَفٌ. لأن المراد وعدهم اللَّه غرفاً وَعْداً، فوعدُ اللَّه مَنْصُوبٌ عَلَى المَصْدَرِ.
ومن رفع فالمعنى: ذلك وَعْدُ اللَّهِ.
* * *
وقوله - جلَّ وعزَّ -: (ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ).
ألوانه خُضْرة وصُفْرة وحُمْرة وبياض وغير ذلك.
(ثُمَّ يَهِيجُ)
قال الأصْمَعي يقال للنبْتِ إذَا تَمَّ جفافه: قد هَاجَ
يَهِيجُ هيجاً.
стр. 1707
(ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا).
الحطام ما تَفَتَّتَ وَتَكَسَّر من النبْتِ وغَيْره، ومثل الحطام الرفاتُ
والدَّرِين.
(إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ).
أي تَفَكر لذوي العُقُولِ، فيذكرون ما لهم في هذا من الدلالة على
توحيد اللَّه جلَّ وعزَّ.
* * *
(أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٢)
فهذه الفاء فاء المجازاة، والمعنى أفمن شرح اللَّه صَدْرَهُ فاهْتَدَى كمن
طبع على قلبه فلم يَهْتَدِ لِقَسْوته.
والجواب متروك لأن الكلام دَالٌّ عليه.
وُيؤكد ذَلك قوله - جلَّ وعزَّ: (فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ)
يقال: قسا قلبه عن ذكر اللَّه ومن ذكر اللَّه.
فَمَن قال من ذكر اللَّه، فالمعنى كلما تُلِيَ عليه ذكر اللَّه قَسَا قلبه، كما قال: (وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ).
ومن قال: عن ذكر اللَّه فالمعنى أنه غلظ قلبه وجفا عن قبول ذكر اللَّه.
(أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ).
يعني القاسية قلوبهم. الآية.
* * *
وقوله: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٢٣)
يعني القرآن، ومعنى متشابهاً، يشابه بعضه بعضاً في الفضل والحكمة، لا تناقض فيه.
و (كتاباً) منصوب على البدل من (أَحْسَنَ الْحَدِيثِ).
وقوله: (مَثَانِيَ) من نعت قوله (كِتَاباً) منصوب على النعت، ولم
ينصرف (مثاني) لما فسرناه من إنَّه جمع ليسَ عَلَى مِثالِ الوَاحِدِ.
стр. 1708
(تَقْشَعِر مِنْهُ جلودَ الذين يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ).
يقول: إذا ذكرت آيات العذاب اقشعرت جلود الخاشعين للَّهِ.
(ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إلى ذَكْرِ اللَّهِ).
إذا ذكرت آيات الرحمة لأنت جلودهم وقلوبهم.
(ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدي بِهِ مَنْ يَشَاءُ).
يقول: الذي وهبه الله لهم من خشيته وخوف عَذَابِهِ ورجاء رحمته هدي
اللَّه.
* * *
(أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٢٤)
هذا مما جوابه محذوف، المعنى كمن يَدخل الجنة، وجاء في التفسير أن
الكافِرَ يُلْقَى في النار مَغْلُولًا، لا يتهيأ له أن يتقيَ النار إلا بِوَجْهِه.
* * *
وقوله: (وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٧) قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٢٨)
(عَرَبِيًّا) منصوب على الحال.
المعنى: ضرَبْنا للنْاس في هذا القرآن في حال عربيَّته وبيانه.
وذكر (قرآناً) توكيداً، كما تقول: جاءني زيدا رَجُلًا صالِحاً.
وجاءني عمرو إنْسَاناً عَاقِلًا.
فَتَذْكُرُ رَجُلاً. . و " إنساناً " توكيداً.
* * *
وقوله جلَّ وَعَزَّ: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٢٩)
ويقرأ (سَلَمًا) وَ (سِلْمًا)، فسالماً على معنى اسم الفاعل.
سَلِمَ فَهُوَ سَالِم، وَسَلْمٌ وَسِلْمٌ مصدران وصف بهما على معنى وَرَجُلًا ذا سَلَم.
ومثله مما جاء
стр. 1709
من المصادر فِعْلاً وَفَعَلاً قولهم: رَبِحْتُ رِبْحاً وَرَبْحاً.
قال الشاعِرُ:
إِذا الحَسْناءُ لم تَرْحَضْ يَدَيْها. . . ولم يُقْصَرْ لها بَصَرٌ بِسِتْرِ
قَرَوْا أَضْيافَهُمْ رَبَحاً بِبُحٍّ. . . يَعِيشُ بفَضْلِهِنَّ الحَيُّ سُمْرِ
أَيْ قَرَوْا أَضْيافَهُمْ بذبح القِداح التِي يضْرِبُونَ بها فِي المَيْسرِ.
وَتَفسيرُ هذا المثل أنه ضُرِبَ لمن وحَّدَ اللَّه، ولمَن جَعَلَ له شريكاً.
فالذي وحد الله مثله مثل السَّالِم لرجل لا يشركه فيه غيرُه.
ومثل الذي عَبَدَ غير اللَّه مثل صاحب الشرَكاءِ المَتَشاكِسين.
و" الشركاء المتشاكسون " المختلفون العَسِيرُونَ الذين لا يتفِقُونَ.
* * *
وقوله: (هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً).
أي هل يَسْتَوِي مَثَلُ الموَحِّدِ وَمَثَلُ المشرك.
* * *
وقوله : (ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (٣١)
يَخْتَصِم المؤمِنُ والكافِرُ، ويخاصِمُ المظلومَ الظالِمَ.
* * *
(فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (٣٢)
المعنى أي أحد أظلمُ مِمن كذب على اللَّه وكذَّب نبيَّه ﷺ .
* * *
(وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣)
стр. 1710
وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣)
روي عن علي ﵀ أنه قال: الَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ محمد ﷺ والذي صدَّق به أبو بَكْرٍ. ﵀.
وروي أن الَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ جبريل، والذي صدَّق به محمد صلى اللَّه عليهما.
وروي أن الَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ محمد ﷺ
وصدَّق به المؤمِنون.
وجميع هذه الوجوه صحيح.
والذي جاء في حرف ابن مسعودٍ: والَّذِينَ جَاءُوا بِالصِّدْقِ وصدَّقُوا بِهِ
و (الذين) ههنا و (الذي) في معنى واحد، توحيده - لأنه غير مُوَقت - جائز
وهو بمنزلة قولك من جاء بِالصِّدْقِ وصدَّقَ به.
(أولَئِكَ هُمُ المُتَقُونَ).
و (الذي) ههنا للجنس، المعنى والقبيل الذي جاء بالصدق.
وقوله (أولَئِكَ هُمُ المُتَقُونَ) يدل على معنى الجماعة.
ومثله من الشِعر:
إِنَّ الَّذِي حانَت بِفَلْجٍ دِماؤُهُمْ. . . هُمُ القَوْم كلُّ القَوْمِ يا أُمَّ خالِدِ
* * *
(أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٦)
(أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ)
ويقرأ (عباده)، ولو قرئت " كافِي عَبْدِه " و " كافي عِبادِه " لجازَتْ، ولكن
القراءة سنة لا تخالف.
ومعنَى بكاف عبده يدل على النصر، وعلى أنه كقوله:
(لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ)، وهو مثل: (إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥).
стр. 1711
(وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ).
أي يخوفون بآلهتهم وأوْثَانِهِم.
ويروى أن النبي ﷺ بعث خالد بن الوليد إلى العُزى ليكسرها، فلما جاء خالد قال له سَادِنُها: أُحَذِرُكَهَا يَا خَالِدُ
إن لها شدةً لا يقوم لها شيء فعمد خالِذ إلى العزى فهشم أنفها، فهذا معنى
(وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ)، لأن تخويفهم خالِداً هو تخويفهم النبي ﷺ لأنه وجهه.
ثم أعلم - مَعَ عِبَادَتِهم العُزى وَالْأوْثَان - أنهم مُقرونَ بأن اللَّهِ خَالِقُهُمْ
فقال: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ (٣٨)
ويقرأ كاشفاتُ ضُره - بترك التنوين والخفض في ضره ورحمته -
فمن قرأ بالتنوين فلأنه غير واقع في معنى هَلْ يكشِفْنَ ضره أو يُمْسِكنَ رحمَتَه ومن أضاف وخفض فعلى الاستخفاف وحذف التنوين.
وكلا الوجهين حسن قرئ بهما.
* * *
(قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٩)
و (عَلَى مَكَانَاتِكُمْ). هذا اللفظ أمر على معنى الوعيد والتهدُّدِ بعد أن
أعلموا ما يجب أن يعملوا به، ثم قيل لهم:
(فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر)، وهذا كلام يستعمله الناس في التهدد والوعيد.
تقول: متى أسأت إلى فلانٍ انتقمت مِنْكَ، ومتى أحْسَنتَ إليه أحسنتُ إليك فاعمل ما شئت واختر
стр. 1712
لنفسك، فخوطب العباد على قدر مُخَاطَبَاتِهِم وَعِلْمِهِمْ، وقوله على
(مَكَانَاتِكُمْ) و (مَكَانَتِكُمْ) معناه على ناحيتكم التي اخترتموها، وجهتكم التي
تمَكنْتُمْ - عند أنْفُسِكم - في العلم بها.
(إِنِّي عَامِلٌ).
ولم يقل على جهتي، لأن فِي الكلام دَلِيلاً على ذلك.
* * *
(إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (٤١)
(وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيل).
أي ما أنت عليهم بحفيظ، ثم أخبر بأنه الحفيظ عليهم القدير فقال:
* * *
(اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٤٢)
أي ويتوفى الأنفس التي لم تَمُتْ في مَنَامِها، فالميتَةُ المتَوَفاةُ وَفَاةَ
المَوْتِ التي قد فارقتها النفس التي يكون بها الحياة.
والحركة، والنفسُ التي تميز بها. والتي تتوفى في النوم نفس التمييز لا نفس الحياة، لأن نفس الحياة إِذا زَالَتْ زال معها النفَسُ، والنائم يتنفسُ.
فهذا الفرق بين تَوفِّي نفس النائم في النوم وَنَفْس الحيِّ.
* * *
(وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٥)
معنى (اشْمَأَزَّتْ) نفرت، وكانوا - أعني المشركين - إذا ذكر اللَّه فقيل:
" لا إله إلا اللَّه " نَفَرُوا من هذا، لأنهم كانوا يقولون: اللات والعزى، وهذه الأوثان آلهة.
стр. 1713
وقوله : (فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٤٩)
(ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ) أعْطَيْنَاهُ ذلك تفضلاً، وكل من أعطى على غير جزاء
فقد خول.
(قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ).
أي أعطيته على شَرفٍ وفَضْل يجب له به هذا الَّذِي أعطيت، فقد
علمت أني ساُعْطَى هُدى، فأَعلم اللَّه أنه قد يعطى اختباراً وابتلاءً فقال:
(بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ).
أي تلكَ العَطِيَّةَ فِتْنَةً من الله وبلوى يبتلى بها العَبْدُ ليشكر أو يكفر.
* * *
(قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٥٠)
يقول: فأحْبَطت أعمالهم.
* * *
(فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥١)
أي إلى الله مرجعهم فيجَازِيهم بِاعْمالهم.
* * *
(قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)
ومعنى (لَا تَقْنَطُوا) لا تيأسوا، وجاء في التفسير أن قوماً من أهل مكة قالوا
إنَّ محمداً يقول: إن منْ عَبدَ الأوثان واتخذ مع الله إلها وقتل النفس، لا يغفر
له، فأَعلم اللَّه أن من تاب وآمن غفر اللَّه له كل ذنب، فقال:
(لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا).
وقال: (وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (٥٤)
أي توبوا، وقيل إنَها نزلت في قوم فتنوا، في دينهم، وعُذِبُوا يمكةَ
стр. 1714
فَرجَعُوا عن الإسلام، فقيل إن هؤلاء لا يُغْفَرُ لَهم بعد رُجوعهم عن الإسلام
فأَعلم اللَّه أنهم إن تابوا وأسلموا غفر لهم.
* * *
(وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٥٥)
يعني القرآن ودليله: (اللَّهُ نَزَلَ أَحْسَنَ الحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً).
وقوله: (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ).
بِغتة: فجأة.
* * *
(أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (٥٦)
أي يا نَدَما، وحرف النداء يدل على تمكن القصة من صاحبها، إذَا قال
القائل: يا حسرتاه ويَا ويلَاهُ، فتأويله الحسرة والويل قَدْ حَلَّ بِهِ وأنهما لازمان له غير مفارقين.
ويجوز يا حسرتي.
وزعم الفراء أنه يجوز يا حسرتاهُ على كذا وكذا بفتح الهاء.
ويا حَسْرَتَاهُ - بالكسر والضم.
والنحويون أجمعون لا يجيزون أن تثبت هذه الها في الوصل وزعم أنه أنشده من بني فَقْعس رجل من بني أسد:.
يا ربِّ يا رَبَّاهُ إِيَّاكَ أَسَلْ عَفْراء يا رَبَّاهُ مِنْ قَبْلِ الأَجلْ
وأنشده أيضاً:
стр. 1715
يا مَرْحَبَاهِ بِحَمارِ ناهية
والذي أعرف أن الكوفيين ينشدون:
يا مرحَبَاهُ بجمار ناهية
قال أبو إسحاق: ولا أدري لم اسْتُشْهِدَ بهذَا، ولم يُقرأْ بِهِ قط، ولا ينفع
في تفسير هذه الآية شيئاً، وهو خطأ.
وَمَعْنَى: (أنْ تَقُولَ نَفْسٌ).
خوفَ أن تَقُولَ نفس وَكَراهة أن تَقُولَ نفسٌ. المعنى اتبعوا أَحْسَنَ ما
أُنْزِلَ خوفاً أن تصيروا إلى حَال يقال فيها هذا - القول، وهي حال الندَامَةِ ومعنى (على ما فَرطْتُ في جَنبِ اللَّه) في أمر اللَّه، أي فرطت في الطريق الذي هو طريق اللَّه الذي دعاني إليه وهو توحيده والإقرار بنبوة رسول اللَّه ﷺ .
(وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ).
أي وما كنت إلا من المستهزئين.
* * *
(أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٥٧) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٨)
أي وكراهة أن تقول هذا القول الذي يؤدي إلى مثل هذه الحال التي
الإنسان فيها في الدنيا، لأن اللَّه قد بين طرُقَ الهدى، والحي في نيَّتِهِ بمنزلة
من قد بعث، لأن اللَّه خلقه من نطفة وبلغه إلى أن مَيَّزَ، فالحجة عليه.
* * *
وقوله (بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٥٩)
(بَلَى) جواب النفي وليس في الكلام لفظ النفي.
ومعنى (لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي)، و (لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً).
كأنَّه قيل: ما هدِيت، فقيل:
стр. 1716
(بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ).
وقال اللَّه تعالى: (وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ)
أي: حيث قالوا: (يَا ليتَنَا نُرَدُّ) - الآية.
وقد رويت عن النبي ﷺ بكسر الكاف:
" بَلَى قَدْ جَاءَتْكِ آيَاتي " جواب للفظ النفس - كما قال: (أنَّ تقول نفس).
وإذا قال: (بلى قد جَاءَتْكَ آيَاتِي) بالفتح، فلأن النفس تقع على
الذكر والأنثى، فخوطب المذكرون.
ومثل (قد جاءتكِ آياتي) - على خطابه المؤنث:
(يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨).
* * *
وقوله : (وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ (٦٠)
القراءة على رفع (وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ) على الابتداء والخبر.
ويجوز " وُجُوهَهُمْ مُسْوَدَّةً " على البدل من الذين كفروا.
المعنى ويوم القيامة ترى وجوه الذين كذبوا على الله مُسْوَدَّةً.
والرفع أكثر وعليه القُراءُ ومثل النصب قول عَدِي بن زيدٍ:
دَعِيني إن أَمْرَكِ لَنْ يُطَاعا. . . وما أَلْفَيْتِني حلمي مضاعاً
* * *
(وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦١)
(بِمفَازَتِهِمْ).
و (بمفازاتهم) يقرأ أن جميعاً.
стр. 1717
(لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦٣)
أي مفاتيح السَّمَاوَات، المعنى ما كان من شيء من السَّمَاوَات والأرض
فالله خالقه وفاتح بابه.
(وَالَّذِينَ كَفَرُوا بآياتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ).
أي الذين يقولون إن شيئاً ليس مما خَلَقَ اللَّهُ أو رزقه من السَّمَاوَات
والأرض فليس الله خالِقَه، أولَئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ.
ثم أعلم اللَّه - جَل وعز - أنه إنما ينبغي أن يعبد الخالق وحده لا شريك
له فقال قل لهم بعد هذا البيان:
(قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤)
(أَفَغَيْرَ) منصوب بـ (أَعْبُدُ) لا بقوله (تَأْمُرُونِّي) المعنى أفغير اللَّه أعْبدُ
أيها الجَاهِلُونَ فيما تأمرونني.
* * *
(بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)
نصب لفظ (اللَّهَ - جلَّ وعزَّ - بقولك (فَاعْبُدْ)، وهو إجماع في قول
البصريين والكوفيين، والفاء جاءت على معنى المجازاة، كأنَّه قال:
قد تَبينْتَ فَاعْبُدِ اللَّهَ.
* * *
(وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)
(وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ)
ويقرأ (قدَرِهُ) - بفتح الدالَ.
جاء في التفسير: ما عَظَّمُوه حق عَظَمَتِهُ.
والقدْرُ والقَدَر ههنا بمعنى وَاحِدٍ.
(والأرضُ جميعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ).
(جميعاً) منصوب عَلَى الحالِ.
المعنى والأرض إذا كانت مجتمعةً قَبْضَتُه يومَ القيامة
(وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ).
стр. 1718
أكْثَرُ القِرَاءَةِ رَفْع (مَطْوِيَّاتٌ) على الابتداء والخبر.
وقد قرئت: (وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٍ) - بكسر التاء على معنى:
والأرض جميعاً والسَّمَاوَات قبضته يَوْمَ القِيَامَةِ
وَ (مَطْوِيَّاتٍ) منصوب على الحال.
وقد أجاز بعض النحويين (قَبْضَتَهُ) بنصب التاء، وهذا لم يقرأ به ولا
يجيزه النحويونَ البصريون، لا يقولون: زَيْد قَبْضَتَكَ، ولا المال قَبْضَتَكَ
على معنى في قبْضَتِكِ، ولو جاز هذا لجاز زيد دَارَكَ يريدون زَيْد في دَارِكَ.
* * *
(وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨)
(وَنُفِخَ فِي الصُّورِ)
وقد فسرناه.
(فَصَعِقَ) أي مات.
(مَنْ فِي السَّمَاواتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ).
وجاء في التفسير أنه القَرْن الذي ينفخ فيه إسرافيل.
وقال بعض أهل اللغة: هو جمع صورة.
(إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ).
جاء في التفسير أن هذا الاستثناء وقع على جبريل وميكائيل ومَلَكِ
الموت، وجاء أن الاستثناء على حملة العرش.
* * *
(وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٦٩)
معناها لما أراد اللَّه الحساب والمجازاة أَشْرقت الأرض.
وفي حديث النبي ﷺ أنه قيل له: أنرى رَبَّنَا يا رسول اللَّه؟
فقال: أَتُضَارُّن في رُؤية الشَمْسِ والقمر في غير سحَابٍ؟
قالوا: لا، قال فإنكم لا تُضَارُونَ في رُؤيته.
стр. 1719
وجاء في الحديث: لا تضامون في رؤيته، والذي جاء في الحديث مخفف
تُضَارونَ، وتضامُونَ، وله وجه حسن في العربيَّةِ.
وهذَا مَوضِع يحتاجِ إلى أن يُسْتَقْصَى تفسيره لأنه أصل في السنة
والجماعة ومعناه لا يَنالُكُمْ ضيز وَلاَ ضَيمٌ في رُؤْيَيهِ.
أي ترونه حتى تستووا في الرؤية فلا يَضِيمُ بعضُكم بَعْضاً، ولا يِضِيرُ بعضكم بعضاً.
وقال أهل اللغة قولين آخرين: قالوا: لا تُضَارُّون بتشديد الراء ولا
تضامُّون بتشديد الميم. مع ضم التاء في تُضامون وتُضارُّون.
وقال بعض أهل اللغة بفتح التاء وتشديد الراء تَضازون في رُؤيته ولا
تَضَامونَ على معنى تتضارون وتتضامون.
وتفسير هذا أنه لا يُضَام بَعْضُكمْ بَعضاً وَلاَ يُخَالِفُ بَعْضُكم بَعْضاً في ذلك. يقال: ضارَرْتُ الرجُلَ أُضَارُّه مضارَّةً
وضِراراً إذا خالفته
قال نابغة بني جَعدَة:
وخَصْمَيْ ضِرارٍ ذَوَيْ تُدْارَإِ. . . متى باتَ سِلْمُها يَشْغَبا
ومعنى لا تضامونَ في رؤيته لا ينضم بعضكم إلى بعض، ويقول واحد
للآخر: أرنيه كما تفعلون عند النظر إلى الهلال، فهذا تفسير بيَّنَ.
وكلٌّ ما قيل في هذا.
(واشْرَقَتِ الأرْضُ) أُلْبِسَتِ الإشْرَاق بِنُورِ اللَّهِ.
* * *
وقوله : (وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ
(٧٣)
اختلف الناس في الجواب لقوله (حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا).
فقال قوم: الواو مسقطة المعنى حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها.
قال أبو إسحاق: سمعت محمد بن يزيد يذكر أن الجواب محذوف، وإن
стр. 1720
المعنى، حتى إذا جاءوها إلى آخر الآية سعدوا.
قال فالمعنى في الجواب حتى إذا كانت هذه الأشياء صاروا إلى السعادة.
وقال قوم حتّى إذَا جَاءُوها جَاءُوها وفتحت أبوابها، فالمعنى عندهم أن
(جاءوها) محذوف
وعلي معنى قول هؤلاء أنه اجْتَمَع المجيءُ مع الدخول في حال.
المعنى حتى إذا جاءوها وقع مجيئهم مع فتح أَبْوَابِها.
قال أبو إسحاق: والذي قلته أنا - وهو القول إن شاء اللَّه - أن المعنى
(حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ) دخلوها.
فالجواب " دخلوها "، وحذف لأن في الكلام دليلاً عليه.
ومعنى (طِبْتُم) أي كنتم طيبِين في الدُّنْيَا لم تكونوا خبيثين، أي لم تكونوا
أصحابَ خبائثَ.
* * *
وقوله: (وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (٧٤)
(وَأوْرثَنَا الأرْضَ).
يعني أرض الجنة نتخذ منها من المنازل ما شئنا، والعرب تقول لكل
من اتخذ منزلًا: تبوأ فلان منزلاً.
* * *
(وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٧٥)
معنى (حَافِّينَ) مُحْدِقين، وكذا جاء في التفسير.
(وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ).
فابتدأ اللَّه خَلْقَ الأشياء بالحمد وخَتمْه بالحمد، فقال:
(الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ)
فلما أفنى الخلق وبعثهم وَحَكَم بَيْنَهُم، فاستقر أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار ختم بقوله: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ).