← Тафсир

Тафсир · id 922

معاني القرآن وإعرابه للزجاج

الزجاج

Полный текст (2 149 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

سُورَةُ الطور (مَكِّيَّة) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله: (وَالطُّورِ (١) قسم، والطور الجبل، وجاء في التفسير أنه الجبل الذي كَلَّمَ اللَّه عليه موسى ﵇. * * * (وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣) الكتاب ههنا ما أثبت على بني آدم من أعمالهم. * * * (وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (٤) فىِ التفسير أنه بيت في السماء بإزاء الكعبة يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم يخرجون منه وَلَا يَعُودُونَ إليه. * * * وقوله: (إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (٧) جواب القسم، أي وهذه الأشياء إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ). وجائز أن يكون المعنى - واللَّه أعلم - ورب هذه الأشياء (إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ). * * * وقوله: (يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (٩) (تمور) تدور. و" يومَ " منصوبُ بقوله (إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ). أي لواقع يوم القيامة.

стр. 1857

(فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١١) والويل كلمة يقولها العرب لكل من وقع في هلكة. * * * قوله: (الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ (١٢) أي يشاغلهم بكفرهم لعب عاقِبتُه العذاب. * * * (يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣) أي يوم يزعجون إليها إزعاجاً شديداً، ويدفعون دفعاً عنيفاً، ومن هذا قوله: (الذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ)، أي يدفعه عما يجب له. * * * وقوله: (هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٤) المعنى فيقال لهم: (هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ). (والبَحْرِ المَسْجُورِ). جاء في التفسير أن البحر يسجر فيكون نار جهنم. وأما أهل اللغة فقالوا: البحر المسجور المملوء. وأنشدوا: إِذا شاء طالَعَ مَسْجُورَةً. . . تَرى حَوْلَها النَّبْعَ والسَّاسَما يعني ترى حولها عيناً مملوءة بالماء. * * * وقوله : (أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ (١٥) لفظ هذه الألف لفظ الاستفهام، ومعناها ههنا التوبيخ والتقريع أي أتصدقون الآن أن عذاب الله لواقع. * * * وقوله : (اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٦) (سَوَاءٌ) مرفوع بالابتداء، والخبر محذوف، المعنى سواء عليكم الصبر والجزع.

стр. 1858

(إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ). معنى إنما ههنا ما تجزون إِلَّا ما كنتم تعملون، أي الأمر جارٍ عليكم على العدل، ما جوزيتم إِلَّا أعمالكم. * * * وقوله: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ (١٧) فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (١٨) (فَكِهِينَ) و (فَاكِهِينَ) جميعاً، والنصب على الحال. ومعنى (فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ) أي معجبين بما آتاهم رَبُّهُمْ * * * (وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ). أي غفر لهم ذنوبهم التي توَجِبُ النَّار بإسلامهم وتوبتهم. * * * وقوله : (كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٩) المعنى: يقال لهم كلوا واشربوا هنيئاً. و (هنيئاً) منصوب وهو صفة في موضع المصدر. المعنى كلوا واشربوا هُنِّئتُمْ هَنيئاً وليهنكم ما صرتم إِليه. * * * وقوله: (يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ (٢٣) معنى (يتنازعون) يتعاطون فيها كأساً، يُتَناول هذا الكأس من يد هذا وهذا من يد هذا. وقوله: (لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ) معناه لا يجري بينهم ما يُلْغَى، أي لا يجري بينهم باطل ولا ما فيه إثم كما يجري في الدنيا لِشَرَبَةِ الخمر. والكأسُ في اللُغة الإِنَاءُ المملوء، فإذا كان فارغاً فليس بكأس. وتقرأ: لا لغوَ فيها ولا تَأثِيمَ. بالنَصْبِ. فمن رفع فعلى ضربين: على الرفع بالابتداء، و " فِيْهَا " هو الخبر. وعلى أن يكون " لا " في مذهب " ليس " رافعة. أنشد سيبويه وغيره: مَن صَدَّ عن نِيرانِها. . . فأنا ابن قيس لاَ بَراحُ

стр. 1859

ومن نصب فعلى النَّفْي والتبرية كما قال في قوله: لا ريب فيهِ، إلا أن الاختيارَ عند النحويين إذا كررَتْ " لا " في هذا الموضع الرفع. والنصْبُ عند جميعهم جائز حَسَن. * * * وقوله : (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٥) قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ (٢٦) الكلام - واللَّه أعلم - يدل ههنا أنهم يتساءلون في الجنَّة عن أحوالهم التي كانت في الدنيا، كان بعضهم يقولُ لبعض: بم صرت إلى هذه المنزلة الرفيعة، وفي الكلام دليل على ذلك وهو قوله في جواب المسألة: (إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ). أي مشفقين من المصير إلى عذاب الله ، فعملنا بطَاعَتِه، ثم قرنوا الجوابَ مع ذلك بالِإخلاص والتوحيد بقولهم: (إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ). أي نُوَحِّدُه ولا ندعو إلهاً غيره. * * * (فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ (٢٧) أي عذاب سموم جهنم. * * * وقوله: : (فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ (٢٩) أي ذكرهم بما أعتَدْنَا للمتقِينَ المؤمنين والضلال للكافِرِين. (فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ) أي لست تقول ما تَقُولُه كهانَة، ولا تنطق إِلَّا بَوَحيٍ من الله . * * * وقوله: (أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (٣٠) (رَيْبَ المَنُونِ) حوادث الدهر. * * * (قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ (٣١)

стр. 1860

فجاء في التفسير أن هؤلاء الذين قالوا هذا - وكان فيهم أبو جهل - هلكوا كلهم قبل وفاة رسول اللهِ ﷺ . * * * وقوله: (أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (٣٢) أي أتأمرهم أحْلَامُهُم بترك القبول ممن يدعوهم إلى التوحيد وتأتيهم على ذلك بالدلائل، ويعملون أحْجَاراً ويعبدونها. (أمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ). أي أم هم يكفرون طغياناً وقد ظهر لهم الحق. * * * (فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (٣٤) أي إذا قالوا أن النبي ﷺ تقوله فقد زعموا أنه من قول البشر، فليَقولوا مثلَهُ فما رام أحَدٌ مِنهم أن يقول مثل عَشْرِ سُور ولا مثل سورةٍ. * * * وقوله: (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) معناه بل أُخلِقُوا من غير شيء. وفي هذه الآية قولان: وهي مِنْ أصْعَب ما في هذه السورة. قال بعض أهل اللغة: ليس هم بأشد خلقاً من خلق السَّمَاوَات والأرض، لأن السَّمَاوَات والأرض خُلِقَتَا من غير شيء، وهم خُلِقوا من آدم وآدم من تراب. وقيل فيها قولٌ آخر، (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ) أَمْ خُلِقُوا لِغَيْرِ شَيْءٍ أي خلقوا باطِلًا لا يحاسبون ولا يؤمرون ولا يَنْهَوْنَ. * * * ْوقوله: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّاتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّاتِهُمْ). وقرئت (أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ) وقرئت " واتبعتم ذُريَّتُهُمْ " وكلا الوجهين جائز، الذُرية تقع على الجماعة، والذريَّات جَمِع، وذُرَيَّة على التوحيد أكثر. وتأويل الآية أن الأبناء إذا كانوا مؤمنين، وكانت مراتب آبائهم في الجنة

стр. 1861

أعلى من مراتبهم ألحق الأبناء بالآباء، ولم ينْقص الآباء من عملهم شيئاً. وكذلك إن كان عَمَل الآبَاء أنقَص، أُلْحِقَ الآبَاءُ بالأبْنَاءِ. * * * وقوله : (وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ). معناه ما أنْقَصْنَاهم، يقال ألَتَه يَألِته ألْتاً إِذَا نَقَصَة. قال الشاعِرْ أَبْلِغْ بَني ثُعَلٍ عَنِّي مُغَلْغَلَةً. . . جَهْدَ الرِّسالَةِ لا أَلْتاً ولا كَذِبا ويقال لأته يليتهُ لَيْتاً إذا نَقَصَهُ وصرفَهُ عن الشيء. قال الشاعر: وليلةٍ ذات ندى سَريْتُ. . . وَلَم يَلتْني عن هواها ليتُ (١) * * * وقوله : (أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ (٣٧) المصيطرون: الأرباب المتسَلِّطونَ. يقال: قد سيطر علينا وتسيطر وتسيطر. بالسين والصّاد. والأصل السين، وكل سين بعدها طاء يجوز أن تقلب صاداً، تقول: سيطر وصيطر، وسطا وصَطا. وتفسير (أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ) أي عندهم ما في خزائن ربك من العلم. وقيل - في " خزائن ربك " أي رزق ربك. * * * وقوله : (أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٣٨) وقال أهل اللغة: - معنى يستمعون فيه، يستمعون عليه ومثله: (لَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ) أي على جذوع النخل. (فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ).

стр. 1862

أي بحجة واضحة، والمعنى - واللَّه أعلم - أنهم كجبريل الذي يأتي النبي ﷺ بالوحي ويبيِّنُ تبيينه عن اللَّه، ما كان وما يكون. ثم سفر أحلامهم في جعلهم البنات للَّهِ فقال: * * * (ام لَهُ البَنَات وَأ@كُم البَنُونَ). - أي أنتم يجعلواط للَّهِ ما تكرهون وأنتم حكماءْ عند أنفسكم. * * * (أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٠) المعنى أن الحجة واجبة عليهم من كل جهة، لأنك أتيتهم بالبيان والبرهان ولم تسألهم على ذلك أجراً. * * * ْوقوله جلَّ وعزَّ: (أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ (٤٢) أي أم يريدون لكفرهم وطغيانهم كيداً. فاللَّه عزَّ رجل يكيدهم ويجزيهم بكيدهم العذاب في الدنيا والآخرة. * * * وقوله : (أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٤٣) المعنى بل ألَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ. فإن قال قائل: هم يزعمون أن الأصنام آلهتهم، فإن قيل لهم: (أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ)؟ فالجواب في ذلك ألَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يخلق ويرْزق ويفعل ما يعجز عنه المخلوقون، فمن يفعل ذلك إلا الله ، ثم نَزَهَ نفسه فقال: (سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ). جاء في التفسير وفي اللغة أن معناه تنزيه اللَّهِ - عمَّا يشركون، أي عمن يجعلون شريكاً لِلَّهِ . * * * وقوله: (وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ (٤٤) أي وإن يروا قطعة من العذاب يقولوا لشدة طغيانهم وكفرهم: هذا سحاب مركوم، ومركوم قد ركم بعضا، على بعض، وهذا في قوم من أئمة الكفر وهم الذين

стр. 1863

قال اللَّه فيهم: (وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (١٥). فأعلمَ اللَّهُ أن هُؤلَاءِ لَا يَعْتَبِرونَ وَلَا يوقِنُونَ ولا يؤمنون بأبْهَرِ ما يكون من الآيات. * * * وقوله : (فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (٤٥) (يَصْعَقُونَ) وقرئت: (يُصْعَقُونَ)، أي فذرهم إلى يوم القيامةِ. ثم أعلم أنه يعجل لهم العذاب في الدنيا فقال: (وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٤٧) المعنى وإن للذين ظلموا عذاباً دون عذاب الآخرة، يعني من القتل والأسر وسبي الذَارَارِي الَّذِي نزل بهم، وأعلم اللَّه أنه ناصِرٌ دينه ومهلك من عادى نبيه، ثم أمره بالصبر إلى أن يقع العذاب بهم فقال: (وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (٤٨) أي فإنك بحيث نراك ونحفظك ونرعاك، ولا يصلون إلى مكروهك. (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ). أي حين تقوم من منامك، وقيل حين تقوم في صلاتك، وهو ما يُقَالُ مع التكبير: سبحانك اللهم وبحمدك. * * * (وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ (٤٩) وقرئت (وَأَدْبَارَ النُّجُومِ). فمن قرأ (إِدْبَارَ) بالكسر فعلى المصدر أَدبَرْت إِدْباراً. ومن قرأ (أَدْبَارَ) بالفتح فهو جمع دبر. وأجمعوا في التفسير أن معنى (أَدْبَارَ السًّجُودِ) معناه صلاة الركعتين بعد المغرب، وأن (إِدْبَارَ النُّجُومِ) صلاة ركعتي الغداة.

стр. 1864

سُورَةُ النَّجْم بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله تعالى: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) أقسم اللَّه بالنَّجم. وقوله: (مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) جَوَاب القسم. وجاء في التفير أن النجم الثريَّا، وكذلك يسميها العَرَبُ، وجاء أيضاً في التفسير أن النجم نزول القرآن نَجماً بعد نجم، وكان ينزل منه الآية والآيتان، وكان بين أول نزوله إلى استتمامه عشرون سنةً. وقال بعض أهل اللغة: النجم بمعنى النجوم وأنشدوا. فباتت تَعُدُّ النَّجْمَ في مُسْتَحيرةٍ. . . سَريعٍ بأَيدي الآكِلينَ جُمودُها يصف قِدراً كثيرة الدسم، ومعنى تعد النجم أي من صفاء دسمها ترى النجوم فيه، والمستحيرة القدر، فقال يجمد على الأيدي الدَّسَمَ مِنْ كَثْرتِه وقالوا مثله: (فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ). ومعنى: (إذَا هَوَى)، إذا سقط، وإذا كان معناه نزول القرآن فالمعنى في " إذَا هَوَى "، إذَا نزل (١).

стр. 1865

(مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) يعني النبي ﷺ . * * * وقوله: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) أي ما الذي يأتيكم به مِما قَاله بهَواه. * * * (إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) " إن " بمعنى " ما "، المعنى: ما هو إلا وحي. * * * (عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥) يعني به جبريل ﵇. * * * وقوله: (ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (٦) (ذُو مِرَّةٍ) من نعت قوله (شَدِيدُ الْقُوَى)، والمرة القوة. (عَلَّمَهُ) علم النبي ﷺ . * * * وقوله: (فَاسْتَوَى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧) قال بعض أهل اللغة: " هو " ههنا يعنى به النبي ﵇. المعنى فاستوى جبريل والنبي ﷺ بالأفق الأعلى. وهذا عند أهل اللغة لا يجوز مثله إلا في الشعر إلا أن يكون مثل قولك: استويت أنا وزيدٌ، ويستقبحون استويت وزيدٌ. وإنما المعنى استوى جبريل وهو بالأفق الأعلى على صورته الحقيقية. لأنه كان يتمثل للنبي ﷺ إذا هبط عليه بالوحي في صورة رجلٍ، فأحبَّ رسول اللَّهِ أن يراه على حقيقته فاستوى في أفق المشرق فملأ الأفق. فالمعنى - واللَّه أعلم - فاستوى جبريل في الأفق الأعلى على صورته. * * * (ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) ومعنى (دَنَا، وَتَدَلى) واحد، لأن المعنى أنه قَربَ، وتدلى زَادَ في القرب. كما تقول: قد دنا فلان مني وقرب، ولو قلت: قد قُرَبَ مني ودنا جاز. * * * (فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩)

стр. 1866

المعنى كان ما بينه وبين رسول اللَّه مقدار قوسين مِنَ القَسِيِّ العربيةِ أو أقرب. وهذا الموضع يحتاج إلى شرح لأن القائل قد يقول: ليس تَخْلُو " أو " من أن تكون للشك أو لغير الشك. فإن كانت للشك فمحال أن يكون موضع شك. وإن كان معناها بل أدنى، بل أقْرَبُ فما كانت الحاجة إلى أن يقول: (فكان قاب قَوْسَيْن) - كان ينبغي أن يكون كان أدنى من قاب قَوسَينْ. والجواب في هذا - والله أعلم - أن العباد خوطبوا على لغتهم ومقدار فهمهم وقيل لهم في هذا ما يقال للذي يحزر (١)، فالمعنى فكان على ما تُقَدرونَه أنتم قدر قوسين أو أدنى من ذلك، كما تقول في الذي تقدره: هذا قدر رُمْحَينِ أو أنقص من رُمْحَين أو أرجح. وقد مرَّ مثل هذا في قوله: (وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ). * * * (فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠) أي فَأوحى جبريل إلى النبي ﵇ ما أوحى. * * * قوله: (مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١) وقرئت: (مَا كَذَّبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى) بتشديد الذَّال. * * * وقوله: (لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨) جاء في التفسير أن النبي ﷺ رأى رَبَّهُ بقلبه، وأنه فَضْلٌ خُصَّ به كما خُصَّ إبراهيم ﵇ بِالخُلَّةِ. وقيل رأى أمراً عظيماً، وتفسيره (لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى). * * * وقوله : (أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (١٢)

стр. 1867

(أفَتمْروُنه) و (أفَتُمارُونَه) وقرئت بالوجهين جميعاً، فمن قرأ (أفَتَمرونَهُ) فالمعنى أفتَجْحَدونَهُ. ومن قرأ (أفَتُمارُونَه) فمعناه أتجادولنه فى أنه رأى اللَّه - عز وجل - بقلبه، وأنه رأى الكبرى من آياته. * * * وقوله تعالى: (مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧) أي ما زاغ بصر رسول الله ﷺ وَمَا طَغَى، ما عدل وَلاَ جَاوَزَ القصدَ في رؤيته جبريل قد ملأ الأفقَ. * * * وقوله تعالى: (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) أي رآه مرة أخرى عند سدرة المنتهى. * * * (عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥) جاء في التفسير أنها جنة تصير إليها أرواح الشهداء، فلما قصَّ هذه الأقاصيص، وأعلم كيف قصه جبريل، وأن النبي ﷺ يأتيه ذلك من عند اللَّه الذي ليس كمثله شيء قيل لهم: * * * (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠) كأن المعنى - واللَّهُ أعلم - أخبرونا عن هذه الآلهة التي لكم تعبدونها من دون اللَّه هل لها من هذه القدرة والعظمة التي وصف بها رب العزة - جلَّ وعزَّ - شيء. وجاء في التفسير أن اللَّاتَ صَنَمٌ كان لثقيف يعبدونه، وأن العُزَّى سَمُرة، وهي شجرة كانت لغطفانَ يعبدونها، وأن مَنَاة صخرة كانت لِهذَيْلٍ وخزاعة يعبدونها من دون اللَّه. فقيل لهم أخبرونا عن هذه الآلهة التي تَعْبدونَها وتعبدون معها الملائكة، تزعمون أن الملائكة وهذه بنات اللَّه. فوبَّخَهمْ اللَّه فقال: أرأيتم هذه الإناث ألِلَّهِ هي وأنتم تَخْتَارونُ الذُكْرَانَ. وذلك قوله: (أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١).

стр. 1868

ومن قرأ (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَّ وَالْعُزَّى) بتشديد التاء فزعموا أن رَجُلًا كان يَلِتُّ السَّويق وَيَبيعُة عند ذلك الصنم فسمي الصنمُ اللَّاتّ - بتشديد التاء - والأكثر " اللَّاتَ " بتخفيف التاء. وكان الكسائي يقف عليها بالهاء، يقول " اللاه " وهذا قياس والأجود في هذا اتباع المصحف والوقف عليها بالتاء. وقرئت (عِنْدَهَا جَنَّهُ الْمَأْوَى) - بالهاء - والأجود (جَنَّةُ الْمَأْوَى)، لأنه جاء في التفسير كما ذكرنا أنه يحل فيها أرواح الشهداء (١). * * * وقوله : (تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢) أي جَعْلكم للَّهِ البنات ولكم البنين. والضِّيزى في كلام العرب: الناقصةُ الجائرة، يقال: ضازه يَضِيزُه: إذا نقصه حَقَّه، ويقال: ضَأَزَه يَضْأَزُه بالهمز. وأجمع النحويُّون أن أصل ضِيزَى: ضُوزًى، وحُجَّتُهم أنها نُقلت من «فُعْلى» من ضْوزى إلى ضِيزى، لتَسلم الياء، كما قالوا: أبيض وبِيْض، وأصله: بُوضٌ، فنُقلت الضَّمَّة إلى الكسرة. . وقرأت على بعض العلماء باللُّغة: في «ضيزى» لغات؛ يقال: ضِيزَى، وضُوزَى، وضُؤْزَى، وضَأْزَى على «فَعْلى» مفتوحة؛ ولا يجوز في القرآن إلاّ «ضِيزى» بياءٍ غير مهموزة؛ وإنما لم يقُل النحويُّون: إنها على أصلها لأنهم لا يعرفون في الكلام «فِعْلى» صفة، إنما يعرفون الصِّفات على «فَعْلَى» بالفتح، نحو سَكُرَى وغَضْبى، أو بالضم، نحو حُبْلى وفُضْلى. . وكذلك قالوا مشية - حيكى، وهي مشية يحيك فيها صاحبها، يقال: حاك يحيك إذا تبختر، فحيكى عندَهم فعْلَى أيضاً (٢). * * * وقوله (وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (٢٦) جاء (شَفَاعَتُهُمْ) واللفظ لفظ واحد، ولو قيل شفاعته لجاز ولكن المعنى

стр. 1869

معنى جماعة، لأن " كَمْ " سؤال عن عَدَدٍ وإخبار بِعَدَدٍ كثير، لأن " رُبَّ " لِلْقِلَّةِ و " كم " للكثرة، ومعنى شفاعتهم ههنا يفسرها قوله : (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧) رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٨) وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩). فأعلم اللَّه ، أنَّهُمْ لَا يَشْفَعُون إلَّا لمن - ارْتَضَى. فهذا تأويل قوله (لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى). * * * وقوله : (إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى (٢٧) وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (٢٨) أي يقولون إن الملائكة بنات اللَّه . * * * وقوله: (ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى (٣٠) لأنه وَصَفَهُمْ بأنهم لا يريدونَ إلا الحياة الدنيا فقال: (فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٢٩) ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ). إنّما يعلمون ما يحتاجون إليه في مَعَاشِهِم، فقد نبذوا أمر الآخرة وراء ظهورهم. * * * وقوله : (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (٣٢) قيل إن اللمم نحو القُبلة والنظرة وما أشبه ذلك، وقيل إلا اللمم إلَّا أن يكون العبد قد ألمَّ بفاحشة ثم تاب. * * * وقوله : (إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ). يدل هذا على أن اللمم هوَ أن يَكونَ الِإنْسانُ قد ألم بالمعصية ولم يُصِرّ ولم يُقِمْ على ذلك، وإنما الِإلْمَامُ في اللغة يوجب أنك تأتي الشيء الوقت ولا تقيم

стр. 1870

عليه، فهذا - واللَّه أعلم - معنى اللْمَم في هذا الموضع. * * * وقوله (أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (٣٣) وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى (٣٤) معنى " أكدى " قطع، وأصله من الحفر في البئر يقال للحافر إذا حَفَر البئر فبلغ إلى حَجَرٍ لا يمكنه معه الحفر: قد بلغ إلى الكدية، فعند ذلك يقطع الحفر. * * * وقوله: (أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى (٣٥) معناه فهو يعلم والرؤية على ضربين: أحَدُهُمَا " رَأيتُ " أبصَرتُ والآخر عَلِمْتُ، كما تقول: رأيت زيداً أخاكَ وَصَدِيقَكَ مَعْنَاهُ عَلِمْتُ. ألا تَرَى أن المَكفُوفَ يقول: رأيت زيداً عَاقِلًا، فلو كان من رؤية العَيْنِ لم يجز. * * * وقوله : (أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧) أي قضى، يقال إن إبراهيم ﷺ وَفَّى مَا أمِرَ به، وما امْتحِنَ به من ذبح وَلدِه، فعزم على ذلك حتى فداه اللَّه بالذبح وامْتُحِن بالصبر على عداوة قومه حين أُجِّجَتْ له النار فطُرِحَ فيها، وَأمِرَ أيضاً - بالاختَتانِ فاختتن، وقيل وفَّى وهي أبلغ من وَفَى لأن الذي امتُحِنَ به من أعظم المِحَنِ. ومعنى (أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَهِيمَ) أي أم لم يخبر، ثم أعلم ما في الصحف. * * * ومَوْضعُ (أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨) خَفْضٌ،. المعنى أم لم يُنَبأ بأن لا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى. وَ " أنْ " ههنا بدل من (ما) ويجوز أن تكون " أنْ " في مَوْضع رَفْع على إضمار " هو " كَأنهُ لما قِيلَ: بما في صحف موسى قيل: مَا هوَ؛ قيل هو (أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى). ومعناه ولا تؤخذ نفس بإثم غيرها. وكذلك قوله: (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)

стр. 1871

أي هذا أيضاً مما في صحف إبراهيم وموسى ﵉. وَمَعْنَاه: ليس للِإنسان إلَّا جزاء سعيه، إن عَمِلَ خيراً جزِيَ خيراً. وإن عَمِل شرًّا جزِيَ شرَّا. . وتزر من وَزَرَ يَزِز إذَا كسبَ وِزْرَاً وهو الِإثم. * * * وقوله : (وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (٤٠) إن قَالَ قَائِلٌ: إن الله يَرَى عَمَلَ كل عَامِلٍ ويعلمه، فما معنى (سَوْفَ يُرَى)؟ فالمعنى أنه يرى العَبْدُ سَعْيَة يوم القيامَةِ، أي يرى في مِيزَانه عَمَلَه. * * * (ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (٤١) أي يجزي عمله أوفى جزاء. وجائز أن تقرأ سَوْفَ يَرى، والأجْوَدُ يُرَى. لأن قولك إنَّ زيداً سوف أكرم، فيه ضَعْفٌ لأن إنَّ عاملة وأكرم عاملة، فلا يجوز أن ينتصب الاسم من وجْهَيْن، ولكن يجوز على إضمار الهاء، على معنى سوف يراهُ، أو على إضمار الهاء في " أن " تقول: إن زيداً سَأكْرِمُ، على أنه زيد سأكرم. * * * ْوقوله تعالى: (وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (٤٢) أي إليه المرجع، وهذا كله في صحف إبراهيم ومُوسَى. * * * (وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى (٤٨) قيل في (أَقْنَى) قولان: أحدهما (أَقْنَى) هو أرضَى. والآخر (أَقْنَى) جعل له قِنْيَةً، أي جعل الغنى أصْلاً لِصَاحِبِه ثَابتاً. ومن هذا قولك: قد أقْتَنَيت كذا وكذْا. أي عملت على أنه يكون عِنْدِي لا أخرجه مِنْ يَدِي. * * * وقوله : (وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى (٤٩)

стр. 1872

الشعرى كوكب خَلْفَ الجوزاء، وهو أحد كوكبي ذِرَاع الأسَد، وكان قوم من العرب يعبدون الشعرى، فأعلم اللَّه - جلَّ وعزَّ - أنه رَبُّها وأنه خَالِقُهَا، وهوَ المَعْبُود (١). * * * (وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى (٥٠) هؤلاء هم قوم هودٍ، وهم أُولَى عَادٍ. فأما الأولى ففيها ثلاثِ لُغاتٍ: بسكون اللام وإثْباتِ الهَمْزَةِ، وهي أجْوَد اللغَاتِ والتي تَليها في الجَوْدَةِ " الأولى " - بضم اللام وطرح الهَمْزَةِ، وكان يجب في القياس إذا تحركت اللام أن تسقطَ ألف الوَصْلِ، لأن ألِفَ الوَصْلِ اجْتُلِبَتْ لسكون اللام، ولكن جاز ثُبُوتهَا لأن ألف لَامِ المَعْرِفَةِ لا تسقط مع ألف الاستفهام "، فخالفت ألفات الوَصْلِ. ومن العرب من يقول: لُولي - يريد الأولى - فطرح الهمزة لتحرك اللام. وَقَدْ قُرِئ (عاداً لُّوْلى). على هذه اللغَةِ، وأُدغِمَ التنوين في اللام. والأكثرْ عاداً الأولى بكسر التنوين (٢). * * * وقوله : (وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى (٥١) ثمود نسق على عادٍ، ولا يجوز أن ينصب بقوله (فَمَا أَبْقَى) لأنَّ مَا بَعْدَ الفاء لا يعمل فيما قبلها، لا تقول: زيداً فضربت. فكيف وَقَدْ أتت " ما " بعد الفاء. وأكثر النحويين لا ينصب ما قبل الفاء بما بعدها. والمعنى وأهلك ثمود فما أبقاهم. * * * (وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى (٥٣) المؤتفكة المخسوفُ بهَا، أي ائتفكت بأهلها، ومعنى أهوى، أي رُفِعَتْ حِينَْ خُسِفَ بهم إلى نحو السماء حتى سمع من في السماء أصوات أهل مدينة قوم لوط ثم أهويت أي ألقِيَتْ في الهاوية.

стр. 1873

(فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى (٥٤) معناه فغشاها اللَّه من العذاب ما غَشَّى. * * * وقوله : (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى (٥٥) هذا - واللَّه أعلم - خطاب للِإنسانِ. لما عدَّدَ عليه مما فعله الله به، مما يدل على وحدانيته. كان المعنى أيها الإنسان فبأيِّ نِعم ربِّك التي تدُلُّك على أنه واحدٌ تتشكَّك؟، لأن [المراد به الشَكُّ]. * * * وقوله: (هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى (٥٦) أي النبي ﷺ مجراه في الِإنذار مجرى مَنْ تَقَدَّمَة من الأنبياء، صلوات اللَّه عَلَيْهم، وجائز أن يكون في معنى هذا إنذار لكم، كما أنذر من قبلكم وقد أعلمتم بما قص الله عليكم من حال من كذب بالرُسُلِ، وما وقع بهم من الإهلاك. * * * وقوله: (أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (٥٧) معناه قربَ القريبة، تقول: قد أزف الشيء إذا قرب ودنا، وهذا مثل (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ). * * * ومعنى (لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ (٥٨) معناه لا يكشف علمها متى تكون أحَدٌ إلا الله ، كما قال - (لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ). * * * (أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (٥٩) أي مما يتلى عليكم من كتاب اللَّه، (تَعْجَبُونَ (٥٩) وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ (٦٠) وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ (٦١). تفسيره: لاهون.

стр. 1874

وقوله: (فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (٦٢) معناه فاسجدوا للَّهِ الذي خلق السماوات والأرَضِين، ولا تعبدوا اللَّاتَ والعُزى ومناة الثالثة الأخرى، والشِّعْرَى، لأنه قَدْ جرى ذكر معبوداتهم في هذه السورة.

стр. 1875

سُورَةُ القَمَر بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) أجمع المفسرون، - ورَوينا عن أهل العلم الموثوق بهم - أن القمر انشق على عهد رسول الله ﷺ . قال أبو إسحاق: وزعم قوم عَندُوا عَنِ القَصْدِ وما عليه أهل العلم: أنَّ تاوِيله أن القمر ينشق يوم القيامة، والأمر بين في اللفظ وإجْماعِ أهلِ العلم لأن قوله: (وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (٢) فكيف يكون هذا في القيامَةِ. قال أبو إسحاق: وجميع ما أملم عليكم في هذا ما حَدثني به إسماعيل ابن إسحاق قال حَدثَنَا محمد بن المنهال، قال حَدثنا يزيد بن زرَيْع قال ثَنَا شعْبةَ عن قَتَادة - عن أنس أن أهل مكة سألوا النبي ﷺ آية فَأراهم القَمَرَ مَرتَيْنِ انشقاقَه، وكان يذكر هذا الحديث عند هذه الآية: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ). حدثنا إسماعيل بن إسحاق قال ثنا مسَدد، قال ثنا يحيى عن شعبة عن قتادة عن أَنَسٍ قال: انشق القمر فرقين.

стр. 1876

ثنا نصر بن علي قال ثنا حرمي بن عمارة، قال ثنا شعبة عن قتادة عَنْ أنس بن مالك قال: انشق القمر على عهد رسول اللَّه ﷺ . حدثنا إسماعيل قال ثنا محمد بن عيد قال ثنا محمد بن ثور عن معمر عن قتادة عَن أنَس قال: سأل أهل مكة النبي ﷺ آية فانشق القمر بمكة مرتين، فقال: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (٢). يعني ذَاهِبٌ. ثنا إسماعيل قال ثنا نصر قال ثنا أبو أحمد قال ثنا إسرائيل عن سماك عن إبراهيم عن الأسود عن عبد اللَّه قال: انشق القَمَرُ فأبصرت الجبل بين فرجتي القَمَر. ثنا إسماعيل قال ثنا نصر قال حدثَنِي أبي قال أخبرنا إسرائيل عن سماك عن إبراهيم عن الأسود عن عبد اللَّه في قوله: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ) قال: انشق القمر حتى رأيت الجبل بين فلقتي القَمَر. ثنا إسماعيل قال ثنا محمد بن عبد اللَّه بن نمير قال ثنا أبو مُعاويَةَ قال ثنا الأعمش عن إبراهيم عن أبي معمر عن عبد اللَّه قال: انشق القمر ونحن مع النبي ﷺ بمعنى حتى ذهبت فرقة منه خلف الجبل فقال رسول الله ﷺ ، اشْهَدُوا. ثنا إسماعيل قال ثنا مسدد قال ثنا يحيى عن شعبةَ وسفيانٍ عن الأعْمش وعن إبراهيم عن أبي مَعْمَر عن أبي مسعود قال: انشق القمر على عهد النبي ﷺ فرقتين فرقة فوق الجبل وفرقة دونه. فقال رسول اللَّه ﷺ اشهدوا ثنا إسماعيل قال ثنا مسعود قال ثنا يحيى عن شعبة عن الأعمش عن مجاهدٍ عن ابن عمر مثله. ثنا إسماعيل قال ثنا علي بن عبد اللَّه قال ثنا سفيان قال أخبرنا ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن أبي معمر عن عبد اللَّه: انشق القمر على عهد

стр. 1877

رسول الله ﷺ شقتين، فقال لنا رسول الله ﷺ اشهدوا اشهدوا. ثنا إسماعيل قال قال علي وحدثنا به مَرةً أخرى عن ابن أبي نجيح عن مجاهِدٍ عن أبي معمر عن عبد الله بن مسعود: انشق القمر شقتين حتى رأيناه. فقال لنا رسول الله ﷺ اشْهَدُوا. ثنا إسماعيل قال ثنا محمد بن أبي بكر قال ثنا محمد بن كثير عن سليمان يعني ابن كثير عن حصين عن محمد بن جبير عن أبيه، قال: انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ فرقتين على هذا الجبل وعلى هذا الجبل فقال الناس: سحرنا محمدٌ، فقال رجل: إنْ سَحَركم فلم يسحر الناسَ كُلَّهُمْ. وحدثنا إسماعيل قال ثنا محمد بن أبي بكر قال ثنا زهير بن إسحاق عن دَاودَ عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: ثلاث قد ذكرهن الله في القرآن قد تقضين: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ). فقد انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ شقتين حتى رآه الناس. ثنا إسماعيل قال ثنا نصر بن علي قال ثنا عبد الأعلى قال ثنا داود بن أبي هِنْدٍ عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ). قال: قد مضى قبل الهجرة وانشق القمر حتى - رأوا شقتيه. حدثنا إسماعيل قال ثنا علي بن عبد الله قال: ثنا سفيان قال قال عمرو عن عكرمة قال انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ فقال المشركون سَحَرَ القمَر سَحَر القمَرَ، فأنزل اللَّه : (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (٢). ْحدثنا إسماعيل قال ثنا محمد بن أبيْ بكرقال ثنا الضحاك بن مخلد عن ابن جريج عن عمروٍ عن عكرمة: انشق القَمَرُ على عهد رسول الله ﷺ فقال

стр. 1878

المشركون: سَحَرَ القَمَرَ، سَحَرَ القَمَرَ، فنزلت: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (٢). حدثنا إسماعيل قال ثنا عَارِمُ بْنُ الْفَضْلِ وسليمان بن حرب قالا: ثنا حماد ابن زيد عن عكرمة عن عطار بن السائب عن أبي عبد الرحمن السُّلَّمِي قال: انطلقت مع أبي يوم الجمعة فخطبنا حذيفة - وقال سليمان في حديثه: فخطب حذَيْفَةُ وهو بالمدائن فتلا: ((اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ)، ثم قال: ألا إن الساعة قد اقتربت وإن القمر قد انشق، إلا وإن المضمار اليوم والسباق غدا، قال سليمان في حديثه: فقلت لأبي يا أبتاه ترسل الخيل غداً وقال عارم في حديثه: فقلت لأبي يستبق الناس غداً، فلما كانت الجمعة التي تليها خطبنا فتلا: ((اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ)، فقال: ألا اُن الساعة قد اقتربت وإن القمر قد انشقَّ على عهد نبيكم ﷺ ألا وإن المضمار اليوم والسباق غداً، والغاية النار والسابق من سبق إلى الجَنَّةِ. حدثنا إسماعيل قال: ثنا حجاج بن المنهال قال: حدثنا حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن عبد اللَّه بن حبيب، قال: كنا بالمدائن فجئنا إلى الجمعة فخطبنا حذيفة فحمد اللَّه وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإن الله تبارك وتعالى يقول: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ)، ألا إِنَّ اليَوْمَ المضمار وغداً السباق، ألا وَإن الغاية النَّارُ، فلما كانت الجمعة الأخرى خطبنا فحمد اللَّه وأثنى عليه قال فقال مثل قوله، وقال: السابق من سبق إلى الجنة. ثنا إسماعيل ثنا علي قال ثنا سُفْيَانُ عن سليمان، وقَطَرٍ عن مسلم عن مسروق عن عبد الله قال: مضى اللزام ومضت البطشة ومضى الدخان ومضى الروم - حدثنا إسماعيل قال ثنا عبد الله بن إسماعيل عن عبد الرحمن بن زيد

стр. 1879

ابن أسلم في قول اللَّه : ((اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ) قال ابن زيد: انشق القمرُ في زمان رسول اللَّه ﷺ فكان يرى نصفه على قُعَيْقِعَانَ والنصف الآخر على أبي قيس. * * * وقوله : (وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (٢) أي ذاهب وقيل دائم. * * * وقوله : (وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ (٣) تأويله أنه يستقر لأهل النار عملهم ولأهل الجنة عملهم. * * * وقوله َ: (وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (٤) يعنى من أخبار من قد سلف، قبلهم فأهلكوا بتكذيبهم ما فيه مُزْدَجَر، أي ما فيه مُنْتَهَى، تقول: نهيتُه فانتهى وزجرته فازدجر. والأصل فازتجر بالتاء، ولكن التاء إذا وقعت بعد زَايٍ أبدلت دَالًا نحو مُزْدَان أصله مزْتَان، وكذلك مزتجر. وإنما أبدلت دالًا لأن التاء حرف مهموس والزاي حرف مجهورٌ فأبْدِلَ من التاء من مكانها حرف مجهورٌ، وهو دال، فهذا لَا يفهمه إلا من أحكم كل العربية، وهذا في آخر كتاب سيبويه، والذي ينبغي أن يقال للمتعلم إذا بنيت افتعل أو مفتعل مِما أوله زاي فاقلب التاء دَالاً، نحو ازدجر ومزدجر. * * * وقال : (حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ (٥) رُفِعَتْ (حِكمَةٌ) بدلاً من " ما ". المعنى ولقد جاءهم حكمة بالغة. وإن شئت رفعت حكمة بإضمار (هو) المعني هو حكمة بالغة. وقوله: (فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ). " ما " جائز أن يكون في لفظ الاستفهام، ومعناها التوبيخ، فيكون المعنى فأي شيء تُغْنِي النُّذُرُ، ويكون موضعها نصباً بـ (تُغْنِ). ويجوز أن يكون نفياً على معنى فليست تغني النذر.

стр. 1880

وقوله: (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ (٦) وقف التمام (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ). وقوله (إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ) إلى ما كانوا يَنْكِرونَهُ من البعث، فتول عنهم يوم كذا في الآية. و (يَوْمَ) منصوب بقوله (يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ). فأمَّا حذفُ الواو من (يدعُو) في الكتاب فلأنها تحذف في اللفظ لالتقاء السَّاكنين، وهما الواو من (يدعُو) واللام من (الداعِي)، فأجريت في الكتاب على ما يلفظ بها، وأما الداعي فإثبات الياء فيه أجْوَدُ. وقد يجوز حذفها لأن - الكسرة تدل عليها. * * * وقوله : (خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ (٧) منصوب على الحال. المعنى يخرجون من الأجداث خشَعاً أبصارهم. وقرئت (خَاشِعاً أبْصَارهُم). وقرأ ابن مسعود (خَاشِعةً أبصارُهم). ولك في أسماء الفاعلين إذا تقدمت على الجماعة التوحيد نحو خاشعاً أبصارهم، ولك التوحيد والتأنيث - لتأنيث الجماعة - خاشعة أبصارهم. ولك الجمع نحو خُشَعاً أبْصَارُهم. تقول: مررتُ بشبَّانٍ حَسَنٍ أوجههم، وحِسَانٍ أوْجُهُهُمْ، وحَسَنَةٍ أوجههم، قال الشاعر: وشَبابٍ حَسَنٍ أَوْجُهُهُمْ. . . مِنْ إِياد بْنِ نِزَارِ بْنِ مَعَدّ * * * - وقوله : (مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (٨) مَنْصُوبٌ أيضاً على - الحال. المعنى يخرجون خُشَعاً أبصارُهُم مهطعين. ومعنى (مُهْطِعِينَ) ناظِرين لا يقلعون أبْصَارُهم. * * * وقوله: (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (٩) أي كذبتِ قوم نُوحٍ نُوحاً قبل قومك يا مُحمدُ. * * * (وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ). وقالوا هو مجنون كما قال قومك يا محمد لك ﷺ وعليهم أجمعين

стр. 1881

وازدُجِر، زُجِرَ بالشَتْمِ. وقد بيَّنَّا ما في مزدجر في انقلاب التاء دَالاً وأصل هذا وازتجر. * * * وقوله: (فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠) والقراءة (أَنِّي) بفتح الألف وقرأ عيسى بن عمر النحوي (إِنِّي) - بكسر الألف - وفسر سيبويه (إِنِّي) بالكسر فقال على إرادة القول على معنى فَدَعَا رَبَّهُ فقال إِنِّي مَغْلُوبٌ. قال: ومثله: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى). المعنى، قالوا ما نعبدهم إلا لقربونا. ومن فتح - وهو الوجه - فالمعنى دَعَا رَبَّهُ بأَنِّي مَغْلُوبٌ. * * * وقوله: (فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) المعنى فأجبنا دعاءه فنصرناه، وبيَّن النَصْرَ الذي نصر به فقال: (فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ). ينصبُّ انصباباً شديداً. * * * (وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢) هذا أكثر القراءة (عُيُونًا) بِالضم. وقد رويت (عِيُوناً) - بكسر العين - وهي رديئة في العربية. * * * وقوله : (فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ). يعني ماء السماء والأرض ولم يقل فالتقى الماءان، ولو كان ذلك لكان جائزاً، إلا أن الماء اسم يجمع مَاء الأرض وماءَ السماء. ومعنى (عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ) أي قدْ قُدِرَ في اللوح المحفوظ. وقيلَ قَدْ قُدِرَ أي كان قدر ماء السماء كقدر ماء الأرض. * * * (وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣) المعنى على سفينة ذات ألواح. والدُّسُر اسم المسامير والشُّرُط التي

стр. 1882

تُشَدِّ بها الألواح، وكل شيء نحو السَّمْر أو إدخال شيء في شيءٍ بقوَّة وشِدة قَهر فهو دَسْر، يقال: دَسَرْتُ المسمار أدْسُرُه وأَدْسِرُه. والدُّسُر: واحدها دِسار، نحو حِمار، وحُمُر. * * * وقوله: (تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ (١٤) أي فعلنا ذلك جزاء لنوح وأصحابه، أي - نجيناه ومن آمن مَعَهُ، وأغرقنا من كذَّبَ به جزاء لِماصُنِعَ بِهِ. * * * وقوله: (تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا) أي تجري بمرأى مِنَا وحفظ. * * * قوله : (وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٥) أي تركنا هذه الفَعْلَة وأمر سفينة نُوحٍ، آيَةً أي علامَةً لِيُعْتَبَرَ بها. (فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ). القراءة بالدال غير المعجمة، وأصله مُذْتَكِر بالذال والتاء، ولكن التاء أبدل منها الدال، والذال من موضع التاء، وهي أشبه بالدال من التاء فأدغمت الذال في الدالِ، فهذا هو الوجه، أعني القراءة بالدال - غير معجمة - وقد قال بعض العرَبِ (مُذَّكِر) بالذال معجمةً، فأدغم الثاني في الأول وهذا ليس بالوجه إنما الوجه إدغام الأول في الثاني. * * * وقوله : (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧) المعنى سَهَّلْنَا، وَقِيل: إنَّ كُتبَ أهل الأديانَ نحو التوراة والِإنجيل إنما يتلوها أهلها نظراً، ولا يكادون يحفظون كُتُبَهُمْ من أولها إلى آخرها كما يحفظ القرآنُ. * * * وقوله : (إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (١٩) صَرْصَر شديدة البرد.

стр. 1883

(فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ). يعني نَحس مشؤوم، مستمر أي دائم الشؤم، وقيل في يوم أربعاء في آخر الشهر لا يدورُ. * * * وقوله : (تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (٢٠) " كَأنَّهُمْ " ههنا في موضع الحال. والمعنى تنزع الناس مُشْبِهِينَ النَخْلَ المنْقَعِر، فالمنْقَعِرُ المقطوع من أُصُوله، وكانت الريحُ تَكُبُّهُمْ على وُجوهِهِم. وقوله: (مُنْقَعِرٍ) النخل يذكَّرُ ويؤنث، يقال: هذا نخل، وهذه نَخْلٌ فمنقعِرٌ على من قال: هذا نخل، ومن قال: هذه نخل. فمثل قوله تعالى (أعجازُ نَخْلٍ خَاوَية). * * * وقوله : (كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (٢٣) النُّذُر جمعُ نَذِير. * * * (فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٢٤) (بَشَرًا) منصوب بِفعل مُضْمر الذي ظهر يُفَسِرهُ، المعنى أنتَبعُ بشراً. * * * وقوله : (إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ). معناه إنا إذاً لفي ضلال وجنون، يقال: ناقة مسعورة إذا كان بها جُنونٌ. ويجوز أن يكون على معنى إن اتبعناه فنحن في ضَلَال وفي عَذَابٍ. * * * وقوله: (بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (٢٥) (أشِرٌ) بمعنى بَطِر، يقال: (أشِرَ يأْشَرُ أشراً فهو (أشِرٌ، مثل بَطِر يبطَر بَطَراً فهو بَطِر. * * * وقوله : (إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ (٢٧) (فتنةً) منصوب مفعول له، المعنى إنا مرسلو النَّاقة لنفتنهم، أي لنختبرهم.

стр. 1884

وقوله : (وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ (٢٨) أي الماء قسمة بين الناقة وبين ثمود لها يوم ولهم يوم، وهذا معناه كل شرب محتضر، يحْضَر القوم الشرب يوماً، وتحضر الناقة يَوْماً. * * * (فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ (٢٩) وكان يقال له أحمر ثمود، وَأحَيمْر ثمود، والعرب تَغْلِط فتجعَل أحمر عادٍ فنضرب به المثل في الشؤم، قال زهير يَصِف حَرْباً. فَتُنْتَجْ لكم غِلمانَ أَشأَم كلُّهُمْ. . . كأَحْمَرِ عاد ثم تُرْضِعْ فَتَفْطِمِ ومعنى (فَتَعَاطَى فَعَقَرَ) فَتَعَاطى عَقْرَ النَاقَةِ فعقر فبلغ ما أرادَ. * * * وقوله تعالى:: (إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ (٣١) بكسر الظاء، ويقرأ المححتظر بفتح الظاء، والهشيم ما يبسَ من الورق وتَكسَّر وتحطَّم، أي فكانوا كالهشيم الذي يجمعه صاحب الحظيرة، أي قد بلغ الغاية في الجفاف، حتى بلغ إلى أن يجمع ليوقد. ومن قرأ (المحتظَر) - بفتح الظاء - فهو اسم للحظيرة. المعنى كهشيم المكان الذي يُحتَظر فيه الهشيم. ومن قرأ (المحْتَظِر). - بكسر الظاء نسبة إلى الذي يجمع الهشيم من الحطب في الحظيرة، فإن ذلك المحتظِر، لأنه فاعل. * * * وقوله تعالى: (إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ (٣٤) " سَحَر " إذا كان نكرة يراد به سحراً من الأسحار انصرف، تقول: أتيت زيداً سحراً من الأسحار، فإذا أردت سحر يومك قلت أتيته لِسَحَر يا هَذَا وأتيته سَحَرَ يا هذا. * * * وقوله تعالى: (نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ (٣٥) منصوب مفعول له. المعنى نجيناهم للِإنعام عليهم. ولو قرئت " نعمةٌ مِنْ عِنْدَنَا " كان وجهاً، ويكون المعنى تلك

стр. 1885

نِعمَةٌ مِنْ عِندِنا، وَإِنْجَاؤنَا إِياهُمْ نعمة من عندنا. قال أبو إسحاقَ: ولكني لا أعلم أحداً قرأ بها، فلا تقرأنَّ بها إلَّا أن تثبت رواية صحيحة. قال مشايخنا من أهل العلم: القراءة سُنَّةٌ متَّبُعَة، ولا يرون أن يقرأْ أحد بما يجوز في العربية إِذَا لَمْ تَثْبُتْ رِوَايةٌ صحيحة. * * * وقوله : (وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ (٣٨) بكرة وغدوة إذا كانتا نكرتين نونَتَا وصُرِفَتَا، وإذا أرَدْتَ بهما بكرة يومك وغداة يومك لم تصرفهما، فـ (بكرة) ههنا نكرة، ولو كانت قرئت بكرةَ عَذَاب مستقر، وقرئت " نجيناهم بسَحَرَ نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا " كانتا جائزتين في العربية. يكون المعنى بكرةَ يومهم، وسَحَر يَوْمِهِمْ، ولكن النكرة والصرف أجود في هذه الآية، ولم تثبت رواية في أنه كان في يوم كذا من شهر كذا. * * * ْوقوله تعالى: (وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٧) راودَ قومُ لوط لوطاً عن ضيفه، وهم الملائكة، فأمر اللَّه جبريل فسفق أعينهم بجناحيه سَفْقَةً، فأذهبها وَطَمَسَها، فبقوا في البيت عمياً حيارى. * * * وقوله عزَّ. وجلَّ: (أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ (٤٣) أي أكفاركم يا معشر العرب، ومن أرسل إليه النبي ﷺ (خيرٌ مِن أولائكم) أي الكفار الذين ذكرنا أقَاصِيصَهُمْ وَإِهْلَاكَهُمْ. (أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ). أي أم أتاكم في الكُتُبِ أنكم مبرَّأُونَ مِمَّا يُوجِبُ عِدَاءَكُمْ. * * * (أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (٤٤) والمعنى بل أَيَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ، فيدلون بقوة واجتماع عليك،

стр. 1886

ثم أعلم اللَّه أنه يهلِكُهُمْ في الجهة التي يقدرون الغلبة منها فقال: (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥) فأعلم الله نبيَّه ﵇ أنه يظهره عليهم ويجعل كلمته العلْيَا، فقال: (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ). فكانت هذه الهزيمةُ يوم بَدْرٍ (١). * * * ثم قال : (بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ (٤٦) أي لَيْسَ مَا نَزَلَ بِهِمْ مِنَ الْقَتْلِ في يوم بدر والأسر بمخفف عنهم من عذاب الآخرة شيئاً، فقال: (وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ). أي أشَدُّ، وكل داهية فمعناها الأمر الشديد الذي لا يُهْتَدى لدوائه. ومعنى (وَأَمَرُّ) أشد مَرَارَةً من القتل والأسر. * * * وقوله: (إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٤٧) في التفسير إن هذه الآية نزلت في القَدَرِيَّةِ. * * * وقوله تعالى: (يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) المعنى يقال لهم: (ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ). * * * (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩) أي كل ما خلقنا فمقدورمكتوب في اللوح المحفوظ قبل وقوعه. ونصب " كُلَّ شَيْءٍ " بفعل مضمر، المعنى إنا خلقنا كل شيء خلقناه بِقَدَرٍ. ويدل على هذا (وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (٥٢) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (٥٣) (مُسْتَطَرٌ) مفعول من السطر، المعنى كل صَغِيرْ من الذنوب وكبير مستطر مكتوب على فاعليه قبل أن يفعلوه، ومكتوب لهم وعليهم إذا فعلوه لِيجازَوْا عَلَى أفعالهم. * * * وقوله: (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ). المعنى وُيوَلُّونَ الأدْبَارَ، كما قال: (وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ).

стр. 1887

وكذا المعنى في قوله: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) المعنى في جنات وأنهار والاسم الواحد يدل على الجميع فَيجْتَزأ بِهِ من الجميع. وأنشد سيبويه والخليل: بها جِيَف الحَسْرى فأمَّا عِظامُها. . . فَبيضٌ وأَمَّا جِلْدُها فَصَلِيبُ يريدون وأما جلودها. وأنشد: في حَلْقِكمْ عَظْمٌ وَقَدْ شجينا المعنى في حلوقكم عظام، وَكما قال: كُلُوا في بعض بَطْنِكُم تَعِفُّوا. . . فإنَّ زمانَكمْ زَمَنٌ خَمِيصُ المعنى كلوا في بعض بطونكم (١).

стр. 1888

سُورَةُ الرَّحْمَنِ (مَكِّيَّة) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله : (الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) (الرَّحْمَنُ) اسم من أسماء الله تعالى. لا يقال لغيره، وهو في الكتب المتقدمَة، ومعناه الكثير الرحمة. * * * وقوله: (عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) معناه يسَّرهُ لأن يذكر. * * * وقوله: (خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (٤) قيل إنه يعني بالِإنسان ههنا النبي ﷺ عَلَّمَهُ البَيَانَ. علمه القرآن الذي فيه بيان كل شيء. وقيل الإنسان ههنا آدم ﷺ . ويجوز في اللغة أن يكون الِإنسان اسماً لجنس الناس جميعاً، ويكون على هذا المعنى عَلَّمَه البَيانَ جعله مميزاً حتى انفصل الِإنسان من جميع الحيوان. * * * وقوله تعالى: (الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (٥) (الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ) مرفوعان بالابتداء. وقوله (بِحُسْبَانٍ) يَدُل عَلَى خبرِ الابتداء ويكون المعنى: الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ يجريان بحسابٍ، وبكون أيْضاً معنى (بِحُسْبَانٍ) أنهما، يَدُلانِ على عدد الشهور والسنين وجميع الأوقات. * * * وقوله تعالى: (وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (٦)

стр. 1889

قال أهل اللغة وأكثر أهل التفسير: النجم كل ما نبت على وجه الأرض مما ليس له سَاق. والشَجَرُ كل ما له ساق، ومعنى سجودهما دوران الظل معهما كما قال: (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ). وقد قيل إنَّ النجم أيضاً يراد به النجوم. وهذا جائز أن يكون، لأن اللَّه قد أعلمنا أن النجم يسجد، فقال: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ). ويجوز أن يكون النجم ههنا يعني به ما نبت على وجه الأرض وما طلع من نجوم السماء، يقال لكل ما طلع: قَدْ نَجَمَ. * * * وقوله: (وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (٧) المعنى رفعها فوق الأرض وأمسكها أن تقع على الأرض، ووضع الميزان لينتصف بعض الناس من بعض. وقيل: الميزان ههنا العدل، لأن المعادَلةَ موازنة الأشياء. * * * وقوله: (أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (٨) ألا يجاوزوا القدر والعدل. ويجوز (أَلَّا تَطْغَوْا) بمعنى اللام، " لأن ْ لَا تَطْغَوْا " وتكون (أَلَّا تَطْغَوْا) على النهي ومعنى " أن " التفسير. فيكون المعنى - واللَّه أعلم - ووضع الميزان أي لا تطغوا في الميزان. ويدل عليه المعطوف عليه وهو قوله: (وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (٩) القراءة بضم التاء، وروى أهل اللغة: أَخْسَرْت المِيزَانَ وَخَسَرْتُ، فعلى

стр. 1890

خَسَرت " ولا تَخْسِروا ". ولا تقرأنَّ بها إلا أن تثبت رواية صَحيحةٌ عن إمام في القراءة. وقد رُوِي أن إنساناً قرأ بها من المتقدمين ولكنه ليس مِمن أخذت عنه القراءة ولا له حرف يقرأ بِه. * * * وقوله: (وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ (١٠) الأنَامُ الِإنْسُ والجِنُّ. * * * وقوله : (فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ (١١) معنى (الأكمام) ما غَطَّى وكل شجرة تخرج ما هو مُكَمَّم فهي ذات أَكمام وأَكمامُ النخلة ما غَطى جُمّارَها من السَّعَف والليف والجِذْع وكلُّ ما أَخرجته النخلة فهو ذو أَكمام فالطَّلْعة كُمُّها قشرها ومن هذا قيل للقَلَنْسُوة كُمَّة لأنها تُغَطِّي الرأْس ومن هذا كُمّا القميص لأنهما يغطيان اليدين. * * * وقوله : (وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ (١٢) ويقرأ والريحانَ، وأكثر القراءة (والريْحَانُ). والعصف ورق الزرع ويقال التِّبْن هو العصْفُ، ويقال العَصْفَة (١) قال الشاعر. تَسْقي مَذانِبَ قد مَالَتْ عَصِيفتُها. . . جُدُورُها من أَتِيِّ الماء مَطْمُومُ ويروى بأتِيَ الماء. ومعنى (ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ) ذو الورق [والرِّزقُ]، العرب تقول: سبْحَانَ اللَّه وَرَيْحانه. قال أهل اللغة: معناه واسترزاقه، قال النمر بن تولب. سلام الإِله وريحانه. . . ورحمته وسماء درر قال: معنى ريحانه رزقه لمن قرأ، (والريْحَانِ) عطف على العصف، ومن

стр. 1891

قرأ: (والريْحَانُ) عطف على (الْحَبُّ) ويكون المعنى فيهما فاكهة فيهما الحب ذو العصف وفيهما الريحان، فيكون الريحان ههنا الريحان الذي يشم، ويكون أيضاً ههنا الرزق. فذكر اللَّه في هذه السورة ما يدل على وحدانيته من خلق الِإنسان وتعليم البيان ومن خلق الشمسِ والقمر والسماء والأرض ثم خاطب الِإنس والجن فقال: * * * (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٣) أي: فَبِأَيِّ نِعَمِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ من هذه الأشياء المذكورة، لأنها كلها منعم بها عليكم في دلالتها إياكم على وحدانيته وفي رزقه إياكم ما به قوامكم والوصلة إلى حياتكم، والآلاء واحدها أَلَى وَإِلْيٌ (١)، وكل ما في السورة من قوله (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) فمعناه على ما فسَّرْناه، فَبِأَيِّ نِعَمِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١). * * * قوله : (خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤) وقال في موضع آخر: (إنَا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ) وقال: (مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ) وقال: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ). وهذه الألفاظ التي قال الله إنه خلق الِإنسان منها مختلفة اللفظ وهي في المعنى راجعة إلى أصل وَاحدٍ. فأصل الطين التراب. فأعلم اللَّه أنه خلق آدم من تراب جُعِلَ طيناً ثم انتقل فصار كالْحمَأ ثم انتقل فصار صَلْصَالًا كالْفَخار، والصلصال اليابس، فهذا كله أصله التراب وليس فيه شيء ينقض بعضه بعضاًء وإنما شرحنا هذا لأن قوماً من

стр. 1892

الملحدين يسألون عن مثل هذا ليُلْبِسُوا على الضعفة، فأعلم اللَّه من أي شيء خلق أبا الإنس جميعاً آدم ﵇، وأعلم من أي شي: خلق أصل الجنِّ فقال: (وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ (١٥) والمارج اللهب المختلط بسواد النَّار. * * * وقوله : (رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (١٧) يعنى به مشرقَي الشمس وكذلك القمر، ومغربي الشمس والقَمَر، فأحَدُ المشرقين مشرق الشتاء والآخر مشرق الصيف، وكذلك المغربان. * * * وقوله : (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) معناه على الأرض. * * * قوله: (سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ (٣١) يعني بالثقلين الِإنس والجن. ويجوز ُ (سَنَفْرَغُ لَكُمْ) بفتح الراء. ويجوز (سَيَفْرُغُ) - بفتح الياء - ويجوز (سَيُفْرَغ لكم) - بضم الياء وفتح الراء - ومعناه سنقصد لِحِسَابِكُمْ، واللَّه لا يَشْغَلُه شأن عن شأن. والفراغ في اللغة على ضربين: أحدهما الفراغ من شُغلٍ والآخر القصد للشيء، تقول: قد فرغت مما كنت فيه. أي قد زال شغلي به، وتقول: سَأتَفَرغ لفلانٍ، أي سأجْعَلُ قَصْدِي له (١). * * * وقوله : (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (٣٣) والأقطار النَواحي. (لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ). أي حيثما كنتم شاهدتم حجةً لِلَّهِ وسلطاناً تدل على أنه واحدٌ. * * * وقوله : (يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ (٣٥) ويقرأ (ونحاسٍ) - بكسر السين - والنحاس الدُّخان، والشواظ اللهب الذي لا دُخَانَ معه.

стр. 1893

وقوله : (مَرَجَ البَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ). معنى مرج خلط، يعني البحر الملح والبحر العذب. وقوله تعالى: (بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يبغِيَانِ). البرزخ الحاجز، وهو حاجز من قدرة اللَّه، لا يبغيان لا يَبْغي الملح على العذب فيختلط به، ولا العذب على الملح فيختلط به. * * * وقوله : (يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (٢٢) (المرجان) صغار اللؤلؤ، واللؤلؤ اسم جامع للحَبِّ الذي يخرج من البحر. وقال (يَخْرُجُ مِنْهُمَا) وإنما يخرج من البحر الملح لأنه قد ذكرهما وَجَمَعَهُمَا، فإذا خرج من أحدهما فقد خرج منهما، ومثل ذلك قوله : (أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (١٦). والشمس في السماء الدنْيَا إلَّا أنه لما أجمل ذكر السبع كان ما في إحداهن فِيهِنَ، ويقرأ: (يُخْرَجُ مِنْهُمَا) بضم الياء. * * * وقوله : (وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَئَاتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (٢٤) الجواري الوقف عليها بالياء، وإنما سقطت الياء في اللفظ لسكون اللام. والاختيار وصلها، وإن وقف عليها واقف بغير ياء فذلك جائز على بعد. ولكن يروم الكسر في الراء ليدل على حذف الياء. ويقرأ " المُنْشِآت " - بكسر الشين - والفتح أجود في الشين. ومعنى المنشئآت المرفوعات الشُّرُع. والمنشِئَات على معنى الحاملات الرافعات الشرع، ومعنى كالأعلام كالجبال، قال الشاعر:

стр. 1894

إذا قطعن عَلَمَاً بدا علم والجواري السُفُن. * * * وقوله : (فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ (٣٧) معنى (وَرْدَةً) صارت كلون الورد، وذلك في يوم القيامة. ومعنى (كَالدِّهَانِ) تتلون من الفزع الأكبر تَلَوْن الدهان المختلفة. والدِّهَان جمع دُهْنٍ، ودليل ذلِك قَوله (يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ) أي كالزيت الذي قد أُغْلِيَ. وقيل (فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ) أي فكانت كلون فرسٍ وردَةٍ. والكَمِيتُ الوردُ يتلون فيكون في الشتاء لونه خلاف لونه في الصيف. ويكون في الفصل لونه غير لونه في الشتاء والصيف. * * * (فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ (٣٩) وقال في موضع آخر (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤) فإذا كان ذلك اليوم كانت سيما المجرمين سواد الوجه والزرقة. ودليل ذلك قوله: (يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ) أي بعلامتهم هذه، ودليل ذلك قوله: (يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ)، وقوله: (وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا (١٠٢).

стр. 1895

وقوله: (فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ (٤١) قيل تجعل الأقدام مضمومة إلى النواصي من خلف ويلقون في النار. وذلك أشد لعذابهم، والتشويه بهم. * * * وقوله: (هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (٤٣) يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍءَانٍ (٤٤) يعني (آنٍ). قد أنى يأنى فهو آنٍ إذا انتهى في النضج والحرارة، فإذا استغاثوا من النار جعل غياثهم الحميم الآني الذي قد صار كالمهل، فيطاف بهم مرَّةً إلى الحميم ومرة إلى النار. أسْتَجِيرُ باللَّه وبرحمته منها. ثم أعلم اللَّه ما لمن اتقاه وخافه فقال: * * * (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦) قيل من أراد معصية فذكر ما عليه فيها فتركها خوفاً من اللَّه ورهبةَ عِقَابه ورجاء ثوابه فله جنتانِ. ثم وصفهما فقال: * * * (ذَوَاتَا أَفْنَانٍ (٤٨) والأفنان جمع فَنٍّ، أي له فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعْيُن من كل فَنٍّ، والأفنان الألْوانُ، والأفنان الأغصَانُ، واحدها فنَن، وهو أجود الوجهين (١). * * * وقوله : (فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ (٥٢) الزوجان النوعان. * * * وقوله: (فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (٥٦) معناه فيهن حورٌ قاصرات الطرف، قد قَصَرْنَ طرفَهُنَّ على أزوَاجِهِنَ لا ينظرن إلى غيرهم. * * * (لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ). لَمْ يَمْسَسْهُنَّ. ويقرأ " لَمْ يَطْمُثْهُنَّ "، وهي في القراءة قليلة، وفي اللغة
следующие страницы →