وقوله جلَّ وعزَّ: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٨)
ارتفع (الظَّالِمُونَ) بالابتداء.
وقوله: (يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٣١).
الفصل بين هذا والأول أن أَعد لهم فِعل فنصب (الظالمين) بفعل مضمر يفسره
ما ظهر، المعنى وَأوعد الظالمين أعد لهم عذاباً أليماً.
* * *
وقوله: (فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)
(جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا).
أي خلق الذكَرَ والأنْثَى مِنَ الحَيَوانِ كُلِّهِ.
وقوله: (يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ).
أي يُكَثركم بِجَعْلِهِ منكم وَمنَ الأنْعَامِ أزواجاً.
وقوله: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ).
هذه الكاف مؤكَدة، والمعنى ليس مثله شيء، ولا يجوز أن يقال:
المعنى مثلَ مثلِهِ شيء، لأن من قال هذا فقد أثبت المثل للَّهِ تعالى عن ذلك
عُلُوًّا كَبيراً (١).
* * *
قوله: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣)
روي في التفسير أن أول من أتى بتحريم البنات والأخَوَات والأمهات نوح.
(وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى).
أي وشرع لكم ما وصى به إبراهيم وموسى وعيسى.
وقوله : (أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ).
стр. 1752
تفسير قوله: (ما وَصى بِهِ إبْرَاهِيمَ) - وموضع " أن " يجوز أن يكونَ نَصْباً
وَرَفْعاً وَجَرَّا.
فالنصْبُ على معنى شرع لكم أن أقيموا الدِّينَ.
والرفع على معنى هو أن أقيموا الدِّينَ، والجر على البدل من الباء، والجر أَبْعَدُ هذه الوُجُوه، وجائز أن يكونَ أن أقيموا الدِّينَ تفسيراً لما وصى به نوحاً ولقوله (والذي أوحينا إليك) ولقوله: (وما وَصيْنَا بِهِ إبرَاهِيم).
فيكون المعنى: شرع لكم وَلمَنْ قبلكم إقامة الدِّينِ وَتَركَ الفرقة، وشرع الاجتماع على اتباع الرسُلِ
* * *
وقوله : (وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١٤)
أي وما تفرق أهل الكتاب إلا عَنْ علْم بأن الفرقة ضَلاَلَةٌ ولكنهم فعلوا
ذلك بغياً أي للبغي.
وقوله: (وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ).
أي لَجُوزُوا بأعمالهم، والكلمة هي تأجيله الساعة، يدل على ذلك
قوله: (بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ).
* * *
وقوله: (فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٥)
(فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ).
معناه فإلى ذلك فادع واستقم أي إلى إقامَةِ الدِّين (فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ).
أي آمَنْتُ بكتب اللَّه كُلِّهَا، لأن الذين تفرقوا آمنوا ببعض الكتب وكفروا
ببعض.
* * *
وقوله: (اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (١٧)
(الْمِيزَان) العدل
(وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ).
إنما جاز (قَرِيبٌ) لأن تأنيث الساعة غير تأنيث حقيقي، وهو بمعنى لعل
стр. 1753
البعث قريب، ويجوز أن يكون على معنى لعَل مجيء السَّاعَةِ قريب.
(يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (١٨)
أي يستعجل بها من يظن أنه غير مبعوث.
وقوله: (وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا).
لأنهم يعلمون أنهم مبعوثون مُحَاسبُون.
(أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ).
أي الذين تدخلهم المرية والشك في الساعة، فيمارون فيها ويجحدون
كونها (لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ)، لأنهم لو فكروا لعلموا أن الذي أنشاهم وخلقهم من تراب ثم من نطفة ثم من عَلَقةٍ إلى أن بَلَغُوا مَبَالِغَهُمْ، قادر على إنشائهم
وبعْثِهِمْ.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (٢٠)
جاء في التفسير أن معناه مَنْ كان يُرِيدُ عمل الآخرة.
فالمعْنَى - واللَّه أعلم - أنه من كان يريد جَزاءَ عمل الآخرة نزِدْ له في حرثه، أي نوفقه، ونضاعف له الحسنات.
ومن كان يُريدُ حرث الدنيا، أي مَنْ كَانَ إنما يقْصِدُ إلى الحظِّ من
الدنيا وهو غير مؤمن بالآخرة نؤته من الدنيا أي نرزُقه من الدنيا لا أنه يُعطَى
كل ما يريدُهُ وإذا لم يؤمن بالآخرة فلا نصيب له في الخير الذي يصل إليه من
عمل الآخرة.
* * *
وقوله: (تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٢٢)
أي تراهم مشفقين من ثواب ما كسبوا، وثواب ما كسبوا النار.
(وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ) أي وثواب كسْبِهِمْ وَاقِعٌ بِهِمْ.
стр. 1754
(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ).
أي: والظالِمُونَ لهم النار، والمؤمنون لهم الجنة.
* * *
وقوله: (ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ (٢٣)
يقرأ: يُبَشِّرُ ويَبْشرُ، وُيبْشِرُ
وقوله: (قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى).
أي إلا أن تودوني في قرابتي.
وجاء في التفسير عن ابن عباس ﵀ أنه قال: ليس حي من قريش إلا وللنبي ﷺ فيه قرابة، وروي أن النبي ﷺ قال لقريش: أنتم قرابتي وأول من أجابني وأَطَاعَنِي، وروي أن الأنصار أتت النبي ﷺ فقالت: قد هدانا اللَّه بك وأنْتَ ابن أختنا، وأتوه بنفقة يستعين بها على ما ينوبه، فأنزل اللَّه : (قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى).
قال أبو إسحاق: وَنَصْبُ (الْمَوَدَّةَ) أن يكون بمعنى استثناء ليس من الأول.
لا على معنى أسالكم عليه أجراً المودة في القُرْبَى، لأن الأنبياء صلوات اللَّه
عليهم لا يسألون أجراً على تبليغ الرسالة، والمعنى - واللَّه أعلم - ولكنني
أذكركم الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى.
قوله: (وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا).
أي من يعمل حسنة نضاعِفْها له (١).
(إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ).
غفور للذنوب قبول للتوبة مثيب عليها.
* * *
وقوله : (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٢٤)
стр. 1755
معناه فإن يشأ اللَّه يُنْسِكَ ما أتاك، كذلك قال قتادة.
ويجوز (فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ) يربط على قلبك بالصبر على أذاهم وعلى قولهم (افترى على اللَّه كَذِباً).
(ويمحو اللَّه الباطل)، الوقوف عليها (ويمحوا) بواو وألف لأن المعنى واللَّه يمحو الباطل على كل حال، وكتبت في المصحف بغير واو لأن الواو تسقط في اللفظ لالتقاء السَّاكنين، فكتبت على الوصل.
ولفظ الواو ثابت، والدليل عليه (ويحق الحق بكلماته)، أي ويمحو اللَّه الشرك ويحق الحق بما أنزله من كتابه على لسان نبيِّهِ ﵇.
* * *
وقوله: (وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ (٢٦)
المعنى ويجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات.
* * *
قوله : (وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ (٢٨)
ويقرأ (قَنِطُوا) بكسر النون، يقال قَنط يقنِطُ، وقَنِطَ يَقْنَطُ إذا - يئس.
ويروى أن عمر قيل له قد أَجْدَبَتِ الأرض وَقَنِط الناسُ فقال: مُطِرُوا
إذَنْ، لهذه الآية.
* * *
وقوله: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)
(وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا. . .).
وهي في مصحف أهل المدينة (بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ) - بغَيرِ فَاء -، وكذلك
يقرأونها خلا أَبَا جَعفر فإنه يثبت الفاء وهي في مصاحف أهل العراق بالفاء.
وكذلك قراءتهم، وهو في العربية أجود لأن الفاء مجازاة جواب الشرط.
المعنى ما تُصِبْكُمْ من مُصِيبَةٍ فبما كسبت أيديكم.
وقرئت (ويعْلَمُ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ) والنصب على إضمار أن (١)، لأن قبلها جزاء، تقول: ما تصنع أصنع مثله وأُكْرِمَكَ، وإن شئت قلت وَأُكْرِمُكَ على وَأَنا أكرمك، وإن شئت: وَأُكْرِمْكَ جزماً.
стр. 1756
وروي عن علي ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: إن اللَّه أكرم من أن يَثْنيَ على عبده العُقوبَةَ، أي إذا أصابته في الدنيا مصيبة بما كسبت يداه لم يثن عليه العقوبة في الآخرة.
وأما من قرأ: (وما أصابكم مِنْ مُصِيبَةٍ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكم ويعفو عن كثير)
أي لا يجازى على كثير مما كسبت أيديكم قي الدنيا، وجائز أن يكون
(يَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) فلا يجازى عليه في الدنيا ولا في الآخرة.
ومعنى: (مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ).
ما لهم من مَعْدِلٍ، ولا مِنْ مَنجى، يقال حاص عنه إذا تنحى، ويقال
حاض عنه في معنى حاص، ولا يجوز أن يقرأ ما لهم من محيض، وأن كان
المعنى واحداً.
فأمَّا موضع (الذين) في قوله: (وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) فيجوز أن يكون نصباً، ويجوز أن يكون رفعاً.
فمن نصب فعلي معنى ويجيب اللَّه الذين آمنوا وعملوا الصالحات.
ومن رفع فعلى معنى يستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات للَّهِ أي لما يدعوهم اللَّه إليه.
* * *
وقوله: (وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (٣٧)
موضع (الَّذِينَ) خفض صفة لقوله (لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ).
و (كَبَائِرَ الْإِثْمِ)، قال بعضهم كل ما وعد اللَّه عليه النار فهو كبيرة.
وقيل الكبائر من أول سورة النساء من قوله: (وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ)
إلى قوله: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ).
وقد قيل: الكبائر الشرك باللَّهِ، وقتل النفس التي حرم اللَّه، وقذف المحصنات، وعقوق الوالدين، وأكل مال اليتيم، والفرار من الزحف، واستحلال الحرام.
* * *
وقوله : (وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٨)
стр. 1757
(الذين) في موضع خفض أيضاً، على معنى وما عند اللَّهِ خَيْرٌ وأبقى
للذين آمنوا وللذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة.
وقوله: (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ).
أي لا ينفردون برأي حتى يجتمعوا عليه، وقيل إنه ما تشاور قوم قَط - إلا
هُدُوا لأحسن ما يحضرهم.
* * *
(وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (٣٩)
جاء في التفسير أنهم كانوا يكرهون أَنْ يَذلوا أَنْفُسَهُم. فيجترئ عليهم
الفساق.
وروي أنها نزلت في أبي بكر الصديق.
فإن قال قائل: أهم محمودون على انتصارهِم أم لا؟
قيل هم محمودون؛ لأن من انتصر فأخذ بحقه ولم يجاوز في ذلك ما أمر اللَّه به فلم يُسْرِفْ في القتل إن كان ولي دم ولا في قصاص فهو مطيع للَّهِ ، وكل مطيع محمود، وكذلك من اجتنب المعاصي فهو محمود، ودليل ذلك قوله: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١).
* * *
وقوله: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٤٠)
فالأولى (سيئة) في اللفظ والمعنى، والثانية (سيئة) في اللفظ، عاملها ليس
بمسيء، ولكنها سميت سيئة لأنها مجازاة لسوء فإنما يجازي السوء بمثله.
والمجازاة به غيْرُ سيّئة توجب ذَنْباً، وَإنَّمَا قيل لها سيئة ليعلم أَن الجَارِحَ
والجاني يُقْتَص مِنْهُ بمقدار جنايته.
وهذا مثل قوله تعالى: (فَمِن اعتدى عليكم فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) تأويله كافئوه بمثله، وعلى هذا كلام العرب.
* * *
وقوله: (وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣)
стр. 1758
أي الصابر يؤتى بصبره ثواباً فكل من زادت رغبته في الثواب فهو أتمُّ
عَزْم، وقد قال بعض أهل اللغة إن معنى قوله تعالى: (وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ) أن منه القصاصَ والعفوَ.
فالعفو أحسنه (١).
* * *
وقوله تعالى: (وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ (٤٥)
(يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ).
يعني ينظرون إلى النار من طرف خَفِي، قال بعضهم إنهم يُحْشرونَ
عُمْياً فيرونَ النارَ بِقُلوِبهِمْ إذا عُرِضُوا عَلَيْها، وقيل ينظرونَ إليها مُسَارَقَة.
* * *
وقوله : (اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ (٤٧)
(مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ).
أي ليس لكم مَخلَصٌ من العَذَابِ، ولا تَقْدِرُون أن تنكروا ما تقفون
عليه مِنْ ذُنُوبَكُمْ ولا ما يَنْزِلُ بِكُمْ مِنَ العَذَابِ.
* * *
وقوله: (يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٥٠)
أي ويجعل ما يهبه من الولد ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا.
فمعنى (يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا) أي يُقْرِنُهُمْ، وكل اثنين يقترن أحدُهما بالآخر فهما زوجان، كل واحد منهما يقال له زوج.
تقول: عندي زوجان من الخفاف، يعني أن عندك من العدد
اثنين أي خُفيْن، وكذلك المرأة وزوجها زوجان (٢).
وقوله: (وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا).
أي يجعل المرأة عقيماً، وهي - التي لا تَلِدُ، وكذلك رَجُلُ عقيم أيْضاً لا
يولد له، وكذلك الريح العقيم التي لا يكون عنها مطر وَلَا خيْر.
* * *
وقوله: (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (٥١)
стр. 1759
يقرأ (أَوْ يُرْسِلُ) برفع. (يُرْسِلُ)
و (فيوحِي) بإسكان الياء.
والتفسير أن كلام الله للبشر إما أن يكون برسالة مَلَكٍ إليْهِمْ كما أرسل إلى أنبيائه، أو من وراء حجاب كما كلم موسى ﵇، أو بإلهام يُلْهِمُهُمْ.
قال سيبويه: سَألت الخليلَ عن قوله تعالى (أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا) بِالنصْبِ.
فقال: (يُرْسِل) محمول على " أن يوحي " هذه التي في قوله أن يكلمَهُ اللَّه.
قال لأن ذلك غير وجه الكلام لأنه يصرف المعنى: ما كان لبشر أن يرسل اللَّه رسولا، وذلك غير جائز، لأن ما نرسل محمول على وحي.
المعنى ماكان لبشر أن يكلمه اللَّه إلا بأن يوحي أو أن يرسل.
ويجوز الرفع في (يُرْسِلُ) على معنى الحال، ويكون المعنى: ما كان
لبشر أن يكلمه اللَّه إلا موحياً أو مرسلاً رسولًا كذلك كلامُهُ إيَّاهُمْ.
قال الشاعر:
وخيل قد دَلَفْتُ لها بخيلٍ. . . تحية بينهم ضربٌ وجيعُ
ومثل قوله: (أَوْ يُرْسِلَ) بالنصب قوله الشاعر:
ولولا رجالٌ من رِزامٍ أَعِزَّةٌ وآلُ سُبَيْعٍ أو أََسُوءَكَ عَلْقَما
والمعنى أو أن أسوءك.
وقال: ويجوز أن يرفع " أو يرسلُ " على معنى أو هو يرسلُ، وهذا قول
الخليل وسيبويه وجميع من يوثق بعلمه (١).
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢)
стр. 1760
أي فعلنا في الوحي اليك كما فعلنا بالرسل من قبلك.
وموضع (كَذَلِكَ) نصبٌ بقوله (أَوْحَيْنا).
ومعنى (رُوحاً مِن أمْرِنَا) ما نحيي به الخلق من أمرنا.
أي ما يُهْتَدَى به فيكون حيًّا.
وقوله: (مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا)
ولم يقل جَعَلْنَاهُمَا لأن المعنى ولكن جعلنا الكتاب نُوراً، وهو دليل على
الإيمان.
وقوله: (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ).
ويقرأ: (وَإِنَّكَ لتُهْدي)، فمن قرأ (لَتَهْدِي)، فالمعنى تهدي بما أوحينا إليك
إلى صراط مستقيم، ويجوز أن يَكونَ (لَتُهْدَى) مخاطبة للنبي ﷺ وأُمَّتِه، فيكون المعنى وإنك وأمتك لتُهدَوْنَ إلى صراط مستقيم، كما قال: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ)
فهو بمنزلة يا أيها الناس المؤمنون إذا طلقتم النساء (١).
* * *
وقوله: (صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (٥٣)
(صِرَاطِ اللَّهِ)
خفض بدل من (صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ).
المعنى وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطِ اللَّه.
ويجوز (صِرَاطُ اللَّهِ) بالرفع، و (صِرَاطَ اللَّهِ) بالنصب.
ولا أعلم أحدا قرأ بهما ولا بواحدة منهما، فلا تقرأنَّ بواحدة منهما لأن القراءة سُنَّة. لا تخالف، وإن كان ما يقرأ به جائزاً في النحو.
стр. 1761
سُورَةُ الزُّخرُف
(مَكِّيَّة)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله : (حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢)
قد فسرنا معنى (حم)، ومعنى (الْكِتَابِ الْمُبِينِ)، الذي أبان طرقَ
الهدى من طرق الضلالة، وأبان كل ما تحتاج إليه الأمَّةِ.
* * *
وقوله : (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣)
معناه إِنا بيَّنَّاه قرآنا عربياً.
* * *
وقوله (وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (٤)
(أم الكتاب) أصل الكتاب، وأصل كل شيء أمُّه، والقرآن مثبت عند اللَّهِ
في اللوح المحفوظ، والدليل على ذلك قوله: (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (٢٢).
* * *
وقوله: (أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ (٥)
ويقرأ (إِنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ) (١) فمن فتحها فالمعنى أفنضرب عنكم الذكر
صفحاً لأن كنتم، ومن كسرها فعلى معنى الاستقبال، على معنى إن تكونوا
مسرفين نضرب عنكم الذكر، ويقال: ضربت عنه الذكر وأضربت عنه الذكر.
والمعنى أفنضرب عنكم ذِكْر العذاب والعذابَ بأن أسرفتم.
والدليل على أن
стр. 1762
المعنى هذا وأنه ذِكْرُ العذابِ قوله: (فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ (٨).
أي مضْت سنتهم، ويكون (أفنضرب عنكم الذِكر) أي نهملكم فلا
نعرفكم ما يجب عليكم لأن أسرفتم، ومثله: (أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦).
* * *
وقوله: (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠)
(وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا):
طرقاً.
* * *
وقوله: (وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (١٢)
معناه خلق الأصناف كلها، تقول عندي من كلِّ زوج أي من كلِّ صنف.
(وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ).
أي خلق لكم وسخرها لكم:
(لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ).
وقوله : (ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣)
أي تحمدون اللَّه وتعظمونه، فيقول القائل إذا ركب السفينة: بسم اللَّه
مجراها ومرساها، ويقول إذا ركب الدابة: الحمد للَّهِ سبحان الذي سخر لنا
هذا وما كنا له مقرنين، أي مطيقين، واشتقاته من قولك: أنا لفلان مقرن أي مطيق، أي قد صرت قرناً له.
* * *
(وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ (١٤)
أي نحن مقرُّون بالبعث.
* * *
وقوله : (وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (١٥)
يعنى به الذين جعلوا الملائكة بنات اللَّه، وقد أنشدني بعض أهل
стр. 1763
اللغة بيتا يدل على أن معنى جزء معنى الإناثِ ولا أدري البيْتَ، قديم أم
مَصْنُوع، أنشدني:
إِنْ أَجْزَأَتْ حُرَّةٌ يَوْماً فلا عَجَبٌ. . . قد تُجْزِئُ الحُرَّةُ المِذْكارُ أَحْيانا
أي إن " أنثت، ولدت أنثى.
* * *
وقوله : (أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ (١٨)
ويقرأ (يَنْشَأ)، وموضع " مَن " نَصْبٌ.
المعنى أجَعَلُوا من يُنَشَّأُ في الحلية - يعني البنات - للَّهِ (١).
(وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ).
يعنى البنات، أي الأنثى لا تكاد تستوفي الحجة ولا تبين.
وقد قيل في التفسير إن المرأة لا تكاد تحتج بحجة إلا عليها.
وقد قيل إنَّه يعني به الأصنام.
والأجود أن يكون يعني به المؤنث.
* * *
وقوله تعالى: (وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (١٩)
الجَعْلُ ههنا في معنى القول والحكم على الشيء. تقول: قدْ جَعَلْتُ
زيداً أعلم الناس، أي قد وصفته بذلك وحكمت به.
وقوله : (سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ).
وتقرأ سنَكْتُبُ، ويجوز سيَكْتُب، المعنى سيكتب اللَّه شَهادَتُهم ولا نعْلَمُ
أَحَداً قرأ بها. والقراءةْ بالتاء والنون (٢).
стр. 1764
وقوله: (وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (٢٠)
المعنى ما لهم بقولهم إنَّ الملائكة بنات اللَّه من علم، ولا بجميع ما
تخرصوا به.
* * *
وقوله: (أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ (٢١)
أي أم هل قالوا عن كتابٍ، المعنى أشهدوا خلقهم أم آتيناهم بكتاب
بما قالوه من عبادتهم ما يعبدون من دون اللَّه، ثم أعلم اللَّه أن
فِعلَهم اتباع ضلالة آبائهم فقال: (بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (٢٢)
ويقرأ " عَلَى إِمَّةٍ " بالكسرِ، فالمعنى على طريقة.
* * *
وقوله : (وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣)
أي قد قال لك هَؤلاء كما قال أمثالهم للرسل مِنْ قَبْلكَ.
وقوله: (وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ).
معناه نقتدي بهم، ويصلح أن يكون خبراً لإنا مهتدون، و (على) من صلة
مهتدين، وكذلك مقتدون، فيكون المعنى وإنهم مهتدون على آثارهم، وكذلك يكون المعنى مقتدون على آثارهم، ويصلح أن يكون خبراً بعد خبر، فيكون (وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ) الخبر ويكون (مُهْتَدُونَ) خبراً ثانياً، وكذلك (مُقْتَدُونَ).
* * *
وقوله: (قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٢٤)
المعنى فيه قل أَتَتبعُون ما وجدتم عليه آباءكم وإن جِئْتُكُمْ بِأهدى منه.
* * *
وقوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧)
стр. 1765
(بَرَاءٌ) بمعنى بريء مِمَّا تَعْبُدُونَ، والعرب تقول للواحد منها أنا البراء
منك، وكذلك الاثنان والجماعة والذكر والأنثى يقولون نحن البراء منك
والخلاء منك، ولا يقولون: نحن البراءان منك ولا البراءونَ.
وإنما المعنى إنا ذوو البراء منك ونحن ذوو البراء منك كما تقول رجل عدل وامرأة عَدْل وَقَوْمٌ عَدْلٌ، والمعنى ذوو عدل وذوات عدل (١).
* * *
وقوله: (إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧)
المعنى إنا نتبرأ مما تعبدون إلا من الله ، ويجوز أن يكون " إلا "
بمعنى لكن فيكون المعنى لكن الذي فطرني فإنه سيهدين (٢).
* * *
(وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٨)
يعني بها كلمة التوحيد وهي لا إله إلا اللَّه باقية في عقب إبراهيم، لا
يزال من ولده من يوحد اللَّه .
* * *
(وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١)
المعنى على رجل من رَجُلَي القريتين عظيم، والرجُلَانِ أحدهما الوليد
ابن المغيرة المخزومي من أهلَ مكة، والآخر حبيب بن عمرو بن عمير الثقفي
من أهل الطائف، والقريتان ههنا مكة والطائف.
ويجوز " لَوْلَا نَزَّلَ " أي لولا نَزَّلَ اللَّه هذا القرآن، ويجوز لوْلاَ نَزَلَ هذا القرآن.
ومعنى لولا هلَّا ولم يُقْرَأْ بهاتين الأخْرَيَين، إنما القراءة (نُزِّلَ).
و (هذا) في موضع رفع، والقرآن ههنا مُبَيِّنٌ عن هذا ويسميه سيبويه عطف البيان، لأن لفظه لفظ الصفة، ومما يبين أنه عطف البيان قولك مررت بهذا الرجل وبهذه الدار، و (هَذَا الْقُرْآنُ) إنما يذكر بعد هذا اسما يبين بها اسم الإشارة.
* * *
وقوله (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٣٢)
стр. 1766
أي قولهم: لِمَ لَمْ ينَزلْ هذا القرآن على غير محمد ﵇
اعتراض منهم، وليس تفضل اللَّه يقسمه غيره.
ولما أتى النبي ﷺ بالرسالة قالت العرب - أو أكثرها -: كيف لم يرسل اللَّه مَلَكاً وكيف أرسل اللَّه بَشراً، فقال اللَّه : (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى).
وقال: (أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ).
فلما سمعوا أن الرسالة كانت في رجال من أهل القرى قالوا:
" لَوْلَا نُزِل على أحَدِ هذين الرجلين ".
وقال : (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ).
قَكَما فَضلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْض في الرزق وفي المنزلة، كذلك
اصطفينا للرسالة من نشاء.
وقوله: (لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سِخْرِيًّا).
و (سُخْرِيًّا)
أي ليستعمل بعضهم بَعْضاً، ويستخدم بعضُهم بعضاً.
وقيل (سِخْرِيًّا) أي، يتخذ بعضهم بعضاً عبيداً.
ثم أعلم أن الآخرة أحَظُّ من الدنيا فقال:
(وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ).
وأعلمَ قِلَّةَ الدنيا عنده فقال:
(وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (٣٣)
ويقرأ سَقْفاً مِنْ فِضةٍ، ويجوز سُقْفاً بسكون القاف وَضَم السين، فمن
قال سُقُفاً وَسُقْفاً فهو جمع سَقْف كما قيل رَهْن وَرُهُنٌ وَرُهْن، ومن قال سَقْفاً
ْفهو واحد يَدُلُّ على الجمع المعنى جعلنا لبيت كلِ واحد منهم سقفاَ من فضة.
стр. 1767
وقوله: (وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ).
(معارج) دَرَج واحدها مَعْرج.
المعنى وجعلنا معارج من فِضةٍ، وكذلك:
(أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (٣٤)
أي أَبْواباً من فضةٍ وسُرُراً من فِضةٍ.
(وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (٣٥)
(وَزُخْرُفًا).
الزخرف - جاء في التفسير أنه ههنا الذهَبُ، إلا زيد بن أسلم فإنه
قال: هو متاع البيت، والزخرف في اللغة الزينة وكمال الشيء فيها، ودليل
ذلك قوله: (حتى إذَا أَخَذتِ الأرْضُ زُخْرُفَها) أي كمالها وَتَمامَها.
(وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ).
معناه وما كل ذلك إلا متاع الحياة الدنْيَا، ويقرأ لَمَا متاع
و" ما " ههنا لَغْوٌ، المعنى لَمَتاعُ (١).
* * *
وقوله: (وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً).
أي: لَوْلاَ أن تميل بهم الدنيا فيصيرَ الخلق كفاراً لأعطى اللَّه الكافر في
الدنيا غاية ما يتمنى فيها لِقِلَّتِهَا عِنْدَهُ، ولكنه لم يفعل ذلك لعلمه بأن الغالب على الخلقِ حبُّ العَاجِلَة.
* * *
وقوله: (وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦)
ويقرأ (وَمَنْ يَعْشَ) بفتح الشين من عَشِيَ يَعْشَى، أي من يَعْمَ عن ذكر الرْحْمنِ.
стр. 1768
(نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا).
نسبب له شيطاناً، يجعل اللَّه له ذَلِكَ جزاءه (١).
* * *
وقوله: (وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧)
أي الشياظين تصدهم عن السبيل، ويحسب الكفار أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ.
* * *
وقوله : (لِمَنْ يَكْفُر بالرحْمنِ لبُيُوتِهِم)
يصلح أن يكونَ بدلاً من قوله (لمن يكفر بالرحمن)، ويكون المعنى
لجعلنا لبيوت من يكفر بالرحمن، ويصلح أن يكون لبُيوتهِمْ على معنى لجعلنا
لمن يكفر بالرحمن على بُيُوتهم.
* * *
وقوله: (حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (٣٨)
ويقرأ (جَاءَانَا) فمن قرأ (جَاءَانَا) فالمعنى حتى إذَا جَاءَ الكَافِرُ وشيطاته.
ومن قرأ (حَتَّى إِذَا جَاءَنَا) فعلى الكافر وحده.
(قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ).
معنى (الْمَشْرِقَيْنِ) ههنا بعد المشرق والمغرب، فلما جعلا اثنين غلب لفظ
المشرق كما قال:
لنا قمراها والنجوم الطوالع
يريد الشمس والقمر، وكما قالوا سنةُ العُمَريْن يراد سنةُ أبي بكر وعمر.
رحمةُ اللَّه عَلَيْهِمَا.
* * *
وقوله : (وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٩)
المعنى لَنْ تَنْفَعَكُم الشرِكَةُ في العذاب، قال محمد بن يزيد في جواب
стр. 1769
هذه الآية إنَّهمْ مُنِعُوا رَوْح التَّأَسِّي لأن التَّأَسِّي يُسَهِّلُ المصيبة، فأعلموا أن لَنْ
يَنْفَعَهم الاشْتراك في العَذاب وأن اللَّه لا يجعل فيه أُسْوة.
قال وأنشدني في المعنى للخنساء:
ولَوْلا كَثْرَةُ الباكينَ حَوْلِي. . . على إِخْوانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِي
وما يَبْكُونَ مِثْلَ أخي ولكِنْ. . . أُعَزِي النَّفْسَ عَنْهُ بالتَّأسِّي
(١)
* * *
وقوله : (فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ (٤١) أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ (٤٢)
دخل " ما " توكيداً للشرط والنون الثقيلة في قوله: (نَذْهَبَنَّ) دَخَلتْ أيضاً
توكيداً، وإذا دَخَلَتْ (ما) دخلت معها النون كما تَدْخُل مع لام القَسَم.
والمعنى إنا نَنْتَقِمُ مِنْهُم إنْ توفيتَ أو نريك ما وعدناهم وَوَعَدْنَاكَ فِيهِمْ من
النصْر، فقد أراه اللَّه ما وعَدَهُ فيهِمْ وَوَعَدَهُمْ مِنْ إهْلَاكِهِمْ إن
كذبوا.
وقد قيل إنه كانت بعد رسول اللَّه ﷺ أشياء لم يُحْبِبِ اللَّه أنْ يُريَه إياها.
* * *
وقوله : (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ (٤٤)
يريدُ أن القرآنَ شرفٌ لك ولقومك.
وقوله: (وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ).
معناه سوف تسألون عن شِكر ما جعله اللَّه لكم من الشرف.
* * *
وقوله: (وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)
في هذه المسألة ثلاثَةُ أَوْجُهٍ:
جاء في التفسير أن النبي ﷺ ليلة أسري به
جمع له الأنبياء في بيت المقدس فأَمَّهم وصلَّى بهم، وقيل له: سَلْهُمْ فلم
يشكك ﵇ ولم يَسَلْ.
стр. 1770
ووجه ثانٍ وهو الذي أختاره، وهو أن المعْنَى سل أمَمَ من أَرْسَلْنَا من قبلك من رُسْلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ؟.
ويكون معنى السؤال ههنا على جهة التقرير كما قال: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) فليس يَسْاَلُهمْ ههنا عَمنْ خَلَقَهُمْ إلا على جهةِ التقرير وكذلك إذا سال جميع أمم الأنبياء لم يأتوا بأن في كتبهِمْ أن اعبدوا غيرِي.
ووجه ثالث يكون المعنى في خطاب النبي ﷺ معناه مخاطبة الأمَّة، كأنَّه قال: واسألوا، والدليل على أن مخاطبة النبي ﷺ قد يدخل فيها خطاب الأمة
قوله: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ).
* * *
وقوله: (وَقَالُوا يَا أَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ (٤٩)
إن قال قائل: كيف يقولون لموسى ﵇ يَا أَيُّهَا الساحر وهم
يزعمون أنهم مهتدون؟
فالجواب أنهم خاطبوه بما تقدم له عندهم من التسمية بالسحر، ومعنى بما عَهَدَ عنْدَك أي بما عهد عندك فيمَن آمن به مِنْ كشف العذاب عنه.
الدليل على ذلك قوله: (فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ
(٥٠)
أي إذا هم ينقُضُون عَهْدَهُمْ.
* * *
وقوله : (وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٥١)
" مصر " ههنا يعنى بها مدينة مصر المعروفة، فمصر مذكر سُمِّيَ بهِ مؤنث
لأن المدينة الغالب عليها التأنيث، وَقدْ يَجُوزُ مَلكُ مِصْر، يذهب به إلى أن
مصر اسم لبلد، وهذا فيه بُعْدٌ من قِبَلِ أن أكثر ما يستعمل البلد لما يضم مدناً
стр. 1771
كبيرةً نحو بلاد الرُّوم وبلاد الشام وبلد خراسان.
ويجوز أن تصرف مصراً إذا جعلته اسماَ لبلد عند جميع النحويين من البصريين (١).
* * *
وقوله : (أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٥١) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (٥٢)
قال سيبويه والخليلْ عطف " أَنَا " بـ (أَمْ) على قوله (أَفَلَا تُبْصِرُونَ)
لأنَّ معنى (أَمْ أَنَا خَيْرٌ) معناه أمْ تُبْصِرُونَ، كأنَّه قال: " أَفَلَا تبصرون أمْ تُبصِرُونَ، قال لأنهم إذَا قالوا أنت خير منه فقد صاروا عنده بُصَرَاءَ، فكأنَّه قال أفلا تبْصِرُونَ أم أنتم بُصَرَاءُ (٢).
وَمَعْنَى (مَهِين) قليل.
يقال شَيءٌ مَهِينٌ أَي قَليلٌ، وهو فعيل من المهانة.
وقوله (وَلَا يَكَادُ يُبِينُ).
قال ذلك لأنه كانت في لسان موسى ﵇ لثغة، والأنبياء
- صلوات اللَّه عليهم - أجمعون مُبَيِّنونَ بُلَغَاءُ.
* * *
وقوله : (فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (٥٣)
كانه لما وَصَفَ نفسه بالمُلْكِ والريَاسَةِ قال: هَلَّا جاء مُوسَى
بشيء يُلْقَى عليه فيكون ذلك أسْوِرَةً مِنْ ذَهَبٍ تدل على أنها
من عند إلهه الذي يدعوكم إلى توحيده، أو هلَّا جاء معه الملائكةُ
مقترنين أي يمشون معه فيَدُلُّونَ على صحة نُبوتهِ، وقد أتى موسى
﵇ من الآيات بما فيه دلالة على تثبيت النبُوة، وليس للذين يرسل
إليهم الأنْبِياءُ أَنْ يَقْتَرِحُوا من الآيات ما يريدون هم.
وتقرأ (أساوِرَةٌ مِنْ ذَهب)، ويصلح أن يكون جمعَ الجمعِ تقول أسْوِرَة
وَأَسَاوِرَة، كما تقول: أقوال وأقاويل ويجوز أن يكون جَمَعَ إسْوار وأساورة.
стр. 1772
وإنما صَرَفْتَ أساورة لأنك ضَمَمْتَ الهاء إلى أسَاور فصار اسْماً وَاحِداً وصار
الاسم له مِثال في الواحد مثل عَلَانية وعباقية (١).
* * *
وقوله : (فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٥)
معنى (آسفونا) أغضبونا.
* * *
(فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ (٥٦)
جعلناهم سلَفاً مُتَقَدِّمِينَ ليتَعِظَ بهم الآخرون.
ويُقْرأُ سُلُفاً - بضم السين واللام، ويُقرأُ سُلَفاً - بضم السين وفتح اللام -. فمن قال سُلُفاً - بضمتين - فهو جِمع سَلِيف، أي جميع قد مضى.
ومن قرأ سُلَفاً فهو جمع سُلْفَة أي فرقة قد مَضت.
* * *
وقوله : (وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧)
(يَصِدُّونَ) ويقرأ (يَصُدُّونَ) - بضم الصاد - والكسر أكثر ومعناهما جميعاً يضجُّونَ
ويجوز أن يكون معنى المضمومة يُعْرضُونَ.
وجاء في التفسير أن كُفارَ قريش خاصمت النبى ﷺ فلما قيل لهم:
(إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ) قالوا قد رضينا أن تكون آلهتُنا
بمنزله عيسى ابن مريم والملائكةِ الذين عُبِدوا من دون اللَّه.
فهذا معنى ضَرْبِ عيسى المثل.
* * *
وقوله: (وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨)
(مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا).
أي طلباً للمجادلة لأنهم قد علموا أن المعنى في (حَصَبُ جَهَنَّمَ) ههنا أنه
يعني به الأصنام وهم.
стр. 1773
وقوله تعالى: (إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩)
يعني به عيسى ابن مريم.
ومعنى (وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ) أنه يدلهم على نبوته.
* * *
(وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (٦٠)
معنى (يَخْلُفُونَ) يخلف بعضهم بعضاً، والمعنى لجعلنا منهم بَدَلًا
منكم.
* * *
(وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١)
ويقرأ (لَعَلَمٌ لِلسَّاعَةِ) المعنى أن ظهورَ عيسى ابن مريم ﵇ علَمٌ
لِلسَّاعَةِ، أي إذا ظهر دَلَّ على مجيء الساعة.
وقد قيل إنه يعني به أن القرآن العَلَمُ للساعة يدل على قرب مجيئها، والدليل على ذلك قوله: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ).
والأول أكثر في التفسير (١).
وقوله: (فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا) أي لا تَشُكُّنَّ فيها.
* * *
وقوله : (وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٦٣)
قوله جاء (بالحكمة) أي بالإنجيل وبالبينات أي الآيات التي يعجز عنها
المخلوقون.
وقالوا في معنى (بَعْضَ الَّذي تَخْتلِفونَ فِيهِ) أي كل الذي
يختلفون فيه واستشهدوا بقول لبيد.
стр. 1774
أو يخترم بَعْضَ النُّفوسِ حِمامُها
يريد كل النفوس، واستشهدوا أيضاً بقول القطامي:
قد يُدْرِكُ المُتَأَنّي بَعْضَ حاجتِه.
قالوا معناه كل حاجته.
وهذا مذهب أبي عبيدة، والصحيح أن البعض لا يكون في معنى الكل، وهذا ليس في الكلام، والذي جاء به عيسى في الإنجيل إنَّما هو بعض الذي اختلفوا فيه، وبين اللَّه سبحانه لهم من غير الإنجيل ما احتاجوا إليه، وكذلك قوله: أو يخترم بعض النفوس حمامها، إنما يعني نفسه، ونفسه بعض النفوس.
* * *
وقوله : (فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٦٥)
(الأحزاب) قيل إنهم الأربعة الذين كانوا بعد عيسى، يعني به اليهود
والنصارى.
وقوله: (الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (٦٧)
جاء في التفسير عن النبى ﷺ أنه قال: الأخِلاءُ أَرْبَعَة مؤمنان وكافران - فمات أَحَدُ المؤمِنَيْنِ فَسُئِلَ عن خليله فقال ما علمته إلا أمَّاراً بالمعروف نهَّاءً عن المنكر، اللهم اهده كما هَدَيْتَنِي، وأمِتْه على مَا أَمَتني عليه.
وسئل الكافر عن خليله فقال: ما علمته إلا أمَّاراً بالمنكر نهَّاءً عن المعروف، اللهم أضلله كما أضللتني، وأمِتْهُ على ما أَمتني عليه، فإذا كان يوم القيامة أثنى كل واحد على صاحبه شَرًّا.
стр. 1775
قوله (يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ
(٦٨)
وتقرأ يا عبادي - بإثبات الياء، وقد فسرنا حذف الياء وإثباتها في مثل
هذا فيما سلف من الكتاب.
* * *
وقوله: (الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ (٦٩)
(الذين) في موضع نصب على النعت لِعِبَادِي، لأن عبادي منادى
مضاف، وإنَّمَا قيل (لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ) للمؤمنين لا لغيرهم، وكذلك " (ادْخُلوا الجَنَّةَ) لَا خَوْفَ عَلَيْكُمْ
يعنى يا عبادي المؤمنين ادْخُلوا الجَنَّةَ.
* * *
وقوله: (أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ (٧٠)
(تُحْبَرُونَ) تكرمون إكراماً يبالغ فيه، والحَبْرَةُ المبالغة فيما وصف بجميل.
* * *
وقوله: (يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٧١)
" الصحاف " واحدها صَحْفَة وهي القصعة، والأكواب واحدها كوب وهو
إناء مستدير لا عروة له.
وقوله: (وَفِيهَا مَا تَشْتَهِي الأنْفُسُ).
وقرئت (تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ) بإثبات الهاء، وأكثر المصاحف بغيرها، وفي
بعضها الهاء.
* * *
وقوله : (لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٥)
المبلس: الساكتُ المُمْسِكُ إمساك يائِس من فَرَج.
* * *
وقوله: (وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ (٧٦)
" هِمْ " ههنا فصل كذا يسميها البصريون، وهي تأتي دليلاً على أن ما
стр. 1776
بعدها ليس بصفة لما قبلها، وأن المتكلم يأتي بخبر الأول. ويسميها الكوفيون
العِمَاد.
وهي عِندَ البصريينِ لا موضع لها في رفع ولا نصب ولَا جَرٍّ، ويزعَمُون
أنها بمنزلة (ما) في قوله سبحانه: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ)
وقد فسرت ما في هذا فيما تقدم من الكتاب
ويجوز " ولكن كانوا هم الظالِمُونَ " في غير القرآن، ولكن لا تقرأنَّ بها لأنَّها تُخَالِفُ المُصْحفَ.
* * *
وقوله : (وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ
(٧٧)
وقد رُوَيَتْ يَا مَالِ - بغير كاف، وبكسْر اللام - وهذا يسميه النحوُّيونَ
الترَخيم، وهو كثير في الشِعْر في مالك وعامر ولكنني أَكْرَهُهُمَا لمخالفتهما
المصحف.
* * *
وقوله : (أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (٧٩)
أي أم أحكموا عند أنْفُسِهِمْ أَمراً من كيد أو شَرٍّ فَإنا مُبْرِمُونَ.
مُحْكِمُونَ مُجَازَاتَهم كيداً بكيدِهِمْ، وشَرًّا بِشَرِّهِمْ.
* * *
وقوله: (قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (٨١)
معناه إنْ كنتم تزعمون أن للرحمن وَلَداً فانا أول الموَحِّدِينَ لأن من عبد
الله واعترف بأنه إلهه فقد دفع أن يكون له وَلَدٌ.
والمعنى أن كان للرحمن ولد في قولكم، كما قال: (أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ) أي في قولكم. واللَّه واحد لا شريك له.
وقد قيل إنَّ (إنْ) في هذا الموضع في موضع (ما)
المعنى ما كان للرحمن وَلَد، (فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ).
وقد قيل إن العابدين في معنى الآنفين، فأنا أول من يأنف من هذا القول.
стр. 1777
وقوله : (وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٨٤)
المعنى هو الموحَّدُ في السماء وفي الأرْضِ.
وقرئت (في السَّماءِ اللَّهُ وفِي الأرْضِ اللَّهُ).
ويدل ما خلق بَيْنَهُما وفيهما أَنه وَاحِد حكيم عليم، لأن
خلقُهما يدل على الحِكْمَةِ والعِلْمِ (١).
* * *
وقوله: (وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ (٨٨)
(وَقِيلَهِ)
ويُقْرأ (وقِيلِهِ)، (وقِيلُهِ يَا رَبِّ)، فيها ثلاثة أوجه:
الخفض على مَعْنَى (وعنده علم الساعة) وعلمُ قِيلِه يَا رَبِّ
والنصب من ثلاثة أوجه:
قال أبو الحسن الأخفش إنه منصوب من جهتين:
إحداهما على العطف على قوله: (أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ) وقيلَهُ، أي ونسمع قيله. ويكون على وقال قيله.
قال أبو إسحاق: والَّذي أختاره أنا أن يكون " قيلَه " نصْباً على مَعْنَى
وعنده علم الساعة ويعلمُ قيلَهُ، فيكون المعنى إنَّه يعلم الغيب ويعلم قيله، لأن معنى عنده علم الساعة يعلم الساعة ويعلم قيله.
ومعنى الساعة في كل القرآن الوقت الذي تقوم فيه القيامَةُ.
والرفع على معنى وقيلُه هذا القول، أي وقيله قوله (يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ) (٢).
стр. 1778
سُورَةُ الدُّخَان
(مَكِّيَّة)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
جاء في التفسير: من قرأ سورة الدخان في ليلة الجمعة تصديقاً وإيماناً
غفر اللَّه له.
وقد فسرنا معنى (حم) فيما سَلَفَ.
* * *
وقوله: (وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢)
قَسَمٌ.
* * *
وقوله: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣)
جاء في التفسير أنها ليلة القدر، قال اللَّه :
(إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ).
وقال المفسرُون: (فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ) هي ليلة القدر.
نزل جملة إلى السماءِ الدنْيَا في ليلة القَدْرِ، ثم نزل عَلَى رَسُول اللَّه ﷺ شيئاً بعد شيء.
* * *
وقوله : (فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤)
يَفْرُق اللَّه في ليلة القدر كل أمر فيه حكمة من أرزاقِ العِبادِ
وآجالِهِمْ وجميع أَمْرِهم الذي يكون مُؤَجَّلاً إلى ليلة القدر التي تكون في السنة
المقبلة.
* * *
وقوله : (أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٥) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦)
(أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا) (١)، وقوله: (رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ).
стр. 1779
منصوبان - قال الأخفش - على الحال، المعنى إنا أنزلناه آمرين أَمْرِاً
وراحمين رحْمةً.
ويجوز أن يكون منصوباً بِـ (يُفْرَقُ) بمنزلة يفرُقُ فرقاً لأن أمْرَاً
بمعنى فَرْقاً، لأن المعْنَى يؤتمر فيها أمراً.
ويجوز أن يكون (رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ) مَفْعُولًا له، أي إنا أنزلناه رحمة أي
للرحْمَةِ (١).
* * *
وقوله: (رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٧)
بالخفض والرفع. فالرفعُ عَلَى الصفَةِ، والخفض على قوله: (مِنْ رَبِّكَ
رَبِّ السَّمَاوَاتِ.
ومن رفع فعلى قوله: (إنَّه هو السميع العليم رَبُّ السَّمَاوَاتِ).
وإن شئت على الاستئناف على معنى هو ربُّ السَّمَاوَاتِ.
* * *
وقوله: (لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٨)
ويقرأ (رَبكُمْ وَرَبِّ آبائِكم الأولينَ) - فالخفض على معنى رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ
رَبِّكم وربّ آبائكم الأولين.
* * *
وقوله: (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠)
(فارتقب) فانتظر، وفي أكثر التفسير أن الدخان قَدْ مَضى وذلك حين دعا
رسول اللَّه ﷺ عَلَى مُضَرٍ فقال:
اللهم اشدد وطأتك على مُضَرٍ واجْعَلْها عَلَيْهِم سِنِينَ كسني يُوسُفَ.
أي اجْعَلْهُم سِنُوهم في الجدب كسني يوسف.
والعَرَبُ أيضاً تسمي الجدبِ السَّنَةَ، فيكونُ المْعَنى اجعلها عليهم جَدُوباً. فارتفع القَطْرُ، وأجْدَبَتِ الأرضُ وصار بين السماء والأرض كالدخَانِ.
* * *
وقوله: (يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١)
стр. 1780
المعنى يقول الناسُ الذين يحل بهم الجَدْبُ: (هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ)
وكذلك قوله (رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ).
* * *
وقوله : (إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (١٥)
ويجوز أَنَّكُمْ عَائِدُونَ.
فمن قرأ أَنكُمْ عائدونَ فهو الوجه، والمعنى أنه يعلمهم أنهم لا يتعِظُونَ، وأنهم إذَا زال عنهم المكروه عادوا في طُغْيانِهم.
* * *
وقوله : (يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ (١٦)
يوم نَبْطِش، وَنَبْطُش إِنَّا مُنْتَقِمُونَ.
هذا مثل عَكَفَ يَعكُف وَيَعْكِفُ، وعَرَشَ يَعْرِشُ ويعْرُشُ وهذا في اللغة
كثير.
وقيل إن البطشة الكبرى يوم بَدْر.
و" يومَ " لا يجوز أن يكون منصُوباً بقوله مُنْتَقِمُونَ، لأن ما بَعْدَ (إنَّا) لا يجوز أن يعمل فيما قبلَها، ولكنه مَنْصُوبُ بقوله: واذكر يوم نبطش البطشة الكبرى.
* * *
وقوله : (وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ (١٧) أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٨)
(أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ)
أن أسلموا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ، يعني بني إسرائيل كما قال: (فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ)، أي أطلقهم من عَذَابِكَ.
وجائز أن يكون (عِبَادَ اللَّهِ) مَنصُوباً على النداء، فيكون المعنى أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ ما أمركم اللَّه به يا عباد اللَّه.
* * *
(وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (١٩)
أي بِحِجةٍ وَاضحةٍ بَيِّنَةٍ تَدل على أني نبيٌّ.
* * *
وقوله: (وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ (٢٠)
أي أن تقتلون.
стр. 1781
وقوله: (وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ (٢١)
أي إن لم تؤمنوا لي فلا تكونوا عليَّ ولا مَعِي.
* * *
(فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ (٢٢)
من كسر (إنَّ) فالمعنى قال إن هؤلاء، وَ " إنَّ) بعد القول مكسورة.
ويجوز الفتح على معنى فَدَعَا رَبَّهُ بأَنَّ هَؤُلَاءِ.
* * *
وقوله: (وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ (٢٤)
جاء في التفسير " يَبَساً " كما قال: (فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا"
وقال أهل اللغة: رَهواً سَاكِناً.
* * *
وقوله: (كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦)
جاء في التفسير أن المقام الكريم يعنى به المنابر ههنا، وجاء في
مَقام كريم أي في منازل حسنة.
* * *
قوله: (كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ (٢٨)
المعنى الأمر كذلكْ.
موضع كذلك رفع على خبر الابتداء المضمَر.
* * *
وقوله : (فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ
(٢٩)
لأنهم ماتوا كفاراً، والمؤمنون إذَا مَاتُوا تبكي عليهم السماء والأرض.
فيبكي على المؤمن من الأرض مُصَلَّاه أي مكان مُصَلاهُ ومن السماء مكان مصعد
عمله ومنزل رزقه.
وجاء في التفسير أن الأرض تبكي على المؤمن أربعين
صَبَاحاً.
* * *
وقوله: (وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ).
стр. 1782
أي ما كانوا مؤخرين بالعذاب.
(وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٢)
أي على عالمي دهرِهم.
* * *
وقوله: (إِنَّ هَؤُلَاءِ لَيَقُولُونَ (٣٤) إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (٣٥)
هذا قاله الكفار من قريش، معنى (إن هي) ما هي، ومعنى (بِمُنْشَرِينَ)
بمبعوثين، يقال أنشر اللَّه الموتى فَنَشَرُوا هُمْ [إِذا حَيُوا] (١).
* * *
وقوله : (أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (٣٧)
جاء في التفسير أن تُبَّعاً كان مؤمناً، وأن قومه كانوا كافرين، وجاء أنه
نظر إلى كتاب على قبرين بناحية حمير، على قبر أحدهما: هذا قبر رَضْوَى.
وعلى الآخر هذا قبر حُبى ابْنتي تُبَّع لا يشركان باللَّهِ شيئاً.
* * *
وقوله : (مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٩)
يعنى به السَّمَاوَات والأرض أي إلا لإقامة الحق.
* * *
وقوله : (إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٠)
ويجوز ميقاتهم بنصب التاء، ولا أعلم أنه قرئ بها، فلا تقرأن بها.
فمن قرأ ميقاتهم بالرفع جعل يوم الفصل اسم إنَّ، وجعل ميقاتهم الخبر، ومن
نصب ميقاتهمْ جعله اسم إنَّ ونصب يوم الفصل على الظرف، ويكون المعنى
ميقاتهم في يوم الفصل.
* * *
وقوله : (يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤١)
لا يغني ولي عن وَليِّهِ شيئاً، ولا والد عن ولده، ولا مَوْلُودٌ عن وَالِدِه.
* * *
وقوله: (إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤)
стр. 1783
يعنى به ههنا أبو جهل بن هشام.
والمهل دُرْدِيُّ الزيت ويقال: المهمل ما كان ذائباً من الفضة والنحاس وما أشبه ذلك (٣).
* * *
وقوله: (خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٤٧)
ويقرأ فاعْتُلوه - بضم التاء وكسرها.
المعنى يا أيها الملائكة خذوه فاعتلوه.
والعَتْلُ أن يؤخذَ فيمْضَى به بِعَسْفٍ وَشِدةٍ.
(إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ) إلى وَسَطِ الجَحِيمِ.
* * *
وقوله: (ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩)
الناس كلهم على كسر " إِنَّكَ " إلا الكسائي وحده فإنه قرأ: ذق أنَّكَ
أنت، أي لأنَّكَ قُلْتَ إنك أنت العزيز الكريم، وذلك أنه كان يقول: أنا أعز أهل هذا الوادي وَأمْنَعُهمُ فقال الله ذق هذا العذابَ إِنَّك أنت القائل: أنا العزيز الكريم.
* * *
وقوله: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ (٥١)
أي قد أمنوا فيه الغِيَرَ (١).
* * *
وقوله: (يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ (٥٣)
قيل الإِسْتَبْرَق: الديباج الصَّفيقُ (٢).
والسُنْدُس: الحرير، وإنما قيل له إستبرق
- واللَّه أعلم - لشدة بريقه.
* * *
وقوله : (لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٥٦)
المعنى لا يذوقون فيها الموت ألبتَّة سوى الموتة الأولى التي ذاقوها في
الدنيا، وهما كما قال: (وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ).
стр. 1784
وقوله : (فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٥٧)
ويجوز (فَضْلٌ مِنْ رَبِّكَ)، ولا يقرأنَّ بها لخلاف المصحف، والنصْبُ على
معنى قوله (يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ).
وعلى معنى (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ)
وذلك بفضل من اللَّه، فالمعنى فعَل الله بهم ذلك فضلاً منه.
وتفضلاً منه.
* * *
وقوله: (فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ (٥٩)
معناه فانتظر إنهم منتظرون.
стр. 1785
سُورَةُ الجاثية
(مَكِّيَّة)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله : (إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (٣)
المعنى - واللَّه أعلم إن في خلق السَّمَاوَات والأرض لآياتٍ
ويدل عليه قوله (وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ
(٤)
يقرأ (آياتٍ) و (آياتٌ) بخفض التاء ورفعها
وهي في موضع نصب على النسَق على قوله: (إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ).
المعنى إن في خَلْقِكم لآيات، ومن قرأ (لَآيَاتٌ) فعلى ضربين:
على الاستئناف على معنى وفي خلقكم آياتٌ.
وعلى موضع أن مع ما عملت فيه.
تقول: إن زيداً قائم وَعَمْراً وعَمْر.
فتعطف بعَمْرٍو على زيد إذا نَصَبْتَ، وإذَا رفعت فعلى موضع إنَّ مع زيدٍ، فإن مَعْنَى إنَّ زَيداً قائم زيد قائم.
* * *
وقوله: (وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٥)
(آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)
يقرأ بالرفع وبكسر التاء والتنوين، والموضع موضع نَصْبٍ ويكون قوله:
(وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) عطف على قوله: (وفي خلقكم)، وعلى قوله:
стр. 1786
(إن في السَّمَاوَاتِ والأرضِ)، وإن في (اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) آياتٍ.
وهذا عطف عَلَى عَامِلَيْن
ومثله من الشعر:
أكلَّ امرِىءٍ تَحْسَبين امرَأً. . . ونارٍ تَوَقَّدُ بالليلِ نارا
عطف على ما عملت فيه كل، وما عملت فيه أتحسبين.
وقد أباهُ بعض النحويين، وقالوا: لا يجوز إلا الرفع في قوله:
(وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ)
وجعله عطفاً على عامل واحد على معنى واختلاف الليل والنهار وتصريف الرياح آيات، وهذا أيضاً عطف على عاملين لأنه يَرْفَع (آياتً) على العطف على ما قبلها كما خفض (واختلافِ) على العطف على ما قبلها.
ويكون معطوفاً إن شئت على موضع أن وَمَا عَمِلتْ فيه، وإن شئت على قراءة من قرأ: (وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٍ) (١).
* * *
وقوله (فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (٦)
و (تؤمنون) جميعاً، والمعنى - واللَّه أعلم - فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ كتاب اللَّهِ
وآياته يؤمنون.
قال اللَّه : (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ)
فجعل القرآن أحسن الحديث.
* * *
وقوله: (ويل لِكُلِ أَفاكٍ أَثِيم).
(أَفاكٍ) كذاب.
* * *
وقوله: (هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٢٠)
стр. 1787
(هذا) إشارة إلى القرآن، المعنى هذا القرآن بصائر للناس.
* * *
وقوله (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٢١)
(سَوَاءٌ مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ)
ويقرأ (سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ)، وقد قرئت سواءٌ مَحْياهم وَمَماتَهمْ
بنصب الممات.
وحكى بعض النحويين أن ذلك جائز في العربية.
ومعنى (اجْتَرَحُوا) اكتسبوا، ويقال: فلانٌ جَارِحةُ أهله أي كاسبهم، والاختيار عند سيبويه والخليل وجميع البصريين (سَوَاءٌ) برفع سواء.
وعليه - أكثر القراء، ويجيزون النصب، وتقول: ظننت زيداً - سواءٌ أبوه وأمُّه، وسواءً أبوه وأُمُّه.
والرفع أجود، لأن سواء في مذهب المصدر كما تقول: ظننت زيداً ذو استواء أبوه وأُمُّه.
ومن قرأ (سَوَاءً) بالنصب جعله في موضع مستوياً محياهم وَمَمَاتُهُمْ
ومن نصب محياهم ومماتهم، فهو عند قوم من النحويين (سَوَاءً) في محياهم وفي مماتهم، ويذهب به مذهب الأوقات، وهو يجوز على غير ذلك على أن يجعله بدلاً من الهاء والميم، ويكون المعنى أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعل محياهم ومماتهم سواءً كالذين آمنوا وعملوا الصالحات، أي كمحيا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ومَمَاتهم (١).
* * *
وقوله: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ
(٢٣)
وقد رويت آلِهَةً هَوَاهُ، ولها وجه في التفسير وروي أن قريشاً كانت تعبد
العُزى وهي حجر أبيض فإذا رأت حجراً أشد بياضاً منه وأحسن اتخذت ذلك
الأحسن واطَّرَحت الأولَ، فهذا يدل على آلهته، وكذلك أيضاً إلهه.
وقوله (وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ).
أي على ما سبق في علمه قبل أن يخلقه أنه ضال.
стр. 1788
(وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً).
ويقرأ غَشوة بفتح الغيْن بغير ألف، ويقرأ غُشَاوَةَ - بضم الغين والألف (١).
* * *
وقوله: (وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٢٤)
فإن قال قائل: كيف قالوا نموت ونحيا وهم لا يقرون بالبعث.
فالدليل على أنهم لا يقرون بالبعث قولهم ما هِيَ إلا حياتنا، وفي نموت ونحيا ثلاثة أقوال.
يكون المعنى (نَمُوتُ وَنَحْيَا)، يحيا أولادُنا، فيموت قوم ويحيا قوم.
ويكون معنى (نَمُوتُ وَنَحْيَا) نحيا ونموت، لأن الواو للاجتماع.
وليس فيها دليل على أن أحد الشيئين قبل الآخر.
ويكون (نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ) أي ابتداؤنا موات في أصل الخلقة، ثم نحيا ثم يهلكنا الدَّهْرُ.
فَاَعْلَمَ اللَّه أَنهمْ يَقولُونَ ذلك ضُلَّالًا، شَاكِين فقال:
(وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ).
المعنى ما هم إِلَّا يَظُنُّونَ.
* * *
وقوله : (مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٥)
يجوز في (حُجَّتَهُمْ) الرفْعُ، فمن رفع جعل (حُجَّتُهُمْ) اسم كان
و (أنْ قَالُوا) خبر كان.
ومن نصب (حُجَّتَهُمْ) جعل اسم كان أَنْ مَعَ صِلَتِها.
ويكون المعنى ما كان (حُجَّتَهُمْ) إلَّا مَقَالَتَهم ائتوا بآبائنا.
* * *
وقوله : (وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨)
أي كل أحد يُجزى بما تضمنه كتابه، كما قال :
стр. 1789
(وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ).
ْفهذا مثل قوله: (كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا).
رفع (كُلُّ) بالابتداء، والخبر (تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا).
ومَن نصب جعله بدلاً من " كُلَّ " الأول، والمعنى وترى كل أمة تدعى إلى كتابها.
ومعنى (جَاثِيَةً) جالسة على الركب، يقال قد جثا فلان يجثو إذا جلس على ركبته، ومثله جَذا يجذو.
والجُذُؤ أشا استيفازاً من الجثو لأن الجذو أن يجلس صاحبه على أطراف
أصابعه.
* * *
وقوله: (إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٩)
الاسْتِنْساخُ لا يكون إلا من أَصْل، وهو أن يستنسخ كتاباً من كتابٍ.
فنستنسخَ ما يكتب الحفظة ويثبت عند اللَّه .
* * *
وقوله: (وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ (٣١)
جواب (أَمَّا) محذوف، لأن في الكلام دليلاً عليه، المعنى وأما الذين
كفروا فيقال لهم: أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ، ودلت الفاء في قوله
(أَفَلَمْ) على الفاء المحذوفة فى قولك فيقال لهم.
* * *
وقوله : (وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ (٣٢)
(وَالسَّاعَةُ)
(وَالسَّاعَةَ)، فمن نصب فَعَطفٌ على الوعد.
المعنى: وإذا قيل إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأنَّ الساعةَ.
ومن رفع فعلى معنى وقيل الساعةُ لا ريب فيها.
стр. 1790
وقوله : (وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٣٤)
أي اليوم نترككم في العذاب، كما تركتم الإيمان والعمل ليومكم.
والدليل على ذلك قوله:
(فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٣٥)
لا يردون ولا يلتمس منهم عمل وَلَا طَاعة.
* * *
وقوله: (وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)
أي له العظمة في السَّمَاوَات والأرض.
* * *
ْوقوله: (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ).
ويقرأ (مِنَّةً)
(جميعاً) منصوب على الحال، والمعنى كل ذلك منه تفضُّلٌ وإحسان.
و (مِنَّةً) على معنى المفعول له، والمعنى فعل ذلك مِنَّةً، أي مَنَّ مِنَّةً.
لأن تسخيره بمعنى مَنَّ عليكم.