← Тафсир

Тафсир · id 922

معاني القرآن وإعرابه للزجاج

الزجاج

Полный текст (2 149 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

ورفع (فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ) على معنى فعليه اتباع - ولوكان في غير القرآن لجاز فاتباعاً بالمعروف وأداءً على معنى فليتبع أتباعاً ويؤد أداءً. ولكن الرفع أجود في العربية. وهو على ما في المصحف وإجماع القراءِ فلا سبيل إلى غيره. * * * وقوله : (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩) (حَيَاةٌ) رفعَ على ضربين: على الابتداءِ، وعلى لكم، كأنَّه قال وثَبَت لكم في القصاص حياة يا أولي الألباب أي يا ذوي العقول. ومعنى الحياة في القصاص أن الرجل - إذا علم أنَّه يُقْتَل إنْ قتَل - أمسك عن القتل ففي إمساكه عن القتل حياة الذي همَّ هو بقتله. - وحياة له؛ لأنه من أجل القصاص أمسك عن القتل فَسَلِم أن يقتل. * * * وقوله : (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠) المعنى وكتب عليكم: إلا أن الكلام إذا طال استغنى عن العطف بالواو، وعلم أن معناه معني الواو. ولأن القصة الأولى قد اسْتَتَمَّت وانْقَضَى معنى الفرض فيها، فعلم أن المعنى فرض عليكم القصاص وفرض عليكم الوصية. ومعنى. (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ). هذا الفَرضُ بإجماع نسخته آياتُ المَواريث في سورة النساءِ وهذا مجمع

стр. 212

عليه، ولكن لا بد من تفسيره ليعلم كيف كان وجه الحكمة فيه، لأن اللَّه لا يتعبد في وقت من الأوقات إِلا بما فيه الحكمة البالغة فمعنى (كُتِبَ عَلَيْكُمْ): فرض عليكم - إن ترك أحدكم مالا - الوصية (للوالدين والأقربين بالمعروف)، فَرَفَعَ الوصية على ضربين، أحدهما على ما لم يسم فاعله، كأنه قال كتب عليكم الوصية للوالدين، أي فرض عليكم، ويجوز أن تكون رفع الوصية على الابتداءِ، ويجوز أن تكون، للوالدين الخبر، ويكون على مذهب الحكاية، لأن معنى كتب عليكم قيل لكم: الوصية للوالدين والأقربين.، وإِنما أُمِرُوا بالوصية في ذلك الوقت لأنهم كانوا ربما جاوزوا بدفع المال إلى البعَداءِ طلباً للرياءِ والسمعة. ومعنى (حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ) ليس هو إنَّه كتب عليه أن يوصي إذا حضره الموت، لأنه إِذا عاين الموت " يكون " في شغل عن الوصية وغيرها. ولكن المعنى كتب عليكم أن توصُّوا وأنتم قادرون على الوَصيةِ، فيقول الرجل إذا حضرني الموت، أي إِذا أنا مِت فلفلان كذا، على قدر - ما أمِرَ به - والذي أمِرَ به أن يجتهد في العدل في وقت الإمْهَال، فيوصي بالمعروف - كما قال اللَّه لوالديه ولأقربيه - ومعنى بالمعروف بالشيءِ الذي يعلم ذو التمييز أنه لا جَنَفَ فيه ولا جَوْر، وقد قال قوم إِن المنسوخ من هذا ما نسخته المواريث. وأمر الوصية في الثلث باق، وهذا القول ليس بشي لأن إجماع المسلمين أن ثلث الرجل له إن شاءَ أن يوصي بشي فله، وإن ترك فجائز (فالآية) في

стр. 213

قوله: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ). . . الوصية منسوخة بإجماع. وكما وصفنا. * * * وقوله : (حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ). نصب على حق ذلك عليكم حقاً، ولوكان في غير القرآن فَرُفعَ كان جائزاً، على معنى ذلك حق على المتقين. * * * وقوله : (فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٨١) يعني فمن بدل أمر الوصية بعد سماعهِ إيَّاها، فإِنما إثْمُه على مُبَدلِهِ، ليس على الموصى، - إذا احتاط أو اجتهد فيمن يوصى إليه - إثم، ولا على الموصى له إِثم وإِنما الإثم على الموصي إن بدل. * * * وقوله : (إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ). أي قد سمع ما قاله الموصي، وعلم ما يفعله الموصَى إِليه، لأنه عالم الغيبِ والشَهَادَة. * * * وقوله : (فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨٢) أي مَيْلاً، أو إثماً، أو قَصَداً لِإثم، (فأصلح بينهم) أي عمل بالإصلاح بين الموصى لهم فلا إثم عليه، أي لأنه إنما يقصد إلى إصلاح بعد أن يكون الموصي قد جعل الوصية بغير المعروف مخالفاً لأمر اللَّه فإِذا ردها الموصى إليه إِلى المعروف، فقد ردها إِلى ما أمر اللَّه به. * * * (وقوله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) المعنى فرض عليكم الصيام فرضاً كالذي فرض على الذين من قبلكم. وقيل إنه قد كان فرض على النصارى صوم رمضان فَنَقَلُوه عن وقته، وزادوا فيه، ولا أدري كيف وجه هذا الحديث، ولا ثقة ناقليه، ولكن الجملة أن اللَّه قد أعلمنا أنه فرض على من كان قبلنا الصيام، وأنه فرض علينا كما فرضه على الذين من قبلنا.

стр. 214

وقوله : (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ). المعنى أنَّ الصِّيَام وَصْلَة إلى التقي، لأنه من البر الذي يكف الِإنسان عن كثير مما تتطلع إِليه النفس من المعاصي، فلذلك قيل (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ). و" لعل " ههنا على ترجي العباد، والله من وراءِ العلم أتتقون أم لا. ولكن المعنى أنه ينبغي لكم بالصوم أن يقوى رجاؤكم في التقوى. * * * وقوله : (أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٤) ْنصب (أَيَّامًا) على ضربين، أجْوَدهما أن تكون على الظرف كأنه، كتب عليكم الصيام في هذه الأيام - والعامل فيه الصيام كان المعنى كتب عليكم أن تصوموا أياماً معدودات. وقال بعض النحويين، إنه منصوب مفعول مَا لم يسَمَّ فاعله. نحو أعَطِيَ زيد المال. وليس هذا بشيءٍ لأن الأيام ههنا معلقة بالصوم. وزيد والمال مفعولان لأعطى. فلك أن تقيم أيهما شئت مقام الفاعل. وليس في هذا إلا نصب الأيام بالصيام. * * * وقوله : (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ). أي فعليه عدة، أو فالذي ينوب عن صومه في وقت الصوم عدة من أيام أُخَرَ. و (أُخَرَ) في موضع جر، إِلا أنها لا تَنْصَرِف فَفتِحَ فيها المجرور. ومعنى (وعلى الذين يطيقونه) أي يطيقون الصوم فدية طعام، مسكين، أي إن أفطر وترك الصوم كان فدية تركه طعام مسكين. وقد قرئ " طعام مساكين "

стр. 215

فمعنى طعام مساكين فدية أيام يفطر فيها وهذا بإجماع وبنص القرآن منسوخ. نَسخَته الآية التي تَلي هذه. وقوله : (وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ). رفع خير خبر الابتداءِ. المعنى صومكم خير لكم هذا كان خيراً لهم مع جواز الفدية، فأما ما بعد النسخ فليس بجائز أن يقال: الصوم خير - من الفدية والإفطارِ في هذا الوقت، لأنه ما لا يجوز ألبتَّة فلا يقع تفضيل عليه فيوهم فيه أنه جائز. وقد قيل إِن الصوم الذي كان فرض في أول الإسلام. صوم ثلاثة أيام في كل شهر ويوم عاشوراءِ، ولكن شهر رمضان نَسَخَ الفرضَ في ذلك الصوم كله. * * * وقوله : (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥) القراءَة بالرفع ويجوز النصب، وهي قراءَة ليست بالكثيرة ورفعه على ثلاثة أضرب: أحدها الاستئناف. المعنى الصيام الذي كتب عليكم أو الأيام التي كتبت عليكم شهر رمضان، ويجوز أن يكون رفعه على البدل من الصيام فيكون مرفوعاً على ما لم يسم فاعله، المعنى كتب عليكم شهر رمضان. ويجوز أن يكون رفعه على الابتداءِ ويكون الخبر (الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ) والوجهان اللذان شرحناهما - " الذي " ْ فيهما رفعٌ على صفة الشهر، ويكون الأمر بالفرض فيه (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) ومعنى من شهد: من كان شاهداً غير مسافر فليصم، ومن كان مسافراً أو مريضاً فقد جُعِل له أن

стр. 216

يصوم عدةَ أيامِ الْمَرض وأيامِ السفرِ من أيام أخر، ومن نصب شهر رمضان نصبه على وجهين، أحدهما أن يكون بدلاً من أيام معدودات. والوجه الثاني على الأمر، كأنه قال عليكم شهر رمضان. على الِإغْراءِ. * * * وقوله : (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ). أيْ أن يُيسِّر عليكم بوضعه عنكم الصوم في السفر والمرض. * * * وقوله : (وَلِتُكَمِّلُوا الْعِدَّةَ) (قرئ) بالتشديد، وَلِتُكْمِلُوا بالتخفيف. من كمَّل يكمِّل، وأكمل يُكْمِل. ومعنى اللام والعطف ههنا معنى لطيفْ هذا الكلام معطوف محمول على المعنى. (المعنى) فعل اللَّه ذلك ليسهل عليكم ولتكملوا العدة. قال الشاعر: بَادَت وغُيِّر آيهن مع البلي. . . إلاَّ رَواكدَ جَمْرُهُنَّ هَباءُ ومشججٌ أما سواءُ قذا له. . . فبدا وغيره سَارَه المَعْزَاءُ فعطف مشججٌ على معنى بها رواكد ومشجج، لأنه إذْ قال بادت إلاَّ رَواكدَ علم أن المعنى بَقيَتْ رواكدُ ومشججٌ. وقوله : (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦) المعنى إذا قال قائل: اينَ اللَّهُ. فالله قريب لا يخلو منه مكان - كما قال: (مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ) وكما قال: (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ).

стр. 217

وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦) وقوله : (أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ). إن شئت قلت إذا دعاني بياء وإن شئت بغير ياء إلا أن المصحف يتبع فيوقف على الحرف كما هو فيه. ومعنى الدعاءِ لِلَّهِ على ثلاثة أضرب. فضرب منها توحيده والثناءُ عليه كقولك يا الله لا إله إلا أنت وقَولك: رَبَّنَا لَك الحَمْدُ، فقد دعوتَه بقولك ربنا، ثم أتيت بالثناءِ والتوحيد ومثله: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠). أي يستكبرون عن توحيدي والثناءِ عليَّ، فهذا ضرب من الدعاءِ. وضرب ثانٍ هو مَسْألة الله العفوَ والرحمة، وما يقرب منه كقولك اللهم اغفر لنا. وضرب ثالث هو مسألته من الدنيا كقولك: اللهم ارزقني مالًا وولداً وما أشبه ذلك. وإنما سمي هذا أجمعُ دعاء لأن الِإنسان يصدر في هذه الأشياءِ بقوله يا اللَّه، ويا رب، ويَا حَي. فكذلك سمي دعاءُ. * * * وقوله : (فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي) أي فليُجِيبُوني. قال الشاعر: وداع دعا يا من يجيب إلى الندا. . . فلم يَسْتَجِبْه عند ذاك مجيب أي فلم يجبه أحد. * * * وقوله : (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٨٧) ْ (الرفث) كلمة جامعة لكل ما يريد الرجل من المرأة، والمعنى ههُنا كناية عن الجماع: أي أحل لكم ليلة الصيام الجماع، لأنه كان في أولَ فرض

стр. 218

الصيام الجماعُ محرماً في ليلة الصيام، والأكل والشربُ بعد العِشَاءِ الآخرة والنوم. فأحل الله الجماع والأكل والشراب إِلى وقت طلوع الفجر. * * * وقوله : (هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ). قد قيل فيه غير قول: قيل المعنى، فَتُعانقوهن وُيعَانِقْنكم، وقيل كل فريق منكم يسكن إلى صَاحِبه وُيلابسه - كما قال : (وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا). والعرب تسمى المرأة لباساً وإِزاراً قال الشاعر: إذا مَا الضجيع ثَنَى عِطفَه. . . تَثَنَّتْ فكانت عليه لِبَاساً وقال أيضاً: ألاَ أبْلغ أبَا حَفْصٍ رَسُولا. . . فِدًى لكَ من أخِي ثِقَةٍ إِزاري قال أهل اللغة: فدى لك امرأتي. قوله : (وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ). قالوا معناه الولد. ويجوز أن يكون - وهو الصحيح عندي - واللَّه أعلم - وابتغوا ما كتب اللَّه لكم: اتبعوا القرآن فيما أبيح لكم فيه وأمرتم به فهو المبتغى.

стр. 219

وقوله : (حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ). هما فجران: أحدهما يَبْدُو أسودَ معترضاً وهو الخيط الأسود، والأبيض يطلع ساطعاً يملأ الأفق، وَحَقِيقَتُه: حَتَّى يتبين لكم الليل من النهار، وجعل اللَّه حدود الصيام طلوع الفجر الواضح، إِلا أن اللَّه بين في فرضه ما يستوي في علمه أكثر الناس. * * * وقوله : (وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ). معنى الباشرة هنا الجماع. وكان الرجل يخرج من المسجد وهو معتكف فيجامع ثم يعودُ إِلى المسجد، والاعتكاف أن يحبس الرجل نفسه في مَسْجِدِ جَماعةٍ يتعبَّد فيه، فعليه إذا فعل ذلك ألا يُجَامع وألا يتصرَّفَ إلا فيما لا بد له مِنْهُ من حاجته. وقوله : (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا). معنى الحدود ما منع الله من مخالفتها، - ومعنى الحدَّادُ في اللغة الحاجب، وكل من منع شيئاً فهو حدَّاد. وقولهم أحَدَّتَ المرأة على زوجها معناه قطعتِ الزينَةَ وامتنعت منها، والحديد إِنما سمي حديداً لأنه يمتنع به من الأعداءِ. وحَدُّ الدَّار هُوَ مَا يمنع غيرها أن تدخل فيها. وقوله : (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ)). أي مثل البيان الذي ذكر، المعنى ما أمرهم به يبين لهم. * * * وقوله : (وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٨) (تأْكلوا) جزم بلا، لأن " لا " التي ينهي بها تلزم الأفعال دون الأَسماءِ

стр. 220

وتأثيرها فيها بالجزم، لأن الرفع يدخلها، بوقوعها موضع الأسماءِ والنصب يدخلها لمضارعة الناصب فيها الناصب للأسماءِ، وليس فيها بعد هذين الحيزين إلا الجزم. ومعنى بالباطل أي بالظلم. (وتُدْلُوا بهَا إلى الحُكَّام): أي تعملون على ما يوجبه ظاهر الحكم ويتركون ما قد علمتم أنه الحق، ومعنى تُدْلوا في اللغة إِنَّما أصله من أدْلَيْتُ الدلو إِذا أرسلتها للمليءِ، ودلوتها إذا أخرجتها، ومعنى أدلى لي فلان بحجته أرسلها وأتى بها على صحة، فمعنى (وتُدْلُوا بهَا إلى الحُكَّام) أي تعملون على ما يوجبه الِإدلاءُ بالحجة، وتخونون في الأمانة. (لِتَأكُلُوا فَريقاً مِنْ أموَالِ النَّاسِ بِالإثمِ وأنْتُم تَعْلَمُونَ). أي وأنتم تعلمون أن الحجة عليكم في الباطن، وإن ظهر، خلافها. ويجوز أن يكون (موضع) " وتدلوا " جزماً ونصباً - فأما الجزم فعلى النهي. معطوف على ولا تأكلوا، ويجوز أن تكون نصباً على ما تنصب الواو، وهو الذي يسميه بعض النحويين الصرف، ونصبه بإِضمار أن، المعنى لا تجمعوا بين الأكل بالباطل والِإدلاءِ إِلى الحكام، وقد شرحنا هذا قبل هذا المكان. * * * وقوله : (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٨٩) كان النّبى ﷺ سئل عن الهلال في بدئه دقيقاً وعن عِظَمِهِ بعد، وعن رجوعه دقيقاً كالعرجون القديم، فأعلم اللَّه أنه جعل ذلك ليعلم

стр. 221

الناس، أوقاتهم في حَجهِمْ وَعِدَدِ نِسائِهمْ، وجميع ما يريدون عدمه مشاهرة. لأن هذا أسهل على الناس من حفظ عدد الأيام، ويستوى فيه الحاسب وغير الحاسب. ومعنى الهلال واشتقاقه: من قولهم اسْتَهَل الصبي إِذا بكى حين يولد أو صاح، وكأن قولهم أهَل القوم بالحج والعمرة - أي رفعوا أصواتهم بالتلبية، وإنما قيل له هلال لأنه حين - يرى يهل الناس بذكره ويقال اهِلً الهلال واسْتَهَلً، ولا يقال أهَلّ، ويقال أهلَلْنا. أي رأينا الهلال. وأهللنا شهر كذا وكذا، إِذا دخلنا فيه. وأخبرني من أثق به من رواة البصريين والكوفيين - جميعاً بما أذكره في أسماءِ الهلال وصفات الليالي التي في كل شهر: فأول ذلك: إِنما سمي الشهر شهراً لشهرته وبيانه، وسُمِّيَ هلالا لِمَا وصفنا من رفع الصوت بالِإخبار عنه، وقد اختلف الناس في تسميته هلالًا، وكم ليلةً يُسَمَّى ومَتَى يُسَمَّى قمراً، فقال بعضهم يسمى هلالًا لليلتين من الشهر ثم لا يسمى هلالًا، إِلى أن يعود في الشهر التالي، وقال بعضهم يسمى هلالًا ثلاث ليال ثم يسمى قمراً، وقال بعضهم يسمى هلالًا إِلى أن يحجَّر وتحجيره أن يستدير بخطة دقيقة. وهو قول الأصمعي. وقال بعضهم يسمى هلالًا إِلى أن

стр. 222

يَبْهَرَ ضوؤة سوادَ الليل، فإذا غلب ضوؤة سوادَ الليل قيل له قمر، وهذا لا يكون إِلا في الليلة السابعة، والذي عندي وما عليه الأكثر أنه يسمى هلالاً ابنَ ليلتين، فإِنه في الثالثة يَبِين ضوؤه. واسم القمر الزبرقان، واسم دارته الهالة، واسم ضوئه الفَخْت وقد قال بعض أهل اللغة لا أدري الْفَخْت اسم ضوئه أم ظلْمَتِه، واسم ظلمته على الحقيقة " (واسم ظله) السَّمَر، ولهذا قيل للمتحدثين ليلا سمَّار، ويقال ضاءَ القمر وأضاءَ، ويقال طلع القمر، - ولا يقال أضاءَت القمر أو ضاءَت. قال أبو إسحاق وحدثني من أثق به عن الرِّيَاشي عن أبي زيد، وأخبرني أيضاً من أثق به عن ابن الأعرابي بما أذكره في هذا الفصل: قال أبو زيد الأنصاري، يقال للقمر بنَ ليلةٍ: عَتَمَةَ سُخَيْلة حل أهلها برمَيْلَةِ، وابنَ ليلتين حديث أمَتَين كذبٌ ومَيْن ورواه ابن الأعرابي بكذب ومَيْن، وابن ثلاث حديث فتيات غير جد مؤتلفات. وقيل ابن ثلاث قليل اللبَاث، وابن أربع عتمة ربَع لا جائع ولا مرْضَع، وعن ابن الأعرابي عتمة أم الربع، وابن خمس حديث وأنس،

стр. 223

وقال أبو زيد عشا خَلِفَات قُعْسْ، وابن ست سِمرْوَبِتْ. وابن سَبْع دُلْجَة الضبع وابن ثمان قمر أضحيان وابن تسع عن أبي زيد: انقطع السشسع، وعن غيره يلتقط فيه الجزع، وابن عشر ثلث الشهر، وعن أبي زيد وغيره محنق الفجر. - ولم تقل العرب بعد العشر في صفته ليلة ليلة كما قالت في هده العشر ولكنهم جزأوا صفته أجزاء عشرة، فجعلوا لكل ثلاث ليال صفة فقالوا ثلاث غُرَر، وبعضهم يقول غُز، وثلاث شُهْب، وثلاث بُهْر وبَهْر، وثلاث عُشْر، وثلاث بيض، وثلاث دُرْع، ودُرُع، ومعنى الدرَعُ سواد مُقَدَّم

стр. 224

الشاة وبياضُ مؤخرها، وإنما قيل لها دُرْع ودُرُع لأن القمر يغيب في أولها. فيكون أول الليل أدرع لأن أوله أسود وما بعده مضي، وثلاث خُنْس، لأن القمر يَنْخَنِس فيها أي يَتَأخر، وثلاث دهم، وإنما قيل لها دهم لأنها تُظْلم حتى تَدْهَامّ، وقال بعضهم ثلاث حَنَادِس، وثلاث فُحْم لأن القمر يتفحم فيها، أي يطلع في آخر الليل وثلاث دَادِي، وهي أواخر الشهر وإنما أخذت من الدأداءِ وهو ضرب من السير تسرع فيه الإبل نقل أرجلها إلى موضع أيديها. فالدأدأة آخر نقل القوائم، فكذلك الدأدِيُ في آخر الشهر. وجمع هلال أهله، لأدنى العدد وأكثرِه، لأن فِعالا يجمع في أقل العدد على أفعلة مثل مِثَال وأمْثِلَة وحِمَار وأحْمِرَةُ وإذا جاوز أفعلة جُمِعَ على فُعْل، مثل حُمُر ومُثُل، فكرهوا في التضعيف فعل نحو هُلُل وخُلُل، فقالوا أهِلة وأخِلة، فاقتصروا على جمعِ أدنى العدد، كما اِقتصروا في ذوات الواو والياءِ على ذلك، نحو كِسَاء وأكسية ورِدَاء وأرْدِية. * * * وقوله : (وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى) قيل إنه كان قوم من قريش وجماعة معهم من العرب إِذا خرج الرجل منهم في حاجة فلم يقضها ولم تتَيسر له رجع فلم يدخل من باب بيته سنة، يفعل ذلك تَطيرا - فأعلمهم اللَّه أن ذلك غَيْرُ بِر، أي الإقامة على الوفاءِ - بهذه السَّنة ليس ببر، وقال الأكثر من أهل التفسير: إنهم الحُمْسُ، وهم قوم من قريش، وبنُو عامر بن صعصعة وثَقيف وخزاعة، كانوا إِذا أحرموا لا يأقطُون الأقط، ولا ينْفُونَ الوَبَرَ ولا يسْلون السَّمْنَ، وإِذا خَرجَ أحدهم من الإحرام

стр. 225

لم يدخل من باب بيته، وإنما سُمُّوا الحُمْسَ لأنهم تَحمَّسوا في دينهم أي تشددوا. وقال أهل اللغة الحماسة الشدة في الغضب والشدة في القتال، والحماسة على الحقيقة الشدة في كل شيءٍ. وقال العجاج: وكمْ قطَعنا من قِفَافٍ حُمْس أي شِدَاد - فأعلمهم اللَّه أن تشددهم في هذا الإحرامْ ليس بِبر. وأعلمهم أن البر التقي فقال: (وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى). المعنى ولكن البر برُّ من اتقى مخالفةَ أمر اللَّه ، فقال: (وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا) فأمرهم اللَّه بترك سنة الجاهلية في هذه الحماسة. * * * وقوله : (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠) قالوا في تفسيره قاتلوا أهلَ مكة، وقال قوم هذا أول فرض الجهاد ثم نسخه (وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً). * * * وقوله : (ولا تَعْتَدُوا). أي لا تظلموا، والاعتداء: مجاوزة الحق، وقيل في تفسيره قولان: قيل لا تعتدوا: لا تقاتلوا غير من أمرتم بقتاله -، ولا تقتلوا غيرهم، وقيل لا تعتدوا: أي لا تجاوزوا إِلى قتل النساءِ والأطفال. * * * وقوله : (وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (١٩١) أي حيث وجدتموهم، يقال ثَقِفْتهُ أثقفه ثَقْفاً وَثَقَافَة، ويقال: رجل ثَقِفٌ لَقِفٌ. ومعنى الآية: لا تَمْتنِعوا من قتلهم في الحرم وغيره.

стр. 226

وقوله : (وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ). أي فكفرهم في هذه الأمكنة أشد من القتل. وقَوله : (وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ). كانوا قد نُهوا عن ابتدائهم بقتل أو قتال حتى يبتدي المشركون بذلك. وتقرأ: (ولا تَقْتُلوهم عند المسجد الحرام حتى يَقْتُلوكم فيه) أي لا تبدأوهم بقتل حتى يبدأوكم به، وجائز ولا تقتلوهم وإن وقع القتل ببعض دون بعض، لأن اللغة يجوز فيها قتَلْتُ القومَ وإنَّما قُتِلَ بعضُهم إذا كان في الكلام دليل على إرادة المتكلم. * * * وقوله : (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (١٩٣) هذا أمر من اللَّه أن يقاتَل كل كافر لأن المعنى - ههنا في الفتنة والكفر. * * * وقوله : (الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٩٤) (الشَّهْرُ) رفع بالابتداءِ وخبره (بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ)، ومعناه قتال الشهر الحرام. ويروى أن المشركين سألوا النبي ﷺ عن الشهر الحرام هل فيه قتال:. فأنزل الله أن القتل فيه كبير، أي عظيم في الإثم، وإنما سألوا ليَغُرًّوا المسلمين، فإن علموا أنهم لم يؤمروا بقَتلهم قاتلوهم، فأعلمهم الله أن القتال فيه محرم إلا أن يبتدئ المُشْرِكُونَ بالقِتَال فيه فيقاتلهم المسلمون: فالمعنى في قوله: (الشَّهْرُ الْحَرَامُ) أي قِتَالَ الشهر الحرام، أي في (الشهر الحرام، بالشهر الحرام). وأعلم اللَّه أن هذه الحرمات قصاص، أي لا يجوز للمسلمين إلا قصاصاً. * * * وقوله : (فَمن اعْتَدى عَليْكُمْ).

стр. 227

أي من ظلم فقاتل فقد اعتدى، (فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ)، وسُمًيَ الثاني اعتداءً لأنه مجازاة اعتداء فسُمًيَ بِمِثل اسمه، لأن صورة الفعلين واحدة. وإن كان أحدهما طاعة والآخر معصية، والعرب تقُول ظلمني فلان فظلمته أي جازيته بظلمه، وجهل عليَّ فجهلت عليه أي جازيته بجهله. قال الشاعر: ألا لا يجهلنَّ أحد علينا. . . فنَجهل فوق جهل الجاهلينا أي فنكافئ على الجهل بأكثر من مقداره. وقال اللَّه : (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ) وقال: (فَيسْخرون منهم سَخر اللَّهُ مِنْهُمْ). جعل اسم مجازاتهم مكراً كما مكروا، وجعل اسم مجازاتهم على سخريتهم سُخرياً، فكذلك: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ). * * * ْوقوله : (وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥) أيْ في الجهاد في سبيل اللَّه، وكل ما أمر اللَّه به من الخير فهو من سبيل الله، أي من الطريق إلى اللَّه . لأن السبيل في اللغة الطريق، وإنما استعمل في الجهاد أكثر لأنه السبيل الذي يقاتل فيه على عقد الدين. * * * وقوله : (ولا تُلْقُوا بأيدِيكُم إلى التهْلُكَةِ). أصل بأيديْكُمْ (بأيدِيكم) بكسر الياءِ. ولكن الكسرة لا تثبت في الياءِ (إذا كان ما قبلها مكسوراً) لثقل الكسرة في الياءِ.

стр. 228

وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥) وقوله : (إِلَى التَّهْلُكَةِ) معناه إلى الهلاك، يقال هلك الرجل يهلكُ هَلاكاً وهُلْكاً وتَهْلُكَةً وتَهُلِكَةً. وتهْلُكَة اسم. ومعناه إن لم تنفقوا في سبيل الله هَلَكتم، أي عصيتم الله فهلكتم، وجائز أن يكون هلكتم بتقوية عدوكم عليكم واللَّه أعلم. * * * وقوله : (وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ). أي أنفقوا في سبيل الله فمن أنفق في سبيل اللَّه فَمُحْسِن. * * * وقوله : (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٩٦) يجوز في العمرة النصب والرفع: والمعنى في النصْب أتموهما. والمعنى في الرفع وأتموا الحج، والعمرةُ للهِ، أي هي مما تَتَقرَّبون به إلى اللَّه " وليس بفَرْض. وقيل أيضاً في قوله : (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ). غير قول: يُروى عن علي وابنِ مسعود - رحمة الله عليهما - أنهما قالا: إتمامهمَا أن تحرم من دُويرة أهلك، ويروى عن غيرهما إنَّه قال إِتمامُهما أن تكون النفقةُ حلالاً. وينتهي عما نهى الله عنه. وقال بعضهم إِن الحج والعمرةَ لهما مواقف ومشاعر، كالطواف والموقِفُ بعرفة وغير ذلك، فإتمامهما تأدية كل ما فيهما، وهذا بين، ومعنى اعتمر في اللغة قيل فيه قولان. قال بعضهم اعتمر قصد. قَال الشاعر: لَقدْ سما ابن معمر حين اعتمر. . . مغزى بعيداً من بعيد وضَبر

стр. 229

المعنى حين قصد مغزى بعيداً، وقال بعضهم معنى اعتمر: زار من الزيارة، ومعنى العُمْرةِ في العَمل الطوافُ بالبَيْتِ والسعيُ بين الصفا والمروة فقط، والعمرة للِإنسان في كل السنة، والحج وقته وقت واحد من السنة، ومعنى اعتَمر عِنْدي في قصد البيت. أنه إِنما خص بهذا - أعني بذكر اعتمر - لأنه قصد العمل في وضع عامر لهذا قيل معتمر: * * * وقوله : (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ). الرواية عند أهل اللغة أنه يقال للرجل الذي يمنعه الخوف أو المرض من التصرف قد احصر فهو مُحْصَر - ويقال للرجل الذي حُبِسَ قد حُصِرَ فهو مَحْصُور. وقال الفراءُ: لو قيل للذي حُبِسَ أُحْصِرَ لجاز، كأنه يجعل حابسه بمنزلة المرض والخوف الذي، منعه من التصرف، وألحق في هذا ما عليه أهل اللغة من أنه يقال للذي يمنعه الخوفُ والمرضُ أُحْصِرَ وللمَحبُوس حُصِر، وإِنما كان ذلك هو الحق لأن الرجل إذا امتنع من التصرفَ فقد حبس نفسه، فكأن المَرض أحبسه أي جعله يحبس نفسه، وقوله حصرت فلاناً إنما هو حبسته، لا أنه حبس نفسه، ولا يجوز فيه أحصر. * * * وقوله : (فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ). موضع " مَا " رفْع المعنى فواجب عليه ما اسْتَيسَر من الهَديِ، وقد قيل في الهدى: الهَدِي. والهَدِي جمْع هَديًةٍ. وهَدْي، كقولهم في حَذْية السَرجِ حَذِيَّة وحَذْيٌ. وقال بعضهم ما استيسر ما تيسر من الإبل والبقر. وقال بعضهم بعير أو بقرة أو شاة وهذا هو الأجود. (وقوله : (وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ).

стр. 230

قالوا في مَحِلهِ من كان حاجا محله يوم النحر، ولمن كان معتمراً يوم بدخل مكة. * * * وقوله : (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ). - أي فعليه فدية، ولو نصب جاز في اللغة على إضمار فليعط فدية أو فليأت بفدية، وإِنما عليه الفدية إذا حلق رأسه وحل من إِحرامه وقوله (أَوْ نُسُكٍ) أي أو نَسيكة يذبحها، والنسِيكة الذبيحة. . * * * وقوله : (فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ). أي فعليه ما استيسر من الهدي، وموضع (ما) رفع ويجوز أن يكون نصباً على إضمار فليهد ما استيسر من الهدي. * * * وقوله : (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ). معناه فعليه صيام، والنصب، جائز على فليصم هذا الصيام، ولكن القراءَة لا تجوز بما لم يقرأ به. * * * وقوله : (تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ) قيل فيها غير قول: قال بعضهم: (كَامِلَةٌ) أي تكمل الثواب. وقال بعضهم (كَامِلَةٌ) في البدل من الهدي. والذي في هذا - واللَّه أعلم - أنه لما قيل (فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم)، جاز أن يَتَوهم المتوهمُ أن الفرض ثلاثة أيام في الحج أو سبعة في الرجوع - فأَعلم اللَّه أن العشرة مفترضة كلها، فالمعنى

стр. 231

المفروض عليكم صوم عشرة كاملة على ما ذكر من تفرقها في الحج والرجوع. * * * وقوله : (ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ). أي هذا الفرض على من لم يكن من أهله بمكة و (حاضري المسجد الحرام) أصله حاضرين المسجدَ الحرام فسقطت النون للإضافة وسقطت الياءُ في الوصل لسكونها وسكون اللام في المسجد، وأما الوقف فتقول فيه متى اضطررت إلى أن تقف (حاضري) * * * وقوله : (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٧) قال أكثر الناس: إن أشهر الحج شوالُ وذُو القَعدة وعشر منْ ذي الحجًة. (فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ). وقال بعضهم: لو كانت الشهور التي هي أشهر الحج شوالاً، وذا القعدة لما جاز للذي منزله بينه وبين مكة مسافة أكثر من هذه الأشهر أن يفرض على نفسه الحج. وهذا حقيقته عندي أنه لا ينبغي للإنسان أن يبتدئ بعمل من أعمال الحج قبل هذا الوقت نحو الإحرام، لأنه إذا ابتدأ قبل هذا الوقت أضر بنفسه - فأمر الله أن يكون أقصى الأوقات التي ينبغي للإنسان ألا يتقدمها في عقد فرض الحج على نفسه شوالًا، وقال بعض أهل اللغة: معنى الحج إنما هو في السنة في وقت بعينه، وإنما هو في الأيام التي يأخذ الإنسان فيها في عمل الحج لأن العمرة له - في طول السنة، فينبغي له في ذلك الوقت ألا يَرْفُث ولا يفْسُقَ. وتأويل (فلا رفَثَ ولا فُسْوقَ)، لا جماعَ ولا كلمةً من أسباب الجماع قال الراجز: عن اللَّغَا وَرَفَث التَكَلمِ

стр. 232

والرفث كلمة جامعة لما يريده الرجل من أهله. وأمَّا فَلا فُسُوقَ فإذا نُهيَ عن الجِماع كُلَّهِ فالفسوق داخل فيه - ولكن المعنى - واللَّه أعلم - فلا فسوق أَي لا يخرج عن شيء من أمر الحج - وقالوا في قوله (ولا جدالَ في الحج) قولين: قالوا: (لا جدَالَ في الحَجِّ) - لا شك في الحج، وقالوا لا ينبغي للرجل أن يجادل أخاه فيخرجه الجدال إِلى ما لا ينبغي تعظيماً لأمر الحج، وكلٌّ صَوابٌ، ويجوز فلا رفثٌ ولا فسوق ولا جدالٌ في الحج. وبعضهم يقرأ - وهو أبو عمرو - (فلا رَفَثٌ ولاَ فُسُوقٌ ولا جِدَالٌ في الحج). وكلٌّ صَواب. وقد شرحنا (أن) لا تنصب النكرات بغَير تنوين وبيَّنَّا حقيقةَ نصبها وزَعم سيبويه والخليلُ أنه يجوز أن تُرفَع النًكرات بتَنْوينِ وأن قول العجاج تالله لولا أن يحشَّن الطُّبَّخُ. . . بَي الجَحيمَ حينَ لامُسْتَصرخُ يجب أن يكون رفع مستصرخ بلا، وأن قوله. مَن صَدَّ عن نِيرانِها. . . فأنا ابن قيس لاَ بَراحُ

стр. 233

وحقيقة ما ارتفَعَ بعدها عند بعض أصحابه على الابتداءِ لأنه إذا لم تنصب فَإنَّما يُجريَ ما بعدها كما يُجرى ما بعد هَل، أي لا تَعْمل فيه شيئاً، فيجوز أن يكون لا رفث على ما قال سيبويه ويجوز أن يكون على الابتداءِ كما وصفنا، ويكون في الحج هو خبر لهذه المرفوعات، ويجوز إِذا نصبت ما قبل المرفوع بغير تنوين وأتيت بما بعده مرفوعاً أن يكون عطفاً على الموضع، ويجوز أن يكون رفعه على ما وصفنا، فأما العطف على الموضع إِذا قلت لا رجل وغلام في الدار فكأنك قلت ما رجل ولا غلام في الدار. * * * وقوله : (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى). يروى أن قوماً كانوا يخرجون في حجهم يَتَأكَّلونَ الناس، يخرجون بغير زاد، فأمروا بأن يتزودوا، وأعلموا مع ذلك أن خير ما تزود به تقوى اللَّه . * * * وقوله : (وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ). (الألباب) واحدها لب، وهي العقول (أُولِي) نصب لأنه نداء مضاف. * * * وقوله : (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨) قيل إنهم كانوا يزعمون أنه ليس لِحمَّال ولا أجير ولا تَاجر حج فأعلمهم اللَّه . أن ذلك مباح، واف لا جناح فيه، أي لا إِثم فيه، وجناح اسم ليس، والخبر عليكم، وموضع أنْ نصب على تقدير ليس عليكم جناح في أن تبتغوا فلما أسقطت " في " عمل فيها معنى جناح. المعنى لستم تأثمون أن تبتغوا، أي في أن تبتغوا.

стр. 234

وقوله : (فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ). قد دل بهذا اللفظ أن الوقوف بها واجب لأن الِإفاضة لا تكون إلا بعد وقوف، ومعنى (أفضتم)، دَفعتم بكثرة، ويقال أفاض القوم في الحديث إذا اندفعوا فيه وأكثروا التصرف. وأفاض الرجل إِناءَه إِذا صبه وأفاضَ البعيرُ بجرته إذا رمى بها متَفرقَةً كثيرة. قال الراعي: وأفضْن بعد كظُومُهن بجرة. . . من ذي الأباطح إذ رعْين حقيلا وأفاض الرجل بالقداح إذا ضرب بها، لأنها تقع منبعثة متفرقة قال أبو ذؤلب: وكأنهنَّ رِبابَة وكأنَّه. . . يَسِر يَفِيض على القِداح ويصدع وكل ما في اللغة من باب الإفاضة فليس يكون إِلا من تَفْرقةٍ اوكثرة. * * * وقوله : (مِنْ عَرَفَاتٍ). القراءَة والوجه الكسر والتَنْوينُ، وعرفات اسم لمكان واحد ولفظه لفظ الجمع، والوجه فيه الصرف عند جميع النحوين لأنه بمنزلة الزيدين يستوي نصبه وجره، وليس بمنزلة هاءِ التأنيث -، وقد يجوز منعه من الصرف إذا كان اسماً لواحد، إِلا أنه لا يكون إلا مكسوراً وإن أسقطت التنوين. قال امرؤ القيس:

стр. 235

تنورثها من أذرعاتَ وأهلُها. . . بيثرب أدنى دارها نظر عال فهذا أكثر الرواية، وقد أنشد بالكسر بغير تنوين، وأما الفتح فخطأ لأن نصب الجمع وفتحه كسر. * * * وقوله : (فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ). هو مزدلفة، وهي جمع، يسمى بهما جميعاً المشعر المتعبد * * * وقوله : (وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ). موضع الكاف نصب، والمعنى واذكروه ذكراً مثل هدايته إياكم أي يكون جزاء لهدايته إياكُم، واذكروه بتوحيده، والثناءِ عليه والشكر. * * * وقوله : (وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ). معنى (من قبله) أي من قبل هدايته، ومعنى كنتم من قبله (لمن (الضالين) هذا من التوكيد للأمر، كأنه قيل وما كنتم من قبله إلا ضالين. * * * وقوله : (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩) قيل كانت الحُمْسُ من قريش وغيرها (وقد بيَّنَّا الحمس فيما تقدم) لا تفيض مع الناس في عرفة - تتمسك بسنتها في الجاهلية، وتفعل ذلك افتخاراً على الناس وتعالياً عليهم، فأمرهم الله أن يساووا الناس في الفرض، وأن يقفوا مواقفهم وألا يفيضوا من حيث أفاضوا. وقله : (وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ). أي سلوه أن يغفرَ لكم من مخالفتكم الناسَ في الِإفاضة والموقف. * * * وقوله : (فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (٢٠٠)

стр. 236

أي متعبداتكم التي أمرتم بها في الحج. (فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ). وكانت العرب إذا قضت مناسكها، وقفت بَيْن المسْجد بمنى وبين الجبل فتعدد فضائل آبائها وتذكر محاسنَ أيامها. فأمرهم اللَّه أن يجعبوا ذلك الذكر له. وأن يزيدوا على ذلك الذكر فيذكروا اللَّه بتوحيده وتعديد نعمه، لأنه إِنْ كانت لآبائهم نعم فهي من اللَّه ، وهو المشكور عليها. * * * وقوله : (أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا). (أَشَدَّ) في موضع خفض ولكنه لا يتصرف لأنه على مثال أفعل، وهو صفته، وِإن شئت كان نصباً على واذكروه أشد ذكراً. و (ذِكْرًا) منصوب على التميز. * * * وقوله : (فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا). (آتنا) وقف لأنه دعاء، ومعناه أعطنا في الدنيا، وهُؤلاءِ مشركو العرب كانوا يسألون التوسعة عليهم في الدنيا ولا يسألون حظا من الآخرة لأنهم كانوا غير مؤمنين بالآخرة. * * * وقوله : (وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ). يعني هُؤلاءِ، والخلاق النصيب الوافر من الخير. * * * وقوله : (وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١) هؤُلاءِ المؤمنون يسْألون الحظ في الدنيا والآخرة. والأصل في " قنا " اوْ قِينا - ولكن الواو سقطت كما سقطت من يَقِي، لأن الأصل " يَوْقي " فسقطت الواو

стр. 237

لوقوعها بين ياء وكسرة، وسقطت ألف الوصل للاستغناء عنها لأنها اجتلبت لسكون الواو، فإذَا أسقطت الواو فلا حاجة بالمتكلم إليها، وسقطت الياءُ للوقف - وللجزم في قول الكوفيين - والمعنى أجعلنا مُوقَيْنَ مِن عذاب النار. * * * وقوله : (أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٢٠٢) أي دعاؤهم مستجاب لأن كسبهم ههنا الذي ذكر هو الدعاءُ وقد ضمن اللَّه الِإجابة لدعاء من دعاه إِذا كان مؤمناً، لأنه قد أعلمنا أنه يضل أعمال الكافرين، ويحبطها، ودعاؤُهم من أعمالهم. * * * وقوله : (وَاللَّهُ سَرِيعُ الحِسَابِ). المعنى أنه قد علم ما للمحاسَب وما عليه قَبْل توقيفه على حسابه، فالفائدة في الحساب علم حقيقته - وقد قيل في بعض التفسير - إِن حساب العبد أسرع من لمح البصر - واللَّه أعلم. * * * وقوله : (وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٠٣) قالوا: هي أيام التشريق، (معدودات) يستعمل كثيراً في اللغة للشيءِ القليل - وكل عدد قل أو كثر فهو معدود، ولكن معدودات أدل على القلة، لأن كل قليل يجمع بالألف والتاء، نحو دريْهمَات وجماعات. وقد يجوز وهو حسن كثير أن تقع الألف والتاء للكثير، وقد ذُكِرَ أنه عيبَ عَلى القائل: لنا الجَفَنَاتُ الغر يلمعْن بالضحى. . . وأسيافنا يقطرْنَ من نجدة دمَا فقيل له لم قَلَّلْتَ الجَفَنَاتِ ولَمْ تَقُل: الجِفان. وهذا الخبر - عندي - مَصْنوع لأن الألف والتاء قد تأتي للكثرة - قال اللَّه :

стр. 238

(إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ). وقال: (في جنات)، وقال (في الغرفات آمنون)، فالمسلمون ليسوا في جنات قليلة، ولكن إذا خص القليل في الجمع بالألف والتاء، فالألف والتاء أدل عليه، لأنه يلي التثْنِيَةِ، تقول: حمام، وحمامان وحمامات، فتؤَدى بتاءِ الواحد، فهذا أدل على القليل، وجائز حسن أن يراد به الكثير، ويدل المعنى المُشَاهَدُ على الإرَادَة، كما أن قولك جمع يدل على القليل والكثير. * * * وقوله : (فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ). أي من نفر في يومين. (فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى). قيل لمن اتقى قتل الصيد، وقالوا: لمن اتقى التفريط في كل حدود الحج. فموسع عليه في التعجل في نَفْرِه. * * * وقوله : (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (٢٠٤) - موضع (مَنْ) رفع على ضربين: على الابتداء، وبالعامل في (مِنْ) وقد شرحنا هذا الباب. ويروى أن رجلًا من ثقيف كان يعجب النبي ﷺ كلامُه، ويظهر له من الجميل خلاف ما في نفسه. * * * وقوله : (وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ).

стр. 239

وإِن قلت ويشْهدُ اللَّه على ما في قلبه فهو جائز إِن كان قد قرئ به والمعنى فيه أن الله عالم بما يُسِرَّه، فأعلم اللَّه النبي ﷺ حقيقةَ أمر هذا المنافق - وقال: (وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ). ومعنى خَصم ألدُّ في اللغة - الشديد الخصومة والجَدَلِ، واشتقاقه من لُدَيْدَي العُنق، وهما صفحتا العنق، وتأويله، أن خصمه في أي وجه أخذ - من يمين أو شمال - من أبواب الخصومة غلبه في ذلك. يقال رجل ألدُّ، وامرأة لَدَّاء وقوم لُدٌّ - وقد لَدَدْتُ فُلاناً ألَده - إِذا جادلته فغلبتُه. وخصام جمع خَصْمٍ، لأن فعلاً يجمع إِذا كان صفة على فِعَالٍ، نحو صَعْب وصِعَاب، وخَدْل وخِدَال. وكذلك أن جعلت خصماً صفة، فهو يجمع على أقل العدد، وأكثره على فَعُول وفِعَالٍ جميعاً، يقال خَصْم وخِصَام وخُصُوم، وإِن كان اسماً فَفِعَال فيه أكْثر العدَدِ، نحو فَرْخ وأفراخ، لأقل العدد، وفِراخ وفُروخ لما جاوز العشرة. * * * وقوله : (وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (٢٠٥) نصب (لِيُفْسِدَ) على إضمار أن، المعنى لأن يفسد فيها، وعطف ويُهلك علي وُيفسد، ويجوز أن يكون (يُهْلِكَ الحَرْثَ والنَسْلَ) على الاستئناف أي وهو يهلكُ الحرثَ والنسل، أي يعتقد ذلك. وقالوا في (الحرث والنسل): إن الحرث النساء والنسل الأولاد. وهذا غير منكر

стр. 240

لأن المرأة تُسمَّى حرْثاً - قال اللَّه : (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ) وأصل هذا إِنما هو في الزرع، وكل ما حرث. فيشبه ما منه الولد بذلك. وقالوا في الحرث هو ما تعرفه من الزرع. لأنه إذَا أفسد في الأرض أبطل - بإفْساده وإِلقائه الفتنة - أمْرَ الزراعة. * * * وقوله : (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٢٠٧) قال أهل اللغة - (يَشْرِي نَفْسَهُ) يبيع نفسه، ومعنى بيعه نفسه بذلها في الجهاد في سبيل اللَّه. قال الشاعر في شريت بمعنى بعت: وَشَرَيْتُ بُرداً ليتني. . . من بعد برد كنت هامه وقال أهل التفسير هذا رجل كان يقال له صهيب بن سنان. أراده المشركون مع نفر معه على ترك الِإسلام، وقتلوا بعض النفر الذين كانوا معه فقال لهم صهيب أنا شيخ كبير، إن كنت عليكم لم أضُركم " وإِن كنت معكم لم أنفعكم فخلوني وما أنا عليه، وخذوا ماليَ فقبلوا منه ماله، وأتى المدينة فلقيه أبو بكر الصديق ﵁ فقال له: ربح البيع يا صهيب، فرد عليه وأنت فربح بيعك يا أبا بكر وتلا الآية عليه.

стр. 241

ونصب (ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ) على معنى المفْغول له. المعنى يشريها لابتغاءِ مرضاة اللَّه. * * * وقوله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨) (كافة) بمعنى الجميع الِإحاطة، فيجوز أن يكون معناه ادخلوا جميعاً، ويجوز أن يكون معناه: ادخلوا في السلم كله أي في جميع شرائعه، ويقال السلْم والسلم - (جميعاً)، ويعني به الِإسلام والصلح، وفيه ثلاث لغات: يقال: السِّلْم، والسَّلَمُ، والسَّلْمُ، وقد قرئ به: (وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ ألْقَى إِلَيْكم السلَامَ). ومعنى (كافة) في اشتقاق اللغة ما يكف الشيء من آخره، من ذلك كفُة القميص، يقال لحاشية القميص كُفة، وكل مستطيل فحرفه كُفَه، ويقال في كل مستدير كِفَّه، وذلك نحو كِفَّة الميزان، ويقال إِنَّما سميت كُفَّة الثوب لأنها تمنعه أن ينتشر، وأصل الكَف المنع، ومن هذا قيل لطرف اليد " كف " لأنها يكف بها عن سائر البدن، وهي الراحة مع الأصابع، ومن هذَا قيل رجل مكفوف، أي قد كُف بصره من أن ينظر: فمعنى الآية: ابْلغُوا في الِإسلام إلى حيث تنتهي شرائعه، فكفوا من أن تعدوا شرائعه. أو ادْخُلُوا كلكم حتى يكف عن عددٍ وأحدٍ لم يدْخل فيه. وقيل في معنى الآية أن قوعاً من إليهود أسلموا فأقاموا على تحريم السبت وتحريم أكل لحوم الِإبل، فأمرهم اللَّه أن يدخلوا في جميع شرائع الِإسلام وقال بعض أهل اللغة: جائز أن يكون أمرَهُمْ - وهم مؤمنون - أن يدخلوا في الِإيمان، أي بأن يقيموا على الِإيمان ويكونوا فيما يستقبلون عليه كما قال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ)، وكلاَ القولين

стр. 242

جائز لأن الله ، قد أمر بالِإقامة على الِإسلام فقال: (وَلَا تَمُوتُنَّ إِلا وَأنْتم مُسْلِمونَ). * * * وقوله : (وَلَا تَتبِعُوا خطواتِ الشيْطَانِ). أي لا تقتفوا آثاره، لأنَّ تَركَكم شيئاً من شرائع الِإسلام اتباع الشيطان. (خُطُواتِ) جمع خطوة، وفيها ثلاث لغات: خُطُوات، وخطَوات، وخُطْوات، وقد بيَّنَّا العلة في هذا الجمع فيما سلف (من الكتاب). * * * وقوله : (فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٠٩) يقال زل يزِل زَلاً وزلَلاً جميعاً، ومَزلَّة، وزل - في الطين زليلًا، ومعنى (زَلَلْتُمْ) تنحيتم عن القصد والشرائع. (فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ). ومعنى (عَزِيزٌ): لا يُعْجِزونه ولا يُعجزه شيء. ومعنى (حَكِيمٌ)، أي حكيم فيما فطركم عليه، وفيما شرع لكم من دينه. * * * ْوقوله : (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٢١٠) قال أهل اللغة معناه يأتيهم اللَّه بما وعدهم من العذاب، والحساب كما قال: (فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا) أي آتاهم بخذلانه إياهم. و (ظُلَلٍ) جمع ظُلَّة. و (الملائكة) تقرأ على وجهين بالضم والكَسْر فمن قرأ الملائكةُ بالرفع،

стр. 243

فالمعنى ينظرون إلا أن يأتيهُبم اللَّه والملائكةُ، والرفع هو الوجه المختار عند أهل اللغة في القراءَة، ومن قرأ والملائكة، فالمعنى هل ينظرون إلا أن يأتيهُمُ الله في ظلل مِنَ الغمام وظُلَل منَ الملائكة. ومعنى (وَقُضِيَ الأمْرُ) أي فرغ لهم ما كانوا يُوعَدُونَ. ومعنى (وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ) وتَرجِعُ الأمور - يقرأان جميعاً - تُرَدُّ فإن قال قائل أليست الأمور - الآن وفي كل وقت - راجعة إِلى الله ، فالمعنى في هذا: الإعْلامُ في أمر الحساب والثواب والعقاب، أي إِليه تصيرون فيعذب من يشاءُ ويرحم من يشاءُ. * * * وقوله : (سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢١١) الخطاب للنبي ﷺ والمعنى له ولسائر المؤمنين وغيرهم. المعنى أنهم أعْطُوا آياتٍ بينات قد تقدم ذكرها، وقد علموا صحة أمر النبي ﷺ وجحدوا، وهم عالمون بحقيقته. * * * وقوله : (وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ). يعني به في هذا الموضع حُجَجَ اللَّه الدالة على أمر نبيه ﷺ فإن الله شديد العقاب (أي شَدِيدُ التعْذِيبِ). * * * وقوله : (زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢١٢) رُفِعَ على ما لم يسم فاعله، و (زُيِّنَ) جاز فيه لفظ التذكير، ولو كانت زُيِّنَت لكان صواباً. وزين صواب حسن، لأن تأنيث الحياة ليس بحقيقي، لأن معنى الحياة ومعنى العيش واحد، وقد فُصِلَ أيضاً بين الفعل وبين الاسم المؤنث.

стр. 244

وقيل في قوله (زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا) قولان: قال بعضهم زينها لهم إِبْلِيس، لأن اللَّه قَد زَهَّد فيها وأعلم أنها متاع الغرور. وقال بعضهم: معناه أن اللَّه خلق فيها الأشياءَ المعجبة فنظر إليها الذين كفروا بأكثر من مقدارها، ودليل قول هُؤلاءِ قوله تعالى: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ) وكلٌّ جائز. * * * وقوله : (وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا). كان قوم من المشركين يسخرون من المسلمين لأن حالهم في ذات اليد كانت قليلة، فأعلم اللَّه بأن الذين اتقوا فوقهم يوم القيامة. لأن المسلمين في عليين والفجَّارَ في الجحيم، قال اللَّه (إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩. ومعنى: (واللَّهُ يَرْزقُ مَنْ يَشَاءُ بغَيْر حِسَابٍ). أي ليس يَرْزُق المؤمنَ على قدر إيمانه ولا يَرزُقُ الكافرَ على قدر كفره. فهذا معنى (بغير حساب) - أي ليس يحاسبه بالرزق في الدنيا على قدر العمل، ولكن الرزق في الآخرة على قدر العمل وما يتفضل اللَّه به جلَّ وعزَّ. قوله : (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢١٣) أي على دين واحد، والأمة في اللغة أشياءُ، فمنها الأمة الدين، وهو هذا، والأمة القَامة يقال فلان حسن الأمَّة، أي حسن القامة. قال الشاعر: وأن معاوية الأكرمين حِسَان الوجُوه طوال الأمَمْ

стр. 245

أي طوال القامات، والأمة القرن من الناس، يقولون قد مضت أمَمٌ أي قرون، والأمة الرجَل الذي لا نظير له. ومنه قوله (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا). قال أبو عبيدة معنى (كَانَ أُمَّةً) كان إمَاماً، والأمة في اللغة النَعْمَةُ والخير. قال عدي بن زيد. ثم بعد الفلاح والرشد والأمَّةِ وارتْهُمُ هناك القبور. أي بعد النعمة والخير، وذكر أبو عمرو الشيباني أن العرب تقول للشيخ إذا كان باقي القوة فلان بِأمَّةٍ، ومعناه راجع إلى الخير والنعمة، لأن بقاءَ قوته من أعظم النعمة، وأصل هذا كله من القصد، يقال أمَمْتُ الشيءَ إذا قصدْتُه، فمعنى الأمة في الدين أن مقصدهم مقصد واحد، ومعنى الأمة في الرجل المنفرد الذي لا نظير له، أن قصده منفرد من قصد سائر الناس. ويروى أن زيد بن عدي بن نفيل يبعث يوم القيامة أمة وحده وإنما

стр. 246

ذلك لأنه أسلم في الجاهلية قبل مبعث النبي ﷺ فمات موحداً فهذا أمة في وقته لانفراده، وبيت النابغة: حلفت فلم أترك لنفسك ريبة. . . وهل يأثمن ذو أمَّةٍ وهو طائع ويروى ذو أمَةَ، وذو إمة، ويحتمل ضربين من التفسير: ذو أمة: ذو دين وذو أمة: ذو نعمة أسْدَيَتْ إليه، ومعنى الأمة القامة: سائر مقصد الجسد. فليس يخرج شيء من هذا الباب عن معنى أممت أي قصدت، ويقال إِمامنا هذا حَسنُ الأمة أي يقوم بإمامتهِ بنَا في صلاته ويحسن ذلك. وقالوا في معنى الآية غيرَ قول: قالوا كان الناس فيما بين آدم ونوح ﵉ كُفاراً، فبعث الله النبيين يبشرون من أطاع بالجنة، وينذرون من عصي بالنار، وقال قوم: معنى كان الناس أمَّة واحدةً، كان كل من بعث إليه الأنبياءِ كفاراً: (فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ) ونصب (مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ) على الحال، فالمعنى أن أمم الأنبياءِ الذين بعث إليهم الأنبياءَ كانوا كفاراً - كما كانت هذه الأمة قبل مبعث النبي ﷺ . * * * وقوله : (لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ). أي ليفصل بينهم بالحكمة. * * * وقوله : (وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ). أي ما اختلف في أمر النبي ﷺ إلا الذين أعْطُوا علمَ حَقيقتِهِ. وقوله: (بَغْيًا بَيْنَهُمْ) نصب (بَغْيًا) على معنى مفعول له، المعنى لم يوقعوا الاختلاف إلا

стр. 247

للبغي، لأنهم عالمون حقيقة أمره في كتبهم. وقوله : (فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ). أي للحق الذي اختلف فيه أهل الزيغ. * * * وقوله : (بِإِذْنِهِ) أي بعلمه، أي من الحق الذي أمَرَ به. * * * وقوله : (يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ). أي إلى طريق الدين الواضح، ومعنى (يَهْدي من يشاءُ): يدله على طريق الهدى إذا طلبه غير متعنت ولا باغ. * * * وقوله : (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤) معناه: بل أحسبتم أن تدخلوا الجنة. * * * وقوله : (وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ). معنى (مثل الذين): أي صفة الذين، أي ولما يصبكم مثل الذي أصاب الذين خلوا من قبلكم، و (خلوا) - مضوا. (مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ) البأْساءُ والضراءُ: القتل والفقر. و (زُلزلوا) معنى (زلزلوا) - خُوِّفُوا وحُركُوا بما يُؤْذي، وأصل الزلزلة في اللغة من زَلً الشيءَ عن مكانه فإذا قلت زلزلة فتأويله كررت زلزلته من مكانه، وكل ما فيه ترجع كررت فيه فاءُ التفعيل، تقول أقل فلان الشيءَ إذا رفعه من مكانه فإِذا كرر رفعه ورده قيل قلقله، وكذا صل، وصَلْصَل وصَر وصَرْصَرَ، فعلى هذا قياس هذا الباب. فالمعنى أنه يكرر عليهم التحريك بالخوف. * * * وقوله : (حتى يقولَ الرسُولُ).

стр. 248

قرئت حتى يقولَ الرسولُ - بالنصب - ويقولُ - بالرفع. وإِذا نصبت بحتىٍ فقلت سرت حتى أدخلها. فزعم سيبويه والخليل وجميع أهل النحو الموثوق بعلمهم أن هذا ينتصب على وجهين. فأحد الوجهين أن يكون الدخول غاية السير، والسير والدخول قد نصبا جميعاً، فالمعنى: سرت إِلى دخولها، وقد مضى الدخول، فعلى هذا نصبت الآية: المعنى وزلزلوا إِلى أن يقول الرسول. وكأنه حتى قول الرسول. ووجهها الآخر في النصب أعني سرت حتى أدخلها أن يكون السير قد وقع والدخول لم يقع، ويكون المعنى سرت كي أدخلها - وليس هذا وَجْه نَصْب الآية. ورفع ما بعد حتى على وجهين، فأحد الوجهين هو وجه الرفع في الآية. والمعنى سرت حتى أدخلها، وقد مضى السير والدخول كأنَّه بمنزلة قولك سرت فأدخلها. بمنزلة: (سِرْتً) فدخلتها، وصارت حتى ههنا مما لا يَعْمَل في الفعل شيئاً، لأنها تلي الجمل، تقول سرت حتى أني دَاخل - وقول الشاعر: فيا عجبا حتى كليب تَسُبُّنِي. . . كَأنَّ أباها نهشَلٌ أو مُجَاشِع فعملها في الجمل في معناها لا في لفظها. والتأويل سرت حتى دخولها وعلى هذا وجه الآية. ويجوز أن يكون السير قد مضى والدخول واقع الآن وقد انقطع السير، تقول سرت حتى أدخلها الأن ما امْنَع فَهذه جملة باب حتى. . ومعنى الآية أن الجهد قد بلغ بالأمم التي قبل هذه الأمة حتى استبطأوا النصر، فقال الله : (أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ).

стр. 249

فأعلم أولياءَه أنَّه ناصرهم لا محالةَ، وأن ذلك قريب منهم كما قال: (فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (٥٦). * * * وقوله : (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢١٥) قيل إِنهم كانوا سألوا: عَلى مَنْ ينبغي أن يُفْضِلوا - فأعلم اللَّه أن أول مَن تُفُضِّلَ عليه الوالدان والأقربون، فقال: (قُلْ مَا أنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ) أي من مال: (فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ). أي يحصيه، وإِذا أحصاه جازى عليه، كما قال: (فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره). أي يرى المجازاة عليه، لأن رؤْية فعله الماضي لا فائدة فيه. ولا يرى لأنه قد مضى. ومعنى " مَاذَا " في اللغة على ضربين، فأحدهما أن يكون " ذا " في معنى الذي، ويكون ينفقون من صلته، المعنى يسألونك أي شيءٍ الذي ينفقون كأنه أي شيء وجه الذي ينفقون، لأنهم يعلمون ما المنفق ولكنهم أرادوا علم اللَّه وجهه. ومثل جعلهم " ذَا " في معنى الذي قول الشاعر:

стр. 250

عَدَسْ ما لعَبَّادٍ عليك إمارَةٌ. . . أَمِنْتِ وهذا تَحْملين طليقُ والمعنى والذي تحملينه طليق، فيكون ما رفعاً بالابتداءِ، ويكون ذا خبرها. وجائز أن يكون " مَا " " مع " " ذا " بمنزلة اسم واحد، ويكون المَوضِع نَصباً بـ (ينفقون). المعنى يسألونك أي شيءٍ ينفقون، وهذا إِجماع النحويين، وكذلك الوجه الأول إِجماعٌ أيضاً، ومثل جعلهم ذا بمنزلة اسم واحد، قول الشاعر: دَعِي ماذا علمت سأتقيه. . . ولكن بالمغيب فنبئيني كأنه بمنزلة: دعي الذي علمت. وجزم (وَمَا تَفْعَلوا) بالشرط، واسم الشرط " ما " والجواب (فَإنَّ اللَّه بِهِ عَلِيمٌ) وموضع " ما " نصب بقوله (تَفْعَلوا). * * * وقوله : (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦) معنى (كتب عليكم) فرض عليكم، والكره يقال فيه كرِهت الشيءَ كًرْهاً وكَرْهاً، وكَرَاهة، وكَرَاهِيَةً، وكل ما في كتاب الله من الكُرْهِ فالفتح جائز فيه، تقول الكُره والكَرْه اِلا أن هذا الحرف الذي في هذا الآية - ذكر أبو عبيدةَ - أن الناس مجمعونَ على ضَمهِ، كذلك قراءَة أهل الحجاز وأهل الكوفة جميعاً (وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ) فضموا هذا الحرف.
следующие страницы →