(إن في السَّمَاوَاتِ والأرضِ)، وإن في (اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) آياتٍ.
وهذا عطف عَلَى عَامِلَيْن
ومثله من الشعر:
أكلَّ امرِىءٍ تَحْسَبين امرَأً. . . ونارٍ تَوَقَّدُ بالليلِ نارا
عطف على ما عملت فيه كل، وما عملت فيه أتحسبين.
وقد أباهُ بعض النحويين، وقالوا: لا يجوز إلا الرفع في قوله:
(وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ)
وجعله عطفاً على عامل واحد على معنى واختلاف الليل والنهار وتصريف الرياح آيات، وهذا أيضاً عطف على عاملين لأنه يَرْفَع (آياتً) على العطف على ما قبلها كما خفض (واختلافِ) على العطف على ما قبلها.
ويكون معطوفاً إن شئت على موضع أن وَمَا عَمِلتْ فيه، وإن شئت على قراءة من قرأ: (وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٍ) (١).
* * *
وقوله (فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (٦)
و (تؤمنون) جميعاً، والمعنى - واللَّه أعلم - فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ كتاب اللَّهِ
وآياته يؤمنون.
قال اللَّه : (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ)
فجعل القرآن أحسن الحديث.
* * *
وقوله: (ويل لِكُلِ أَفاكٍ أَثِيم).
(أَفاكٍ) كذاب.
* * *
وقوله: (هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٢٠)
стр. 1787
(هذا) إشارة إلى القرآن، المعنى هذا القرآن بصائر للناس.
* * *
وقوله (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٢١)
(سَوَاءٌ مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ)
ويقرأ (سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ)، وقد قرئت سواءٌ مَحْياهم وَمَماتَهمْ
بنصب الممات.
وحكى بعض النحويين أن ذلك جائز في العربية.
ومعنى (اجْتَرَحُوا) اكتسبوا، ويقال: فلانٌ جَارِحةُ أهله أي كاسبهم، والاختيار عند سيبويه والخليل وجميع البصريين (سَوَاءٌ) برفع سواء.
وعليه - أكثر القراء، ويجيزون النصب، وتقول: ظننت زيداً - سواءٌ أبوه وأمُّه، وسواءً أبوه وأُمُّه.
والرفع أجود، لأن سواء في مذهب المصدر كما تقول: ظننت زيداً ذو استواء أبوه وأُمُّه.
ومن قرأ (سَوَاءً) بالنصب جعله في موضع مستوياً محياهم وَمَمَاتُهُمْ
ومن نصب محياهم ومماتهم، فهو عند قوم من النحويين (سَوَاءً) في محياهم وفي مماتهم، ويذهب به مذهب الأوقات، وهو يجوز على غير ذلك على أن يجعله بدلاً من الهاء والميم، ويكون المعنى أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعل محياهم ومماتهم سواءً كالذين آمنوا وعملوا الصالحات، أي كمحيا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ومَمَاتهم (١).
* * *
وقوله: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ
(٢٣)
وقد رويت آلِهَةً هَوَاهُ، ولها وجه في التفسير وروي أن قريشاً كانت تعبد
العُزى وهي حجر أبيض فإذا رأت حجراً أشد بياضاً منه وأحسن اتخذت ذلك
الأحسن واطَّرَحت الأولَ، فهذا يدل على آلهته، وكذلك أيضاً إلهه.
وقوله (وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ).
أي على ما سبق في علمه قبل أن يخلقه أنه ضال.
стр. 1788
(وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً).
ويقرأ غَشوة بفتح الغيْن بغير ألف، ويقرأ غُشَاوَةَ - بضم الغين والألف (١).
* * *
وقوله: (وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٢٤)
فإن قال قائل: كيف قالوا نموت ونحيا وهم لا يقرون بالبعث.
فالدليل على أنهم لا يقرون بالبعث قولهم ما هِيَ إلا حياتنا، وفي نموت ونحيا ثلاثة أقوال.
يكون المعنى (نَمُوتُ وَنَحْيَا)، يحيا أولادُنا، فيموت قوم ويحيا قوم.
ويكون معنى (نَمُوتُ وَنَحْيَا) نحيا ونموت، لأن الواو للاجتماع.
وليس فيها دليل على أن أحد الشيئين قبل الآخر.
ويكون (نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ) أي ابتداؤنا موات في أصل الخلقة، ثم نحيا ثم يهلكنا الدَّهْرُ.
فَاَعْلَمَ اللَّه أَنهمْ يَقولُونَ ذلك ضُلَّالًا، شَاكِين فقال:
(وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ).
المعنى ما هم إِلَّا يَظُنُّونَ.
* * *
وقوله : (مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٥)
يجوز في (حُجَّتَهُمْ) الرفْعُ، فمن رفع جعل (حُجَّتُهُمْ) اسم كان
و (أنْ قَالُوا) خبر كان.
ومن نصب (حُجَّتَهُمْ) جعل اسم كان أَنْ مَعَ صِلَتِها.
ويكون المعنى ما كان (حُجَّتَهُمْ) إلَّا مَقَالَتَهم ائتوا بآبائنا.
* * *
وقوله : (وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨)
أي كل أحد يُجزى بما تضمنه كتابه، كما قال :
стр. 1789
(وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ).
ْفهذا مثل قوله: (كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا).
رفع (كُلُّ) بالابتداء، والخبر (تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا).
ومَن نصب جعله بدلاً من " كُلَّ " الأول، والمعنى وترى كل أمة تدعى إلى كتابها.
ومعنى (جَاثِيَةً) جالسة على الركب، يقال قد جثا فلان يجثو إذا جلس على ركبته، ومثله جَذا يجذو.
والجُذُؤ أشا استيفازاً من الجثو لأن الجذو أن يجلس صاحبه على أطراف
أصابعه.
* * *
وقوله: (إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٩)
الاسْتِنْساخُ لا يكون إلا من أَصْل، وهو أن يستنسخ كتاباً من كتابٍ.
فنستنسخَ ما يكتب الحفظة ويثبت عند اللَّه .
* * *
وقوله: (وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ (٣١)
جواب (أَمَّا) محذوف، لأن في الكلام دليلاً عليه، المعنى وأما الذين
كفروا فيقال لهم: أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ، ودلت الفاء في قوله
(أَفَلَمْ) على الفاء المحذوفة فى قولك فيقال لهم.
* * *
وقوله : (وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ (٣٢)
(وَالسَّاعَةُ)
(وَالسَّاعَةَ)، فمن نصب فَعَطفٌ على الوعد.
المعنى: وإذا قيل إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأنَّ الساعةَ.
ومن رفع فعلى معنى وقيل الساعةُ لا ريب فيها.
стр. 1790
وقوله : (وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٣٤)
أي اليوم نترككم في العذاب، كما تركتم الإيمان والعمل ليومكم.
والدليل على ذلك قوله:
(فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٣٥)
لا يردون ولا يلتمس منهم عمل وَلَا طَاعة.
* * *
وقوله: (وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)
أي له العظمة في السَّمَاوَات والأرض.
* * *
ْوقوله: (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ).
ويقرأ (مِنَّةً)
(جميعاً) منصوب على الحال، والمعنى كل ذلك منه تفضُّلٌ وإحسان.
و (مِنَّةً) على معنى المفعول له، والمعنى فعل ذلك مِنَّةً، أي مَنَّ مِنَّةً.
لأن تسخيره بمعنى مَنَّ عليكم.
стр. 1791
سُورَةُ الأحقاف
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله : (مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ (٣)
جاء في التفسير: مَا خَلَقْنَاهما إِلَّا للحَقِّ، أي لإقامة الحق، وتكون على
معنى ما قامت السماوات والأرض إلا بالحق.
وقوله بعقب هذا:
(وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ).
أي أعرضوا بعد أن قام لهم الدليل بخلق الله السماوات والأرض، وما
بينهما ثم دعاهم إلى الدليل لهم على بطلان عبادة ما يعبدونَ من الأوثان
فقال:
(قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤)
ويقرأ أَرَيْتُمْ بغير ألف.
(مَا تَدْعُونَ مِنْ دونِ اللَّهِ)
ما تدعونه إلهاً من دون اللَّه.
(أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ).
أي في خلق السَّمَاوَاتِ، أي فلذلك أشركتموهم في عبادة الله .
стр. 1792
(ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا).
أي ايتوني بِكتابِ أنزل فيه برهانُ ما تَدَّعُونَ.
(أَوْ أَثَرَةٍ مِنْ عِلْمٍ)
ويقرأ (أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ)، وقرئت أو أَثْرةٍ مِنْ عِلْمٍ - بإسكان الثاء - ومعناها؛ إذا قال: أَثارة على معنى عَلَامةٍ مِنْ عِلْم، ويجوز أن يكون على معنى بقية من علم، ويجوز أن يكون على معنى ما يؤثر من العلم.
* * *
وقوله : (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥)
أي من أضل مِمنْ عَبَدَ غيرَ اللَّه.
وجَمِيعُ مَا خلق اللَّه دليل على وَحْدَانِيَّته فمن أضل ممن عبد حجراً لا يستجيب لَه.
وقال و (مَنْ) وقال و (وَهُمْ) وهو لغير ما يعْقِل، لأن الذين عبدوها أجْرَوْهَا مجرى ما يميز فخوطبوا على مُخَاطَبَاتِهِمْ كما قالوا: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى)
ولو كانت " ما " لكان جَيداً كما قال: (لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ).
* * *
وقوله : (وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (٦)
أي كانت الأصْنامُ كَافِرةً بعبادتهم إياها، تقول ما دعوهم إلى عبادتنا.
* * *
وقوله : (قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٨)
стр. 1793
أي فَلَسْتُمْ تملكون من اللَّه شيئاً، أي اللَّه أملك بعباده.
(كَفَى بِهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ)
أي كفَى هو شهيداً.
وَ (بِه) في موضع رفع.
وقوله في هذا الموضع:
(وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)
معناه أنه مَنْ أَتَى من الكبائر العِظَام ما أتيتُمْ به من الافتراء على اللَّه
جلَّ وعزَّ وَعَلا - ثم تاب فإن الله غفورٌ رَحيمٌ له.
* * *
وقوله: (قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٩)
أي ما كنت أول من أرْسِلَ. قد أرسل قبلي رُسُلٌ كثيرونَ.
* * *
وقوله : (وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ)
كان رسول اللَّه ﷺ رأى في منامه أنه سيصير إلى أَرْض ذَاتِ نَخْل وَشَجرٍ، وقد شكا أصحابه الشدةِ التي نالتهم فلما أَعْلَمَهُم أنه سيصير إلى أرض ذات نَخْل وَشَجرٍ، وتأخَّرَ ذَلِكَ استبطأوا ما قال ﵇، فأعلمهم أن الذي يتبِعُهُ ما يُوحَى إليه، إن أمر بِقِتَال أو انتقال، وكان ذلك الأمْرُ وحياً فَهُو مُتَّبِعُهُ، ورؤيا الأنبياء ﵈ وَحْيٌ (١).
* * *
وقوله: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠)
جاء في التفسير أن عبد اللَّه بن سلام صار إلى النبي ﷺ قآمن به، وقال له: سَلْ اليهودَ عني فَإنهُمْ سَيُزَكونَنِي عندك ويخبرونك بمكانِي من العِلْم، فَسَاَلَهُم النبي ﷺ عنه من قبْل أن يَعْلَمُوا أَنه قدْ آمن. فأخبروا عنه بأنه أعلمُهُم بالتوراة وبِمَذْهَبِهِم، وأنه عالم ابن عالم ابن عَالِم.
قآمن بحضرتِهِم وشهِدَ أن محمداً رسول اللَّه فقالوا بَعْدَ إيمانه أنتَ شرُّنَا وابن شَرِّنَا.
стр. 1794
قال: ألم يأتكم في التوراة عن موسى ﵇: إذا رأيتم محمداً فأقرئِوه السلام مني وآمنوا به، وأَقْبَلَ يَقِفُهُمْ من التوراة على أَمْكنةٍ فيها ذكر النبي ﷺ وصفته، وهم
يستكبرون ويجحَدون ويتعمدون ستر ذلك بِأيْدِيهم.
وجواب: (إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ) أتؤمِنُونَ.
ثم أعلم أن هؤلاء المعاندين خاصة لَا يؤمِنونَ، فقال: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ).
أي قد جعل جزاءَهم على كفرهم بعدما تَبَينَ لهم الهُدَى مَدَّهم في الضلَالَة.
وَقِيلَ في تفسير قوله: (وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ)
عَلَى مثل شهادَةِ عبْد اللَّه بن سَلَام.
والأجود - واللَّه أعلم - أن يكون (عَلَى مِثْلِه) على مثل شهادة النبي ﷺ .
* * *
وقوله: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ (١١)
جاء في التفسير أنه لما أسلمت جُهَينة ومُزَينَةُ وأسلم وغِفار، قالت بَنو
عَامِرٍ وغطفان وأسد وأشجع: لو كان ما دخل فيه هؤلاء مِنَ الذِين خَيراً ما
سبقونا إليه، ونحن أعز مِنْهمْ، وَإنما هؤلاء رُعَاةُ الْبَهْمِ.
* * *
وقوله : (وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ (١٢)
(إِمَامًا) منصوب على الحال وقوله: (وَرَحْمَةً) عطف علَيْهِ.
(وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا).
стр. 1795
المعنى واللَّه أعلم، وهو مصدق لما بين يَدَيْهِ لساناً عَربيًّا، لما جاء بعد
هذا الموضع.
(قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ).
وحذف (له) ههنا أعني من قوله (وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ) لأن قبله (وَمِنْ قَبْلِهِ)
كتاب موسى، فالمعنى وهذا كتاب مُصَدِّقٌ له، أي مُصَدِّقٌ التوْرَاةَ
و (لِسَانًا عَرَبِيًّا) منصوبان على الحال.
المعنى مصدق لما بين يديه عَرَبِيًّا، وذكر (لِسَانًا) توكيداً.
كما تقول جاءني زيد رجلًا صالحاً، تريد: جاءني زيد صالحاً.
وتذكر رجلًا توكيداً، وفيه وجه آخر، على معنى وهذا كتاب مصدق
لِسَانًا عَرَبِيًّا. المعنى مصدق النبي ﵇، فيكون المعنى مصدق ذا
لسانٍ عربى.
وقوله: (لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا)
ويقرأ (لِتُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا).
(وبُشْرَى لِلمُحْسِنينَ)
الأجود أن يكون (بُشْرَى) في موضع رفع، المعنى وهو بشرى
للمحسنين، ويجوز أن يكون بشرى في موضع نصب على معنى لينذر الذين
ظلموا وُيبشِرَ المحسنين بُشْرَى (١).
* * *
وقوله : (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٣)
стр. 1796
معنى (ثم استقاموا) أي أقاموا على توحيد اللَّه وشريعة نبيه ﵇.
* * *
وقوله : (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ
(١٥)
(وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا)
وتُقْرأُ (إِحْسَانًا)، وكلتاهما جيِّدٌ، ونصب (إِحْسَانًا) على المصدر، لأن معنى
وصيناه بوالديه أمرناه بأن يحسن إليهما (إِحْسَانًا).
* * *
وقوله : (حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا)
وَ (كَرْهاً)، وقد قرئ بهما جميعاً.
المعنى حملته أمه على مشَقَّة ووضعته على مشَقَّة.
وقوله: (وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا)
وقد قرئت (وفصله ثلاثون شَهراً). ومعنى فِصَاله فطامُه.
وَأَقَل ما يكون الحمل لستة أَشْهُر.
والاختيار (وَفِصَالُهُ)، لأن الذي جاء في الحديث: إلا رِضَاعَ
بعد الفِصَالِ " يعني بعد الفطام.
وقوله: (حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً)
جاء في التفسير أن الأشد ثلاث وثلاثون سنة، وقيل الأشد ثَماني عشرة
سنة، وقيل الأشد بلوغ الحلم، والأكثر أن يكون ثلاثاً وثلاثين، لأن الوقت
الذي يكمل فيه الإنسانُ في بدنه وقوته واستحكام شبابه أن يبلغ بضْعاً
وثلاثين سنة، وكذلك في تمييزه.
وقوله: (وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي).
معناه اجعل ذُرِّيَّتِي صالحين (١).
* * *
وقوله: أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (١٦)
(أُولَئِكَ الَّذِينَ يُتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا).
ويجوز (أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا).
فالقِرَاءَة (يُتَقَبَّلُ) و (نَتَقَبَّلُ)
وكذلك يُتجاوزُ ونَتجاوزُ، ويَتقبَّلُ جائز، ولَا أعْلَمُ أحَداً قَرأ بها.
стр. 1797
وقوله: (وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ).
هذا منصوبٌ لأنه مَصْدَرٌ مؤكد لما قبله، لأن قوله: أولئك الذين نَتَقئلُ
عَنْهُم أحسنَ مَا عَمِلُوا. بمعنى الوعد، لأنه قد وعدهم الله القَبُولَ.
فوعدُ الصِّدْقِ توكيد لذلك.
* * *
وقوله تعالى: (وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٧)
(أُفِّ لَكُمَا)
وقد قرئت (أُفٍّ لَكُمَا) (أُفَّ لَكُمَا) وقد فسرنا ذلك في سُورَةِ بني
إسرائيل.
وقولهِ: (أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ).
ويقرأ (أَنْ أَخرُجَ) ويجوز أَتَعِدَانِي بالإدْغَام، وإن شئت أَظْهَرَت النونَيْنِ.
وإنْ شئت أسكنت الياء، وإن شئت فتحتها.
وقد رُوِيَتْ عن بعضهم أَتَعِدانَني - بالفتح. وذلك لحن لا وجه له، فَلاَ تَقْرَأَنَّ به، لأن فتح نُونِ الاثْنَيْنِ خطأ، وإن حُكِي ذلكَ في شُذُوذٍ، فلا تحمل القراءة على الشذوذِ (١).
ويروى أن قوله في الآيةِ التي قبل هذه إلى قولك له: (أولئك الذين نتقبل
عنهم) نزلت في أبي بكر رَحْمَةُ اللَّه عَلَيْه.
فأما قوله: (وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا).
فقال بعضهم: إنها نزلت في عبد الرحمن قبل إسلامه، وهذا يبطله
قوله (أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (١٨)
стр. 1798
فأَعلم اللَّه أن هؤلاء قد حقتْ عَلَيْهِم كلمة العذاب، وإذا أعلم بذلك
فقد أعلم أنهم لا يؤمنون، وعبد الرحمن مؤمن، ومن أفاضل المُؤْمِنِين.
وسَرَوَاتِهم.
والتفسير الصحيح أنها نزلت في الكافر العاق.
* * *
وقوله : (وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٩)
(وَلِيُوَفِّيَهُمْ)
(وَلِنُوَفِّيَهُمْ) جميعاً، بالنون والياء.
* * *
وقوله: (وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ (٢٠)
أكثر القراءة الفتح في النون والتفخيم في النارِ، وأكثر كلام العرب على
إمالة الألف إلى الكسر، وبها يَقْرأ أبو عَمْرٍو (عَلَى النَّارِ) يختار الكسر في الرَّاءِ، لأن الراء عندهم حرف مُكررٌ، فكان كسرته كسرتانِ.
* * *
وقوله : (أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ)
بغير ألف الاستفهام، ويقرأ (أَأَذْهَبْتُم) - بهمزتين محققتين، وبهمزتين
الثانية منهما مخففة، وهذه الألف للتوبيخ، التوبيخ إن شئت أثبت فيه الألف، وإن شئت حذفتها، كما تقول: " يا فلان أحدثت مَا لا يَحِل لك جَنَيْتَ عَلَى نَفْسِك " إذا وَبَّخْتةُ.
وإن شئت: أأخذت مَا لَا يَحِل لَكَ، أجنيت على نفسك.
* * *
وقوله : (فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ)
معناه الهَوَان.
* * *
وقوله : (وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٢١)
(الأحقاف) رمال مستطيلة مُرْتفعة كالدَكَّاوات، وكانت هذه الأحقافُ
منازلَ عَادٍ.
стр. 1799
وقوله: (وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ)
أي قد أنذروا بالعذاب إنْ عَبَدُوا غير اللَّه فيما تَقَدَّمَ قَبْلَ إنْذَارِ هُودٍ.
وعلى لسان هود ﵇.
(إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٢١) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٢)
أي لِتَصْرِفنا عنها بالإفْكِ والكَذِب. .
(فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا) أي اثتنا بالعذاب الذي نَعِدُنا، (إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ)
* * *
(قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (٢٣)
أي هو يعلم متى يأتيكم العَذَابُ
(وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ) إلَيْكُمْ.
ويقرأ بالتخفيف وأُبْلِغُكُمِ.
(وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ)
أي أدُّلُّكُمْ على الرَّشَادِ وأنتم تَصُدُّونَ
وَتَعْبُدونَ آلِهَة لا تَنفع ولا تَضُر.
* * *
وقوله: (فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤)
أي فلما رَأَوُا السحاب الذي نشأت منه الريح التي عُذِبُوا بِهَا قد
عَرَضت في السماء، قالوا الذي وَعَدْتَنا به سحابٌ فيه الغيث والحياة والمطر.
فقال اللَّه : (بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ).
وقرأ بعضهم: " قُل بَلْ هُوَ ما اسْتَعْجَلْتُم ".
وكانت الريح من شدتها ترفع الراعي مَعَ غَنَمِهِ، فأهلك اللَّه قوم عَادٍ بتلك الريح.
وقوله: (مُمْطِرُنَا) لَفظه لفظ معرفة، وهو صفة للنكرة، المعنى عَارِضٌ
مُمطِرٌ إيَّانَا، إلا أَن إيَّانَا لا يفصل ههنا.
* * *
وقوله: (فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (٢٥)
стр. 1800
في هذا خمسة أوجه:
أجودها في العربية والقراءة، (لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ)
مَسَاكِنُهُمْ)، وتأويله لَا يُرَى شيءٌ إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ لأنَّهُمْ قد أُهْلِكُوا.
ويجوز فأصبحوا لاَ تُرَى إلا مساكِنُهُمْ فيكون المعنى لا تُرَى أشخاصٌ إلا مَسَاكِنُهُم.
ويقرأ فأصبحوا تَرَى مَسَاكِنَهُمْ، أي لا ترى شيئاً إلا مساكِنَهُمْ.
وفيها وجهان بحذف الألف، فأصبحوا لا يُرَى إلا مَسْكِنهُمْ، وَمَسْكَنَهُمْ، ويجوز فأصبحوا لا ترى إلا مَسْكَنَهُمْ.
يقال: سَكَن يَسْكُن مَسْكَناً وَمَسْكِناً (١).
* * *
وقوله : (كذَلِكَ نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ)
المعنى مثل ذلك نجزي القوم المجرمين أي بالعَذَابِ.
* * *
وقوله: (وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ (٢٦)
(وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ)
(إن) ههنا في معنى " ما " و (إن) في النفي مع " ما " التي في مَعْنى الَّذِي
أحسن في اللفظ مِنْ " مَا "، ألا ترى أنك لو قلت رغبت فيما ما رَغِبَت فيه
لكان الأحسن أن تقول: قَدْ رَغِبْتَ فيما إن رَغِبْتَ فيه، تريد في الذي ما رغبت فيه، لاختلاف اللفظين.
* * *
وقوله : (بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٨)
أي دعاؤهم آلهتهم هُوَ إفكُهُمْ، ويقرأ (أَفَكَهُمْ) بمعنى وذلك كذبُهُمْ
وَكُفْرُهُمْ، والأفك والأفَكَ مثل النَجْس والنجَسُ ويقرأ أَفَكُهُم، أي ذلك جَعَلَهُم ضلالاً كافرين، أي صَرَفَهُمْ عنِ الحق، ويقرأ آفَكَهُمْ أَيْ جَعَلَهُمْ يأفكونَ، كما تقول: ذلك أكفرهم وأضلهُمْ.
* * *
وقوله : (وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩)
стр. 1801
أي قال بعضهم لبعض صَهْ، ومعنى صهْ اسْكُتْ، ويقال إِنهُمْ كانوا تسعة
نَفرٍ أو سبعة نَفَرٍ، وكان فيهم زوبَعَة.
(فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ)
أي فلما تلى عليهم القرآن حتى فرَع منه، (وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ)
ويُقْرَأُ (فَلما قضَاهُ).
* * *
(قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠)
أي يُصَدِّق جَمِيعَ الكُتب التي تقدمَتْهُ والأنبياء الذين أَتَوْا بها.
وفي هذا دليل أن النبي ﷺ بعث إلى الإنس والجِنِّ.
* * *
وقوله (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٣)
دخلت الباء في خبر (إنَّ) بدخول (أَوَلَمْ) في أول الكلام، ولو قلت:
ظنَنْت أن زيداً بقائم لم يجز، وَلَوْ قُلْتَ: ما - ظننتُ أَن زيداً بقائم جاز بدخول ما، ودخول أن إنما هو توكيد للكلام فكأنَّه في تقدير أَلَيْسَ اللَّهُ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْييَ المَوْتَى فيما ترون وفيما تعلمونه.
وقد قرئت يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يُحْييَ المَوْتَى، والأوْلَى هي القراءة التي عليها
أكثر القراء. وهذه جائزة أيضاً.
* * *
وقوله : (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ (٣٥)
جاء في التفسير أن أُولي العَزْمِ نوح وإبراهيم ومُوسَى وعيسى ومحمد.
صَلواتُ الله عليهم أجمعين.
стр. 1802
قوله: (لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ).
الرفع على معنى ذلك بَلَاغٌ.
والنصبُ في العربيًةِ جيدٌ بالغ. إلَا أَنَه يخالف المصحف، وبَلَاغاً على معنى يبلغون بَلَاغا كما قال: (كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ) مَنصُوبٌ عَلَى معنى:
(حُرمَتْ عليكم أُمَّهَاتُكُمْ)، تأويله: كتب اللَّه ذلك كتاباً. .
* * *
وقوله : (فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ).
تأويله أنه لا يهلك مع رحمة اللَّه وتَفَضله إلا القومُ الفَاسِقُونَ
ولو قرئت " فَهَلْ يَهْلِكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ " كان وجهاً.
ولا أعلم أحداً قرأ بها.
وما في الرجاء لرحمة اللَّه شيء أقوى من هذه الآية.
وهي قوله: (فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ) (١).
стр. 1803
سُورَةُ محمَّد ﷺ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (١)
قوله : (أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ).
أحبطها فلا يرون في الآخرة لها جزاء، والمعنى أن حبط ما كان من
صدَقَاتِهِمْ وصلتهم الرحِمَ وأبواب البر بكفرهم، كما قال : (كَذَلِكَ يُرِيهُمُ اللَّهُ أعْمَالَهُم حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ) وقوله (كَسَرَابٍ بِقيعَةٍ)
وهؤلاء هم الذين صدوا عن النبي ﷺ
والدليل على ذلك قوله: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ (٢)
أي كفَّر عَنْهُم وما اقترفوه وَهُمْ كافرونَ لمَّا آمنوا باللَّهِ وبالنبي ﵇.
وسائر الأنبياء أجمعين.
* * *
وقوله : (وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ).
أي أصْلَحَ امْرَهُمْ وحالهم.
* * *
وقوله: (ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ (٣)
أي الأمر ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل.
وجائز أن يكون ذلك الإضلال لاتباعهم الباطل، وتلك الهداية والكفارات باتباع المؤمنين الحقَ، ثم قال :
стр. 1804
(كذلك يَضْرِبُ اللَّهُ للنَّاسِ أمْثَالَهُمْ).
أي كذلك يبين الله للناس أمثال حسنات المؤمنين وسيئات الكافرين أي
كالبيان الذي ذكر، ومعنى قول القائل: ضربت لك مثلًا، أي بينت لك ضرباً من الأمثال، أي صنفاً منها.
* * *
وقوله : (فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (٤)
معناه فاضربوا الرقاب ضرباً، منصوبٌ على الأمر، وتأويله فإذا لقيتُم
الذين كفروا فاقتلوهم، ولكن أكثر مواقع القتل ضرب العُنُق، فأعلمهم اللَّه
كيف القصد، وكيف قال: (واضْرِبُوا مِنْهُم كُلً بَنَانٍ)
أي فليس يتوهم بهذا أن الضَّربَ محظور إلَّا على الرقبة فقط.
* * *
وقوله : (حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ).
(أَثْخَنْتُمُوهُمْ) أكثرتم فيهم القتل، كما قال: (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ)، فالأسر بعد المبالغة في القتل.
ثم قال: (فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً).
أي بعد أن تَأسِروهُمْ إِما مننتم عليهم مَنَّا، وإِما أطلقتموهم بفداء.
وقوله: (حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا).
(حتى) موصولة بالقتل والأسْرِ، المعنى فاقتلوهم وأسِرُوهُمْ حتى تضع
الحرب أوزارها.
والتفسير حتى يؤمنوا وُيسْلِمُوا، فلا يجب أن تحاربوهم، فما
دام الكفر فالجهاد والحرب قائمة أبداً.
وقوله: (ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ).
.
стр. 1805
(ذلك) في موضع رفع، المعنى الأمر ذلك، ويجوز أنْ يكون مَنْصُوباً على
معنى افعلوا ذلك.
(وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ).
أي لو يشاءُ اللَّهُ لَعذَّبَهُمْ وأهلكهم لأنه قادِرٌ عَلَى ذَلِك.
(وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ).
المعنى ولكن أمركم بالحرب ليبلو بعضكم ببعض، أي ليمَحِّصَ اللَّه
المؤمنين ويمحق الكافِرينَ.
وقوله: (وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ).
ذكر في أول السورة: (الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ) وأعلم أن الذين قاتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم.
ويقرأ عَلَى أربعة أوْجُهٍ:
قَاتَلُوا في سبيل اللَّه، وقُتِلُوا في سبيل اللَّه، على ما لم يسمَّ
فاعله، ويُقْرأ قُتِّلُوا بتشديد التاء، ويُقْرأ قَتَلُوا في سبيل اللَّه، بفتحِ القاف.
* * *
وقوله: (سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (٥)
يُصْلِحُ لَهُمْ أمر معاشهم في الدنيا مع ما يجازيهم به في الآخرة، كما
قال : (وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ)
أي لو أنهم قبلوا ما فيها وما في الكتب وعملوا به لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرْجُلِهم، وكما قال:
(اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (١٢)
فوعد الله المؤمنين إصلاح شأنهم وبالهم في الدنيا والآخِرة.
* * *
وقوله: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (٨)
стр. 1806
(الَّذِينَ) في موضع رفع على الابتداء. ويكون (فَتَعْسًا لَهُمْ) الخبر.
ويجوز أن يكون نصباً على معنى أتعسهم اللَّه.
والتععحم، في اللغة الانْحِطاطُ والعُثور.
* * *
(ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٩)
كرهوا القرآن ونبوة النبي ﵇ فأحبط اللَّه أعمالهم.
* * *
وقوله : (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا (١٠)
المعنى فينظروا كيف كان عاقبة الكافرين الذين من قبلهم.
(دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ)، أي أهلكهم اللَّه.
(وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا) أي أمثال تلك العاقبة، فأهلك الله
بالسَّيف من أهلك ممن صدَّ عن النبي ﷺ .
* * *
(ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (١١)
أي بأن اللَّه ولي الذين آمنوا يتولاَّهم في جميع أمورِهم في هدايتهم
والنصر على عدوهم.
(وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ).
أي لا وليَّ لهم ينصرهم من اللَّهِ في هِدَايةٍ ولا عُلُوٍّ على المؤمنين، ثم
أعلم اللَّه ما أعدَّ للمؤِمنين مع النصر والتمكين، وما أعدَّ للكافرين مع الخذلان والإِضلال فقال: (إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (١٢)
ثم بين صفات تلك الجنات وقال:
(وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ).
والمثوى المنزل.
* * *
وقوله : (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ (١٣)
стр. 1807
المعنى وكم من أهل قَرْيةٍ هي أشدُّ قوةً مِنْ أهْلِ قَرْيتِكَ التي أخرجتك.
أي الذين أخرجوك أهلكناهم بتكذيبهم للرسل فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ.
ثم أعلم فقال:
* * *
(أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ
(١٤)
وهذه ألفُ توقِيفٍ وتَقْرِيرٍ، لأن الجواب معلوم، كما أنك إِذا قلْتَ من
يفعل السيئات يشق، ومن يفعل الحسنات يَسْعَد، ثم قلت: الشقاء أحب إليك أم السعادَة. فقد علم أن الجواب السعَادَة، فهذا مجرى ألف التوقيف
والتقرير.
* * *
وقوله : (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ (١٥)
(مَثَلُ الْجَنَّةِ).
تفسير لقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ)، ففسر تلك الأنهار فقال: (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ) أي مما عرفتموه من الدنيا من جناتها وأنهارها جنَّةٌ (فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ).
ويقرأ من ماء غير أسِنٍ، ويجوز في العربية أسْنٍ، يقال أَسَنَ الماءُ يأسِن
فهو آسِنٌ، ويقال: أسَنَ الماءُ فهو أَسِنٌ إذا تغيرت رائحته، فأعلم اللَّه
أن أنهار الجنة لا تَتَغير رائحة مائها، ولايَأسَن.
(وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ).
أي لا يدخله ما يدخل ألبان الدنيا من التغيرِ.
(وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ).
ليس فيها غَوْلٌ أي لا تُسْكِرُ وَلاَ تفنى.
(وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى).
معناه مصفى لم يخرج من بطون النحل فَيخالطه الشَمْع.
(وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ).
стр. 1808
كما قال: (إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ)، وصف تلك الجناتِ فقال: مثل الجنَّة جنَّة كما وصف.
وقيل إن المعنى صِفَةُ الجنَّةِ، وهو نحَوٌ مِما فَسَّرَنَا.
ثم قال: (وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ).
أي لهم فيها من كل الثمَرات وَلَهُم مَغْفِرةٌ من رَبهمْ، يَغْفِر ذُنُوبَهُمْ ولا
يجازون بالسيئات، ولا يوَبَّخُونَ في الجنَّةِ، فَيُهكوْنَ الفوز العظيم والعَطاءَ
الجَزِيلَ.
ثم قال:
(كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ).
المعنى أفمن كان على بَينَةٍ من رَبِّه وأُعْطَىْ هَذِهِ الأشْيَاء، كمَن زُيِّنَ له
سوء عمله وهو خَالِدٌ في النَّارِ.
(وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ).
واحد الأمعاء مِعًى، مثل ضِلَع وَأضْلَاع.
* * *
وقوله : (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (١٦)
يعني المنافقين.
(حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا).
كانُوا يَسْمُعونَ خطبة النبي ﷺ فإذا خرجوا سألوا أصحاب رسول الله استهزاء وإعلاماً أنهم لم يلتفتوا إلى ما قال، فقالوا: مَاذَا قَال آنِفاً، أي ماذا قال الساعة، ومعنى آنفاً من قولك استأنَفْتُ الشيء إذا ابْتَدَأتُه، ورَوْضَة أُنُفٌ، إذَا لَمْ تُرْعَ بَعْدُ، أي لها أولٌ يُرعَىْ، فالمعنى ماذا قال من أول وَقْتٍ يَقْرُب مِنَّا.
وقوله: (أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (١٦) وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (١٧)
الضمير الذي في (زَادَهُمْ) يجوز أن يكون فيه أحدُ ثلاثة أوْجُهٍ:
فأجْوَدُهَا - واللَّه أعلم - أن يكون فيه ذكر الله، فيكون المعنى مردُوداً على
стр. 1809
قوله: (أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (١٦) وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ)
ويجوز أن يَكونَ الضَميرُ في (زَادَهم) قول الرسول ﷺ .
فيكون المعنى وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ ما قال رسول اللَّه هُدًى.
ويجوز أن يكون زَادَهم إعراضُ المنافقين واستهزاؤهم هُدًى.
قوله: (وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ).
يجوز أن يكون وَألهمهم تقواهم، كما قال : (وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا).
ويجوز أن يكون - واللَّه أعلم - وآتَاهمْ ثَوَابَ تَقْوَاهُمْ.
* * *
وقوله (فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ (١٨)
ويقرأ " إِلَّا السَّاعَةَ إِنْ تَأْتِهمْ " بغير ياء، والأولى أجْوَد لموافقة المصحف.
وموضع " أن " نَصْبٌ البدَلِ مِنَ السَّاعَةِ.
المعنى فهل ينظرون إِلا أن تأتِيَهُمْ السَّاعَة بَغْتةً.
وهذا البدل المشتمل على الأول في المعنى وهو نحو
قوله (وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ)
المعنى لولا أن تطؤوا رِجالاً مؤمِنين ونساءً مؤمِنَاتٍ.
ومعنى (هَلْ يَنْظُرُونَ) هَلْ يَنْتَظِرونَ واحِدٌ.
ومن قرأ: إن تأتهم " (فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا) فعلى الشرط والجزاء.
وأشراطها أعلامها.
(فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ).
المعنى فمن أين لهم ذكراهم إذا جاءتهم الساعة، و (ذِكْرَاهُمْ) في موضع
رفع بقوله (فَأَنَّى).
стр. 1810
وقوله: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)
هذه الفاء جاءت للجزاء، المعنى قد بَيَّنَا مَا يَدل على أنَّ الله وَاحِدٌ
فأعلم اللَّه أنه لا إِله إلا اللَّه، والنبي ﵇ قد علم ذلك ولكنه خطاب
يدخل الناس فيه مع النبي ﷺ ، كما قال الله : (يَا أيها النبي إذا طلقتم ْالنساء)، والمعنى من عَلِمَ فليقم على ذلك العلم، كما قال: (اهْدِنَا الصِرَاطَ المسْتقيم) أي ثبتنا على الهداية.
(وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ).
أي يعلم متصرفاتكم ويعلم مثواكم، أي يعلم أين مقامكم في الدنيا
والآخرة.
* * *
وقوله : (وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ (٢٠)
كان المؤمنون ﵏ يأنسون بالوحي ويسْتَوْحِشُونَ لإِبْطائِه
فلذلك قالوا: (لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ).
(فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ).
ومعنى (مُحْكَمَةٌ)، غير منسوخة، فإذا ذكر فيها فَرْضُ القِتَالِ
(رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) يعنى المنافقين.
(يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ).
لأنهم منافقون يكرهون القتال، لأنهم إذا قعدوا عنه ظَهَرَ نِفَاقُهُمْ، فَخَافوا
عَلَى أنْفُسِهِم القَتْل.
(فَأَوْلَى لَهُمْ).
(أَوْلَى لَهُمْ) وعيدٌ وتَهَدُدٌ، المعنى وَلِيَهُم المكروهُ
* * *
وقوله: (طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ (٢١)
стр. 1811
قال سيبويه والخليل: المعنى طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ أمثل، وقيل إنهم كان
قولهم أولًا طاعة وقول معروف.
ويجوز - واللَّه أعلم - أن يكون المعنى فإذا أنزلت سورة ذات طاعة أي يؤمر فيها بالطاعة، وقول معروف، فيكون المعنى فإذا أنزلت سورة ذات طاعة وقول معروف.
* * *
(فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ).
المعنى فإذا جَدَّ الامْرُ ولزم فرض القتال، فلو صدقوا اللَّه فآمنوا بالنبي ﷺ وعملوا بما نزل عليه وما أمروا به من فرض القتال لكان خيراً لهم.
المعنى لكان صدقهم اللَّه بإِيمانِهِمْ خيراً لهم.
* * *
وقوله: (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢)
وقرأ نافع " فَهَلْ عَسِيتُمْ " واللغة الجيدة البالغة عَسَيْتُمْ - بفتح السين ولو
جاز عَسِيتُمْ لجاز أن تقول: عَسِيَ رَبُّكُمْ أنْ يَرْحَمَكُمْ.
ويقرأ (إِنْ تُوُلِّيتُمْ) و (إِنْ تَوَلَّيْتُمْ) - بضم التاء وفتحها.
(أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ).
فمن قرأ (تَوَلَّيْتُمْ) - بالفتح - ففيها وجهان:
أحَدَهُمَا أن يكون المعنى لعلكم إن توليتم عما جاءكم به النبي أنْ تَعُودُوا إلى أمر الجاهلية، فتفسدوا وَيَقْتُلُ بعضكم بعضاً.
(وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ)، أي تئدوا البنات، أي تدفنوهن أحياء.
ويجوز أن يكون فلعلكم إن توليتم الأمر أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا
أرحَامَكُمْ، ويَقْتُلُ قُريشٌ بَنِي هاشم، وبَنو هَاشِم قُريْشاً، وكذلِكَ إن توليتم.
* * *
وقوله: (إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ (٢٥)
المعنى رجعوا - بعد سماع الهدى وتَبَيُّنِهِ - إلى الكُفرْ.
وقوله: (الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ).
стр. 1812
معنى (سَوَّلَ لَهُمْ) زَيَّنَ لَهُمْ
(وَأمْلَى لهم)، أملى اللَّه لهم كما قال:
(إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا) معناه إنما نؤخرهم.
وقد قرئت (الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأُمْلِي لَهُمْ) على الإخبار عَنِ اللَّه ، المعنى وأنَا أُمْلِي.
وقُرئت (وَأُمْلِيَ لَهُمْ) بفتح الياء على ما لم يسم فاعله (١).
* * *
وقوله : (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ (٢٦)
المعنى - والله أعلم - الأمر ذلك أي ذلك الِإضلال بقولهم للذين
كرهوا ما نزل اللَّه، وجاء في التفسير أنهم اليهود، قالوا سنطيعكم في بعض
الأمر، أي سنطيعكم في التظاهر على عداوة النبي ﷺ
(وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَسْرَارَهُمْ).
و (إِسْرَارَهُمْ) قرئ بهما جميعاً، فمن قرأ (أَسْرَارَهُمْ) - بالفتح - فهُو جمعُ سِرٍّ
وأسرار، مثل حمل وأحمال، ومن قرأ (إِسْرَارَهُمْ) فهو مصدر أسْرَرْتً إسرَاراً.
* * *
وقوله: (فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ (٢٧)
يفعلون بهم ذلك في نار جهنم - واللَّه أعلم - ويكون المعنى فكيف
يكون حالهم إذا توفتهم الملائكة وهم يضربون وجوههم وأدبَارَهم.
* * *
قوله: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٢٨)
المعنى - واللَّه أعلم - ذلك جزاؤهم بأنهم اتبعوا الشيء الذي أسخط
اللَّه وكرهوا رضوانه، أي اتبعو مَن خالف النبي ﷺ ومن خالف الشريعة وكرهوا الِإيمان بالنبي ﷺ واتباع شريعته.
(فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ).
стр. 1813
أي ما كان من عمل خيرٍ نحو صلة رحم أوْ برٍ أو صَدَقةٍ، أحبط اللَّه ذلك
بكفرهم بما أتى به النبي ﷺ .
* * *
وقوله: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ
(٢٩)
(الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) المنافقون أي لن يبدي اللَّه عداوتهم لرسوله
﵇ ويظهره على نفاقهم.
* * *
(وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ (٣٠)
معنى (لَأَرَيْنَاكَهُمْ) لعَرفْنَاكَهُمْ، تقول: قد أرَيْتَكَ هَذَا الأمْر أي قد عرفتك
إياه، المعنى لو نشاء لجعلنا على المنافقين علامة وهي السيمياء.
(فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ).
أي بتلك العلامة.
(وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ)، أي في فحوى القَوْلِ.
فدلَّ بهذا والله أعلم - على أن قول القائل وفعله يدُلُّ على نِيَّته.
وقولُ الناس: قد لَحَنَ فلانٌ، تأويله: قد أَخذ في ناحية عن الصواب، وَعدَلَ عن الصواب إِليها، وقول الشاعر:
مَنْطِقٌ صائِبٌ وتَلْحَنُ أَحْيا. . . ناً وخَيْرُ الحديثِ ما كانَ لَحْنا
تأويله: خير الحديث من مِثْل هذه ما كان لا يعرفه كلُّ أحد، إِنما يُعْرََفُ قولها في أنحاء قولها.
стр. 1814
وقوله: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (٣١)
معنى (لَنَبْلُوَنَّكُمْ) لنختبرنكم بالحرب.
(حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ).
وهو قَدْ عَلِمَ قَبْلَ خَلْقِهِم المجاهدين منهم والصابرين، ولكنه
أراد العلم الذي يقع به الجزاء، لأنه إنما يجازيهم على أعمالهم.
فتأويله حتى يعلم المجاهدين علم شهادة، وقد علم الغيب، ولكن الجزاء بالثواب والعقاب يقع على علم شهادة.
* * *
وقوله : (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ (٣٤)
أعلم أنه لا يغفر لمن مات على الكفر.
* * *
وقوله: (فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ (٣٥)
(إِلَى السَّلْمِ)
والسَّلَم، ومعناه الصلْحُ، يقال للصُّلِحَ هو السِّلْمُ، والسَّلْمُ، والسَّلَمُ.
ومعنى (لَا تَهِنُوا) لا تَضْعُفوا. يقال: وَهَنَ يَهِن، إِذَا ضَعُفَ، فمنع اللَّه المُسْلِمينَ أن يَدْعوا الكافرين إِلىَ الصُّلْحِ وأمرَهًمْ بِحَرْبِهِمْ حتى يُسْلِمُوا.
* * *
وقوله : (وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ).
تأويله. أَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ فى الحجةِ ومَعَكًمً النبيُ ﷺ وَمَا أتَى به من الآياتِ التي تدل على نبُوته، (وَاللَّهُ مَعَكمْ) أي نَاصِرُكُمْ.
وقوله (وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ).
أي لن ينْقِصكُمْ شيئاً مِن ثَوَابِكًمْ.
* * *
وقوله: (إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ (٣٦)
وقد عرفهم أنَّ أجورهم الجنةُ.
وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ (٣٦) إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ (٣٧)
стр. 1815
أي إِن يجهدكُمْ بالمسألة (تَبْخَلُوا وَيُخْرِج أضْغَانَكُمْ).
ونخْرِج أضْغَانُكُمْ، وقد قرئ بهما جميعاً.
* * *
وقوله: (وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (٣٨)
جاء في التفسير: إن تَوَلَّى العِبَادُ استَبْدَلَ اللَّه بِهِمُ المَلَائِكَة.
وجاء أيضاً: إن تَوَلَّى أهل مكَةَ استبدل الله بهم أهل المدينة.
وجاء أيضاً - يَستَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكمْ مِن أهل فَارِسَ.
فأما ما جاء أنه يستبدل بهم الملائكة، فهو في اللغةِ عَلَى مَا أَتَوَهَّم فيه بُعْدٌ لأنه لا يقال للملائكة قومٌ، إِنما يقال قوم لِلآدَمِيينَ.
والمعنى - واللَّه أعلم - وَإِنْ تَتَوَلًوْا يستَبْدِل قَوماً أطْوَعَ مِنكم، كما قال (عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ).
إِلى آخر القصة.
فلم يتولَّ جَميعَ النَّاسِ - واللَّه أعلم.
стр. 1816
سُورَةُ الفتح
(مَدنيةٌ) كلها بِإِجْمَاعٍ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله : (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١)
جاء في التفسير أنه فتحُ الحُديبية، وَكان هذا الفتح عَن غَير قتالٍ قيل
إنه كان عن تراضٍ بين القوم.
والحُدَيْبيَةُ بئرٌ فسمي المكان باسم البئر.
والفتح إنما هُوَ الطفَرُ بالمكان والمدينةِ والقَرْيَةِ، كان بحرب أو بغَيْر حُرْبٍ، أو
كان دخول عَنْوَةٍ أو صُلْح، فَهوَ فتحٌ لأن الموضع إِنما يكون مُنْغَلِقاً فإذا صار
في اليَدِ فَهُوَ فتحُ.
ومعنى (فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا) - وَاللَّهُ أعلَمُ - هو الهداية إلى الِإسْلاَمِ.
وجاء في التفسير: قضينا لكَ قضاء مُبِينًا أي حكمنا لك بإظهار دين الِإسلام
والنصرة على عدوك.
وأكثَر ما جاء في التفسير أنه فتح الحُدَيْبِيةِ، وكان في فتح الحديبية آية
عظيمة من آيات النبي ﷺ ، وذلك أنها بئر فاسْتُقِيَ جميعُ ما فيها من الماء حتى نَزَحَت ولم يبق فيها ماء، فتمضمض رسول اللَّه ﷺ ثم مَجَّهُ فيها فدرت البئر بالماء حتى شَرِبَ جميع من كان مع النبي ﷺ .
وليس يخرج هذا من معنى فتحنا لك فتحاً مبيناً أنه يُعْنَى به الهداية إلى الِإسْلاَم، ودليل
стр. 1817
ذلك قوله (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢)
فالمعنى فتحنا لك فتحاً في الدين لتَهْتَدِيَ بِهِ أنت والمُسْلِمونَ.
* * *
ومعنى (وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا (٣)
نَصْراً نَصْراً ذا عِزٍّ لا يقع معه ذُلٌّ.
ثم أعلم عن أسباب فتح الدين على نبيه ﵇ فقال:
* * *
(هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٤)
أي أسْكَنَ قُلوبَهم التعظيم للهِ ولرسوله، والوقار.
* * *
وقوله : (وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا).
تأويله - واللَّه أعلم - أن جميع ما خلق الله في السَّمَاوَات والأرض جنود
له، لأن ذلك كله يدل على أنه واحد وأنه لا يَقْدِرُ أحدٌ أنْ يأتِيَ بمثل شيء
واحد مما خلق اللَّه في السَّمَاوَاتِ والْأَرْضِ.
ومن الدليل أيضاً على أن معنى قوله: (إِنَّا فتحنا لك) أي إنَّا أرشدناك
إلى الإِسلام وفتحنا لك أمر الدينِ
قوله : (وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٦)
كانوا يظنون أن لن يَعودَ الرسول والمؤمِنونَ إلى أهْليهم أبداً وَزينَ ذلك
في قلوبِهِمْ، فجعل الله دائرة السَّوْءِ عَليْهم.
ومن قرأ " ظَنَّ السُّوءِ " فهو كما ترى أيْضاً.
قال أبو إسحاق: وَلاَ أعْلَمُ أحداً قَرأ بِهَا، وقد قيل أيضاً إنه قرِئ بِهِ.
وزعم الخليل وسيبويه أن معنى السوء هِهنا الفساد.
والمعنى: الظانين باللَّهِ ظَنَّ الفَسَادِ، وهو ما ظَنُّوا أن الرسول ﵇ ومن معه لا يَرْجِعونَ.
стр. 1818
قال اللَّه تعالى: (عَلَيْهِمْ دَائِرَة السَّوْءِ) أي الفساد والهلاك يقع بهم
(وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا).
* * *
(وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (٧)
تفسيره مثل الأول.
(وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا) عَالِياً حَكيماً فِيما دَبَّرَهُ.
* * *
وقوله : (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٨)
أي شاهداً على أمتِك يوم القيامة.
وهذه حال مُقَدَّرَة أي مبشَراً بالجنة من عمل خَيْراً ومنْذِراً مَنْ عَمِل
شرَّا بالنَّارِ.
* * *
(لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٩)
الخطاب للنبي ﷺ وخطاب للنَاس وَلأمَّتِه.
والمعنى يَدُل على ذلك.
ويجوز (لِيُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ). وقَدْ قرِئ بهمَا جميعاً.
وجائز أن يكون (لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) خِطَاباً للمومِنينَ وللنَّبي جَميعاً.
لأن النبي ﷺ قد آمن بالله وبآياته
وكتُبه ورسلِه.
وقوله (شاهداً) حال مقدرة، أي يكون يوم القِيَامَةِ، والبشارة والِإنذار
حال يكون النبي ﷺ ملابساً لها في الدنيا لمن شاهده فيها من أمَّتِه، وحال مُقدرة لمن يأتي بعده من أمَّتِه إلى يوم القيامَةِ مِمنْ لم يشاهده.
يَعْنِي بقوله مُقدَّرة أن الحال عنده في وقت الِإخإر عَلَى ضَرَبَيْن.
حال ملَابسة يَكونُ المُخْبِر ملَابِساً لها في حين إِخْبارِه.
وَحَالٌ مُقَدَّرَةٌ لأن تلابَسَ فى ثانٍ مِنَ الزَمَانِ.
وقوله : (وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ).
معنى (تُعَزِّرُوهُ) تنصروه، يقال: عَزَّرْته أُعَزِّرهُ، أي نصرته مَرةً بعْدُ مرةٍ.
وجاء في التفسير لتنصروه بالسيْفِ ويجوز وَلِتَعْزروه، يقال: عَزَرْتُه أعْزرُه عَزْراً، وعَزَّرْته أُعَزِّرهُ عَزْراً وتعْزِيراً. ونصرة النبي ﷺ هي نُصْرَة الله .
(وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا).
стр. 1819
فهذه الهاءُ تَرْجِع عَلَى اللَّهِ .
ومعنى يُسبحون اللَّه، أي يُصلُّون له. والتسبِيح في اللًغَةِ تعظِيم الله وتنزيهه عن السوءِ.
* * *
وقوله: (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١٠)
أي أخذكَ عَلَيْهم البَيْعَةَ عَقْدٌ لِلَّهِ عَلَيْهم.
ومعنى (يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ)
يحتمل ثلاثة أوجُهٍ:
منها وَجْهَانِ جاءا في التفسير، أحدُهما يَدُ اللَّه في الوَفَاء فَوْقَ أيْدِيهم.
وجاء أيْضاً يد اللَّه في الثواب فوق أيْدِيهم.
والتفسير - واللَّه أعلم - يد الله في المِنَّةِ عَلَيْهِمْ في الهِدَايَةِ فوق أيْدِيهِمْ في الطاعة.
وقوله: (فَمَنْ نَكَثَ فَإنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ).
والنكث في اللغةِ نقضُ مَا تَعْقِده، وما تُصْلِحه.
وجاء في التفسير: ثلاثة أشياء تَرجِعُ عَلى أهلِهَا.
أحدُهَا النكث. والبغي والمكر.
قال اللَّه (إِنَّما بَغْيُكُم عَلَى أنْفُسِكم).
والمكْرُ قال اللَّه : (وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ)
وقوله: (فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا).
(فَسَنُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا)
ويقرأ (فَسَيُؤتيه أجْراً عظيماً).
ويقرأ عَلَيْهِ اللَّه، وعَلَيهُ اللَّهَ.
وقد فسرنا مثل هذا فيما سلف.
* * *
(سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١١)
(فَاسْتَغْفِرْ لَنَا) بإظهار الراء عند اللَامِ، وقد رُوِيت عَنْ أبِي عَمْروٍ فاستغفِلَّنَا بالإدغام، وكذلك في قوله يَغْفِلَّكًمْ.
ولا يُجيزُ سيبويه والخليل إدغام الراء في اللام.
ولا يحكون هذه اللغة عن أحدٍ من العرب -، ويذكرون أن إدغام الراء
стр. 1820
في اللام غير جائز لأن الراء عندهم حرفٌ مَكرر، فإذا أدغم في اللام بطل هذا الإشباع الذي فيه.
وأعلم الله أن هؤلاء منافقون فقال:
(يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ).
وأعلم اللَّه أنهم تخلفوا عن الخروج مع النبي ﷺ بظنِهم ظن السَّوءِ، فأطلع الله نبيه على ذلك، قال اللَّه : (بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا (١٢)
أي هالكين عند اللَّهِ فاسِدين في عِلْمِه.
وقوله : (شَغلَتْنَا أمْوَالُنَا).
أي ليس لنا من يَقوم بها.
(وأهْلُونَا).
أي وشغلتنا أهلونا، ليس لنا من يخلفنا فيهم، ويجوز وأهلُنَا، ولكن
القراءة المشهورة بالواو، فمن قال وَأهلُونا فهو جمع أهل وأهلون، ومن قال
وأهلنا فهو يتضمَّن الجماعة كُلها.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥)
يعنى بقوله: (يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ) - قوله :
стр. 1821
(فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا).
فأرادُوا أن يأتوا بما ينقض هذا. فأعلم الله أنهم لا يعقلون، ولا يقدرون على ذلك فقال: (قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ).
ولو كان الكلام نهياً لقال: قل لا تَتَبِعُونا.
وقرئت: " يُرِيدُونَ أنْ يُبَدِّلُوا كَلِمَ اللَّهِ).
فالْكَلِمُ جمع كلمة، والكلام في موضع التَّكلِيم.
* * *
وقوله: (قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٦)
وقد قرئت (أو يُسْلِموا)، فالمعنى تقاتلونَهُمْ حتى يسلموا.
وإِلَّا أن يسلموا.
فإن قال قائِلٌ: قد قال رسول الله ﷺ لهم:
(لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا)
فكيف جاز أن يقول: (سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ).
فإنما قال ﷺ ذلك لأن اللَّه أعلمه أنَّهُمْ منافقون، وأعلمه مع ذلك أنهم لا يُقَاتِلُونَ معَه.
وجاء في التفسير أنه عنِيَ بقوله: (سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ) بنو
حنيفة، وأبو بكر ﵀، قاتلهم في أيام مسيلمة.
وجاءً أيضاً هوازِن.
والمعنى أن كل من ظَاهِره الِإسلام فعلى أصحاب النبي ﷺ أن يدعوهم إلى الجهاد.
والصحابة لم يطْلَعُوا في وقت الجهاد على من يُقَاتِل ومن لا يُقَاتِل.
ولا على من ينافق ومن لا ينافق، لأن الإظهار على ذلك من آيات الأنبياء
﵈.
وقد قيل: (إِلَى قَوْمٍ أوليَ بَأْسٍ شَدِيدٍ) أي، إلى فارس والروم، وذلك
في أيام أبي بكر وعمَر رحمة اللَّه عليهما وَمَنْ بَعْدَهم.
стр. 1822
(فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا).
أي إن تبْتًم وتَركْتُم النِّفَاقَ وجَاهَدْتم. يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا.
(وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا).
[وإن تولَّيتم فأقمتم على نفاقكم، وأعرضتم عن الإِيمان والجهاد كما تولَّيتم على عهد رسول الله ﷺ يعذِّبكم عذاباً أليماً] (١).
ثم أعلم بخبر من أخلص نيَّتَهُ فقال:
* * *
(لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (١٨)
أي علم أنهم مًخْلِصون.
وجاء في التفسير أن الذين بايعوا تحت الشجرة كانوا ألفاً وأرْبَعَمائة.
وقيل ألفاً وخمسمائة، وقيل ألفاً وثَلاثَمائةٍ وكانوا
بايعوا النبي ﷺ على أن لا يوَلوُّا في القتال وَلَا يَهْرَبُوا، وسُمِّيَتْ بيْعةَ الرضوانِ لقوله تعالى: (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ)
وكانت الشجرةُ سَمُرَةً.
(فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا).
قيل إنه فتح خَيْبَر.
* * *
(وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٩) وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢٠)
وهذا التكرير تكرير في الوَعْدِ، أي فعجَّلَ هذه يَعْني خَيْبَر.
(وَكَص ايْدِيَ النَّاسِ عَنْكًمْ وَلتَكًونَ آيةً للمؤمِنِينَ).
стр. 1823
أي كف أيديَ الناس عَنْكمْ لَمَّا خرجوا وخلفوا عِيَالَهمْ بالمدينة حَفِظَ اللَّه
عِيَالَهمْ وَبَيْضَتَهمْ، وَقَد همَّت اليَهودُ بِهِمْ فَمَنَعهَم اللَّه ذَلِكَ.
* * *
(وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا (٢١)
المعنى وعدكم اللَّه مغانم أخرى (قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا)، قد علمها اللَّه.
وهو مَا يَغْنَم المُسْلِموَن إِلَى أنْ لاَ يُقَاتِلَهمْ أحدٌ.
* * *
وقوله : (وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٢٢) سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (٢٣)
المعنى لو قاتلك من لم يقاتلك لَنصِرْتَ عَلَيْهم، لأن سنة الله النَصْر
لأوليائه وحِزْبه.
(سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (٢٣)
و (سُنَّةَ اللَّهِ) منصوبة على المصْدَرِ، لأن قوله (لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ) مَعناه سنَّ
اللَّهُ خِذْلَانَهُمْ سُنَّةً، وقد مر مثل هذا في قوله: (كِتَابَ اللَّهِ عَليهمْ).
وفي قوله: (صُنْعَ اللَّهِ)، ولو قرئت " سُنَّةُ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ " لكان
جيِّداً في العربيةِ.
المعنى تلك سنة اللَّه التي قد خَلَتْ مِنْ قَبْلُ، ولكن لا أعلم
أحداً قرأ بها فلا تقرأنَّ بها.
* * *
(وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٢٤)
(مَكَة) لا تَنْصَرِفُ لأنَّها مؤنثَةٌ وهي مَعْرِفَة.
وقوله: (مِنْ بَعْدِ أن أظْفَرَكمْ عَلَيْهِمْ).
جاء في التًفْسِيرِ أن رسول الله ﷺ أُتِيَ باثنتيْ عشر رَجُلًا أُخِذوا بلا عهد
стр. 1824
ولا عقد فخلاهم النبي ﷺ ومَنَّ عَلَيْهمْ، وكان عاقبة ذلك أن سلِمَ للرجل مَنْ بَينَهُ وبينه قَرابةٌ وَمَن هُوَ مؤمِن أن يُصَابَ
قال الله : (وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٢٥)
وموضع " أن " رفع بدل مِنْ (رِجَالٌ)، المعنى لولا أنْ تطأوا رجالاً مُؤْمِنينَ
ونساءً مؤمِنَاتٍ.
ثم قال: (لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا).
أي لو تَميَّزَ الكافِرُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ لأنزلنا بالكافرين ما يكون عَذَاباً لَهُمْ
فى الدنيَا.
وَمَعْنَى: (فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ).
قيل: لولا أن يقتلوا منهم قوماً مؤمنين خطأً فَتَلزَمُكُم الديَاتُ
والمعنى - واللَّه أعلم - لولا كراهة أنْ يَلحقكُمْ عَنتٌ بأن قتلتم من هو على دينكم إذ أنتم مختلِطُونَ بهم لعَذَبنا الذين كفروا مِنهُمْ عذاباً أليماً.
* * *
وقوله: (هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ).
(الهَدْيَ) مَنْصُوبٌ سبق على الكاف والميم، المعنى وصَدُوا الهَدْيَ.
و (مَعكوفاً) مَحْبُوساً أنْ يبْلُغَ مَحِلًهُ.
(وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ) كما وَصَفْنَا لنَصَرْنَاكُمُ عَلَيْهم، ولكن الذي مَنَع عن
ذلك كراهةُ وَطْءِ المؤمنين بالمكرُوه والقَتْلِ.
وموضع (أَنْ يبلُغَ مَحِلَّه) منصوب عَلَى مَعْنى وصدوا الهَدْيَ محبوساً عن أنْ يبلُغَ مَحِلَّهُ.
* * *
وقوله (فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٢٦)
أَنْزَلَ اللَّه عَلَيْهِم الوقار والهيبة.
(وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى).
стр. 1825
جا في التفسير أن شعارَهم لا إله إِلا الله، وكلمة التقوَى توْحِيد اللهِ
والإِيمان برسوله ﵇.
(وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا).
أي كانوا أحق بها من غيرهم، لأنَّ اللَّهَ - جلَّ وعزَّ - اختارَ لنبيه ﷺ ولدينه أهلَ الخَيْرِ ومُسْتَحِقيه، ومن هو أولى بالهِدَايَة مِنْ غيره.
* * *
وقوله: (لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا (٢٧)
رأى رسول اللَّه ﷺ في منامه كأنَّهُ وأصْحابَهُ ﵏ يدخلون مكَة محلِّقِين ومُقَصِّرِين، فَصَدَق اللَّهُ رسوله الرؤيا فدخلوا على ما رأى.
وكانوا قد استبطأوا الدخُولَ.
ومعنى (إنْ شَاءَ اللَّهُ) يخرج على وَجْهَيْن:
أحدهما إِن أمركم اللهُ به.
ويجوز وهو حسن أن يكون " إن شَاءَ اللَّهُ " - جرى على ما أمر الله به في
كل ما يُفعَلُ مُتَوَقعاً، فقال: (وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ).
* * *
وقوله : (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا
(٢٩)
وَصَفَهُم اللَهُ بِأن بعضَهُمْ مَتَحَنِّنٌ على بَعْضِ، وأن عَليْهمِ السكينةَ
والوقَارَ، وبعضهم يخلص المودةَ لبَعْضٍ، وهم أشِداءُ عَلَى الكُفَارِ.
أشداء جمع شديدٍ، والأصل أشدِدَاء، نحو نصيب وأنْصِبَاء، ولكن الدالَيْنِ تَحَركَتَا فأدْغِمتِ الأولى في الثانية، ومثل هذا قوله: (مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ).