(بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ).
وقال اللَّه تعالى: (وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ)
أي: حيث قالوا: (يَا ليتَنَا نُرَدُّ) - الآية.
وقد رويت عن النبي ﷺ بكسر الكاف:
" بَلَى قَدْ جَاءَتْكِ آيَاتي " جواب للفظ النفس - كما قال: (أنَّ تقول نفس).
وإذا قال: (بلى قد جَاءَتْكَ آيَاتِي) بالفتح، فلأن النفس تقع على
الذكر والأنثى، فخوطب المذكرون.
ومثل (قد جاءتكِ آياتي) - على خطابه المؤنث:
(يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨).
* * *
وقوله : (وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ (٦٠)
القراءة على رفع (وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ) على الابتداء والخبر.
ويجوز " وُجُوهَهُمْ مُسْوَدَّةً " على البدل من الذين كفروا.
المعنى ويوم القيامة ترى وجوه الذين كذبوا على الله مُسْوَدَّةً.
والرفع أكثر وعليه القُراءُ ومثل النصب قول عَدِي بن زيدٍ:
دَعِيني إن أَمْرَكِ لَنْ يُطَاعا. . . وما أَلْفَيْتِني حلمي مضاعاً
* * *
(وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦١)
(بِمفَازَتِهِمْ).
و (بمفازاتهم) يقرأ أن جميعاً.
стр. 1717
(لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦٣)
أي مفاتيح السَّمَاوَات، المعنى ما كان من شيء من السَّمَاوَات والأرض
فالله خالقه وفاتح بابه.
(وَالَّذِينَ كَفَرُوا بآياتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ).
أي الذين يقولون إن شيئاً ليس مما خَلَقَ اللَّهُ أو رزقه من السَّمَاوَات
والأرض فليس الله خالِقَه، أولَئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ.
ثم أعلم اللَّه - جَل وعز - أنه إنما ينبغي أن يعبد الخالق وحده لا شريك
له فقال قل لهم بعد هذا البيان:
(قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤)
(أَفَغَيْرَ) منصوب بـ (أَعْبُدُ) لا بقوله (تَأْمُرُونِّي) المعنى أفغير اللَّه أعْبدُ
أيها الجَاهِلُونَ فيما تأمرونني.
* * *
(بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)
نصب لفظ (اللَّهَ - جلَّ وعزَّ - بقولك (فَاعْبُدْ)، وهو إجماع في قول
البصريين والكوفيين، والفاء جاءت على معنى المجازاة، كأنَّه قال:
قد تَبينْتَ فَاعْبُدِ اللَّهَ.
* * *
(وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)
(وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ)
ويقرأ (قدَرِهُ) - بفتح الدالَ.
جاء في التفسير: ما عَظَّمُوه حق عَظَمَتِهُ.
والقدْرُ والقَدَر ههنا بمعنى وَاحِدٍ.
(والأرضُ جميعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ).
(جميعاً) منصوب عَلَى الحالِ.
المعنى والأرض إذا كانت مجتمعةً قَبْضَتُه يومَ القيامة
(وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ).
стр. 1718
أكْثَرُ القِرَاءَةِ رَفْع (مَطْوِيَّاتٌ) على الابتداء والخبر.
وقد قرئت: (وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٍ) - بكسر التاء على معنى:
والأرض جميعاً والسَّمَاوَات قبضته يَوْمَ القِيَامَةِ
وَ (مَطْوِيَّاتٍ) منصوب على الحال.
وقد أجاز بعض النحويين (قَبْضَتَهُ) بنصب التاء، وهذا لم يقرأ به ولا
يجيزه النحويونَ البصريون، لا يقولون: زَيْد قَبْضَتَكَ، ولا المال قَبْضَتَكَ
على معنى في قبْضَتِكِ، ولو جاز هذا لجاز زيد دَارَكَ يريدون زَيْد في دَارِكَ.
* * *
(وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨)
(وَنُفِخَ فِي الصُّورِ)
وقد فسرناه.
(فَصَعِقَ) أي مات.
(مَنْ فِي السَّمَاواتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ).
وجاء في التفسير أنه القَرْن الذي ينفخ فيه إسرافيل.
وقال بعض أهل اللغة: هو جمع صورة.
(إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ).
جاء في التفسير أن هذا الاستثناء وقع على جبريل وميكائيل ومَلَكِ
الموت، وجاء أن الاستثناء على حملة العرش.
* * *
(وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٦٩)
معناها لما أراد اللَّه الحساب والمجازاة أَشْرقت الأرض.
وفي حديث النبي ﷺ أنه قيل له: أنرى رَبَّنَا يا رسول اللَّه؟
فقال: أَتُضَارُّن في رُؤية الشَمْسِ والقمر في غير سحَابٍ؟
قالوا: لا، قال فإنكم لا تُضَارُونَ في رُؤيته.
стр. 1719
وجاء في الحديث: لا تضامون في رؤيته، والذي جاء في الحديث مخفف
تُضَارونَ، وتضامُونَ، وله وجه حسن في العربيَّةِ.
وهذَا مَوضِع يحتاجِ إلى أن يُسْتَقْصَى تفسيره لأنه أصل في السنة
والجماعة ومعناه لا يَنالُكُمْ ضيز وَلاَ ضَيمٌ في رُؤْيَيهِ.
أي ترونه حتى تستووا في الرؤية فلا يَضِيمُ بعضُكم بَعْضاً، ولا يِضِيرُ بعضكم بعضاً.
وقال أهل اللغة قولين آخرين: قالوا: لا تُضَارُّون بتشديد الراء ولا
تضامُّون بتشديد الميم. مع ضم التاء في تُضامون وتُضارُّون.
وقال بعض أهل اللغة بفتح التاء وتشديد الراء تَضازون في رُؤيته ولا
تَضَامونَ على معنى تتضارون وتتضامون.
وتفسير هذا أنه لا يُضَام بَعْضُكمْ بَعضاً وَلاَ يُخَالِفُ بَعْضُكم بَعْضاً في ذلك. يقال: ضارَرْتُ الرجُلَ أُضَارُّه مضارَّةً
وضِراراً إذا خالفته
قال نابغة بني جَعدَة:
وخَصْمَيْ ضِرارٍ ذَوَيْ تُدْارَإِ. . . متى باتَ سِلْمُها يَشْغَبا
ومعنى لا تضامونَ في رؤيته لا ينضم بعضكم إلى بعض، ويقول واحد
للآخر: أرنيه كما تفعلون عند النظر إلى الهلال، فهذا تفسير بيَّنَ.
وكلٌّ ما قيل في هذا.
(واشْرَقَتِ الأرْضُ) أُلْبِسَتِ الإشْرَاق بِنُورِ اللَّهِ.
* * *
وقوله : (وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ
(٧٣)
اختلف الناس في الجواب لقوله (حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا).
فقال قوم: الواو مسقطة المعنى حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها.
قال أبو إسحاق: سمعت محمد بن يزيد يذكر أن الجواب محذوف، وإن
стр. 1720
المعنى، حتى إذا جاءوها إلى آخر الآية سعدوا.
قال فالمعنى في الجواب حتى إذا كانت هذه الأشياء صاروا إلى السعادة.
وقال قوم حتّى إذَا جَاءُوها جَاءُوها وفتحت أبوابها، فالمعنى عندهم أن
(جاءوها) محذوف
وعلي معنى قول هؤلاء أنه اجْتَمَع المجيءُ مع الدخول في حال.
المعنى حتى إذا جاءوها وقع مجيئهم مع فتح أَبْوَابِها.
قال أبو إسحاق: والذي قلته أنا - وهو القول إن شاء اللَّه - أن المعنى
(حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ) دخلوها.
فالجواب " دخلوها "، وحذف لأن في الكلام دليلاً عليه.
ومعنى (طِبْتُم) أي كنتم طيبِين في الدُّنْيَا لم تكونوا خبيثين، أي لم تكونوا
أصحابَ خبائثَ.
* * *
وقوله: (وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (٧٤)
(وَأوْرثَنَا الأرْضَ).
يعني أرض الجنة نتخذ منها من المنازل ما شئنا، والعرب تقول لكل
من اتخذ منزلًا: تبوأ فلان منزلاً.
* * *
(وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٧٥)
معنى (حَافِّينَ) مُحْدِقين، وكذا جاء في التفسير.
(وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ).
فابتدأ اللَّه خَلْقَ الأشياء بالحمد وخَتمْه بالحمد، فقال:
(الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ)
فلما أفنى الخلق وبعثهم وَحَكَم بَيْنَهُم، فاستقر أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار ختم بقوله: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ).
стр. 1721
سُورَةُ غافر
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢)
الحواميم كلها مكية، نزلت بمكة، قال النبي ﷺ مثل الحواميم في القرآن كمثل الحِبَرات في الثياب.
وقال ابن مسعود: الحواميم ديباج القرآنُ.
وجاء في التفسير عن ابن عباس ﵀ ثلاثة أقوال في حم.
قال: حم اسم اللَّه الأعظم، وقال: حم قَسَم.
وقال: حم حروف الرحمن مقطعه.
والمعنى: " الر " و "حم " و " نون " بمنزلة الرحمن.
وقد فسرنا إعراب حروف الهجاء في أول البقرة.
والقراءة فيها على ضربين.
حم بفتح الحاء، وحم بكسر الحاء.
فأمَّا الميم فساكنة في قراءة القراء كلهم إلا عيسى بن عمر فإنه قرأ: حَمَ
والكتاب، بفتح الميم، وهو على ضربين:
أحدهما أن يجعل حم اسما للسُّورَةِ، فينصبه ولا ينوِّنه لأنه على لفظ الأسماء الأعجمية نحو هابيل وقابيل، ويكون المعنى اتل حم.
والأجود أن يكون فتح لالتقاء السَّاكنين حيث جعله اسماً
للسورة، ويكون حكاية حروف هجاء.
стр. 1722
وقوله : (غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣)
على صفات اللَّه، فأمَا خفضُ (شديدِ العقاب) فعلى البدل لأنه مما
يوصف به النكرة.
وقوله: (ذِي الطَّوْلِ).
معناه ذي الغِنَى والفضل والقدرة.
تقول: لفلان على فُلانٍ طَوْل إذا كان له عليه فضل.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ (٤)
المعنى في دفع آيات اللَّه بالباطل ليُدْحِضَ به الحق، إلا الذين كَفرُوا.
ومعنى (فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلبُهُمْ فِي البِلَادِ).
أي فلا تغررك سَلَامَتُهُمْ بَعد كُفْرهم حتى إنهمْ، يَتَصرفُونَ كيف شاءُوا، فإن
عاقبة كفرهم العَذَابُ والهلاكُ.
ثم بين كيف ذلك وأعلم أن الأمم التي كذبتْ قبلَهُم أنهُمْ أهلكوا بقوله:.
(كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ
(٥)
يعني عاداً وثمودَ وَقَومَ لوط والأمم التي أُهْلِكَتْ بيْنَ ذلك.
(وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ).
أي ليتمكنوا منه فيَقْتُلوه.
(وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ).
أي ليدفعوا به الحق.
стр. 1723
(فَأَخَذْتُهُمْ).
أي جعلت جزاءهم على إرادة أخذ الرسُلِ أَنْ أَخَذْتُهم فَعَاقَبتُهمْ.
(فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ).
أي إنهم يجتازون بالأمكنة التي أهلك فيهَا القَوْمُ فيرونَ آثار الهلاك.
* * *
(وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ
(٦)
أي ومثل ذلك حقت كلمة ربك - يعني به، قوله (لأمْلأن جَهَنَّمَ)
(أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ).
ويجوز " إنهُمْ "، ثم أخبر - جَلَّ وعز - بِفَضْل المؤمنين فقال:
(الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧)
يعني الملائكة.
(يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا).
فالمؤمن تستغفر له الملائكة المقَرَّبُونَ.
ويعني: (رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ).
المعنى يقولون: ربنا وسعت كل شيء، أي تقول الملائكة.
وقوله: (رَحْمَةً وَعِلْمًا) منصوب على التمييز.
(فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ).
стр. 1724
أي لزموا طريق الهدى التي دعوت إليْهَا.
* * *
وقوله تعالى: (رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٨)
(وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ).
" مَنْ " في موضع نَصْب، عطف على الهاء والميم في قوله:
(رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ) أي، وأدخل من صلح.
ويصلح أن يكون عطفاً على الهاء والميم في قوله: (وَعَدْتَهُمْ) فيكون المعنى وَعَدْتَهُمْ ووعدت من صلح من آبَائِهِمْ.
* * *
وقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ (١٠)
معناه إن الذين كفروا ينادون إذا كانوا في حالِ العذاب لمقت اللَّه إياكم
في الدنيا (إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ).
(أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ) إذ عُذِبُتُم في النارِ.
* * *
(قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ (١١)
(رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا)
أي: قد أريتنا من الآيات ما أوجب أن علينا أن نعترف
وقالوا في (أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ) أي خلقتنا أمواتاً ثم أحْييتنا ثم أَمَتَّنَا
بعدُ، ثم بعَثْتَنا بعدَ المَوْت.
وقد جاء في بعض التفاسير أن إحدى الحياتين، وإحدى الموتتين أن
يحيا في القبر ثم يموت، فذالك أدل على أَحْيَيْتَنَا وأمَتنَا، والأول أكثر في
التفسير.
* * *
وقوله : (رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ (١٥)
جاء في التفسير أن الروحَ الوحي، وجاء أن الروح القرآنُ وجاء أن الروح
стр. 1725
أمر النبوة.
فيكون المعنى تُلقي الروح أو أمر النبوة على من تشاء، على من
تختصه بالرسالة.
(لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاَقِ).
أي لينذر النبي ﷺ بالذي يوحى إليه يوم التلاق، ويجوز أن يكون لينذر اللَّه يوم التلاق، والأجود - واللَّه أعلم - أن يكون لينذرَ النبي ﷺ .
والدليل على ذلك أنه قرئ لتُنْذِرَ يوم التلاق - بالتاء -.
ويجوز يوم التَلَاقِي بإثبات الياء، والحذف جائز حسن لأنه آخر آية.
ومعنى التلاقي يوم يلتقي أهل الأرض وأهل السماء.
وتأويل الروح فيما فسَّرنا أنه به حياة الناس، لأن كل مُهتَدٍ حَيٌّ، وكل ضَالٍّ كالميِّتِ، قال الله : (أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ). وقال: (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ).
وهذا جائز في خطاب الناس، يقول القائل لمن لَا يفقه عَنه ما فيهِ صَلَاحُه: أنت مَيِّتٌ.
* * *
(وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ (١٨)
معنى أنذرهم خوِّفهم، والآزفة يوم القيامَةِ، كذا جاء في التفسير.
وإنما قيل لها آزفة لأنها قريبة وإن اسْتَبْعَدَ الناس مَدَاها.
يقال قد أزِفَ الأمْرُ إذَا قَرُبَ.
وقوله: (إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ).
نصب (كَاظِمِينَ) على الحال، والحال محمولة على المعنى لأن القلوب لا
يقال لها كاظمة، وإنَّما الكاظمون أصحابُ القُلوبِ والمعنى إذ قلوب الناس
لدى الحناجر في حَالِ كَظمِهِمْ.
وجاء في التفسير أن القلب من الفزع يرتفع
стр. 1726
فيلتصق بالحنجرة فلا يرجج إلى مكانه ولا يخرج فَيُسْتَراحُ من كَرْبِ غَمِّهِ.
(مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ).
(يُطاع) من صفة شفيع، أي ولا من شَفيع مُطَاع.
* * *
(يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (١٩)
إذا نظر الناظر نظرة خيانة عَلِمَها اللَّه، فإذا نظر أول نظرة غير متعمد
خيانةً فذلك غير إثم، فإن عاد ونيتُه الخيانة في النَّظرِ علم الله ذلك، والله
عالم الغيب والشهادة، ولكنه ذكر العلم ههنا ليعلم أن المجازاة لا محالةَ واقعة.
* * *
وقوله - جلَّ وعزَّ -: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢٣)
أي بعلاماتنا التي تدلَّ على صِحة نبوته، من العصا وإخراج يده بيضاء
من غير سوء وأشباه ذلك.
(وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ) أي حجة ظاهرةٍ.
* * *
(إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٢٤)
هذه الأسماء. في موضع خفض إلَّا أنها فتحت لأنها لا تَنصَرِفُ لأنها
معرفة وهي أعجمية.
(فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ).
المعنى فقالوا هو ساحر كذاب، جعلوا أمر الآيات التي يعجز عنها
المخلوقون سِحْراً.
* * *
(فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (٢٥)
стр. 1727
وإنه كان قِيلَ لفرعون إن ملكه يزول بسبب غلام يُولَد، فقيل افعلوا هذا
حتى لا ينْجو المولود.
(وَمَا كيدُ الكَافِرِينَ إلَا في ضَلاَلٍ).
أي يذهب باطلًا، ويحيق الله به ما يُرِيدُ.
* * *
وقوله: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ (٢٦)
(أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ).
على هذا مصاحف أهل العراق، وفي مصحف أهل الحجاز: (وَأَنْ يُظْهِرَ)
بغير ألف، ويجوز وأن يَظْهر، ومعنى أو وقوع أحد الشيئيق فالمعنى على
(أو) أن فرعون قال إني أخاف أن يُبدَلَ دينكم أو يُفْسِدَ، فجعل طاعة الله تعالى هي الفساد، فيكون المعنى إني أخاف أن يبطل دينكم ألبتَّة، فإن لم يبطله أَوْقَع فيه الفَسادَ.
ومن قرأ - " وَأَنْ " فيكون المعنى أخاف إبطال دينكم والفساد مَعَهُ.
* * *
(وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ
(٢٨)
جاء في التفسير أن هذا الرجُلَ أعني مؤمنَ آل فرعونَ، كان أن يسمى
سِمَعَانَ، وقيل كان اسمه حَبِيباً، ويكون (مِنْ آل فِرْعَوْنَ) صفة للرجُلِ، ويكون (يَكْتُمُ إِيمَانَهُ) معه محذوف، ويكون المعنى يَكْتُمُ إِيمَانَهُ مِنْهُمْ، ويكون يكتم من صفة رجل، فيكون المعنى: وقال رجل مؤمن يكتم إيمانه من آل فرعونَ.
(أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ).
المعنى لأن يقول ربي اللَّه.
(وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ).
أي بما يدل على صدقه من آيات النبوةِ
(وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ) أي فلا يَضُركم.
стр. 1728
(وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ).
وهذا من لطيف المسائل، لأن النبي ﷺ إذا وعد وعْداً وقع الوعدُ بأسره، لم يقع بعضه، فالسؤال في هذا من أيْنَ جاز أن يقول بعض الذي يَعِدُكُمْ، وحق اللفظ كل الذي يَعدُكم فهذا باب من النظَرِ يذهب فيه المناظرِ إلى الزام الحجة بأيْسَرِ ما في الأمر، وليس في هذا نفي إصابة الكل
ومثل هذا قول الشاعر:
قد يُدْرِكُ المُتَأَنّي بَعْضَ حاجتِه. . . وقد يكونُ مع المسْتَعْجِل الزَّلَلُ
إنما ذكر البعضَ ليوجب له الكُل، لا أن البعضَ هو الكل ولكن للقائل إذا
قال أَقَل ما يكون للمتَأنِي إدراك بعض الحاجة، وأقل ما يكون للمستعجل
الزلل، فقد أبان فضل المتأني على المستعجل بما لا يقدر الخصم أن يدفعه.
وكان مُؤمِنَ آل فرعونَ قال لهم: أقل مَا يكون في صدقه أن يُصِيبَكُمْ بعضُ
الذي يعدكم، وفي بعض ذَلِك هَلَاكُكُمْ، فهذا تأويله واللَّه أعلم.
* * *
(يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ (٢٩)
هذه حكاية قول مؤمن آل فرعون.
أعلمهم اللَّه أن لهم الملك في حال ظهورهم على جميع الناس.
ثم أعلمهم أن بأس اللَّه لا يدفعه دافع ولا ينصر منه ناصر فقال:
(فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا).
* * *
(وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ (٣٠)
أي مثل يوم حَزْبِ حِزْبِ، والأحزاب ههنا قوم نوح وعادٍ وثمودَ وَمَن
أُهلكَ بعدَهُمْ وَقَبلَهُمْ.
стр. 1729
ومعنى: (مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ (٣١)
مثل عادة، وجاء في التفسير مثل حال قوم نوح، أي أخاف عليكم أن
تقيموا على كُفْرِكُمُ فينزل بكم ما نزل بالأمَم السالِفَةِ المكذبَةِ رُسُلَهم.
* * *
(وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (٣٢)
(التَّنَادِ)
بكسر الدال - وقرأ الحَسَنُ يوم التنادي - بإثبات الياء -، وأكثر القراءة
- التناد، وقرأ ابن عباس يوم التنَادِّ - بتشديد الدال، والأصل التنادي وإثبات الياء الوجه، وحذفها حسن جميل لأن الكسرة تدل عليها الياء وهو رأس آية، وأواخر هذه الآيات على الدال.
ومعنى يوم التنادي يوم ينادي (أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا)
وينادي (أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ).
ويجوز - واللَّه أعلم - أن يكون " يَوْمَ الئنَادِ " يوم يدعي كل أناس
بإمَامِهِمْ.
ومن قرأ يوم التَنادِّ بتشديد الدالِ، فهو من قولهم نَدَّ فلانٌ وندَّ البعيرُ إذا
هَرَبَ على وجهه، ومما يدل على هذا قوله: (يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ).
وقوله (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥).
стр. 1730
وجاء في التفسير أنهم يؤمر بهم إلى النار فيفرون ولا يعصمهم من النار
* * *
(وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ (٣٤)
أي الآيات المعجزات.
(حَتى إذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا).
أي أقمتم على كفركم وظننتم أنه لا يجدد عليكم إيجاب الحجة.
(كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ).
أي مثل ذلك الضلال يضل اللَّه من هو مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ:
(مُسْرِفٌ) ههنا كافر، و (مُرتابٌ) شاكٌّ في أمر اللَّه وأنبيائه.
* * *
(الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (٣٥)
(الذين) في موضع نَصْب على الرد على " مَنْ " أي كذلك اللَّه يُضل الذين
يجادلون في آيات اللَّه بغير حجة أَتَتْهُمْ.
ويجوز أن يكون موضع (الذين) رفعاً على معنى مَنْ هُوَ مُسْرِف مرتابٌ هم الذين يُجَادِلُونَ.
* * *
وقوله : (كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنوا).
أي كبُر جِدَالُهُمْ مَقْتاً عند الله وعند الًذِينَ آمنوا.
(كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ).
ويقرأ عَلَى كلِ قَلْبٍ مُتَكَبِّرٍ، والأول الوجه، لأن المتكبر هو الإنسان.
وقد يجوز أن تقول: قلب مُتَكَبِّرٌ، أَيْ صَاحِبه مُتَكَبِّرٌ.
* * *
(وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦)
стр. 1731
والصرح القصر، وكل بناء عظيم فهوصرح.
(لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ).
جاء في التفسير أبْوابَ السماء، والأسباب في اللغَة ما اتصل بالشيء.
وكذلك يقال للحبل سبب، لأنه يُوصَلُ بالأشياء.
وجاء في التفسير أيضاً طُرُقَ السَّمَاوَاتِ.
فالمعنى - واللَّه أعلم. لعلي أبلغ إلى الذي يؤديني إلى السَّمَاوَات.
* * *
(أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ
(٣٧)
ويقرأ (فَأطلِعُ) - بالرفع والنصب.
(وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا).
هذا قول فرعونَ، يقول وإن كنت زعمت أني أطلِعُ إِلى إله موسى، فأنا
قلت هذا على دعوى موسى لا على أني على يقينٍ من ذلك.
فيروى أن هامان طَبخ الآجُر لبناء الصَرْحِ وأن أولَ من طَبَخَ الآجُرَ هَامَانُ.
(وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ).
موضع الكاف نصب المعنى (زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ) مثل ما وَصَفْنَا.
(وَصدَّ عَنِ السَّبِيلِ).
أي صدَّ عَنِ السَّبِيلِ المستقيم. أي المستقيمة بكفره.
(وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ).
إلا في خسرانِ، يقال: تبَّتْ يداه أي خسِرتا.
* * *
(وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ (٣٨)
يعني سبيل القصد إلى اللَّه ، وأخرجكم عَنْ سَبِيل فرعونَ.
فأهدكم جزم جواب للأمر.
المعنى إن تتبعوني أهدِكُمْ.
(لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (٤٣)
стр. 1732
يعني أنه ليس له استجابة دعوة في الدنيا ولا في الآخرة.
قال سيبويه: سألت الخليل عن قوله: (لَا جَرَمَ)، فقال: لا جَرَمَ رَدٌّ
لِكَلَام. والمعنى وجب أَنَ لَهُمُ النَّارَ، وحق أن لهم النارَ.
وأنْشَدَ:
ولقد طعنت أبا عيينة طَعْنَةً. . . جَرَمَتْ فَزَارةَ بَعدهَا أَن يغضبوا
المعنى كسبتهم الغَضَبَ، وأحَقَّتْهُمُ بالغضب.
فمعنى (لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ) لقد وجب أن ما تدعونني إليه ليس له دَعْوَةُ أي وجب بطلان دعوته.
(وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ).
وَجَبَ مَرَدُنا إلى اللَّهِ، وكذلك (وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ).
* * *
وقوله : (سُوءُ الْعَذَابِ (٤٥) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)
(النَّارُ) بدل من قوله (سُوءُ العَذَابِ)، وجائز أن تكونَ مرتفعة على إضمار
تفسير سوء العَذَابِ، كان قائلا قال: ما هو؟ فكان الجوابُ هو:
(النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا)
فإن قال قائل: كيف يُعرضُونَ عليها وهم من أهل النار؟
فجاء في التفسير أن أرواحهم في أجواف طير سُودٍ تعرض على النار بالغَدَاة والعشى إلى يوم القيامَةِ.
ألا ترى أن - بعده (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ)
ويقرأ ادخُلُوا على معنى الأمر لهم بالدخول، كأنَّه ويوم تقوم الساعة
يقول ادخلوا يا آل فرعون أشد العذاب.
وقرئت (أدخِلُوا) على جهة الأمْرِ للملائكة بإدخَالِهِمْ أَشَدَّ العَذَابِ.
* * *
(إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١)
(وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ).
أي: الملائكة، وأحدهم شاهدٌ، مثل صاحب وأصحاب.
стр. 1733
(إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٥٦)
أي يجادلون في دفع آيات اللَّه
(بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ).
أي بغير حجة أَتَتْهُم.
(إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ).
أي ما هم ببالغي إرادتهم فيه، وإرادتهم دفع آيات اللَّه وَدَل
على هذا المعنى (يُجَادِلُونَ في آيَاتِ اللَّهِ).
لأن الكبر هم قد أوقعوه فليس يلبس هذا ببالغي الكبرِ.
وجاء في التفسير أنه يُعْنى بِهِ اليهودُ، وأن الكبر الذي ليس هم ببالغيه
تَوقعُ أمر الدَّجالِ، فتكبروا مُتَرَبصِينَ يتوقعون خروج الدجالِ.
فأَعلم اللَّه أن هذه الفرقة التي تجادِلُ لا تبلغ خروج الدجَالِ.
ويدل على قول من قال هذا قول اللَّه يعقب هذا:
(فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ).
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)
(سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ).
معناه صَاغِرِينَ.
* * *
(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ (٧٨)
جاء في التفسير أن اللَّه بعث ثمانية ألف نَبي، مِنْهُمْ أربَعَة
آلاف من بني اسرائيل، ومنهم أربعة آلاف من سائر الناس.
وجاء عن علي ﵁ أنه قال: في قوله تعالى:
(وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ)
أن اللَّه بعث نبياً أسود. فهو ممن لم تذكر قصته في القرآن.
* * *
وقوله تعالى: (اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٧٩)
стр. 1734
الأنعام هَهُنَا الإبل.
* * *
وقوله: (إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ).
يجوز على ثلاثة أوجُهٍ
(وَالسَّلَاسِلَ) بالنصب، و (السَّلَاسِلِ) بالخفض.
فمن رفع فعطف على الأغلال ومن جر فالمعنى إذ الأغْلَالُ فِي أعْنَاقِهِمْ وفي
السلاسِلِ، وَمَنْ نَصَب ففتح اللام قرأ (وَالسَّلَاسِلَ يَسْحَبُونَ).
* * *
(ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُم تَفْرَحُونَ) الآية.
يدل عليه قوله تعالى: (فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ).
أي ذلك العذاب الذي نزل بكم بما كنتم تفرحون بالباطل الذي كنتم
فيه، و (تمرحون) أي تأشرون وتبطرون وتستهزئون.
* * *
(فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ (٨٥)
يقول حين عاينوا العذابَ.
(سُنَّتَ اللَّهِ).
على معنى سَنَّ اللَّه هذه السُّنَّةَ فِي الأمَمِ كُلِّهَا، لاَ يَنْفَعُهُمْ إيمانُهُمْ إذا
رأوا العذاب.
(وَخَسِرَ هُنَالِكَ الكَافِرُونَ).
وكذلك: (وخَسِرَ هُنَالِكَ المبْطِلُونَ).
والمبطلون والكافرون خاسرون في ذلك الوقت وفي كل وقتٍ خاسرون.
ولكنه تعالى بيَّن لهم خُسْرانَهُمْ إذا رأوا العذاب.
стр. 1735
سُورَة فُصِّلَتْ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢)
(تَنْزِيلٌ) رفع بالابتداء، وخبره (كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ).
هذا مذهب البصريينَ.
وقال الفَرَّاءُ يجوز أن يكون (تَنْزِيلٌ) مرتفعاً بِـ (حم)، ويجوز أن يرتفع
بإضمار هذا. المعنى هذا تنزيل من العزيز الرحيم، أي هو تنزيل.
(قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣)
نصب (قُرْآنًا) على الحال.
المعنى بينت آياته قرآناً، أي بينت آياته في حال جمعه عربياً.
(لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) أي بيَّنا لمن يعلم.
* * *
(بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (٤)
(بَشِيرًا وَنَذِيرًا)
من صفته.
* * *
وقوله : (وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ (٥)
(وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ)
فِي غُلُفِ، أي ما تدعونا إليه لا يصل إلى قلوبنا لأنها في أغطية، وواحد
الأكِنةِ كِنَان.
(وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ).
стр. 1736
أيْ صَمَمٌ وقفل يمنع من الاستماع لقولك أي نحن في ترك القبول
منك بمنزلة من لا يستمع قولك.
(وَمِنْ بَيْينَا وَبَييكَ حِجَابٌ).
أي حاجز في النِحْلَةِ والدِّينِ.
وهو - مثل (قُلوِبنَا في أَكِنةٍ) إلا أن معنى هذا أَنا لا نُجامِعُك فِي مَذْهِبٍ.
(فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ).
أي على مذهبنا، وأنت عامل على مَذْهَبَكَ.
ويَجُوزُ أَنْ يكونَ فاعمل في إبطال مذهبنا إنا عاملون في إبطال أَمْرِكَ.
* * *
(وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ
(٧)
أي لا يرونها واجبة عليهم، وَلاَ يُعْطُونها.
* * *
(قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩)
لو أراد - جل وعَلَا - أنْ يخلقها في لَحظَةٍ لَفَعَلَ ولكان ذلك سائغا في
قُدْرَتِهِ، ولكنه أحب أن يُبْصِرَ الخَلْقُ وُجُوهَ الأناةِ والقُدْرَةِ على خلق السَّمَاوَات والأرض في أيام كثيرة وفي لحظةٍ وَاحِدَةٍ لأن المخلوقين كلهُم والملائِكَةَ المقَربِينَ لو اجتمعوا على أن يخلقوا مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْهَا مَا خَلَقُوا.
وجاء في التفسير أن ابتداء خلق الأرْضِ كان في يوم الأحَدِ واستقام
خلقها في يوم الاثنين.
* * *
(وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠)
(وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا).
في الثلاثاء والأربعاء فصارت الجملة أَربعة أَيَّام، فذلك قوله: (وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ).
стр. 1737
أي في تتمة أرْبَعةِ أَيَّام.
(سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ).
وَسَواءٍ، ويجوز الرفعُ. فمن خفض جَعَلَهُ صفَةً للأيَّامِ.
المعنى في أربعة أَئامٍ مسْتَوَياتٍ، ومن - نصب فعلى المصدر، على
معنى استوت سَواءً، واسْتِوَاءً.
ومَنْ رَفَع فعلى معنى هي سَوَاء (١).
ومعنى (لِلسَّائِلِينَ)، مُعَلًق بِقَوْله: (وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا) لكل محتاج إلى
القوتِ.
وَإنما قِيلَ (لِلسَّائِلِينَ) لأن كُلًّا يَطْلُبُ القُوتَ وَيَسْألُه.
ويجوز أن يكون للسائلين لمن سأل في كم خُلِقَت السماواتُ والأرَضُونَ؛ فقيل: خُلِقَتْ الأرْضُ في أربعة أيام سَوَاء لَا زيادَةَ فِيهَا وَلاَ نقصانَ جَوَاباً لِمَنْ سَأل.
* * *
(ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١)
معنى استوى عَمَدَ إلى السماءِ وَقَصَدَ.
(قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ).
على الحال مَنْصُوبٌ، وإنما قِيلَ طَائِعين دُونَ طَائِعَات، لِأنَّهُنَّ جَرَيْن
مَجْرَى ما يَعْقِل وُيميزُ، كما قيل في النجوم: (وَكُل في فَلَكَ يُسْبَحُونَ)
وقد قِيلَ (قَالَتَا أَتَيْنَا) أَيْ، نَحْنُ وَمَنْ فينَا طَائِعِينَ.
وَمَعْنَى (طَوْعًا أَوْ كَرْهًا) على معنى أَطِيعَا لما أَمَرت طَوْعاً، بمنزلة أَطِيعَا الطَاعَةَ أو تُكْرَها إكراهاً.
* * *
(فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (١٢)
(فَقَضَاهُنَّ).
فَخَلَقَهُنَّ وَصَنَعُهُنَّ.
قَالَ أَبُو ذُؤيبٍ.
стр. 1738
وعليهما مسرودتان قضاهما. . . داودُ أو صَنَع السَّوابغَ تبَّع
معناه عملهما وَصَنَعُهَما.
(وَأوُحَى فِي كُلَ سَمَاءٍ أَمْرَهَا).
قِيلَ ما يُصْلِحُهَا، وَقِيلَ مَلَائِكَتُهَا.
(وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا).
معناه وحفظناها مِنَ اسْتِمَاعِ الشياطِين بالكواكب حِفْظاً فقال:
(قل أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ) بمن هذه قدرته (وتجعلون له أنداداً) أي أصناماً
تنحتونها بَأيْدِيكم.
(ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ).
أي الذي هذه صفته وله هذه القدرة رَبُّ العَالَمِينَ.
* * *
ثم قال: (فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ
(١٣)
أي فإن لم يقبلوا رسالتك بعد هذه الإبَانَةَ ويوحدوا اللَّه.
(فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ).
أي أنذرتهمْ بأنْ يَنْزِلَ بكم ما نزل بمن كفر من الأمَمِ قَبلَكُمْ، ثم قصَّ
قصة كُفْرِهِمْ والسبَب في عُتُوِّهِمْ وإقامتهم على ضلالتهم فقال:
(فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً)
فأرسل اللَّه عليهم ريحاً صَرْصَراً فقال:
(فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ (١٦)
(نَحِسَاتٍ)
ويروى نَحْسَاتٍ.
قال أبو عبيدة: الصرْصَر الشديدة الصوْتِ.
وجاء في
стр. 1739
التفسير الشديدة البَرْدِ، وَنَحِسَاتٍ مشئومَاتٍ واحدها نحِسٌ.
ومن قرأ نَحْسَات فَواحدها نَحْسٌ، قال اللَّه :
(فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (١٩) . (١)
* * *
(وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٧)
الجَيِّدُ إسقاط التنوين، ويقرأ ثَمودٌ - بالتنوين - ويجوز ثَمُوداً بِالنًصْبِ.
بفعل مضمر الذي ظهر تفسيره.
ومعنى (هَدَيْنَاهُمْ) قال قَتَادَةُ بَينَّا لَهُمْ طريق الهُدَى وطَريق الضًلاَلَةِ.
(فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى).
والاختيار رفع ثمود على الابتداء والخبر، وهذا مذهب جميع النحويين.
اختيار الرفع، وكلهم يجيز النصْبَ.
وقوله : (فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ).
فَالهونُ والخزيُ الذي يهينهم ويخزيهم.
* * *
(وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٩)
يقرأ إلى النارِ - بفتح النون والتفخيم - وقراءة أبي عَمْرٍو - إلى النارِ -
على الإمالة إلى الكسر - وإنَّما يختار ذلك مع الراءِ - يعني الكسر - لأنها حرف فيه تكريرٌ، فلذلك آثَرَ أَبُو عَمْرٍ الكسرَ.
(فَهُمْ يُوزَعُونَ).
جاء في التفسير يُحْبَسُ أَوَّلُهم على آخِرِهِمْ، وأصله من وزعْتُهُ إذا
كففته، وقال الحسن البَصْرِي حين وَليَ القضاءَ: لَا بُدَّ للناس من وَزَعةٍ.
أي لا بد لهم من أَعْوانٍ يَكُفُّونَ الناس عَنِ التعَدِّي.
стр. 1740
(حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٠)
جاء في التفسير (جُلُودُهُمْ) كناية عن الفَرج، المعنى شَهِدَتْ فروجهم
بمعاصيهم.
* * *
(وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢١)
أي جَعَلنا اللَّه شهوداً.
* * *
(وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)
(وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ).
مرفوع بخبر الابتداء، و (أرْدَاكمْ) خبر ثانٍ.
ويجوز أن يكون (ظَنُّكُمُ). بَدَلاً مِنْ (ذَلِكُمْ).
ويكون المعنى وظنكم الذي ظننتم بِرَبكُمْ أرْداكم.
ومعنى (أرْدَاكُمْ) أهْلَكَكُمْ.
* * *
(وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (٢٥)
(وَقَيَّضْنَا):
وسببنا من حيث لا يَحْتَسِبُونَ.
(لَهُمْ قُرَنَاءَ). . الآية.
يقول زينوا لهم أعْمَالَهُم الًتِي يَعْمَلُونَها ويشاهدونها.
(وَمَا خَلْفَهُمْ) وما يَعْزمُونَ أَنْ يَعْمَلُوه.
* * *
(وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ
(٢٦)
أي عارضوه بكلام لَا يُفهَم يكون ذلك الكلام لَغْواً، يقال: لغا يَلْغُو
لَغْواً، ويقال لَغِيَ يلْغَى لَغْواً إذا تكلم باللغو، وهو الكلام الذي لَا يُحَصّل ولا تفهم حقيقته (١).
* * *
(ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (٢٨)
(ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ)
هذا يدل على رفعه.
قوله: (فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا).
المعنى ذلك العذاب الشديد جزاء أعداء اللَّه.
(النَّارُ) رفع بدل من (جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ)
стр. 1741
وإن شِئت رفعت (النَّارُ) على التفسير، كأنَّه قيل ما هو فقيل هي
النارُ (١).
(لَهُمْ فِيهَا دَارُ الخُلْدِ).
أي لهم في النارِ دار الخلد، والنار هي الدار، كما تقول: لك في هذه
الدارِ دَارُ السرور، وأنت تعني الدار بِعَيْنها
كما قال الشاعر:
أَخُو رَغائِبَ يُعْطِيها ويَسْأَلُها. . . يَأْبَى الظُّلامَةَ منه النَّوْفَلُ الزُّفَرُ
(١)
* * *
وقوله : (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ (٢٩)
(أَرِنَا)
بكسر الراء وبإسكانها - لثقل الكسرة كما قالوا في فَخِذٍ فَخْذ، ومن كسر
فعلى الأصل، والكسر أَجْوَدُ لأنه في الأصْلِ أَرْئِنَا - فحذفت الهمزة وبقيت
الكسرةُ دليلاً عليها والكسر أجود.
ومعنى الآية فيما جاء من التفسير أنه يعني بهما ابن آدم قابيل الذي قتل
أخاه، وإبليس، فقابيل مِنَ الإنس وإبليس مِنَ الجِنِّ.
ومعنى: (نجعلْهُمَا تحت أَقْدَامِنَا).
أي يكونان - في الدَّرْك الأسفل.
* * *
وقوله : (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠)
أي: وحدوا اللَّه، واستقاموا: عملوا بِطَاعَتِهِ ولزموا سنة نبيِّهِ.
(تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ).
بُشَراءَ يبشرونهم عند الموت وفي وقت البعث فلا تَهُولُهم أهَوالُ القيامة.
* * *
وقوله: (نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)
стр. 1742
معناه وأبشروا بالجنة تنزلُونها نُزُلاً.
قال أبو الحسن الأخفش: (نُزُلًا) منصوب من وجهين:
أحدهما أن يكون مَنْصُوباً على المصدَرِ، على معنى لكم
ْفيها ما تشتهي أنفسكم أنزَلْناهُ نُزُلاً.
ويجوز أنْ يكون منصوباً على الحال على معنى لكم فيها ما تشتهي أَنْفُسُكُمْ منزلا نُزُلًا، كما تقول جاء زيد مشياً في معنى جاء زيد ماشياً (١).
* * *
(وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)
(وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا)
منصوب على التفسير كما تقول زيد أحسن منك وجهاً، وجاء في
التفسير أنه يعنى به محمد ﷺ لأنه دعا إلى توحيد اللَّه، وجاء أيضاً في التفسير عن عائشة وغيرها أنها نزلت في المؤذنين.
* * *
(وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤)
و" لا " زائدة مؤكدة، المعنى لا تستوي والسيئة.
(ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ).
معناه ادفع السيئة بالتي هي أحسن.
(كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ): الحميم القريب.
* * *
(وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥)
أي ما يلقى مجازاة هذا أي وما يلَقى هذه الفعلة (إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا) أي
إِلَّا الَّذِينَ يكظمون الغيظ.
(وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ).
الحظ ههنا الجنَّة، أي وما يلقاها إلا من وجبت له الجنة.
ومعنى (ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ)، أي حَظٍّ عَظِيمٍ في الخير.
стр. 1743
(وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٦)
يقول إن نزغك مِنَ الشيطان ما يصرفك به عن الاحتمال فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ
من شرِّه وامض على حلمك.
* * *
(وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (٣٧)
أَي مِنْ عَلاَمَاتِهِ التي تَدُلُّ على أَنه واحد.
وقوله: (وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ).
وقد قال: الليلُ والنهار والقمر وهي مُذَكَرَة.
وقال: (خَلَقَهُنَّ) والهاء والنون
يدلان على التأنيث، ففيها وجهان:
أحدهما أَن ضمير غير ما يعقل على لفظ
التأنيث، تقول: هذه كِبَاشُك فسُقْها، وَإنْ شئت فسُقْهُن، وإنَّمَا يكون
" خَلَقَهُمْ " لما يعقل لا غير، ويجوز أن يكون (خَلَقَهُنَّ) راجعاً على معنى الآيات لأنه قال: ومن آياته هذه الأشياء.
(وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ) (١).
* * *
(فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ (٣٨)
هذه خطاب لمحمد ﷺ
و (الَّذِينَ) ههنا يعنى به الملائكة، فالمعنى فإن استكبروا وَلَمْ يُوحِّدُوا اللَّهَ ويعْبُدوه ويؤمنوا برسوله، فالملائكة (يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ).
(وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ).
لاَ يَملُّون - ثم زَادَهُمْ في الدلالة فقال:
* * *
(وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩)
أي مُتَهَشِمَةً متغيرة، وهو مثل هامدة.
стр. 1744
(فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ).
ويقرأ وَرَبأتْ بالهمز، ومعنى ربت عظمت، ومعنى ربأت ارْتَفَعَتْ لأن
النبت إذا همَّ أن يظهر ارتفعت له الأرض.
* * *
وقوله : (إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤٠)
(يَلْحَدُونَ) بفتح الياء والحاء، وتفسير يَلْحدُونَ يجعلون الكلام على غير
جِهَتِه، ومن هذا اللَّحْدُ لأنه الحفرُ في جانب القَبْر، يُقال لَحَد وَألْحَدَ، في
معنى وَاحِدٍ.
(اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ).
لفط هذا الكلام لفظ أَمْرٍ، ومعناه الوعيد والتهدد، وقد بيَّن لهم المجازاة
على الخير والشر.
* * *
وقوله : (وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)
فيه وجهان:
أحدهما أن الكتب التي تقدمت لا تبطله وَلَا يأتي بعده كتابُ
يُبْطِلُه.
والوجه الثاني أنه محفوظ من أن يَنقُصَ منه فيأتيه الباطل من بين يديه أو
يزاد فيه فيأتيه الباطل من خلفه.
والدليل على هذا قوله: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩).
* * *
(مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ (٤٣)
أي تكذيبك كما كُذِبَ الرسُلُِ مِنْ قَبلِكَ، وقيل لهم كما يقول الكفارُ
لك، ثم قال:
стр. 1745
(إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ): المعنى لمن آمن بك.
(وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ): لِمَنْ كَذبَك.
* * *
(وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٤٤)
(وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ)
أي بُيِّنَت.
(أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ).
وتقرأ (أَأَعْجَمِيٌّ) بهمزتين وَ (أَعْجَمِيٌّ) بهمزةٍ واحدةٍ وبهمزة بعدها مخففة
تشبه الألف، ولا يجوز أن يكون ألفاً خَالِصَةً لأن بعدها العين وهي ساكنة.
وتقرأ أَعجَمِي وعَرَبي - بهمزة واحدة وفتح العين.
وقرأ الحسن أَعْجَمى بهمزة وَسَكُونِ العَيْن.
والذِي جَاءَ في التفْسِير أَن المعنى (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا): هلَّا
بينت آياتِهِ، أقرآنٌ أعجميٌّ ونبيٌّ عربي.
فمن قرأ (آأعجمي) فهمزة وألفٍ فَإنهُ مَنْسوبُ إلى اللسَانِ الأعجم، تقول: هذا رَجُل أعجمي إذا كان لا يُفْصِحُ إن
كَانَ مِنَ العَجَمِ أو من العَرَبٍ، وتقول: هذا رجل عَجَمِي إذا كان من
الأعاجم، فصيحاً كان أَمْ غَيرَ فصيح، ومثل ذَلِكَ: هذا رَجُلٌ أعرابي إذا كان من أهل البادية، وكان جنسه من العَرَب أو من غير العَرَبِ، والأجودُ في القرآن أَعْجَمِي بهمزة وأَلِفٍ على جهة النسبة إلى الأعْجَمِ، ألا ترى قوله: (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا)، ولم يقرأ أحَد عَجَميُّا.
فأمَّا قراءة الحسن أعني أَعْجَمى بإسكان العَيْنِ لا على معنى الاستفهام ولكن على معنى هَلَّا بُيِّنَتْ آياتُه، فجعل بعضه بياناً للعجم وبعضه بياناً للعرب، وكل هذه الأوجه الأربعة سائغ في العربية
وعلى ذلك تفسيره (١).
стр. 1746
وقوله : (قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ).
يعني القرآن.
(وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ).
أي هم في ترك القبول بمنزلة من في أذنه صمم.
(وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى)
ويقرأ (وهو عَلَيْهِمْ عَمٍ) بِكسر الميم والتنوين، ويجوز (وهو عَليْهِمْ عَمِيَ)
بإثبات الياء وَفَتْحِهَا، ولا يجوز إسكان الياء وترك التنوين (١).
(أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ).
يعني من قسوة قلوبهم يُبعَدُ عنهم مَا يُتْلَى عليهم.
* * *
(وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (٤٥)
(وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ)
ْالكلمة وَعْدَهُمُ الساعة، قال : (بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ)
* * *
(مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦)
(وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا).
أي: على نفسه.
ويدل على أن الكلمة ههنا الساعة قوله: (إلَيْه يُرَد عِلْمُ السَّاعَةِ).
وقوله : (وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ (٤٧)
(وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا).
نحو خروج الطلع من قشره.
(وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي).
стр. 1747
المعنى أين قولكم أن لي شركاء، واللَّه - جل وعلا - واحدٌ لا شريك له.
وقد بين ذلك في قوله: (أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ).
(آذَناكَ) أَعْلَمْنَاكَ مَا مِنا من شهِيدٍ لَهُمْ.
* * *
(وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (٤٨)
(وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ).
أَي أيقنوا.
* * *
(لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ (٤٩)
لا يَمَل الخير الذي يُصيبه، وإذا اختبر بشيء من الشر يئس وقنط.
* * *
(وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (٥٠)
(وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي)
أي هذا واجب لي، بعملي استحققته، وهذا يعني به الكَافِرُونَ، ودليل
ذلك قوله: (وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى).
يقول: إني لست أُوقِنُ بالبعث وقيام الساعة، فإن كان الأمر على ذلك إن لي عنده للحسنى.
* * *
(وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ (٥١)
ويقرأ (ناء) والمعنى مُتَقَارِب، يقول: إذا كان فيْ نعمةٍ تباعَدَ عن ذكر اللَّه
وَدُعَائِه
(وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ)
وعريضٌ ههنا كبير، وكذلك لو كان ذو دعاء طويل كانَ معناه كبيرٌ.
* * *
وقوله: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣)
أي سنريهم الأعلام التي تدل على التوحيد في الآفاق، وواحدها أُفُق.
يقول: سنريهم آثار مَن مَضَى قبلهم مِمنْ كَذبَ الرسُلَ من الأمم وآثرَ خلقِ اللَّه في كل البلاد
(وَفِي أَنْفُسِهِمْ) من أنهم كانوا نُطَفاً ثم عَلقَاً ثم مُضَغاً ثم عِظاماً
стр. 1748
كُسِيَتْ لحماً، ثم نقلوا إل التمييز والعقل، وذلك كله دَليل على أن الذي فعله واحدٌ ليس كمثلِه شيء.
(أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ).
ويجوز " إنَّهُ "، والقراءة " أنَّه " بالفتح.
وموضع (بِرَبِّكَ) في المعنى رفع.
المعنى أولم يكف رَبكَ
وموضع (أنه) نصب، وإن شئتَ كانَ رفعاً.
المعنى في النصب أو لم يكف ربك بأنه على كل شيء شَهِيدٌ.
ومن رفع فعلى البدل، المعنى أوَلم يكف أَنَ رَبَّكَ عَلَى كُلِ شَيء شَهِيدٌ، أي أوَلم يكفهم شهادة ربِّك.
ومعنى الكفاية ههنا أنه قَد بَين لهم ما فيه كفاية في الدلاَلَةِ على تَوْحِيدِهِ وبينت
رُسُلُه (١).
* * *
(أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ (٥٤)
في شك.
(أَلَا) كلمة يبتدأ بها ينبَّهُ بِهَا المخاطب توكيداً يَدُلُّ عَلَى صحة
ما بعدها.
(أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ).
أي عالم بكل شيء علماً يحيطُ بما ظَهَر وَخَفِيَ.
стр. 1749
سُورَةُ الشُّورَى
حم عسق، (مَكِّيَّة)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله : (حم (١) عسق (٢)
قد بيَّنَّا حروف الهجاء، وجاء في التفسير أن هذه الحروفَ اسم من
أسماء اللَّه، ورويت حم سق - بغير عين - والمصاحف فيها العين بائنة.
* * *
وقوله : (كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣)
وقرئت يُوحَى، وقرئت نُوحِي إِليك وإلى الذين من قبلك بِالنونِ (١).
وجاء في التفسير أن " حم عسق " قد أوحِيَتُ إِلى كل نَبِي قبلَ محمد - صلى الله عليه - وعليهم أجمعين.
وموضع الكاف من " كذلك " نصبٌ.
المعنى مثل ذلك يوحى إِليك.
فمن قرأ يوحِي بالياء، فاسم اللَّه عزَّ جل رفع بفعله وهو يُوحِي.
وَمَنْ قَرأَ. يُوحَى إليك فاسم اللَّه مبين عما لمَ يسم فاعله، ومثل هذا من الشعْرِ.
لِيُبْكَ يزيدٌ ضارِعٌ لخُصُومةٍ. . . ومُخْتبِطٌ مما تُطِيحُ الطَّوائِحُ
فبين من ينبغي أن يبكيه.
ومن قرأ نُوحي إليك بالتون جعل نوحي إخباراً عن اللَّه .
ورفع (اللَّهُ) بالابتداء وجعل (الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) خبراً عن (اللَّهُ)، وإن شاء كان
стр. 1750
(الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) صفة للَّهِ يرتفع كما يرتفع اسم اللَّه، ويكون
الخبر (لَهُ مَا في السَّمَاواتِ وَمَا فِي الأرْضِ).
* * *
قوله: (تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥)
(تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَنْفَطِرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ)
وقرئت مِمَّنْ فَوْقَهُن، وقرئت (يَتَفَطَّرْنَ)، ومعنى يَنْفَطِرنَ ويتفطرن
يَنْشَقِقْن، ويَتَشَققْنَ، فالمعنى - واللَّه أعلم - أي تكاد السَّمَاوَاتُ ينفطرن من
فوقهن لعظمة اللَّه. لأنه لما قال: (وَهُوَ العَلِيُّ العَظِيمُ).
قال: تكاد السَّمَاوَات ينفطِرْنَ لعَظمِتِه، وكذلك - ينفطرن ممن فوقَهِن، أي من عظمة من فوقَهُن.
* * *
وقوله : (وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ).
مَعنَى (يُسَبِّحُونَ) يعظمون اللَّه وينزهونه عن السوء
(وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ) من المؤمنين.
ولا يجوز أن يكون يَسْتَغْفِرُونَ لكل من في الأرض، لأن الله تعالى قال فِي الكفار: (أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّه وَالمَلَائِكَةِ والنَّاسِ أجْمَعِينَ)
ففي هذا دليل على أن الملائكة إنما يستغفرون للمؤمنين، ويدل
على ذلك قوله في سورة المُؤمِن: (وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا).
* * *
وقوله : (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ
(٧)
(أُمَّ الْقُرَى) مكة، وموضع (وَمَنْ حَوْلَهَا) نصب.
المعنى لتنذر أهل أم القرى ومن حولها، لأن البلد لا يعقل.
ومثل هذا (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا).
وقوله: (وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ).
أي يوم يبعث الناس جَميعاً، ثم أَعلم مَا حَالُهم في ذَلِكَ اليوم فقال:
(فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ).
стр. 1751
وقوله جلَّ وعزَّ: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٨)
ارتفع (الظَّالِمُونَ) بالابتداء.
وقوله: (يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٣١).
الفصل بين هذا والأول أن أَعد لهم فِعل فنصب (الظالمين) بفعل مضمر يفسره
ما ظهر، المعنى وَأوعد الظالمين أعد لهم عذاباً أليماً.
* * *
وقوله: (فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)
(جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا).
أي خلق الذكَرَ والأنْثَى مِنَ الحَيَوانِ كُلِّهِ.
وقوله: (يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ).
أي يُكَثركم بِجَعْلِهِ منكم وَمنَ الأنْعَامِ أزواجاً.
وقوله: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ).
هذه الكاف مؤكَدة، والمعنى ليس مثله شيء، ولا يجوز أن يقال:
المعنى مثلَ مثلِهِ شيء، لأن من قال هذا فقد أثبت المثل للَّهِ تعالى عن ذلك
عُلُوًّا كَبيراً (١).
* * *
قوله: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣)
روي في التفسير أن أول من أتى بتحريم البنات والأخَوَات والأمهات نوح.
(وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى).
أي وشرع لكم ما وصى به إبراهيم وموسى وعيسى.
وقوله : (أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ).
стр. 1752
تفسير قوله: (ما وَصى بِهِ إبْرَاهِيمَ) - وموضع " أن " يجوز أن يكونَ نَصْباً
وَرَفْعاً وَجَرَّا.
فالنصْبُ على معنى شرع لكم أن أقيموا الدِّينَ.
والرفع على معنى هو أن أقيموا الدِّينَ، والجر على البدل من الباء، والجر أَبْعَدُ هذه الوُجُوه، وجائز أن يكونَ أن أقيموا الدِّينَ تفسيراً لما وصى به نوحاً ولقوله (والذي أوحينا إليك) ولقوله: (وما وَصيْنَا بِهِ إبرَاهِيم).
فيكون المعنى: شرع لكم وَلمَنْ قبلكم إقامة الدِّينِ وَتَركَ الفرقة، وشرع الاجتماع على اتباع الرسُلِ
* * *
وقوله : (وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١٤)
أي وما تفرق أهل الكتاب إلا عَنْ علْم بأن الفرقة ضَلاَلَةٌ ولكنهم فعلوا
ذلك بغياً أي للبغي.
وقوله: (وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ).
أي لَجُوزُوا بأعمالهم، والكلمة هي تأجيله الساعة، يدل على ذلك
قوله: (بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ).
* * *
وقوله: (فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٥)
(فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ).
معناه فإلى ذلك فادع واستقم أي إلى إقامَةِ الدِّين (فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ).
أي آمَنْتُ بكتب اللَّه كُلِّهَا، لأن الذين تفرقوا آمنوا ببعض الكتب وكفروا
ببعض.
* * *
وقوله: (اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (١٧)
(الْمِيزَان) العدل
(وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ).
إنما جاز (قَرِيبٌ) لأن تأنيث الساعة غير تأنيث حقيقي، وهو بمعنى لعل
стр. 1753
البعث قريب، ويجوز أن يكون على معنى لعَل مجيء السَّاعَةِ قريب.
(يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (١٨)
أي يستعجل بها من يظن أنه غير مبعوث.
وقوله: (وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا).
لأنهم يعلمون أنهم مبعوثون مُحَاسبُون.
(أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ).
أي الذين تدخلهم المرية والشك في الساعة، فيمارون فيها ويجحدون
كونها (لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ)، لأنهم لو فكروا لعلموا أن الذي أنشاهم وخلقهم من تراب ثم من نطفة ثم من عَلَقةٍ إلى أن بَلَغُوا مَبَالِغَهُمْ، قادر على إنشائهم
وبعْثِهِمْ.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (٢٠)
جاء في التفسير أن معناه مَنْ كان يُرِيدُ عمل الآخرة.
فالمعْنَى - واللَّه أعلم - أنه من كان يريد جَزاءَ عمل الآخرة نزِدْ له في حرثه، أي نوفقه، ونضاعف له الحسنات.
ومن كان يُريدُ حرث الدنيا، أي مَنْ كَانَ إنما يقْصِدُ إلى الحظِّ من
الدنيا وهو غير مؤمن بالآخرة نؤته من الدنيا أي نرزُقه من الدنيا لا أنه يُعطَى
كل ما يريدُهُ وإذا لم يؤمن بالآخرة فلا نصيب له في الخير الذي يصل إليه من
عمل الآخرة.
* * *
وقوله: (تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٢٢)
أي تراهم مشفقين من ثواب ما كسبوا، وثواب ما كسبوا النار.
(وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ) أي وثواب كسْبِهِمْ وَاقِعٌ بِهِمْ.
стр. 1754
(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ).
أي: والظالِمُونَ لهم النار، والمؤمنون لهم الجنة.
* * *
وقوله: (ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ (٢٣)
يقرأ: يُبَشِّرُ ويَبْشرُ، وُيبْشِرُ
وقوله: (قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى).
أي إلا أن تودوني في قرابتي.
وجاء في التفسير عن ابن عباس ﵀ أنه قال: ليس حي من قريش إلا وللنبي ﷺ فيه قرابة، وروي أن النبي ﷺ قال لقريش: أنتم قرابتي وأول من أجابني وأَطَاعَنِي، وروي أن الأنصار أتت النبي ﷺ فقالت: قد هدانا اللَّه بك وأنْتَ ابن أختنا، وأتوه بنفقة يستعين بها على ما ينوبه، فأنزل اللَّه : (قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى).
قال أبو إسحاق: وَنَصْبُ (الْمَوَدَّةَ) أن يكون بمعنى استثناء ليس من الأول.
لا على معنى أسالكم عليه أجراً المودة في القُرْبَى، لأن الأنبياء صلوات اللَّه
عليهم لا يسألون أجراً على تبليغ الرسالة، والمعنى - واللَّه أعلم - ولكنني
أذكركم الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى.
قوله: (وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا).
أي من يعمل حسنة نضاعِفْها له (١).
(إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ).
غفور للذنوب قبول للتوبة مثيب عليها.
* * *
وقوله : (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٢٤)
стр. 1755
معناه فإن يشأ اللَّه يُنْسِكَ ما أتاك، كذلك قال قتادة.
ويجوز (فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ) يربط على قلبك بالصبر على أذاهم وعلى قولهم (افترى على اللَّه كَذِباً).
(ويمحو اللَّه الباطل)، الوقوف عليها (ويمحوا) بواو وألف لأن المعنى واللَّه يمحو الباطل على كل حال، وكتبت في المصحف بغير واو لأن الواو تسقط في اللفظ لالتقاء السَّاكنين، فكتبت على الوصل.
ولفظ الواو ثابت، والدليل عليه (ويحق الحق بكلماته)، أي ويمحو اللَّه الشرك ويحق الحق بما أنزله من كتابه على لسان نبيِّهِ ﵇.
* * *
وقوله: (وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ (٢٦)
المعنى ويجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات.
* * *
قوله : (وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ (٢٨)
ويقرأ (قَنِطُوا) بكسر النون، يقال قَنط يقنِطُ، وقَنِطَ يَقْنَطُ إذا - يئس.
ويروى أن عمر قيل له قد أَجْدَبَتِ الأرض وَقَنِط الناسُ فقال: مُطِرُوا
إذَنْ، لهذه الآية.
* * *
وقوله: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)
(وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا. . .).
وهي في مصحف أهل المدينة (بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ) - بغَيرِ فَاء -، وكذلك
يقرأونها خلا أَبَا جَعفر فإنه يثبت الفاء وهي في مصاحف أهل العراق بالفاء.
وكذلك قراءتهم، وهو في العربية أجود لأن الفاء مجازاة جواب الشرط.
المعنى ما تُصِبْكُمْ من مُصِيبَةٍ فبما كسبت أيديكم.
وقرئت (ويعْلَمُ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ) والنصب على إضمار أن (١)، لأن قبلها جزاء، تقول: ما تصنع أصنع مثله وأُكْرِمَكَ، وإن شئت قلت وَأُكْرِمُكَ على وَأَنا أكرمك، وإن شئت: وَأُكْرِمْكَ جزماً.