(فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا).
فأرادُوا أن يأتوا بما ينقض هذا. فأعلم الله أنهم لا يعقلون، ولا يقدرون على ذلك فقال: (قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ).
ولو كان الكلام نهياً لقال: قل لا تَتَبِعُونا.
وقرئت: " يُرِيدُونَ أنْ يُبَدِّلُوا كَلِمَ اللَّهِ).
فالْكَلِمُ جمع كلمة، والكلام في موضع التَّكلِيم.
* * *
وقوله: (قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٦)
وقد قرئت (أو يُسْلِموا)، فالمعنى تقاتلونَهُمْ حتى يسلموا.
وإِلَّا أن يسلموا.
فإن قال قائِلٌ: قد قال رسول الله ﷺ لهم:
(لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا)
فكيف جاز أن يقول: (سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ).
فإنما قال ﷺ ذلك لأن اللَّه أعلمه أنَّهُمْ منافقون، وأعلمه مع ذلك أنهم لا يُقَاتِلُونَ معَه.
وجاء في التفسير أنه عنِيَ بقوله: (سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ) بنو
حنيفة، وأبو بكر ﵀، قاتلهم في أيام مسيلمة.
وجاءً أيضاً هوازِن.
والمعنى أن كل من ظَاهِره الِإسلام فعلى أصحاب النبي ﷺ أن يدعوهم إلى الجهاد.
والصحابة لم يطْلَعُوا في وقت الجهاد على من يُقَاتِل ومن لا يُقَاتِل.
ولا على من ينافق ومن لا ينافق، لأن الإظهار على ذلك من آيات الأنبياء
﵈.
وقد قيل: (إِلَى قَوْمٍ أوليَ بَأْسٍ شَدِيدٍ) أي، إلى فارس والروم، وذلك
في أيام أبي بكر وعمَر رحمة اللَّه عليهما وَمَنْ بَعْدَهم.
стр. 1822
(فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا).
أي إن تبْتًم وتَركْتُم النِّفَاقَ وجَاهَدْتم. يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا.
(وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا).
[وإن تولَّيتم فأقمتم على نفاقكم، وأعرضتم عن الإِيمان والجهاد كما تولَّيتم على عهد رسول الله ﷺ يعذِّبكم عذاباً أليماً] (١).
ثم أعلم بخبر من أخلص نيَّتَهُ فقال:
* * *
(لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (١٨)
أي علم أنهم مًخْلِصون.
وجاء في التفسير أن الذين بايعوا تحت الشجرة كانوا ألفاً وأرْبَعَمائة.
وقيل ألفاً وخمسمائة، وقيل ألفاً وثَلاثَمائةٍ وكانوا
بايعوا النبي ﷺ على أن لا يوَلوُّا في القتال وَلَا يَهْرَبُوا، وسُمِّيَتْ بيْعةَ الرضوانِ لقوله تعالى: (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ)
وكانت الشجرةُ سَمُرَةً.
(فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا).
قيل إنه فتح خَيْبَر.
* * *
(وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٩) وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢٠)
وهذا التكرير تكرير في الوَعْدِ، أي فعجَّلَ هذه يَعْني خَيْبَر.
(وَكَص ايْدِيَ النَّاسِ عَنْكًمْ وَلتَكًونَ آيةً للمؤمِنِينَ).
стр. 1823
أي كف أيديَ الناس عَنْكمْ لَمَّا خرجوا وخلفوا عِيَالَهمْ بالمدينة حَفِظَ اللَّه
عِيَالَهمْ وَبَيْضَتَهمْ، وَقَد همَّت اليَهودُ بِهِمْ فَمَنَعهَم اللَّه ذَلِكَ.
* * *
(وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا (٢١)
المعنى وعدكم اللَّه مغانم أخرى (قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا)، قد علمها اللَّه.
وهو مَا يَغْنَم المُسْلِموَن إِلَى أنْ لاَ يُقَاتِلَهمْ أحدٌ.
* * *
وقوله : (وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٢٢) سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (٢٣)
المعنى لو قاتلك من لم يقاتلك لَنصِرْتَ عَلَيْهم، لأن سنة الله النَصْر
لأوليائه وحِزْبه.
(سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (٢٣)
و (سُنَّةَ اللَّهِ) منصوبة على المصْدَرِ، لأن قوله (لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ) مَعناه سنَّ
اللَّهُ خِذْلَانَهُمْ سُنَّةً، وقد مر مثل هذا في قوله: (كِتَابَ اللَّهِ عَليهمْ).
وفي قوله: (صُنْعَ اللَّهِ)، ولو قرئت " سُنَّةُ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ " لكان
جيِّداً في العربيةِ.
المعنى تلك سنة اللَّه التي قد خَلَتْ مِنْ قَبْلُ، ولكن لا أعلم
أحداً قرأ بها فلا تقرأنَّ بها.
* * *
(وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٢٤)
(مَكَة) لا تَنْصَرِفُ لأنَّها مؤنثَةٌ وهي مَعْرِفَة.
وقوله: (مِنْ بَعْدِ أن أظْفَرَكمْ عَلَيْهِمْ).
جاء في التًفْسِيرِ أن رسول الله ﷺ أُتِيَ باثنتيْ عشر رَجُلًا أُخِذوا بلا عهد
стр. 1824
ولا عقد فخلاهم النبي ﷺ ومَنَّ عَلَيْهمْ، وكان عاقبة ذلك أن سلِمَ للرجل مَنْ بَينَهُ وبينه قَرابةٌ وَمَن هُوَ مؤمِن أن يُصَابَ
قال الله : (وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٢٥)
وموضع " أن " رفع بدل مِنْ (رِجَالٌ)، المعنى لولا أنْ تطأوا رجالاً مُؤْمِنينَ
ونساءً مؤمِنَاتٍ.
ثم قال: (لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا).
أي لو تَميَّزَ الكافِرُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ لأنزلنا بالكافرين ما يكون عَذَاباً لَهُمْ
فى الدنيَا.
وَمَعْنَى: (فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ).
قيل: لولا أن يقتلوا منهم قوماً مؤمنين خطأً فَتَلزَمُكُم الديَاتُ
والمعنى - واللَّه أعلم - لولا كراهة أنْ يَلحقكُمْ عَنتٌ بأن قتلتم من هو على دينكم إذ أنتم مختلِطُونَ بهم لعَذَبنا الذين كفروا مِنهُمْ عذاباً أليماً.
* * *
وقوله: (هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ).
(الهَدْيَ) مَنْصُوبٌ سبق على الكاف والميم، المعنى وصَدُوا الهَدْيَ.
و (مَعكوفاً) مَحْبُوساً أنْ يبْلُغَ مَحِلًهُ.
(وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ) كما وَصَفْنَا لنَصَرْنَاكُمُ عَلَيْهم، ولكن الذي مَنَع عن
ذلك كراهةُ وَطْءِ المؤمنين بالمكرُوه والقَتْلِ.
وموضع (أَنْ يبلُغَ مَحِلَّه) منصوب عَلَى مَعْنى وصدوا الهَدْيَ محبوساً عن أنْ يبلُغَ مَحِلَّهُ.
* * *
وقوله (فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٢٦)
أَنْزَلَ اللَّه عَلَيْهِم الوقار والهيبة.
(وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى).
стр. 1825
جا في التفسير أن شعارَهم لا إله إِلا الله، وكلمة التقوَى توْحِيد اللهِ
والإِيمان برسوله ﵇.
(وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا).
أي كانوا أحق بها من غيرهم، لأنَّ اللَّهَ - جلَّ وعزَّ - اختارَ لنبيه ﷺ ولدينه أهلَ الخَيْرِ ومُسْتَحِقيه، ومن هو أولى بالهِدَايَة مِنْ غيره.
* * *
وقوله: (لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا (٢٧)
رأى رسول اللَّه ﷺ في منامه كأنَّهُ وأصْحابَهُ ﵏ يدخلون مكَة محلِّقِين ومُقَصِّرِين، فَصَدَق اللَّهُ رسوله الرؤيا فدخلوا على ما رأى.
وكانوا قد استبطأوا الدخُولَ.
ومعنى (إنْ شَاءَ اللَّهُ) يخرج على وَجْهَيْن:
أحدهما إِن أمركم اللهُ به.
ويجوز وهو حسن أن يكون " إن شَاءَ اللَّهُ " - جرى على ما أمر الله به في
كل ما يُفعَلُ مُتَوَقعاً، فقال: (وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ).
* * *
وقوله : (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا
(٢٩)
وَصَفَهُم اللَهُ بِأن بعضَهُمْ مَتَحَنِّنٌ على بَعْضِ، وأن عَليْهمِ السكينةَ
والوقَارَ، وبعضهم يخلص المودةَ لبَعْضٍ، وهم أشِداءُ عَلَى الكُفَارِ.
أشداء جمع شديدٍ، والأصل أشدِدَاء، نحو نصيب وأنْصِبَاء، ولكن الدالَيْنِ تَحَركَتَا فأدْغِمتِ الأولى في الثانية، ومثل هذا قوله: (مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ).
стр. 1826
وقوله: (سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ).
أي في وجوههم عَلَامَة السجودِ، وهي علامة الخاشِعين لِلَّهِ المصَلِّين.
وقيل يبعثون يَوْمَ القِيَامَةِ غرًّا مُحجَّلينَ من أثر الطُهُورِ، وهذا يجعله اللَّه لَهُمْ يَوْمَ القيامَةِ عَلامَة وهي السيماء يُبَين بها فَضْلَهمْ عَلَى غَيْرِهِمْ.
وقوله: (ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ).
أي ذلك صفة محمد ﷺ وأصحابه في التَورَاةَ، ثم أعلم أنَّ صفَتَهم في الِإنجيل أيضاً.
(كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ).
معنى (أَخْرَجَ شَطْأَهُ) أخرج نباته
(فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ)، أي فَآزَرَ الصغارُ الكبارَ حتى استوى بعضه مع بعْض
(عَلَى سُوقِهِ) جمع ساقِ.
وقوله: (يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ).
(الزُّرَّاعَ) محمد ﵇ والدُّعاة إلى الِإسْلاَمِ وهم أصحَابًه.
وقوله: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا).
(مِنْهم) فيه قولان:
أن تكون " مِنهم " ههنا تخليصاً للجنس من غيرِه كما
تقول: أنفقْ نَفَقَتَك منَ الدراهِمِ لَا مِنَ الدنَانِيرِ.
المعنى اجعل نفقتك من هذا الجنس، وكما قال: (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ)، لا يريد أن بعضها - رجس وبعضها غير رِجْسٍ.
ولكن المعنى اجتنبوا الرجس الذِي هُوَ الأوثانُ.
стр. 1827
فالمعنى وعد اللَّه الذين آمنوا وعملوا الصالحات من أصحاب النبي ﷺ المؤمنين أجراً عظيماً وفَضَّلَهُمْ الله على غيرهم لِسَابِقتِهم وَعَظَّم أجْرَهُمْ.
والوجه الثاني أن يكون المعنى وعد الله الذين أقاموا منهم على الإيمَانِ
والعمل الصالح مَغْفِرةً وأجراً عظيماً.
стр. 1828
سُورَةُ الْحُجُرَات
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١)
وقد قرئت (لَا تَقَدَّمُوا) بفتح التاء والدال، والمعنى إذا أمِرْتم بأمْرٍ فلا
تفعلوه قبلَ الوقتِ الذي أمِرْتم أن تفعلوهُ فِيهِ.
وجاء في التفسير أن رجلاً ذبح يوم الأضْحَى قَبْلَ صَلاةِ الأضْحَى فتقدم
قبل الوقت فاعلم اللَّهُ أن ذلك غير جائز.
ففي هذا دليل أنَّهُ لَا يَجُوزُ أن يؤدى فَرْضٌ قبل وقْتِهِ وَلَا تطوعٌ قَبْلَ وَقْتِهِ مِمَّا جَاءَت به السُّنَّةُ، وفي هذا دليل أن تقديم الزكاةِ قبل وقتها لا ينبغي أن يجوز، فأما ما يروى أن النبي ﷺ استسلَفَ من العباس شيْئاً من الزكاة، فلا أعلم أن أحداً ممن أجاز تقديم الزكاة احتج إلا بهذا الحديث، وهذا إن صح فهو على ضربين:
أحدهما أن يكون مخصوصاً
والآخر أن يكونَ الحاجة اشتدت فوقع اضطرار إلى استسلاف الزكاة.
والإجماع أن إعطاءها في وقتها هو الحق، وهو الفَضلُ إنْ شَاء اللَّه.
ومن قرأ: (لَا تَقَدَّمُوا) فمعناه كمعنى (لَا تُقَدِّمُوا) (١).
* * *
وقوله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢)
стр. 1829
أمرهم اللَّه بتبجيل نبيِّه ﵇، وَأنْ يَغُضوا أصْوَاتَهُمْ
وأن يخاطبوه بالسكينة والوقار، وأن يفضلوه في المخاطبة، وذلك مما كانوا
يفعلونه في تعظيم ساداتهم وكبرائهم.
ومَعنى (كَجَهْرِ بَعْضِكُم لِبَعْضٍ) أي لا تنزلوه منزلةَ بعضكم من بعض.
فتقولوا: يا محمدِ خاطبوه بالنبوة، والسكينة والإِعظام.
وقوله: (أنْ تَحْبَط أعْمَالُكُمْ).
معناه لا تفعلوا ذلك فتحبط أعمالكم.
والمعنى لئلا تحبط أعمالكم
فالمعنى معنى اللام في أن. وهذه اللام لام الصيرورة وهي كاللام في قوله:
(فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا) والمعنى فالتقطه آل فرعَوْنَ
ليصير أمرهم إلى ذلك، لَا أنَّهمْ قصدوا أن يصير إلى ذلك. ولكنه في المقدار
فيما سبق من علم الله أن سبب الصير التقاطهم إياه، وكذلك لا ترْفَعُوا
أصواتكم فيكون ذلك سبباً لأن تحبط أعمالكم.
(وَأنْتُمْ لَا تَشْعُرونَ).
هذا إعلامٌ أن أمرَ النَبِى ﷺ ينبغي أن يُجَلَّ وُيعَظَّمَ غايَة الِإجْلَالِ.
وأنه قد يُفعل الشيءُ مما لا يَشْعَرُ به من أمر النبي ﷺ فيكون ذلك مُهلكاً لِفَاعِلِه أو لِقَائِله.
ولذلك قال بعض الفقهاء: من قال إدْ زِرَّ رسول اللَّه ﷺ وسخ يريد به - النقصَ منه وجب قتْلُه.
هذا مذهبُ مالِكٍ وأصْحَابه.
* * *
وقوله: (إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٣)
(امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ)
أخلَصَ قلُوبَهمْ.
وَ " هُمْ " يخرج على تفسير حقيقة اللغة، والمعنى
_________
стр. 1830
اختبر اللَّه قُلُوبَهم فَوَجَدَهُمْ مُخْلِصِين - كما تقول: قد امتحنت هذا الذهب
وهذه الفضة. تأويله قد اختبرْتُهُمَا بأن أذَبْتُهَمَا حتى خلصت الذهَب والْفضة
فَعَلِمْتُ حَقِيقَةَ كل واحد منهما.
* * *
وقوله: (إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٤)
يقرأ بضم الحاء والجيم، والحُجَرَاتَ بِفَتْح الجيم، ويجوز في اللغة
الحُجْرات. بتسكين الجيم - ولا أعلم أحَداً قَرأ بالتَسْكِينِ وَقَدْ فَسًرْنَا هذا
الجمع فيما تقدم من الكتاب.
وواحد الحجرات حُجْرَةٌ. ويجوز أن تكون الحُجراتُ جمع حُجَرٍ
وحُجرات، والأجود أن تكون الحُجُرَات جمع حُجرة، وأن الفتح جاز بدلاً من الصفةِ لثقل الضمَتَيْن.
وهؤلاء قوم جاءوا إلى النبي ﷺ من بني تميم فَنَادَوْه من وراء الحجرات.
ولهم في التفسير حديث فيه طول، وجملته أنهم جاءوا يفاخرون
النبي وأنَّهمْ لم يلقَوْه بما يجب له ﵇.
* * *
قال: (وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)
أي - من تاب بعد هذا الفِعْل فاللَّه غفور رحيم.
* * *
وقوله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (٦)
ويقرأ فتثَبَّتُوا أَنْ تُصِيبُوا.
(قَوْماً بجَهَالةٍ).
جاء في التفسير أنها نزلت بسبب الوليد بن عقبة.
وكان رسول الله ﷺ بَعَثَهُ ساعِياً يجْبي صدقات بني المصطلق، وكان بينه وبينهم أحْنَة أي عداوة،
стр. 1831
فلما اتصَلَ بهم خَبَرُه وقد خرج نحوهم قال بعضهم لبعْضٍ: قد علمتم ما بيننا
وبين هذا الرجل، فامْنعوه صَدَقَاتِكًمْ، فاتصل به ذلك فرجع إلى النبي ﷺ فأخبره أنهم مَنَعوه الصدقة وأنهم ارْتدُّوا، وأعَدُّوا السِّلَاحَ للحَرْبِ، فوجه رسول اللَّه ﷺ بخالد بن الوليد ومعه جيش، وتقدم إِليْه أن ينزل بعقوتهم ليلاً، فإن
رأى ما يدل على إقامتهم على الإسلام من الأذان والصلاة والتَّهجد أمسك عن محاربتهم، وطالبهم بصَدَقَاتِهِمْ فلما صار خَالِدٌ إليهم ليلاً سَمِعَ النداء
بِالصلَاة، ورآهم يُصَلُّونَ ويتهجَّدونَ، وقالوا له: قد استبطأنا رسالة رسول
اللَّه ﷺ في الصدَقَاتِ، وسلموها إليه، فأنزل اللَّه (إِنْ جَاءَكًمْ فَاسِق بِنَبَأٍ) أي بخَبرٍ (فَتَبَينوا أنْ تصِيبًوا قَوْمَاً بِجَهَالَةٍ)
أي كراهة أن تصِيبوا قوماً بِجَهَالَةٍ
وهذا دليل أنه لا يجوز أن يقبل خبر من فاسق [إلا أن] (١) يتَبَيَّن وأَنَ الثقة يجوز قبول خبرِه.
والثقةً من لم تجرب عليه شهادَةً زورٍ وَلَا يُعْرَف بفِسْقٍ وَلَا جُلِدَ في حَدٍّ، وهو مع ذلك صحيح التمييز.
* * *
وقوله : (وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧)
أي لو أطاع مثل هذا المخبر الذي أخبره بما لا أصل له لوقعتم في
عَنَتٍ، والعَنَتُ الفساد والهَلاَكُ.
(وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ). .
هذا يعنى به المؤمنون المخلصون.
(وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ).
ويحتمل (فِي قُلُوبِكُمْ) وجهين:
أحدهما أنه دلهم عليه بالحجج القاطعة البينة، والآيات التي أتى بها النبي ﷺ المعجزةِ.
والثاني أنه زَيَّنَهُ في قلوبهم بتوفيقه إياهم.
стр. 1832
(وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ).
وذلك أيضاً تبْيينه ما عليهم في الكفر وتوفيقه إياهم إن اجْتَنَبوه.
وقوله: (أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ).
أي هؤلاء الذين وفقهم اللَّه بتحبيب الِإيمان إليهم وتكريه
الكفر أولئك هم الراشدون.
* * *
(فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٨)
منصوب مفعول له - المعنى فعل الله ذلك بكم فضلاً من اللَّه ونعمةً أي
للفضل والنعْمةِ، ولو كان في غير القرآن لجاز (فَضْلٌ من اللَّه ونعمةٌ).
المعنى ذلك فضل من الله ونعمة.
* * *
وقوله : (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩)
والباغية التي تعدل عن الحق وما عليه أئمة المسْلِمين وَجَمَاعَتُهُمْ.
(حَتَى تَفِيءَ إِلى أمْرِ اللَّهِ).
حتى ترجع إلى أمر اللَّه.
(فَإِنْ فَاءَت): فإن رَجَدَتْ.
(فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا).
أي وأعْدِلُوا.
(إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)
وهذه - قيل - نزلتْ بسبب جَمْعَيْن من الأنْصَارِ كان بينهم قِتَال ولم يكن
ذلك بسيوف ولا أسْلحة، جاء في التفسير أنه كان بينهم قِتال بالأيدي والنَعَال وَتَرَامٍ بِالحِجَارةِ.
стр. 1833
(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ
(١٠)
ويقرأ بين إخْوَانكم، وبين إخْوَاتِكُمْ وبين إخْوَتكم.
فأعلم اللَّه أن الذينَ يجمعهم وأنهم إِخوَة إذا كانوا متفقين في دينهم فرجعوا في الاتفاق في الدين إلى أصل النسَبِ، لأنهم لآدَم وحَواء، ولو اختلفت أدْيَانُهم لافترقوا في النسَبِ، وإن كان في الأصل أنهم لأب وأم.
ألَا ترى أنه لا يرث الولدُ المؤمن الأب الكافِرَ ولا الحمِيمُ المؤمِنُ نسيبه الكافِر.
* * *
وقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١)
عسى أن يكون المسخور منه خيراً من الساخرين، وكذلك عسى أن
يكون النساء المسخور منهن خيراً من النساء الساخرات، فنهى اللَّه
أن يسخر المؤمنون من المؤمنين، والمؤمنات من المؤمنات.
(وَلَا تَلْمِزُوا أنْفُسَكُمْ).
واللمز والهمز العيب والعض من الِإنسان. فأعلمَ اللَّهُ أن عيب بعضهم
بعضاً لازم لهم، يلزَمُ العائِبَ عيبُ المعيب.
(وَلَا تَنَابَزُوا بِالْألْقَابِ) والنبز واللقب في معنىً وَاحِدٍ، لا يقول المسلم
لمن كان يَهودياً أو نصرانياً فأسلم لقباً يعيره فيه بأنه كان نصرانياً أو يهودياً.
(بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ)، أي بئس الاسم أن يقول له: يا
يهودي ويا نصراني وقد آمن، ويحتمل أن يكون في كل لقبٍ يكرهه الِإنسان، لأنه إنما يجب أن يخاطب المؤمن أخاه بأحب الأسماء إليه.
* * *
وقوله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (١٢)
أمر اللَّه باجتناب كثير مِنَ الظن، وهو أن تظن بأهل الخير سوءاً
стр. 1834
إذا كنا نعلم أن الذي ظهر منه خير، فأمَّا أهل السوء والفسق فلنا أن نظن بهم مِثْلَ الذي ظهر منهم.
وقوله: (ولا يَغْتَبْ بَعْضُكُم بَعْضاً)، والغيبة أن يُذْكَرَ الإنسان من خلفه
بسوء وإن كان فيه السوء
وأما ذكره بما ليس فيه فذلِكَ البهْتُ والبُهْتَانُ - كذلك
جاء عن النبي ﷺ .
* * *
وقوله : (أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا).
ويجوز (مَيِّتاً) وتأويله أن ذكرك بِسوءٍ من لم يَحْضر لك بمنزلة أكل لحمه
وهو مَيِّت لَا يُحِسُّ هُوَ بذلك، وكذلك تقول للمغتاب فلان يأكل لحوم الناس.
* * *
وقوله : (فَكَرِهْتُمُوهُ).
ويُقرأ " فَكُرِّهْتُمُوهُ " - فتأويله كما تكرهون أكل لحمه مَيتاً كذلك تجنبوا
ذكره بالسوء غائباً.
* * *
وقوله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)
خلقناكم من آدم وحواء، وكلكم بنو أبٍ وَاحِدٍ وَأُمٍّ وَاحِدَة إِلَيْهما
تَرْجِعُونَ.
(وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا).
والشعب أعظم من القبيلة.
أي لم يجعلكم شعوباً وقبائل لتفاخروا وإنما جعلناكم كذلك لتتعارَفُوا، ثم أعلمهم اللَّه أن أرفعهم عِنْدَهُ مَنْزِلَةً
أتْقَاهُمْ فقال:
(إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ).
ولو قرئتِ " أَنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ "
جاز ذلك على معنى وجَعَلْناكم
стр. 1835
شعوباً ليعرف بعضكم بعضاً أنَّ أكرمكم عند اللَّه أتقاكم (١).
* * *
وقوله (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤)
وهذا موضع يحتاج الناس إلى تفهمه، وأين ينفصل المؤمن من
المسلم. وأين يستويان.
والِإسلام إظهار الخضوع والقبول لما أتى به النبي ﷺ ، وبذلك يحقن الدَّمُ.
فإن كان مع ذلك الِإظهار اعتقاد وتصديق بالقلب فذلك الِإيمان الذي مَنْ
هُوَ صفته فهو مؤمن مُسْلِم، وهو المؤمن باللَّه ورسوله غَيْرَ مرتابٍ ولا شَاكٍّ.
وهو الذي يرى أن أداء الفرائض واجب عليه، وأن الجهاد بنفسه وماله واجب عليه لا يدخلُه في ذلكَ رَيبٌ، فهو المؤمِنَ وهو المُسْلِمُ حقاً، كما قال
: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥).
أي إذا قالوا إنا مؤمنون فهم الصادقون، فأما من أظهر قبول الشريعة
واستسلم لدفع المكروه فهو في الظاهر مسلم، وباطنه غير مُصَدق، فذلك
الذي يقول أسلمتُ لأن الِإيمانَ لا بد من أن يكون صاحبه صديقاً، لأنَّ قولك
آمَنْتُ بكذا وكذا معناه صدقت به، فأخرج اللَّه هؤلاء من الِإيمان فقال: (وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ).
أي لم تصدقوا إنما أسلمتم تعوذاً من القتل، فالمؤمن مُبْطِنٌ من
التصديق مثل ما يظهر، والمسلم التام الِإسلام وهو مظهر الطاعة مع ذلك
مؤمن بها، والمسلم الذي أظهر الِإسلام تعوذاً غير مؤَمن في الحقيقة، إلا أن
حكمه في الظاهر حكم المسلمين.
стр. 1836
وقوله تعالى: (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٧)
قيل إن هذه نزلت في المنافقين. فاعلموا أنكم إنْ كنتم صادقين فإنكم
قد أسلمتم فلله المنُّ عَلَيْكمْ لِإخراجه إياكم من الضلالة إلى الهدى.
وقد قيل: إنها نزلت في غير المنافقين، في قوم من المسلمين قالوا آمنا
وهاجرنا وفعلنا وصنعنا فمنوا على رسول الله بذلك.
والأشبه - واللَّه أعلم - أن يكون في قوم من المنافقين.
وقوله (وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا).
(لَا يَألِتْكُم)
ويُقرأ (لَا يَلْتِكمْ)، فمن قرأ (يَألِتْكُم) فدليله
(وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ)
ومعناه وما نقصناهم، وكذلك (لا يَألِتْكُم) لاينقصكم.
ومن قرأ (لَا يَلِتْكمْ) فهو من لات يليت، يقال: لَاتَه يَلِيتُهُ. وَألَاتَهُ يُليتُه إذا نقصه أيضاً، والمعنى فيهما واحد. أعني (يَألِتْكُم) و (يَلِتْكمْ).
والقراءة (لَاَ يَلِتْكمْ) أكثر، والأخرى أعني (يَألِتْكُم) جيدة بالغة، ودليلها في القرآن على ما وصفنا.
стр. 1837
سُورَةُ (ق)
خمس وأربعون آية "
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله (ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١)
أكثر أهل اللغة وما جاء في التفسير أن مجاز (ق) مجاز الحروف التي
تكون في أوائل السوَر نحو (ن)، و (الم)، و (ص) وقد فسرنا ذلك
ويجوز أن يكون معنى (قَافْ) معنى قضي الأمر، كَمَا قِيلَ (حم) حُمَّ الأمْرُ.
واحتج الذين قالوا من أهل اللغة أن معنى (ق) بمعنى قضي الأمر بقول
الشاعر:
قلنا لها قفي قالت قاف. . . لا تحسبي أنا نسينا الإيجاف
معناه فقالت أقف
ومذهب الناس أن قاف ابتداء للسورة على ما وصفنا، وقد جاء في
بعض التفسير أن قاف جبل محيط بالدنيا من ياقوتة خضراء وأن السماء بيضاء
وإنما اخْضَرت مِنْ خُضْرَتِه، واللَّه أعلم
وجواب القسم في (ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ) مَحْذُوف، يدل عليه (أإذا مِتْنَا
وكُنَّا تراباً).
المعنى واللَّهِ أعلم: والقرآن المجيد إنكم لمبعوثون.
فعجبوا فقالوا (أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا).
стр. 1838
أي أنبعث إذَا - مِتْنَا وكنا تُراباَ. ولو لم يكن إذا متعلق لم يكن في
الكلام فائدة.
وقوله: (ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (٣)
أي يبعد عندنا أن نبعث بَعَدَ المَوْتِ.
ويجوز أن يكون الجواب (قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأرْضُ مِنْهُمْ)، فيكون
المعنى: ق والقرآن المجيد لقد علمنا ما تنقص الأرض منهم وحذفت اللام لأن
ما قبلها عوض منها كما قال: (والشمس وضحاها) إلى قوله: (قَدْ أفْلَحَ مَنْ
زَكَاهَا)، المعنى لقد أفلح من زكاها.
والمعنى (ما تَنَقُصُ الأرْضُ مِنْهُم).
ما تأخذه الأرض من لحومهم.
* * *
وقوله : (بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (٥)
مَريج: مختلف ملتبس عليهم مرة يقولون للنبي ﷺ شاعر ومرة ساحِر ومرة مُعَلَّم.
فهذا دليل على أن أمرهم مريج ملتبس عليهم.
ثم دلهم على قدرته على بعثهم بعد الموت بعظيم خلقه الذي يدل على وحدانِيته وأنه على كل شيء قدير فقال:
(أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ
(٦)
وأن الله ممسكها بغير عَمَدٍ من أن تقع على الأرض.
(وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ).
لا صدع فيها ولا فرجة.
(وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧)
والرواسي الجبال.
(وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨)
стр. 1839
أي فعلنا ذلك لِنُبَصِّر به ونَدُلَّ على القُدرة.
ثم قال (لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ)
أي لكل عبد يرجع إلى اللَّه ويفكر في قدرته.
* * *
وقوله : (وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩)
أي وأنبتنا فيها حب الحَصِيدِ، فجمع بذلك جميع ما يقتات به من حب
الحنطة والشعير وكل ما حَصِدَ.
* * *
(وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠)
بسوقها طولها، المعنى وأنبتنا فيها هذه الأشياء.
* * *
وقوله: (رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ (١١)
ينتصب على وجهين:
أحدهما على معنى رزقناهم رزقاً لأن إنباته هذه الأشياء رزق، ويجوز أن يكون مفعولاً له، المعنى: فأنبتنا هذه الأشياء للرزق.
ثم قال: (كَذَلِكَ الخُروجُ).
أي كما خلقنا هذه الأشياء نبعثكم.
* * *
وقوله : (كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ (١٤)
أي فحقت عليه كلمة العذاب والوعيد للمكذبين للرسل، وكذلك قوله:
(فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (١٤) لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٦)
* * *
وقوله: (أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ (١٥)
هذا تقرير لأنهم اعترفوا بأن اللَّه الخَالِقُ، وأنكروا البعث؛
فقال: (أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ)، يقال: عَيِيتُ بالأمر إذا لم تعْرف وجهه.
وأعَيْيتُ إذَا تعبتُ.
стр. 1840
وقوله : (بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ).
أي بل هم في لَبْسٍ مِنَ البَعْثِ.
* * *
(وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦)
أي نَعلَمُ ما يخفي وما يكنه في نفسه.
(وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ).
والوريد عرق في باطن العنق، وهما وريدان، قال الشاعر.
كأَنْ ورِيدَاهُ رِشَاءا خُلْبِ
يعني من ليف.
* * *
وقوله : (إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧)
(المُتَلَقيَانِ) كاتباه الموكلانِ بِهِ، يَتَلقيان ما يعمله فيَثبتانه.
المعنى عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد، فدل أحَدُهما على الآخر، فحذف المدلول عليه، ومثله قَوْلُ الشاعِر.
نَحْنُ بِمَا عِنْدَنَا وأنْتَ بِمَا عِنْ. . . دَكَ رَاضٍ والرَّأْيُ مُخْتَلِفُ
أي نحن بما عندنا راضون وأنت بما عندك راض، ومثله أيضاً
رَمَانِي بِأَمْرٍ كُنْتُ مِنْهُ وَوالِدِي. . . بَريئاً ومِنْ أَجْلِ الطَّوِىِّ رَمَانِي
المعنى رماني بأمر كنت منه بريئاً، ووالدي بريئاً منه.
стр. 1841
وقوله (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)
(عَتِيدٌ) أي ثابت لازم.
* * *
وقوله: (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (١٩)
أي جاءت السكرة التي تدل الإنسانَ على أنه ميت.
(بِالْحَقِّ) أي بالمَوْتِ الذي خلق له.
وقال بعضهم: وجاءت سكرة الحق بالموت، ورويت عن أبي
بكر ﵀ والمعنى واحد، وقيل الحق ههنا اللَّه .
* * *
وقوله: (وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ (٢١)
قيل في التفسير سائقِ يسوقها إلى محشرها، وَ (شَهِيدٌ) يشهد عَلَيْها بِعَمَلِها
وقيل: وَ (شَهِيدٌ) هُوَ العَمل نفسه.
* * *
وقوله: (لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (٢٢)
وهذا مَثلٌ، المعنى كنت بمنزلة من عليه غطاء وعلى قلبه غشاوة.
(فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ).
أي فعلمك بما أنت فيه نافذٌ، ليس يراد بهذا البصر من - بَصَرِ العين -
كما تقول: فلان بصير بالنحو والفقه، تُرِيدُ عَالِمَاً بِهِمَا، ولم ترد بصر العَيْن.
* * *
- وقوله: (وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ (٢٣)
(ما) رفع بهذا و (عَتِيدٌ) صفة لـ (ما) فِيمَنْ جَعَلَ " ما " في مذهب النكرة، المعنى هذا شيء لدي عتيد.
ويجوز أن يكون رفعه على وجهين غير هذا الوجه، على
أن يُرْفَع (عَتِيدٌ) بإضْمارٍ، كأنك قلت: هذا شيءٌ لَدَيَّ هو عتيد
ويجوز أن ترفعه على أنه خبر بعد خبر، كما تقول هذا حلو حامض، فيكون المعنى هذا شيء لَدَيَّ عتيدٌ.
ويجوز أن يكون رفعه على البدل من " ما "، فيكون المعنى هذا
عتيد.
* * *
وقوله: (أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (٢٤)
أي عَنِدَ عن الحق، وقوله: (ألْقِيَا)، الوجه عندي - واللَّه أعلم - أن
يكون أمر الملكين، لأن (ألْقِيَا) للاثنين،، وقال بعض النحويين: إن العربَ
стр. 1842
تأمر الواحد بلفظ الاثنين، فتقول قوماً واضربا زيداً يا رجل، وروَوْا أن الحجاج كان يقول: يا حَرَسِي اضربا عنقه، وقالوا: إنما قيل ذلك لأن أكثر ما يتكلم به العرب فيمن تأمره بلفظ الاثنين، نحو.
خليلي مُرا بي على أُمِّ جُندَبِ
قفا نبك من ذكرى حبيبٍ ومنزلِ
وقال محمد بن يزيد: هذا فعل مثنى توكيداً كأنَّه لَمَّا قال ألْقِيَا ناب عن
قوله ألْقِ ألْقِ، وكذلك عنده قفا معناه عنده قف قف، فناب عن فعلين فبنى.
وهذا قولٌ صالحٌ وأنا اعتقد أنه أمر الاثنين (١)، واللَّه أعلم.
* * *
وقوله: (قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (٢٧)
المعنى إنما طغى وهو بضلاله وإنما دعوته فاستجاب، كما قال: (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي).
* * *
وقوله: (مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٢٩)
أي من عمل حسنة فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا، ومن عمل سيئة - فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا.
* * *
وقوله : (يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ
(٣٠)
وقرئت (يَوْمَ يَقُولُ لِجَهَنَّمَ)
نصب (يَوْمَ) على وجهين:
على معنى ما يبدل القول لديَّ في ذلك اليوم.
وعلى معنى أنذرهم يوم نقول لجهنم، كما قال:
(وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ).
стр. 1843
وقوله : (هَلِ امْتَلَأْتِ).
أي: أم لم تمتلئ، وإنما السوال توبيخ لمن أُدْخِلَهَا، وزيادة في مكروهه.
ودليل على تصديق قوله: (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ).
فأمَّا قوله: (وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ).
ْففيه وجهان عند أهل اللغة:
أحدهما أنها تقول ذلك بعد امتلائها فتقول: (هل من مزيد).
أي هل بقي في موضع لم يمتلئ، أي قد امتلأت.
ووجه آخر: تقول: هل من مزيد تغيظاً على من عصى كما قال : (سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا).
فأمَّا قولها هذا ومخاطبتها فاللَّه جعل فيها ما به
تميز وتخاطب، كما جعل فيما خلق أن يسبح بحمده، وكما جعل في النملة
أن قالت: (يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ)
وقد زعم قوم أنها امتلأت فصارت صورتها صورة من لو ميَّزَ لَقال:
(هل من مزيد)
كما قال الشاعر:
امتلأ الحوض وقال قطني. . . مهلاً رويداً قد ملأت بطني
وليس هناك قول.
وهذا ليس يُشْبِه ذاك، لأن الله قد أعلمنا أن المخلوقات تسبح وأننا لا نفقه تسبيحها، فلو كان إنما هو أن يدل على أنها
مخلوقة كنا نفقه تسبيحها.
* * *
وقوله : (لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (٣٥)
المعنى لهم فيها ما يشاءون ولدينا مزيد مما لم يخطر على قلوبِهِمْ.
وجاء في التفسير أن السحاب يمر بأهل الجنة فيمطر لهم الحور، فيقول الحورُ
نحن الذين قال اللَّه فيهم، (وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ).
стр. 1844
(وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ (٣٦)
اختلف الناس في القرن فقال قوم: القرن عشر سنين، وقال قوم ثلاثون
سنة، وقال قوم أربعون سنة، وقال قوم سبعون سنة، وقالوا مائة سنة، وقال قوم مائة وعشرون سنة.
والقرن واللَّه أعلم مقدار التوسط في أعمار أهل الزمان، فالقرن في قوم
نوح على مقدار أعمارهم.
واشتقاقه من الاقتران فكأنه المقدار الذي هو أكبر ما يقترن فيه أهل ذلك
الزمان في بقائهم.
وقوله : (فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ).
وقرئت (فَنَقَبُوا) - بالتشديد والتخفيف - المعنى طوِّقوا وفتِّشوا، فلم تَرَوا مَحيصاً من الموت.
قال امرؤ القيس.
لقَدْ نَقَّبْتُ في الآفاقِ حتَّى. . . رَضِيتُ مِنَ الْغَنِيمَةِ بالإِيابِ
وتقرأ نَقِّبوا في البلاد، أي فتشوا وانظروا، ومن هذا نَقيبُ القومِ للذي
يعرف أمرهم، مثل العريف.
* * *
قوله : (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧)
وقرئت (أو أُلقِيَ السمعُ) ومعنى (مَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ) أي من صرف قلبه إلى
التّفَهُّمِ، ألا ترى أن قوله: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ) أنهم لم يستمعوا استماع متفهم
مسترشد فجعلوا بمنزلة من لم يسمع
كما قال الشاعر:
стр. 1845
أصمُّ عما ساءه سميعُ
ومعنى (أو ألقى السمع) أي استمع ولم يشغل قلبه بغير ما يسمع.
والعرب تقول: ألق إليَّ سَمعَك، أي استمع مني.
ومعنى (وَهُوَ شَهِيدٌ) أي وقَلْبُه فيما يسمعُ.
وجاء في التفسير أنه يعنى به أهل الكتاب الذين
كانت عندهم صفة النبي ﷺ .
فالمعنى على هذا التفسير (أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ) أن صفة النبي عليه إلسلام في كتابه.
* * *
وقوله: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨)
اللُّغوب: التَّعَب والإعياء، يقال: لَغَبَ يلْغُبُ لُغوباً.
وهذا فيما ذكر أن اليهود - لُعِنَتْ - قالت: خلق اللَّه السَّمَاوَات والأرض في ستَةِ أيامِ أولُها الأحَد وآخرها الجمعة، واستراح يوم السبت، فأَعلم اللَّه أنه خَلقها في ستة أيام وسبحانه وتعالى أن يوصف بتعب أوْ نَصَبٍ.
ثم قال:
(فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (٣٩)
يعني قبل طلوع الشمس صلاة الفجر، وقبل الغُروب صلاةَ العَصْرِ
* * *
(وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ (٤٠)
(وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ)
صلاة المغرب.
(وَأَدْبَارَ السُّجُودِ)
الركعتان بعد صلاة المغرب على هذا.
ويجوز أن يكون الأمر بالتسبيح بعد الفراغ من الصلاة.
ويقرأ (وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ)
و (إِدْبَارَ السُّجُودِ)، فمن قرأ و (أَدْبَارَ) بقتح الألف فهو جمع دبر.
ومن قرأ و (إِدْبَارَ) فهو على مصدر أدْبَرَ يُدْبِرُ إِدباراً.
стр. 1846
وقوله تعالى: (وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (٤١)
جاء في التفسير أنه يعنى به أنه ينادى بالحشر من مكان قريب.
وقيل: هي الصخرة التي في بيت المقدس، ويقال إنها في وسط الأرْضِ.
* * *
قوله (يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ (٤٢)
أي يوم يبعثون ويخرجون، ومثله (يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ (٦) خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ (٧).
والأجداث القبور
وقال أبو عبيدة: يوم الخروج من أسماء يوم القيامة.
واستشهَدَ بقول العَجاجِ.
أَلَيسَ يَوْمٌ سُمِّيَ الخُرُوجا. . . أَعْظَمَ يَوْمٍ رَجَّةً رَجُوجا؟
* * *
وقوله: (وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ (٤٥)
هذا كما قال: (لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢).
وهذا قبل أن يؤمر النبي ﷺ
بالحرب لأن سورة (ق) مكية.
стр. 1847
سُورَةُ الذاريات
(مكية)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله : (وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (١)
جاء في التفسير عن علي ﵁ أن الكواء سأله عن ((وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا) فقال علي: هي الرياح، قال: (فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا) قال السحابُ، قال: (فَالْجَارِيَاتِ يُسْراً) قال الفلك.
قال: (فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا) قال الملائكة.
والمفسرون جميعاً يقولون بقول عليٍّ في هذا.
* * *
(وَالذَّارِيَاتِ) مجرور على القسم، المعنى أحلف بالذاريات وبهذه
الأشياء، والجواب: (إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (٥).
وقال قوم: المعنى وَرَبِّ الذَّارِيَاتِ ذَرْوًا كما قال :
(فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ).
والذاريات من ذَرَتِ الريح تَذرو إذا فرقت التراب وغيره.
يقال: ذرت الريح وأذرت بمعنى وَاحِدٍ، ذرت فهي ذاريةٌ، وهن
ذاريات، وأذرت فهي مُذْرِية ومُذْرِياتٌ للجماعة، وذاريات أيضاً.
والمعنى وربِّ الرياحِ الذارياتِ، وربِّ السُفُنِ الجارياتِ، وربِّ الملائكةِ المقسماتِ، إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ.
* * *
وقوله: (وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ (٦)
أي إن المجازاة على أعمَالكم لواقعة.
стр. 1848
وقوله: (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ (٧) إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨)
جاء في التفسير أنها ذات الخلق الحسن، وأهل اللغة يقولون ذات
الحبك ذات الطرائق الحسنة، والمحبوك في اللغة ما أُجِيدَ عَمَلهُ وكل ما تراه
من الطرائق في الماء وفي الرمل إذا أصابته الريح فهو حبك، وواحدها حِبَاك.
مثل مِثَال ومُثُل، وتكون واحدتها أيضاً حبيكة مثل طريقة وطرق (١).
* * *
وقوله: (إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨)
أي في أمر النبي ﷺ
* * *
(يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (٩)
أي يُصرف عنه من صُرِفَ.
* * *
وقوله : (قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (١٠)
هم الكذابون، تقول: قد تَخَرَّصَ عليَّ فُلان الباطل.
ويجوز أن يكون الخرَّاصون الذين يتظنون الشيء لا يُحِقونه، فيعملون بما لا يدرون صحته.
* * *
وقوله : (يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ (١٢)
ويجوز إِيَّانَ بكسر الهمزة وفتحها، أي يقولون متى يوم الجزاء.
* * *
وقوله: (يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣)
بنصب يوم، ويجوز يَوْمُ هم على النَّار يفتنونَ.
فمن نَصَبَ فهو على وجْهَين:
أحدهما على معنى يقع الجزاء يَوْمَ هُمْ عَلى النار يفْتَنونَ
ويجوز أن يكون لفظه لفظَ نَصْبٍ ومعناه معنى رفع، لأنه مضاف إلى جملة كلام، تقول: يعجبني يَوْمَ أنْتَ قَائِمٌ، ويوم أنت قائم، ويوْمُ أنْتَ تَقُومُ، وإن شئت فتحت وهو في موضع رفع
كما قال الشاعر:
لم يَمْنع الشُّرْبَ منها غَيْرَ أَن نطقت. . . حمامة في غُصُونٍ ذاتِ أَوْقالِ
وقد رويت غَيْر أن نطقت، لما أضاف غير إلى أن وليست بِمُتَمكَنةٍ
فتح، وكذلك لما أضاف يوم إِلى (هُمْ علَى النَّارِ) فتح.
وكما قرئت:
стр. 1849
(ومِنْ خِزْيِ يَوْمَئْذٍ)، ففتحت يوم وهو في موضع خفض لأنك أضفته إلى غير متمكن.
ومعنى (يُفْتَنُونَ) يحرقون وُيعَذَّبونَ، ومن ذلك يقال للحجارة السود التي
كأنها قد أحرقت [بالنَّارِ] الفَتِينُ.
* * *
وقوله : (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٥) آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (١٦)
أعلم ما لأهل النَّار، ثم أعلم ما لأهل الجنَّة لأنَه لَمَّا قَالَ:
(وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ) أعلم جزاء أهل الجنَّةِ، وجزاء أهل النَّارِ.
وقوله: (آخِذِينَ) نصب على الحال، المعنى إن المتقين في جَنَاتٍ وعيون
في حال أخْذِ مَا آتَاهًمْ رَبهُمْ، ولو كان في غير القرآن لجاز " آخِذُونَ "
ولكن المصحَفَ لَا يخَالف، ويكون المعنى إن المتَقين آخِذُونَ مَا آتَاهُمْ رَبهمْ في
جنات وعيونٍ، والوجه الأول أجْوَد في المعنى وعليه القراءة.
* * *
وقوله : (كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧)
المعنى كانوا يهجعون قليلًا من الليل، أي كانوا ينامون قليلًا مِنَ الليْلِ.
ثم أعلم اللَّه في أي شيء كانَ سَهَرُهُمْ فقال:
(وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨)
وجائز أن يكون " ما " مُؤكَدة لَغْواً، وجائز أن يكون " ما " مع ما بعدها
مَصْدراً، يكون المعنى كانوا قليلًا من الليل هجوعهم.
* * *
(وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (١٩)
(المحروم) جاء في التفسير الذي لا ينمو له مال، والأكثر في اللغة لا
ينمى له مال، وجاء أيضاً أنه [المجارَف] (١) الذي لا يكاد يكتسب.
* * *
قوله: (فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (٢٣)
стр. 1850
أي إن ما أتى به النبي ﷺ حق وإن قوله: (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ) حَقٌّ.
فالمعنى أن هذا الذي ذكرنا في أمر الآيات والرزْقِ وأمر النبي ﷺ حق (مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ)
وقرئت (مِثلُ ما أنكم تنطقونَ)، وهذا كما تقول في الكلام: إنَّ هذا لحق
كما أنك متكلمٌ.
فمن رفع " مثلُ " فهي من صفة الحق، المعنى إنه لحقٌّ مِثْلُ نطْقِكُمْ.
ومن نصب فعلى ضربين:
أحدهما أن يكون في موضع رفع إلاَّ أنه لما أضيف إلى " أنَّ " فتح.
ويجوز أن يكونَ منصوباً على التوكيد، على معنى إنه
لحقٌّ حَقًّا مثل نطقكم.
* * *
وقوله: (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤)
جاء في التفسير أنه لما أتَتْهُ الملاتكةُ أكرمهم بالعِجل.
وقيل: أكرمهم بأنه خَدَمَهُمْ، صلوات الله عليه وعليهم.
* * *
(إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٢٥)
(فَقَالُوا سَلَاماً قَالَ سِلْمٌ).
وقرئت: (قَالَ سَلاَمٌ).
فنصب الأولى على معنى السَّلامُ عليكم سَلاماً.
وسلمنا عليك سلاما.
ومن قرأ، (قَالَ سَلَامٌ) فهو على وجهين:
على معنى قال سَلام عليكم.
ويجوز أن يكون على معنى أمرنا سَلامٌ.
ومن قرأ (سِلْمٌ) فالمعنى قال سِلْمٌ أي أمري سِلْمٌ، وأمرنا سِلْمٌ.
أي لا بَأس علينا.
وقوله: (قَوْمٌ مُنْكَرُونَ).
رفعه على معنى أنتم قوم منكرونَ.
* * *
(فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (٢٦)
معنى (فَرَاغَ إِلَى أهْلِهِ)
عدل إِلَيْهِمْ من حيث لا يعلمون لأيِّ شيء عَدَل،
стр. 1851
وكذلك يَقُولُ: راغ فلان عنا إذا عدل عنهم من حيث لا يعلمون.
* * *
وقوله: (فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (٢٧)
المعنى فقربه إِليهم ليأكلوا منه فلم يأكلوا، قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ على النكير.
أي أمركم في ترك الأكل مما أنْكِرُه.
* * *
وقوله: (فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (٢٨)
معنى " أوْجَسَ " وقع في نَفْسِه الخوفُ.
* * *
وقوله : (وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ)
معنى " عليم " أنه يبلغ وَيَعْلَمَ.
* * *
وقوله: (فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ
(٢٩)
والصرةُ شدة الصاحِ ههنا
(فصَكَتْ وَجْهَهَا) أي لطمت وَجْهَهَا.
* * *
(وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ).
المعنى وَقَالَتْ أنَا عَجُوزٌ عَقِيمٌ، وكيف ألِدُ.
ودليل ذلك قوله في موضع آخر: (قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا).
* * *
(قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٣٠)
أي كما قلنا لك قال ربك، أي إنما نخبرك عن اللَّه واللَّه
حكيم عَلِيم، يقدر أن يجعل العقيم ولوداً، والعجوز كذلك.
فعلم إبراهيم أنهم رسل وأنهم ملائكة.
* * *
(قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٣١)
أي ما شأنكم وفيم أرْسِلْتُمْ.
* * *
(قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٣٢) لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣)
أي إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ لنهلكهم بِكُفْرِهَمْ.
* * *
(مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ (٣٤)
стр. 1852
أي معَلَّمَة على كل حجر منها اسم من جعل إِهْلَاكُه به، والمسَوَّمَة
المعلَّمَة أُخِذَ من السومَةِ وهي العَلاَمة.
* * *
وقوله: (وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٣٧)
أي تركنا في مدينة قوم لوط علامة للخائفين تَدُلُّهُمْ عَلَى أن اللَّه أهلكهم
وينكل غيرهم عن فعلهم.
* * *
وقوله: (وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٣٨)
هذا عطف على قوله: (وَفِي الأرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِيِننَ)
وعلى قوله: (وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ).
وقوله: (بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ)، أي بحجة واضحة.
* * *
(فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٣٩)
أي تولى بما كان يتقوى به من جُنْدِهِ ومُلكِهِ.
(وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ)
المعنى وقال هذا ساحر أو مجنون
* * *
(فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ (٤٠)
(فَأخَذْنَاهُ) وركنه الذي يتقوى به
(فَنَبَذْنَاهُمْ في اليمْ) واليم البحر.
(وَهُوَ مُلِيمٌ) أي اللائمة لازمة له، أي ليس ذلك الذي فعل به بكفارة له.
والمُلِيمُ في اللغة الذي يأتي بما يجب أن يلام عليه.
ومعنى (نبذناهم) ألقيناهم، وكل شيء ألقيته تقول فيه قد نبذته.
ومن ذلك نبذت النبيذ، ومن ذلك تقول للملقوط منبوذ لأنه قد رُمِيَ به.
* * *
وقوله: (وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (٤١)
أي (وَفِي عَادٍ) أيضاً آية على ما شرِحنا في قوله: (وَفِي مُوسَى) والريح
العقيم التي لا يكون معها لَقْحٌ، أي لا تأتي بمطر، وإنما هي ريح الإهلاك.
* * *
(مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (٤٢)
стр. 1853
والرميم الورق الجاف المتحطم، مثل الهشيم، كما قال:
(كَهَشِيم المُحْتَظِرِ).
* * *
(وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ (٤٣)
أي وفي ثمود أيضاً آية.
* * *
وقوله: (وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (٤٦)
قرئت (وقومِ نوحٍ) - بالخفض - (وقومَ نوحٍ) - بالنصب -
فمن خفض فالمعنى في قوم نوح.
ومن نصب فهو عطف على معنى قوله: (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ).
ومعنى أخذتهم الصاعقة أهلكناهم.
فالمعنى فأهلكناهم وأهلكنا قوم نوح من قبل.
والأحسن واللَّه أعلم أن يكون محمولًا على قوله: (فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ)، لأن المعنى فأغرقناه وجنوده وأغرقنا قوم نوح من قبل (١).
* * *
(وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (٤٧)
أي بقُوَّةٍ.
(وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ)
جعلنا بينها وبين الأرض سعة.
* * *
(وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ (٤٨)
عطف على ما قبله مَنْصُوبٌ بفعل مضمر، المعنى وفرشنا الأرْضَ
فرشناها.
ومعنى (فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ) نحن، ولكن اللفظ بقوله فرشناها يدلُّ على
المضمر المحذوف.
* * *
وقوله: (وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٤٩)
المعنى - واللَّه أعلم - على الحيوان لأن الذكر والأنثى يقال لهما زَوْجَانِ
ومثله (وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى).
ويجوز أن يكون الزوجان من كل
стр. 1854
شيء، ويكون المعنى في كل شيء في الحيوان الذكر والأنثى ويكون في غيره
صِنفان أصل كل حيوان ومَوَاتٍ، واللَّه أعلم.
* * *
وقوله : (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠)
المعنى ففروا إلى اللَّه من الشرك باللَّه ومن مَعَاصِيه إليه.
(إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ)، أي أنذركم عذابه وعقابه.
* * *
وقوله: (وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١) كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢)
المعنى الأمر كذلك، أي كما فعل من قبلهم في تَكذيبِ الرسُلِ.
* * *
(إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ).
أي إلا قالوا هذا ساحر، ارتفع ساحر بإضمار هو.
* * *
وقوله: (أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (٥٣)
معناه أوصى أولهم آخرهم، وهذه ألف التوبيخ وألف الاستفهام.
* * *
وقوله: (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ (٥٤)
أي لا لوم عليك إذ أديت الرسَالةَ.
* * *
(وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (٥٥)
أي ذكرهم بأيام الله وعذابه وعقابه ورحمته.
* * *
قوله: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)
اللَّه قد علم من قبل أن يَخْلُقَ الجنَّ والِإنسَ من يعبده مِمَّنْ
يكفر به، فلو كان إنما خلقهم ليجبرهم على عِبَادَتِه لكانوا كلهم عباداً مؤمنين ولم يكن منهم ضُلَّالٌ كافِرونَ.
فالمعنى: وما خلقت الجنَّ والِإنس إلا لأدعوهم إلى عِبَادَتِي.
وأنا مرِيدٌ العِبَادَةَ مِنْهُمْ، يعني من أهلها.
* * *
(مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧)
стр. 1855
أي ما أريد أن يرزقوا أحَداً من عبادي، وما أريد أن يطعموه (١)؛ لأني أنا
الرزاقُ المطعِمُ.
* * *
(إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)
والقراءة الرفْعُ وهو في العربية أحسن نكون رفع (الْمَتِينُ) صفة لِلًهِ
، ومن قرأ (ذو القوةِ المتينِ) - بالخفض - جعل المتين صفة للقوة لأن تأنيث القوة كتأنيث الموعظة، كما قال: (فمن جَاءَهُ مَوْعِظةٌ)
المعنى فمن جاءه وَعظ.
ومعنى (ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) ذو [الاقْتِدَارِ] الشديد.
* * *
وقوله: (فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ
(٥٩)
الذَّنُوب في اللغة النصيب والدلو يقال لها الذنوب.
المعنى فإن للذين ظلموا نصيباً من العذاب مثلَ نَصيبِ أصْحَابِهم الذين أهلكوا نحو عاد وثمود وقوم لوط.
* * *
(فَلَا يَسْتَعْجِلُونَ).
أي إن أُخِّرُوا إلى يَوْمِ القيامَةِ.
* * *
(فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٦٠)
أي من يوم القيامة.
стр. 1856
سُورَةُ الطور
(مَكِّيَّة)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله: (وَالطُّورِ (١)
قسم، والطور الجبل، وجاء في التفسير أنه الجبل الذي كَلَّمَ اللَّه عليه
موسى ﵇.
* * *
(وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣)
الكتاب ههنا ما أثبت على بني آدم من أعمالهم.
* * *
(وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (٤)
فىِ التفسير أنه بيت في السماء بإزاء الكعبة يدخله كل يوم سبعون ألف
ملك ثم يخرجون منه وَلَا يَعُودُونَ إليه.
* * *
وقوله: (إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (٧)
جواب القسم، أي وهذه الأشياء إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ).
وجائز أن يكون المعنى - واللَّه أعلم - ورب هذه الأشياء (إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ).
* * *
وقوله: (يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (٩)
(تمور) تدور.
و" يومَ " منصوبُ بقوله (إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ).
أي لواقع يوم القيامة.
стр. 1857
(فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١١)
والويل كلمة يقولها العرب لكل من وقع في هلكة.
* * *
قوله: (الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ (١٢)
أي يشاغلهم بكفرهم لعب عاقِبتُه العذاب.
* * *
(يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣)
أي يوم يزعجون إليها إزعاجاً شديداً، ويدفعون دفعاً عنيفاً، ومن هذا
قوله: (الذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ)، أي يدفعه عما يجب له.
* * *
وقوله: (هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٤)
المعنى فيقال لهم: (هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ).
(والبَحْرِ المَسْجُورِ).
جاء في التفسير أن البحر يسجر فيكون نار جهنم.
وأما أهل اللغة فقالوا: البحر المسجور المملوء.
وأنشدوا:
إِذا شاء طالَعَ مَسْجُورَةً. . . تَرى حَوْلَها النَّبْعَ والسَّاسَما
يعني ترى حولها عيناً مملوءة بالماء.
* * *
وقوله : (أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ (١٥)
لفظ هذه الألف لفظ الاستفهام، ومعناها ههنا التوبيخ والتقريع أي
أتصدقون الآن أن عذاب الله لواقع.
* * *
وقوله : (اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٦)
(سَوَاءٌ) مرفوع بالابتداء، والخبر محذوف، المعنى سواء عليكم الصبر والجزع.
стр. 1858
(إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ).
معنى إنما ههنا ما تجزون إِلَّا ما كنتم تعملون، أي الأمر جارٍ عليكم
على العدل، ما جوزيتم إِلَّا أعمالكم.
* * *
وقوله: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ (١٧) فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (١٨)
(فَكِهِينَ)
و (فَاكِهِينَ) جميعاً، والنصب على الحال.
ومعنى (فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ)
أي معجبين بما آتاهم رَبُّهُمْ
* * *
(وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ).
أي غفر لهم ذنوبهم التي توَجِبُ النَّار بإسلامهم وتوبتهم.
* * *
وقوله : (كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٩)
المعنى: يقال لهم كلوا واشربوا هنيئاً.
و (هنيئاً) منصوب وهو صفة في موضع المصدر.
المعنى كلوا واشربوا هُنِّئتُمْ هَنيئاً وليهنكم ما صرتم إِليه.
* * *
وقوله: (يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ (٢٣)
معنى (يتنازعون) يتعاطون فيها كأساً، يُتَناول هذا الكأس من يد هذا وهذا
من يد هذا.
وقوله: (لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ)
معناه لا يجري بينهم ما يُلْغَى، أي لا يجري بينهم باطل
ولا ما فيه إثم كما يجري في الدنيا لِشَرَبَةِ الخمر.
والكأسُ في اللُغة الإِنَاءُ المملوء، فإذا كان فارغاً فليس بكأس.
وتقرأ: لا لغوَ فيها ولا تَأثِيمَ. بالنَصْبِ.
فمن رفع فعلى ضربين:
على الرفع بالابتداء، و " فِيْهَا " هو الخبر.
وعلى أن يكون " لا " في مذهب " ليس " رافعة.
أنشد سيبويه وغيره:
مَن صَدَّ عن نِيرانِها. . . فأنا ابن قيس لاَ بَراحُ
стр. 1859
ومن نصب فعلى النَّفْي والتبرية كما قال في قوله: لا ريب فيهِ، إلا أن
الاختيارَ عند النحويين إذا كررَتْ " لا " في هذا الموضع الرفع.
والنصْبُ عند جميعهم جائز حَسَن.
* * *
وقوله : (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٥) قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ (٢٦)
الكلام - واللَّه أعلم - يدل ههنا أنهم يتساءلون في الجنَّة عن أحوالهم
التي كانت في الدنيا، كان بعضهم يقولُ لبعض: بم صرت إلى هذه المنزلة
الرفيعة، وفي الكلام دليل على ذلك وهو قوله في جواب المسألة:
(إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ).
أي مشفقين من المصير إلى عذاب الله ، فعملنا بطَاعَتِه، ثم
قرنوا الجوابَ مع ذلك بالِإخلاص والتوحيد بقولهم:
(إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ).
أي نُوَحِّدُه ولا ندعو إلهاً غيره.
* * *
(فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ (٢٧)
أي عذاب سموم جهنم.
* * *
وقوله: : (فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ
(٢٩)
أي ذكرهم بما أعتَدْنَا للمتقِينَ المؤمنين والضلال للكافِرِين.
(فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ)
أي لست تقول ما تَقُولُه كهانَة، ولا تنطق إِلَّا بَوَحيٍ من الله .
* * *
وقوله: (أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (٣٠)
(رَيْبَ المَنُونِ)
حوادث الدهر.
* * *
(قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ (٣١)
стр. 1860
فجاء في التفسير أن هؤلاء الذين قالوا هذا - وكان فيهم أبو جهل -
هلكوا كلهم قبل وفاة رسول اللهِ ﷺ .
* * *
وقوله: (أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (٣٢)
أي أتأمرهم أحْلَامُهُم بترك القبول ممن يدعوهم إلى التوحيد وتأتيهم
على ذلك بالدلائل، ويعملون أحْجَاراً ويعبدونها.
(أمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ).
أي أم هم يكفرون طغياناً وقد ظهر لهم الحق.
* * *
(فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (٣٤)
أي إذا قالوا أن النبي ﷺ تقوله فقد زعموا أنه من قول البشر، فليَقولوا مثلَهُ فما رام أحَدٌ مِنهم أن يقول مثل عَشْرِ سُور ولا مثل سورةٍ.
* * *
وقوله: (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥)
معناه بل أُخلِقُوا من غير شيء.
وفي هذه الآية قولان:
وهي مِنْ أصْعَب ما في هذه السورة.
قال بعض أهل اللغة:
ليس هم بأشد خلقاً من خلق السَّمَاوَات والأرض، لأن السَّمَاوَات والأرض خُلِقَتَا من غير شيء، وهم خُلِقوا من آدم وآدم من تراب.
وقيل فيها قولٌ آخر، (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ) أَمْ خُلِقُوا لِغَيْرِ شَيْءٍ
أي خلقوا باطِلًا لا يحاسبون ولا يؤمرون ولا يَنْهَوْنَ.
* * *
ْوقوله: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّاتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّاتِهُمْ).
وقرئت (أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ)
وقرئت " واتبعتم ذُريَّتُهُمْ " وكلا الوجهين جائز، الذُرية تقع على الجماعة، والذريَّات جَمِع، وذُرَيَّة على التوحيد أكثر.
وتأويل الآية أن الأبناء إذا كانوا مؤمنين، وكانت مراتب آبائهم في الجنة