قرأ: (والريْحَانُ) عطف على (الْحَبُّ) ويكون المعنى فيهما فاكهة فيهما الحب ذو العصف وفيهما الريحان، فيكون الريحان ههنا الريحان الذي يشم، ويكون
أيضاً ههنا الرزق.
فذكر اللَّه في هذه السورة ما يدل على وحدانيته من خلق
الِإنسان وتعليم البيان ومن خلق الشمسِ والقمر والسماء والأرض ثم خاطب
الِإنس والجن فقال:
* * *
(فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٣)
أي: فَبِأَيِّ نِعَمِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ من هذه الأشياء المذكورة، لأنها كلها منعم
بها عليكم في دلالتها إياكم على وحدانيته وفي رزقه إياكم ما به قوامكم
والوصلة إلى حياتكم، والآلاء واحدها أَلَى وَإِلْيٌ (١)، وكل ما في السورة من قوله (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) فمعناه على ما فسَّرْناه، فَبِأَيِّ نِعَمِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١).
* * *
قوله : (خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤)
وقال في موضع آخر: (إنَا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ)
وقال: (مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ)
وقال: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ).
وهذه الألفاظ التي قال الله إنه خلق الِإنسان منها مختلفة
اللفظ وهي في المعنى راجعة إلى أصل وَاحدٍ.
فأصل الطين التراب.
فأعلم اللَّه أنه خلق آدم من تراب جُعِلَ طيناً ثم انتقل فصار
كالْحمَأ ثم انتقل فصار صَلْصَالًا كالْفَخار، والصلصال اليابس، فهذا كله أصله التراب وليس فيه شيء ينقض بعضه بعضاًء وإنما شرحنا هذا لأن قوماً من
стр. 1892
الملحدين يسألون عن مثل هذا ليُلْبِسُوا على الضعفة، فأعلم اللَّه من أي شيء خلق أبا الإنس جميعاً آدم ﵇، وأعلم من أي شي: خلق أصل الجنِّ فقال:
(وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ (١٥)
والمارج اللهب المختلط بسواد النَّار.
* * *
وقوله : (رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (١٧)
يعنى به مشرقَي الشمس وكذلك القمر، ومغربي الشمس والقَمَر، فأحَدُ
المشرقين مشرق الشتاء والآخر مشرق الصيف، وكذلك المغربان.
* * *
وقوله : (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦)
معناه على الأرض.
* * *
قوله: (سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ (٣١)
يعني بالثقلين الِإنس والجن.
ويجوز ُ (سَنَفْرَغُ لَكُمْ) بفتح الراء.
ويجوز (سَيَفْرُغُ) - بفتح الياء -
ويجوز (سَيُفْرَغ لكم) - بضم الياء وفتح الراء -
ومعناه سنقصد لِحِسَابِكُمْ، واللَّه لا يَشْغَلُه شأن عن شأن.
والفراغ في اللغة على ضربين:
أحدهما الفراغ من شُغلٍ
والآخر القصد للشيء، تقول: قد فرغت مما كنت فيه.
أي قد زال شغلي به، وتقول: سَأتَفَرغ لفلانٍ، أي سأجْعَلُ قَصْدِي له (١).
* * *
وقوله : (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (٣٣)
والأقطار النَواحي.
(لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ).
أي حيثما كنتم شاهدتم حجةً لِلَّهِ وسلطاناً تدل على أنه واحدٌ.
* * *
وقوله : (يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ (٣٥)
ويقرأ (ونحاسٍ) - بكسر السين -
والنحاس الدُّخان، والشواظ اللهب الذي لا دُخَانَ معه.
стр. 1893
وقوله : (مَرَجَ البَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ).
معنى مرج خلط، يعني البحر الملح والبحر العذب.
وقوله تعالى: (بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يبغِيَانِ).
البرزخ الحاجز، وهو حاجز من قدرة اللَّه، لا يبغيان لا يَبْغي الملح
على العذب فيختلط به، ولا العذب على الملح فيختلط به.
* * *
وقوله : (يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (٢٢)
(المرجان) صغار اللؤلؤ، واللؤلؤ اسم جامع للحَبِّ الذي يخرج من البحر.
وقال (يَخْرُجُ مِنْهُمَا) وإنما يخرج من البحر الملح لأنه قد ذكرهما وَجَمَعَهُمَا، فإذا خرج من أحدهما فقد خرج منهما، ومثل ذلك قوله :
(أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (١٦).
والشمس في السماء الدنْيَا إلَّا أنه لما أجمل ذكر السبع كان ما في إحداهن
فِيهِنَ، ويقرأ: (يُخْرَجُ مِنْهُمَا) بضم الياء.
* * *
وقوله : (وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَئَاتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (٢٤)
الجواري الوقف عليها بالياء، وإنما سقطت الياء في اللفظ لسكون
اللام.
والاختيار وصلها، وإن وقف عليها واقف بغير ياء فذلك جائز على بعد.
ولكن يروم الكسر في الراء ليدل على حذف الياء.
ويقرأ " المُنْشِآت " - بكسر الشين - والفتح أجود في الشين.
ومعنى المنشئآت المرفوعات الشُّرُع.
والمنشِئَات على معنى الحاملات الرافعات الشرع، ومعنى كالأعلام
كالجبال، قال الشاعر:
стр. 1894
إذا قطعن عَلَمَاً بدا علم
والجواري السُفُن.
* * *
وقوله : (فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ (٣٧)
معنى (وَرْدَةً) صارت كلون الورد، وذلك في يوم القيامة.
ومعنى (كَالدِّهَانِ) تتلون من الفزع الأكبر تَلَوْن الدهان المختلفة.
والدِّهَان جمع دُهْنٍ، ودليل ذلِك قَوله (يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ)
أي كالزيت الذي قد أُغْلِيَ.
وقيل (فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ) أي فكانت كلون فرسٍ وردَةٍ.
والكَمِيتُ الوردُ يتلون فيكون في الشتاء لونه خلاف لونه في الصيف.
ويكون في الفصل لونه غير لونه في الشتاء والصيف.
* * *
(فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ (٣٩)
وقال في موضع آخر (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤)
فإذا كان ذلك اليوم كانت سيما المجرمين سواد الوجه والزرقة.
ودليل ذلك قوله: (يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ)
أي بعلامتهم هذه، ودليل ذلك قوله: (يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ)، وقوله: (وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا (١٠٢).
стр. 1895
وقوله: (فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ (٤١)
قيل تجعل الأقدام مضمومة إلى النواصي من خلف ويلقون في النار.
وذلك أشد لعذابهم، والتشويه بهم.
* * *
وقوله: (هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (٤٣) يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍءَانٍ (٤٤)
يعني (آنٍ). قد أنى يأنى فهو آنٍ إذا انتهى في النضج والحرارة، فإذا
استغاثوا من النار جعل غياثهم الحميم الآني الذي قد صار كالمهل، فيطاف
بهم مرَّةً إلى الحميم ومرة إلى النار.
أسْتَجِيرُ باللَّه وبرحمته منها.
ثم أعلم اللَّه ما لمن اتقاه وخافه فقال:
* * *
(وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)
قيل من أراد معصية فذكر ما عليه فيها فتركها خوفاً من اللَّه
ورهبةَ عِقَابه ورجاء ثوابه فله جنتانِ.
ثم وصفهما فقال:
* * *
(ذَوَاتَا أَفْنَانٍ (٤٨)
والأفنان جمع فَنٍّ، أي له فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعْيُن من كل
فَنٍّ، والأفنان الألْوانُ، والأفنان الأغصَانُ، واحدها فنَن، وهو أجود الوجهين (١).
* * *
وقوله : (فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ (٥٢)
الزوجان النوعان.
* * *
وقوله: (فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (٥٦)
معناه فيهن حورٌ قاصرات الطرف، قد قَصَرْنَ طرفَهُنَّ على أزوَاجِهِنَ لا
ينظرن إلى غيرهم.
* * *
(لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ).
لَمْ يَمْسَسْهُنَّ.
ويقرأ " لَمْ يَطْمُثْهُنَّ "، وهي في القراءة قليلة، وفي اللغة
стр. 1896
طَمَثَ يطمِثُ ويطمُثُ. وفي هذه الآية دليل على أن الجني يغشى، كما أن
الِإنسى يغشى (١).
* * *
وقوله : (كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ (٥٨)
قال أهل التفسير وأهل اللغة: هن في صفاء الياقوت وبياض المرجان
والمرجان صغار اللؤلؤ وهو أشد بياضاً.
وقوله: (فِيهنَّ) وإنما ذكر جنَّتَين يعني من هاتين الجنتين
وما أعد لصاحب هذه القصة غير هاتين الجنَّتَين.
* * *
وقوله : (هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠)
أي ما جزاء من أحسن في الدنيا إلا أن يُحْسَنَ إليه في الآخرةِ.
* * *
وقوله : (وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (٦٢)
أي لمن خاف مقام ربه جنتان وله من دونهما جَنَّتان.
والجنة في لغة العرب البستان.
* * *
وقوله : (مُدْهَامَّتَانِ (٦٤)
يعني أنهما خَضْراوَانِ تضرب خضرتهما إلى السَّواد، وكل نبت أخضَر فتمام
خضرته ورِيِّه أن يضرب إلى السَّوَادِ.
* * *
وقوله : (فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ (٦٦)
جاء في التفسير أنهما ينضخان كُلً خَير.
* * *
وقوله : (فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (٦٨)
قال قوم: إن النخل والرَّمَّان ليسا من الفاكهة.
وقال بعض أهل اللغَةِ، منهم يونس النحوي، وهو يتلو الخليل في القدم والحذق: إن الرَّمَّان والنخل من أفضل الفاكهة، وإنما فُصِلاَ بالواو لفضلهما، واستشهد في ذلك بقوله تعالى:
(مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ).
فقال لفضلهما فصِلَا بالواو
стр. 1897
قوله : (مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ (٥٤)
قيل الإستبرق الديباج الصفيق جدًّا نحو ما يعمل للكعبة والبطائن ما يلي
الأرض.
وقوله: (وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ).
أي ما يجنى من ثمرهما إذا أرادوه دنا من أفواههم حتى يتناوَلوه
بإفواههم وأيديهم.
* * *
وقوله: (فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ (٧٠)
أصْلُه في اللغَة خَيِّرات، والمعنى أنَّهن خَيرات الأخلاق حسان الخلق.
وقد قرئ بها - أعني بتشديد الياء.
* * *
وقوله : (حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (٧٢)
الخيام في لغَةِ العَرَبِ جَمْع خَيْمَةٍ.
والخيام شيئانِ: الخيام الهوادج والخيام البيوت.
وجاء في التفسير أن الخيمة من هذه الخيام من دُرَّةٍ مجَوَّفَةٍ.
ومعنى (مَقْصُورَاتٌ) مُخَدَّرات، قد قصرن على أزْوَاجِهِنَّ.
* * *
وقوله: (مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ (٧٦)
وقرئت (على رَفَارفَ خُضْرٍ وعَبَاقِرَيَّ حِسَانٍ) (١).
القراءة هي الأولى، وهذه القراءة لا مخرج لها في العربية، لأن
الجمع الذي بعد ألفه حرفان نحو مساجد ومفاتيح لا يكون فيه مثل عباقري
لأن ما جاوز الثلاثة لا يجمع بياء النسب. لو جمعت " عبقري " كان جمعه
стр. 1898
عباقرة، كما أنك لو جمعت " مُهَلَّبِيّ " كان جمعه مَهَالِبَة، ولم يقل مَهَالِبيّ، فإن قال قَائِل: فمن أين جاز عبقَريَ حِسَانٌ، و " عَبْقَري " واحد، وحسان جمع؟
فالأصل أن واحده عبقريَّةٌ، والجمع عبقري، كما تقول ثَمَرَةَ وثَمَر ولوزَةٌ ولوْزٌ.
ويكون أيضاً عبقري اسماً للجنس، فالقراءة هي الأولى.
وأما تفسير (رَفْرَفٍ خُضْرٍ وعَبْقَرِيٍّ) فقالوا: الرَّفْرَفُ ههنا رياض الجنَّةِ
وقالوا: الرفرف الوسائد، وقالوا المحابس، وقالوا أيضاً فضول المحابس
للفرش.
فأما العبقري، فقالوا: البُسُط، وقالوا: الطنافِسُ المبْسُوطَةُ والذي
يدل على هذا من القرآن قوله: (وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ (١٥) وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (١٦).
فالنمارق الوسائد، والزرابى البسط.
فمعنى " رفرف " ههنا، و " عَبْقَرِيْ " أنه الوسائد والبُسط.
ويدل - واللَّه أعلم - على أن الوسائد ذوات رَفْرَفَ.
وأصل العبقري في اللغة صفة لكل ما بولغ في وصفه، وأصله أن عبقر
اسم بلد كان يوَشَّى فيه البسط وغيرها، فنسب كل شيء جيد، وكل ما بولغ في وصفه إلى عبقر. قال زهير:
بِخَيْلٍ عليها جِنَّةٌ عَبْقَريةٌ. . . جَديرون يوماً أَن يَنالوا فيَسْتَعْلُوا
* * *
وقوله: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧٧)
أي: فَبِأَيِّ نعم رَبِّكما التي عددت عليكما يا معشر الجن والِإنس تكذبان.
فإنما ينبغي أن يعظِّما الله ويمجداه، فختم السورة بما ينبغي أن يمجَّدَ به
ويُعظَّم - فقال : (تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٧٨). (١)
стр. 1899
سُورَةُ الواقعة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله : (إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١)
يقال لكل آت كان يتوقع قد وَقَعَ، تقول: قد وقع الأمر.
كقولك قد جاء الأمر.
والواقعة ههنا الساعة والقيامة.
* * *
وقوله: (خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (٣)
المعنى أنها تخفض أهل المعاصي، وترفع أهل الطاعة.
و (خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ) القراءة بالرفع، والنصبُ جائز ولم يقرأ به إمام من القراءَ، وقد رويت عن الزِيدي صاحب أبي عمرو ابن العلاء، فمن رفع وهو الوجه.
فالمعنى هي خافضة رافعة
ومن نصب فعلى وجهين:
أحدهما " إذا وقعت الواقعة خافِضَةً رافِعةً " على الحال
ويجوز على إضمار " تقع " ويكون المعنى إذا وقعت
تقع خافضة رافعة - على الحال من تقع المضمر.
* * *
وقوله : (لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (٢)
أي لا يردها شيء كما تقول: قَدْ حَمَلَ فُلان لا يُكَذَبُ، أي لايرد حَمْلَته
شيء
و" كَاذِبَة " مصدر كقولك [عافاه] الله عافية وعَاقَبَهُ عاقبة، وكذلك كذب
كاذبة، وهذه أسماء في مَوْضِعِ المَصَادِرِ.
* * *
وقوله: (إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤)
стр. 1900
موضع " إذا " نصب.
المعنى إذا وقعت في ذلك الوقت.
ويجوز النَصْب على " تقع " (إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا).
ومعنى (رُجَّتِ) حركت حركة شديدة وزلزلتْ.
* * *
(وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥)
(بُسَّتِ) لُتَّت وخُلِطتْ، و (بُسَّتِ) أيضاً سابتْ.
* * *
(فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا (٦)
غباراً، ومثله (وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا).
ومثل خُلِطتْ ولُتَّت
قول الشاعر:
لا تَخْبِزوا خَبْزاً وبُسَّا بَسَّا. . .
ومثل [سابت وانسابتْ] قوله:
وانْبَسَّ حَيَّاتُ الكَثِيبِ الأَهْيَلِ
* * *
وقوله : (وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (٧)
أي أصنافاً ثلاثة، يقال للأصناف التي بعضها مع بعض أزواج
كما يقال للخفين زوجان.
* * *
وقوله.: (فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (٨)
رفع بالابتداء.
والمعنى وأصحاب الميمنة ما هم، أي شيء هُمْ
(وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (٩)
أي شيء هم.
وهذا اللفظ مجراه في العربية مجرى
стр. 1901
التعَحب، ومجراه من اللَّه في مخاطبة العباد مجرى ما يعظم به
الشأنُ عندهم. .
ومثله (الحاقة ما الحاقة)، و (القارعة ما القارعة).
ومعنى (أصحاب الميمنة) أصحاب اليمين.
(وأصحاب المشامة) أصحاب الشمال.
(وأصحاب اليمين) هم أصحاب المنزلة الرفيعة.
وأصحاب الشمال هم أصحاب المنزلة الدنيئة الخسيسة.
* * *
وقوله : (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١)
معناه - واللَّه أعلم - السابقون السابقون إلى طاعة اللَّه
والتصديق بأنبيائه.
والسابقون الأول رفع بالابتداء، والثاني توكيد، ويكون
الخبر (أولئك المقربون).
ثم أخبر أين محلهم فقال: (فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (١٢)
ويجوز أن يكون السابِقُون الأول رفعاً بالابتداء.
ويكون خبره (السابقون) الثاني.
فيكون المعنى - واللَّه أعلم - السابقون إلى طاعة اللَّه السابقون إلى
رحمة اللَّه.
ويكون (أولئك المقربون) من صِفتهم.
* * *
وقوله: (ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤)
(ثُلَّةٌ) رفع على معنى هم (ثُلَّةٌ).
والثُّلَّة: الجماعَة، وهذا - واللَّه أعلم - معنى (ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ) أي جماعة ممن عاين الأنبياء وصدق بِهِمْ.
فالذين عاينوا جميع النبيين وصدَّقوا بِهِم أكثر ممن عاين النبي ﵇، وذلك قوله في قصة يونس: (وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧) فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (١٤٨).
هَؤلاء سوى سائر من آمن بجميع الأنبياء ممن عاينهم وصَدَّقَهُم
ويجوز أن يكون الثُّلَّة بمعنى قليل من الأولين وقليل من الآخرين.
لأن اشتقاق الثلة من القطعة.
والثل الكسر والقطع، والثُّلَّة نحو الفئة والفرقة.
* * *
وقَوْلُه: (عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (١٥) مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ (١٦)
стр. 1902
(متكئين، ومتقابلين) منصوبان على الحال، المعنى أولئك المقربون في
جنات النعيم في هذه الحال.
والسرر جمع سرير، مثل كثيب وكثب.
ومعنى " متقابلين " ينظر بعضهم إلى وجوه بعض ولاينظر في أقفاء بعض.
وصفوا مع نعمهم بحسن العشرة وتهذيب الأخلاق، وصفاء المودة ومن
ذلك قوله : (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (٤٧).
وجاء في التفسير (موضونة) مرمولة ومعنى مرمولة منسوجة، نحو نسج
الدروع، وجاء في التفسير أنها من ذهب.
ومثل موضونة قول الأعشى.
ومن نَسْجِ داودَ مَوْضونَة. . . يُساقُ بها الحَيُّ عِيراً فَعِيرا
* * *
وقوله : (يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨)
الأكواب آنية لا عُرى لها ولا خراطيم، والِإبريق ما له خرطوم وعُروة.
(وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ).
والكأس: الِإناء فيه الشراب، فإن لم يكن فيه شراب فليس بكأسِ.
وقوله: (مِنْ مَعِينٍ) معناه من خمر تجْري من العُيونِ.
* * *
وقوله: (لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ (١٩)
تأويله لا ينالهم عن شربها ما يَنال أهل الدنيا من الصُّداع.
(وَلَا يُنْزِفُونَ) لا يسكرون، والنزيف السكران، وإنما قيل له نزيف ومنزوف لأنه نزف عقله.
ويقرأ (وَلَا يُنْزَفُونَ)، معناه لا ينزف شَرابُهُمْ.
* * *
وقوله : (وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (٢٣)
стр. 1903
بالخفض، وقرئت بالرفع، والذين قرأوها بالرفع كرهوا الخفض لأنَّهُ
عطف على قوله: (يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوَابٍ).
فقالوا: الحور ليس مما يطاف به، ولكن مخفوض على غير ما ذهب إليه هؤلاء لأن معنى (يطوف عليهم وِلْدَان مخلدونَ) ينعمون بهذا، وكذلك ينعمون بلحم طيرٍ وكذلك ينعمون بحورٍ عِينٍ.
ومن قرأ بالرفع فهو أحْسَن الوجهين لأن معنى (يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ) بهذه الأشياء بمعنى ما قد ثبت لهم فكأنه قال: ولهم حُورٌ عِينٌ.
ومثله مما حمل على المعنى قول الشاعر:
بَادَت وغُيِّر آيهن مع البلي. . . إلاَّ رَواكدَ جَمْرُهُنَّ هَباءُ
ومشججٌ أما سواءُ قذا له. . . فبدا وغيره سَارَه المَعْزَاءُ
لأنه قال: إلَّا رَوَاكِدَ، كان المعنى بها رَوَاكِد، فَحَمَلَ ومشججٌ على
المعنى.
وقد قرئت (وحوراً عِيناً) بالنَّصْبِ على الحمل على المعنى أيضاً، لأن
المعنى يُعْطَوْن هذه الأشياءَ يُعْطَون حوراً عيناً، إلا أن هذه القراءة تخالف
المصحف الذي هو الِإمَامَ، وأهل العلم يكرهون أن يُقْرَا بِمَا يَخَالِف الِإمَامَ.
ومعنى الحور: الشديدات البياض، والعِين الكبيرات العيُونِ حِسَانها (١).
ومعنى (كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (٢٣)
أي كأمثال الدر حين يخرج من صَدَفِه وَكِنِّه.
لم يغيره الزَّمَان واختلاف أحوال الاستعْمَال وإنما يعنى بقوله:
(كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ) أي في صفائهن وتَلْألُئِهِن كصفاء الدُّرِّ وتَلَألِئِه.
* * *
وقوله: (جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤)
منصوب مفعول له.
المعنى يفعل بهم ذَلِكَ لِجَزاءِ أعمَالَهم.
ويجوز أن يكون (جَزَاءً) منصوباً على أنه مصدر.
لأن معنى (يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ)
стр. 1904
يجازون جزاء بأعمالِهِم.
وهذا الوجه عليه أكثر النحويين.
* * *
وقوله: (إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (٢٦)
(قِيلًا) منصوب بقوله (لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (٢٦).
فالمعنى لا يسمعون إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا، مَنصوبٌ من جهتين
إحداهما أن يكون من نعت لـ (قِيلًا)، فيكون المعنى لا يَسْمَعون إلا قيلاً يسلم فيه من اللغو والِإثم.
والوجه الثاني أن يكونَ (سَلاَماً) منصوباً على المصدر، فيكون
المعنى لا يسمعون فيها إلا أن يَقولَ بعضهُم لبعض سَلَامًا سَلَامًا.
ودليل هذا قوله تعالى: (تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ).
* * *
وقوله : (فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩)
المخضود: الذي قد نزع شوكه، والطلح جاء في التفسير أنه شجر
الموز، والطلح شجر أم غَيْلانَ أيضاً، وجائز أن يكون يعنى به ذلك الشجر.
لأنَّ له نَوْراً طيب الرائحة جدًّا، فخوطبوا ووعدوا بما يحبُّونَ مثله، إلا أن فضله على ما في الدنيا كفضل سائر ما في الجنة على ما في الدنيا.
* * *
وقوله : (وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠)
معناه تام دائم.
* * *
وقوله: (وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ (٣١)
يعنى به أنه ماء لا يتعبون فيه ينسكب لهم كيف يحبون.
* * *
وقوله: (إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥)
يعني الحورَ، أنْشِئْنَ لأولياء الله ، لَيْسَ ممن وقعت عليه ولادة.
* * *
(فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (٣٦)
لَمْ يُطْمِثْنَ.
* * *
(عُرُبًا أَتْرَابًا (٣٧)
عُرُباً، والعرب المتحببات إلى ازوَاجِهِنَ.
стр. 1905
وقوله: (ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠)
معناه - واللَّه أعلم - جماعة ممن تبع النبي ﷺ وعاينه، وجماعة ممن آمن به وكان بعده.
* * *
وقوله: (وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣)
اليحموم الشديد السواد، وقيل إنه الدخان الشديد السَّوَاد.
وقيل (وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ) أي من نار يعذبون بها.
ودليل هذا قوله : (لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ) إلا أنه موصوف في هذا الموضع بِشِدة السواد.
* * *
(وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ (٤٦)
قيل في التفسير: الحنث الشرك، وَقيل على الِإثم العظيم، وهو - واللَّه
أعلم - الشرك والكفر بالبعث، لأن في القرآن دليل ذلك وهو
(وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا) فهذا - واللَّه أعلم - إصرارهم على الحنث العظيم.
* * *
(فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (٥٥)
ويقرأ (شَرْبَ الْهِيمِ)، والشَّرْب المصدر، والشُّربُ الاسم، وقد قيل إن
الشُّرْب أيضاً مَصْدَرٌ. والهيم الِإبلُ العِطَاشُ (١).
* * *
وقوله: (هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ (٥٦)
أي هذا غذاؤهم يوم الجزاء أي يوم يجازَوْنَ بأعمالهم.
* * *
وقوله: (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨)
أي ما يكون منكم من المَنِيِّ الذي يكون مِنهُ الوَلَدُ، يقال: أمنى الرجل
يمني، ومَنَى يَمْنِي.
فيجوز على هذا " تَمْنُون " بفتح التاء، ولا أعلم أحداً قرأ بها، فلا تقرأنَّ بها إلا أن تثبت رواية.
стр. 1906
رقوله: (أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (٥٩)
احتج عليهم في البعث بالقدرة على ابتداء الخلق كما قال :
(وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩).
* * *
وقوله : (نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦١)
أي إن أردنا أن نخلق خلقاً غيركم لم يسبقنا سابق ولا يفوتنا ذلك.
* * *
وقوله: (وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦١)
أي إن أردنا أن نجعل منكم القردة والخنازير لم نسبق ولَا فَاتَنا ذَلك.
* * *
(وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ (٦٢)
أي قد علمتم ابتداء الخلق فلم أنَكرتم البعث.
ومعنى " لَوْلَا تَذَكَّرُونَ " هلَّا تذكرون.
* * *
وقوله: (لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥)
أي لو جعلنا ما تزرعون حطاماً، أي أبطلناه حتى يكون متحطماً لا حنطة
فيه ولا شيء مما تَزْرَعُونَ.
(فَظَلْتُم تَفًكَّهُونَ).
أي تَنَدّمُون، ويجُوزُ فَظِلْتُم تفكهون - بكسر الظاء - (١)
* * *
وقوله: (إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦)
أي يقولون قد غرمنا وذهب زرعنا، (بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ).
* * *
وقوله: (أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩)
وهي السحاب واحدته مُزْنَةٌ وجمعه مُزْن.
стр. 1907
وقوله: (لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (٧٠)
الأجاج الماء الملح الذي لا يمكن شربه ألبتَّة.
(فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ)، معناه " فَهَلَّا.
* * *
وقوله : (أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١)
معناه تقدحونَ، تقول وري الزند يَرِي ورْياً، فهو وارٍ إذا انقدحت منه
النار، وأوريت النار إذا قدحتها، والعرب تقدَحُ بالزندِ والزنْدَةِ، وهذا خشب يحك بعضه على بعض فيخرجِ منه النار، فقال:
* * *
(أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (٧٢) نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ (٧٣)
أي إذا رآها الرائي ذَكَرَ جهنم وما يخافه من العذاب، فذكر الله
واستجار به منها.
ومعنى (مَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ)، المقوي الذي ينزل بالقواء.
وهي الأرض الخالية.
فذكر اللَّه جمع ما يدل على توحيده وما أنعم به عليهم من
خَلْقِهم، وتغذيتهم مما يأكلون ويشربون، مما يدل على قَدْرَتِهِ ووحدانيتَه.
ثم قال :
* * *
(فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤)
أي فبرِّئ اللَه .
[لما ذكر ما يدل على توحيده، وقدرته، وإنعامه، قال: «فسبح» أي: برِّء الله ونزّهه عما يقولون في وصفه] (١).
* * *
(فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥)
معناه أقسم، ودخلت (لَا) توكيداً كما قال :
(لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ)، معناه لأن يعلم أهل الكتاب.
ومواقع النجوم مَسَاقِطُها.
كما قال (فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ).
وقيل إن مواقعِ النجومِ يعنى به نجوم القرآن، لأنه كان ينزل على النبي ﷺ نُجُوماً شيئاَ بَعْدَ شَيءٍ (٢)
ودليل هذا القول (وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧).
* * *
وقوله: (فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨)
أي مصون في السماء في اللوح المحفوظ.
стр. 1908
وقوله: (لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)
يعنى به الملائكة. لا يمسه في اللوح المحفوظ إلا الملائكة.
ويقرأ " الْمُطَهِّرُونَ " وهي قليلة، ولها وجهان:
أحدهما الذين طَهَّروا أنفسهم من الذُنوبِ.
والثاني أن يكون الَّذِينَ يُطَهِّرونَ غيرهم.
* * *
وقوله: (تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٠)
صفة لقوله (كريم)، وإن شئت كان مرفوعاً على قوله هو تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
* * *
وقوله : (أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (٨١)
أي أفبالقرآن تكذِبُونَ، والفدْهِن المدَاهِنَّ والكذاب المنافق.
* * *
وقوله : (وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢)
كانوا يقولون: مطرنا بنوء كذا، ولا ينسبون السقيا إلى اللَّه
فقيل لهم: أتجعلون رِزقكم أي شكركم بما رزقتم التكذيبَ.
وقرئت " وتَجْعَلُونَ شكْرَكمْ أنكم أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ "
ولا ينبغي أن يقرأ بها لخلاف المصحف.
وقد قالوا إن تفسير رزقكم ههنا الشكر، ورووا أنه يقال " وتجعلون رزقي في
معنى شكري " وليس بصحيح.
إنما الكلام في قوله (وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ) يدل على معنى
" وتجعلون شكركم أنكم تكذَبُون "
أي تجعلون شكر رزقكم أن تقولوا: مطرنا بنوء كذا، فَتكْذِبُونَ في ذلك.
* * *
وقوله: (فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣)
يعنى إذا بلغت الروح الحلقوم.
* * *
(وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤)
أي أنتم يا أهل الميِّت في تلك الحال ترونه قد صار إلى أن تخرج نفسه.
* * *
(وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (٨٥)
стр. 1909
جاء في التفسير أنه لا يموت أحد حتى يعلم أهو من أهل الجنَّةِ أم من
أهل النَّارِ.
* * *
وقوله : (تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٨٧)
ومعناه هلَّا ترجعون الروح إن كنتم غير مَدِينين، أي غيرمَمْلوكين
مُدَبَّرين ليس لكم في الحياة والموت قدرة، فهلَّا إن كنتم كما زعمتم ومثل
قولكم الذي جاء في القرآن: (الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٦٨).
كما قال (أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا).
فالمعنى إن كنتم تقدرون أن تؤخروا أجلًا فهلَّا تَرْجِعُون الروح إذا بلغت
الحلقوم، وهلَّا تدرأون عن أنفسكم الموت.
* * *
وقوله: (فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩)
بفتح الراء في (رَوح). ومعناه فاستراحة وبرد، (وَرَيْحَانٌ) رزق
قال الشاعر:
سلام الإله وريحانه. . . ورحمته وسماء دِرَرْ
ورُوِيت " فَرُوحٌ " بضم الراء، وتفسيره فحياة دائمة لا موت بعدها
(وَرَيْحَانٌ) رِزق. وجائز أن يكون ريحان ههنا تحية لأهل الجنة، وأجمع النحويون أن أصل ريحان في اللغة (رَيِّحَان) من ذوات الواو فالأصل " رَيْوِحان " فقلبت الواو
стр. 1910
ياء وأدغمت فيها الأولى، فصارت ريحان، فخفف كما قالوا في " ميِّتٍ
ميْت، ولا يجوز في " رَيْحان " التشديد إلا على بُعْدٍ لأنه قد زيد فيه ألف ونون فخفف بحذف الياء وألزم التخفيف.
ورفعه على معنى فأما إن كان المتوفى من المقربين فله روح وَرَيْحان.
* * *
وقوله: (وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩١)
وقد بيَّن ما لأصحاب اليمين في أوَل السورة.
ومعنى (فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩١)
أنك ترى فيهم ما تحب من السَّلاَمةِ وقد علمت ما أُعِدَّ لهم من الجزاء.
* * *
وقوله: (وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣)
وُيقْرا (فَنُزْل) بالتخفيف والتثقيل.
فمعناه فغذاء من حميم وتَصْلِيَة جحِيمً).
أي إقامةً في جحيم.
فأَعلم اللَّه أن الجحيم ههنا للمكذبين الضالين.
* * *
وقوله: (إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (٩٥)
أي إن هذا الذي قصصنا عليك في هذه السورة من الأقاصيص وما أعد
اللَّه لأوليائه وأعدائه وما ذكِرَ مما يدل على وحدانيته لَيَقِين حَق اليقين، كما
تقول: " إن زيداً لعالم حق عالم، وإنه للْعَالِم حق العَالِم "
إذا بالغت في التوكيد.
* * *
وقوله: (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٩٦)
أي فَنَزِّهِ اللَّه عن السوء، لأن معنى سبحان اللَّه تنزيه اللَّه عن
стр. 1911
السوءِ. كذلك جاء عن رسول الله ﷺ .
وأهلُ اللغة كذلك يُفَسِّرونَه. بَرَاءة اللَّه من السوء.
وأنشَدَ سِيبَوَيْه في هذا المعنى:
أقول لما جاء في فخره. . . سبحان من علقمة الفاجر
أي أبرأ منه.
стр. 1912
سُورَةُ الحديد
(مدنية)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله : (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
(١)
قال قوم: التسبيح آثار الصنعة في السَّمَاوَاتِ وفي الأرضِ ومن فيهما
وكذلك فسروا قوله: (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ)، وهذا خطأ، التسبيحِ تمجيد اللَّه وتنزيهه من السوء ودليل ذلك قوله:
(وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْيِيحَهُمْ) فلو كان التسبيح آثارَ الصّنعة لكانَتِ مَعقوله، وكانوا يفقهونها.
ودليل هذا القول أيضاً قوله: (وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ)، فلو كان تسبيحها آثار الصنعة لم يكن في قوله (وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ) فائدة.
* * *
وقوله: (لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢)
أي يحي الموتى يوم القيامةِ، وُيميتُ الأحياء في الدنيا.
ويكون يُحْيِي وَيُمِيتُ: يُحْيِي النطف التي إِنَّمَا هي مَوَات، وَيُمِيتُ الأحياء.
ويكون موضع (يُحْيِي وَيُمِيتُ) رَفْعاً على معنى هو يُحْيِي وَيُمِيتُ.
ويجوز أن يكون نصباً على معنى له ملك السَّمَاوَات والأرض مُحْيياً ومُمِيتاً
قادِراً.
стр. 1913
وقوله تعالى: (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣)
تأويله هو الأول قبل كل شيء والآخر بعد كل شيء، والظاهر العالم بما
ظهر والباطن العالم بما بطن، كما تقول: فلان يُبْطُنُ أمر فُلانٍ، أي يعلم دِخْلَةَ أمْرِه.
(وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)
لا يخفى عليه شيء
* * *
وقوله تعالى: (يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤)
تأويله يعلم ما يدخل في الأرض من مَطَرٍ وَغَيْرِه.
(وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا) من نبات وغيره.
(وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ) من رزق ومطر وملك.
(وَمَا يَعْرُجُ فِيها).
أي ما يصعد إليها من أعمال العباد، وما يَعْرُج مِنَ الملائكة.
* * *
(يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ
(٦)
معناه يدخل الليل في النهار بأن ينقص من الليل ويزيد في النَّهَارِ.
وكذلك (وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ) ينقص من النهارَ ويزيد في الليْلِ وهو مثل
قوله: (يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ).
* * *
وقوله: (آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (٧)
معناه صَدقوا بأن اللَّه واحد وأن محمداً رسوله.
(وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ).
أي أنفقوا مما مَلككم، فأنفقوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا يُقَربُ مِنْهُ.
* * *
وقوله: (وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٠)
стр. 1914
تأويله وأي شيء لكم في ترك الِإنفاق فيما يقرب من اللَّه وأنتم مَيِّتونَ
تَارِكُونَ أمْوَالَكُم.
وقوله: (لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا).
لأن من تقدم في الِإيمان باللَّه وبرسوله ﵇ وصَدَّقَ به فهو أفضل
مِمنْ أتى بعدَه بالِإيمان والتصديق، لأن المتقدِّمينَ نالهم من المشقة أكثر مما
نال مَنْ بَعْدَهُمْ، فكانت بصائرهم أيضاً أنفذ.
وقال: (وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى).
إلا أنه أعلم فضل السابق إلى الِإيمان على المتأخر.
* * *
وقوله : (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١١)
(فَيُضَاعِفُهُ لَهُ)
ويقرأ (فَيُضَاعِفَهُ لَهُ) - بالنصب، فمن نصب فعلى جواب الاستفهام
بالفاء، ومن رفع فعلى العطف على يقرض، ويكون على الاستئناف على
معنى فهو يضاعفه له.
ومعنى (يُقْرِضُ) ههنا يفعَل فعلاً حسناً في اتِّباع أمر اللَّه وطاعته.
والعرب تقول لكل من فعل إليها خيراً: قد أحَسْنَتَ قَرْضِي، وقد
أقرضتني قرضاً حَسَناً، إذا فعل به خيراً.
قال الشاعر:
وإِذا جُوزِيتَ قَرْضاً فاجْزِه. . . إِنما يَجْزِي الفَتَى ليْسَ الجَمَلْ
المعنى إذا أسدي إليك معروف فكافئ عليه.
* * *
وقوله: (يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢)
(يَوْمَ) منصوب بقوله: (فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ) في ذلك اليوم.
стр. 1915
ومعنى: (يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ).
أي بمعنى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، وهو علامة أيديهم الصالحة.
(يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا)، أي بلغنا به إِلى جَنَتِك.
* * *
وقوله تعالى: (يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ (١٣)
وقرئت (أنْظِرُونا) - بقطع الألف ووصلها -
فمن قال: (انْظُرُونَا) فهو من نظر ينظر، معناه انتظرونا.
ومن قال: (أنْظِرُونا) - بالكسر - فمعناه - أَخِّرونا.
وقد قيل إنَ مَعْنَى " أنْظِرونا " انتظرونا أيضاً.
وأنْشَدَ القائل بيت عمرو بن كلثوم:
أَبا هِنْدٍ فلا تَعْجَلْ علينا. . . وأَنْظِرْنا نُخَبِّرْكَ اليَقِينا
وقوله: (قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا).
تأويله لا نور لَكم عندنا.
وقوله: (فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ).
أي ما يلي المؤمنين ففيه الرحمة، وما يلي الكافرين ظاهره يأتيهم مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ.
* * *
قوله : (وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (١٤)
معنى (فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ) اسْتَعْمَلُتُموهَا في الفِتْنَةِ، وتربصتم بالنبي ﷺ والمؤمنين الدوائر.
(وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ).
أي ما كنتُمْ تَمنَّونَ من نزول الدوائر بالمؤمنين.
(حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ).
стр. 1916
أي حتى أنزل الله نَصْرَهُ عَلَى نَبِيِّهِ والمؤمنين.
(وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ).
أيْ غَرَّكُمُ الشَيْطَانُ، وهو الغرور على وَزْن الفَعُول، وَفَعُول من أسماء
المبالغة، تقول: فلان أكول إذا كانَ كثير الأكل وضروبٌ إذَا كانَ كثير
الضرْبِ، ولذلك قيل للشيطان: الغرور لأنه يَغُرُّ ابنَ آدم كثيراً، فإذا غرَّ مرة واحدةً فهو غارٌّ، ويصلح غارٌّ للكثير، فأمَّا غَرُورُ فلا يصلح لِلْقَلِيْلِ، وقرئت (الغُرُورُ) وهو كل ما غرَّ من متاع الدنيا.
ومعنى (ارْتَبْتُمْ) غَلَّبْتُمُ الشكَّ على اليقين.
* * *
وقوله : (مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٥)
هي أوْلَى بِكُمْ لما أسْلَفْتُمْ من الذُنُوبِ، ومثل ذلك قول الشاعر:
فَعَدَتْ كِلا الفَرْجَيْن تَحْسِبُ أَنه. . . مَوْلَى المَخافَةِ خَلْفُها وأَمامُها
مثل ذلك. أي مولى المخافة خلفها وأمامها.
* * *
وقوله : (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (١٦)
(وَمَا نَزَّلَ مِنَ الْحَقِّ)
ويقرأ (وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ) - بالتخفيف.
وقوله (يَأْنِ) من أنَى يَأني، ويقال آن يئين.
وفي هذا المعنى ومعناه " حَانَ يَحِينُ ".
وهذه الآية - واللَّه أعلم - نزلت في طائفة من المؤمنين حُثوا عَلَى الرِّقَّة
والرحمةِ والخشوع.
فأما من كان ممن وصفه بالخضوع والرقة
والرحمة فطائفة من المؤمنين فوق هؤلاء.
* * *
وقوله : (وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ)
стр. 1917
وقرئت بالتاء، - تكونوا -
(فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ).
أي لا تكونوا كالذين لما طالت عليهم المدة قَسَتْ قُلُوبُهُمْ.
* * *
وقوله : (اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٧)
معناه أن إحياء الأرض بعد موتها دليل على توحيد اللَّه، ومن آياته
الدالة على ذلك.
* * *
وقوله : (إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١٨)
بتشديد الصَّاد، معناه أن المتَصَدِّقين والمتصدِّقَاتِ.
ويقرأ (إِنَّ الْمُصَدِّقِينَ وَالْمُصَدِّقَاتِ) بالتخفيف، ومعناه إن المؤمنين والمؤمنات مِمنْ صدَّق اللَّهَ ورسولَهُ فآمن بما أتى به النبي ﷺ .
وقوله: (وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا).
أي تصدَّقوا من مال طيِّبٍ.
(يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ).
أي يضاعف لهم ما عملوا، ويكون ذلك التضعيف أجْراً كريماً.
* * *
وقوله: (وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١٩)
(الصِّدِّيقُونَ)
على وزن " الفعِيلينَ " وأحدهم صِدِّيقٌ وهو اسم للمبَالَغَةِ في الفِعْلِ
تقول: رجل " صِدِّيقٌ " كثير التصديق وكذلك رجل سكِّيت كثير السُّكوتِ.
فالمعنى إنَّ المُؤمِنَ المصَدِّقَ باللَّه ورسُلِهِ هو المبالغ في الصِّدْقِ.
* * *
وقوله : (وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ).
يصلح أن يكون كلاماً مسْتَانفاً مرفوعاً بالابتداء، فيكون المعنى
" والشُهَدَاءَ عِنْدَ رَبِّهِمْ لهم أجرهم ونورهم.
والشهداء هم الأنبياء، ويجوز أن يكون " والشهداء " نسقا على ما قبله، فيكون المعنى أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ
стр. 1918
وأولئك هم الشهداء عند رَبِّهِمْ، ويكون (لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ)
للجماعة من الصديقين والشهداء.
* * *
وقوله : (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (٢٠)
(كَمَثَلِ)
الكاف في موضع رفع من وجهين:
أحَدُهُما أن تكون صفة فيكون المعنى: " إنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم مَثلُ غيثٍ، وهو المطر ويكون رفعها عَلَى خَبرٍ بَعْدَ خَبَرٍ، على معنى أن الحياة الدنيا وزينتَها مَثْلُ غَيْثٍ أعجب الكفار نباته.
والكفار ههنا له تفسيران:
أحدهما أنه الزرْعُ، وإذا أعجب الزُرَّاعَ نبَاتُه مع علمهم به، فهو في غاية ما يستحسن، ويكون الكفَّار ههنا الكفَّار باللَّه، وهم أشد إعجاباً بزينة الدُّنْيَا من المؤمنين.
* * *
وقوله : (ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا).
معنى (يَهِيجُ) يأخذ في الجفاف فَيَبْتَدِئ به الصُّفْرَةِ.
(ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا).
أي متحطماً متكَسِّراً ذاهِباً.
وضرب الله هذا مثلاً لزوال الدنيا.
وقوله : (وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ).
ويقرأ (ورُضْوان)، وقد روينا جميعاً عن عاصم - بالضم والكسر - فمعناه
فمغفرة لأولياء الله وعذاب لأعدائه.
* * *
وقوله (سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١)
المعنى سابقوا بالأعمال الصالحة.
стр. 1919
وقيل إن الجَنات سَبْع، وقيل أرْبَع لقوله (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)
وقوله بعد ذلك (وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (٦٢).
وقيل عرضها ولم يذكر طولها - واللَّه أعلم - وإنما ذِكْرُ عَرْضِها هَهنا تمثيل للعِبَادِ بِمَا يَفْعَلونَه ويقَعُ فِي نفوسِهم، وأكبر ما يقع في نفوسهم مقدار السَّمَاوَاتِ والأرضِ.
* * *
وقوله : (ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ).
وهذا دليل أنه لا يدخل أحَدٌ الجنَّةَ إِلًا بفضل اللَّه.
ثم أعلمهم أن ذلك المؤَدِّي إلى الجنَّةِ أو النَّارِ لَا يكون إلا بقضاء وَقَدَرٍ
فقال :
(مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢)
أي مِنْ قَبل أن نَخْلقَهَا، فما وقع في الأرض من جَدْبٍ أوْ نَقْصٍ وكذلك
ما وقع في النفوس من مرضٍ وموتٍ أو خسْرانٍ في تجارةٍ أو كسبِ خيرٍ أو شَرٍّ
فمكتوبٌ عند اللَّه معلومٌ.
* * *
وقوله : (لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (٢٣)
فمن قرأ " أتاكُمْ " فمعناه جاءكم، ومن قَرأ (آتَاكمْ) فمعْنَاه أعْطَاكم
ومعنى " تفرحوا " ههنا لا تفرحوا فَرَحاً شديداً تأشروا فيه وتبطروا ودليل ذلك: (وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ).
فدل بهذا أنه ذم الفرح الذي يختال فيه صاحبه ويبطر له، فأمَّا الفرح
بنعمة اللَّه والشكر عليها فغير مذمومِ.
وكذلك (لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ).
أي لا تحزنوا حزناً يطغيكم حتى يخرجكم إلى أن تلزِموا أنْفسِكُم الهَلَكَةَ
ولا تعتدوا بثواب - اللَّه ما تسلبونَه وَمَا فاتكم.
стр. 1920
وقوله: (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٤)
ويقرأ (بالبَخَلِ) مثل الرُّشدِ والرَّشَد، وهذا على ضربين:
أحَدُهمَا في التفسير أنهم الذين يبخلون بتعريف صفة النبي ﷺ التي قد عرفوها في التوراة والإنجيل.
والوجه الثاني أنه لما حَثَّ على الصفَةِ، أعلم أنَّ الًذِينَ يَبْخَلونَ
بها ويأمرون بالبخل بها، فإن الله غني عنهم.
* * *
وقوله : (وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢٥)
جاء في التفسير أن آدم ﵇ هبط إلى الأرْضِ بالعلاة والمطرقة
والكلبتين. والعلاة هي التي يسميها الحدادونَ السِّنْدَانَ.
* * *
وقوله (فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ).
أي: [يُمتَنع به]، ويحارَبُ به.
(وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ).
يستعملونه في أدواتهم وما ينتفعون به من آنِيَتِهِمْ، وجميع ما يتصرف
وقوله: (وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ).
أي ليعْلَمَ الله من يقاتل مع رسَلِه في سُبُلِهِ.
وقد مر تفسيره ومعناه.
* * *
وقوله : (ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٢٧)
(ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا)
أي أتبعنا نوحاً وإبراهيم رسُلًا بعْدَهمْ.
(وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ).
جاء في التفسير أن الِإنجيل آتاه اللَّه عيسى جمْلَةً واحدةً.
وقوله (وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً).
ويجوز رآفة على وزن السماحة، حكى أبو زيد أنه يقال: رَؤُفْت بالرجل
رَأفَةً، وهي القِراءة.
وقد قرئَت ورآفَة.
стр. 1921
وقوله: (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ).
هذه الآية صعبة في التفسير.
ومعناها - واللَّه أعلم - يحتمل ضَربَيْن:
أحَدُهُمَا أن يكون المعنى في قوله: (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا) ابتدَعوا رهبانية كما
تقول: رأيت زيداً، وعمراً أكرمتُه، وتكون (مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيهِمْ) معناه لم نكتبها عليهم ألبتَّةَ، ويكون (إلا ابْتغَاءَ رضوان الله) بَدَلًا - من الهاء والألف، فيكون المعنى ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رِضْوَانِ اللَّه، وابتغاءُ رضوان اللَّه اتبَاعُ مَا أمَرَ بِه.
فَهذا - واللَّه أعلم - وجه.
وفيها وجه آخر في (ابْتَدَعُوهَا).
جاء في التفسير أنَّهُمْ كانوا يَرَوْنَ من مُلُوكهم ما لا يَصْبِرُونَ عليهِ فاتخذوا
أسراباً وصَوَامِعَ.
فابتدعوا ذلك، فلما ألزمرا أنْفُسَهُم ذلك التطوع ودَخَلُوا فيه
لزمهم [إِتمامه]، كما أن الِإنسان إذا جعل على نفسه صوماً لم يُفْتَرَض عليه لزمه أنْ يُتِمَّهُ.
وقوله : (فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا).
على ضربين - واللَّه أعلم -:
أحدهما أن يكونوا قصَّروا فيما ألزموه أنْفُسَهُم.
والآخر وهو أجود أن يكونوا حين بُعِثَ النبي ﷺ فلم يؤمنوا به كانوا تاركين لطاعة اللَّهِ، فما رعوا تلك الرهبانية حق رعايتها. ودليل ذلك قوله : (فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ).
أي الذين آمنوا منهم بالنبي ﵇.
стр. 1922
(وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ)
أي كافرونَ.
* * *
وقوله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٨)
يعني (آمِنُوا بِرَسُولِهِ)، صَدِّقُوا برسُوله.
* * *
وقوله : (يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ).
معناه يؤتكم نصيبين من رحمته، وإنَّما اشتقاقه في اللغة من الكِفْل، وهو
كساء يجعله الراكب تحته إذا ارتدف لئلا يسقط، فتَأويله يؤتكم نصيبين
يحفظانكم من هلكة الْمَعَاصي.
(وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ).
كما قال : (نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أيْدِيهِمْ)
وهذه علامة المؤمنين في القيامة، ودليل ذلك قوله:
(يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ).
ويجوز أن يكون واللَّه أعلم: (وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ)
يجعل لهم سبيلاً واضحاً من الهدى تهتدون به.
* * *
وقوله: (لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)
المعنى فعل الله بكم ذلك كما فعل بمن آمَن مِنْ أَهْلِ الكِتابِ لأنْ يَعْلَموا
و (لا) مؤكدة. و (أَلَّا يَقْدِرُونَ) (لا) ههنا يدل على الِإضمار في " أن " مع
تخفيف " أن " المعنى أنهم لا يقدرون، أي لِيَعْلَمَ أهل الكتاب أنهم لاَ يَقْدِرُونَ على شيء من فضل اللَّه (١).
стр. 1923
سُورَةُ المجادلة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله : (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (١)
إدغام الدال في السين حسن، لقرَب المخرجين. يقرَأ (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ)
بإدغام الدال في السين حتى لا يلفظ التكلم بِدال.
وإنما حسن ذلك لأنَّ السين والدال من حروف طرف اللسان فإدغام الدال في السين تقوية للحرف.
وإظهار الدال جائز لأن موضع الدال - وإن قَرُبَ من موضع السين - فموضع الدال حَيِّزٌ على حدة.
ومن موضع الدال الطاء والتاء، هذه الأحرف الثلاثة
موضعها واحد. والسين والزايُ والصاد من موضع واحدٍ، وهي تسمى حروف الصفير، فلذلك جاز إظهار الدال.
وهذه الآية نزلت بسبب خَوْلَة بنت ثعلبة، وَأوْس بن الصامت وكانا من
الأنصار، قال لها: أنت على كظهر أُمِّي.
وقيل قَالَ لها أنت على كأُمِّي.
وكانت هذه الكلمة مما يطلق بها أهل الجاهلية، فروَوْا أنها صارت إلى
النبي ﷺ فقالت: إنَّ أوْساً تزوجَنِي وأنا شَابَّة مرغوب فِيَّ، فلما خلا سني ونثرتُ بَطني، أي كثر ولدي جعلني عليه كأمِّه.
فروي أن رسول اللَّه ﷺ قال لها: ما عندي في أمرك شيء، فشكت إلى اللَّه وقالت:
اللهم إني أشكو إليك.
وروي أيضاً أنها قالت للنبي ﵇ فيما قالت: إن لي صبية
صِغَاراً إن ضممتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إليَّ جاعوا، فأنزل اللَّه
стр. 1924
- كفَّارة الظِّهار.
وفي هذا دَليل أنه لا يكون ما يطلق به الجاهلية طلاقاً
إلا أن يأتي الإسلام بذلك نحو ما قالوا في خليَّة وبَرِيَّة وحبلك على غاربك.
وأصل قولهم: أنْتِ طَالِقٌ لَمَّا أتى الِإسلام بحكم فيه مضى على حكم
الإسلام.
* * *
وقوله: (الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٢)
المعنى ما اللواتي يجعلن من الزوجات كالأمهات بأُمَّهَاتٍ.
(إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ).
المعنى ما أمهاتهم إلا اللائي وَلَدْنَهُمْ، فذكر اللَّه الأمَّهاتِ
في موضع آخر فقال: (وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ)، فأعلمَ اللَّهُ أنَّ المرضِعَاتِ أمهاتٌ، والمعنى ما أمهاتهم إلا اللائي ولَدْنَهم، أي الوَالِداتُ والمرضِعَاتً.
فلا تكن الزوجات كهؤلاء، فأَعلم اللَّه أن ذلك منكر وباطل فقال:
(وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ).
عفا عنهم وغفر لهم بجعله الكفارة عليهم.
و (الذِين) في مَوْضِع رَفْعٍ بالابتداء، وخبره (مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ).
وأمهاتهم في موضع نصب على خبر (ما).
المعنى ليس هن بأُمَّهَاتِهِمْ.
* * *
وقوله: (وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣)
(الذين) رفع بالابتداء، وخبرهم فعَلَيْهم تَحْرِير رَقَبَةٍ، ولم يذكر " عَلَيْهم "
لأن في الكلام دليلًا عليه، وإن شئت أضمرت فكفارتهم تحريرُ رَقَبَةٍ.
(مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا).
فاختلف أهل العلم فقال بعضهم: الكفارة للمسيس.
وقال بعضهم: إذا أراد العوْدَ إليها والِإقامة مسَّ أو لم يمس كفَّرَ.
стр. 1925
وقوله : (ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ).
المعنى ذلكم التغليظ في الكفَّارة توعظون به.
وقال بعض الناس لا تجب الكفَّارة حتى يقول ثانية: أنت عليَّ كظهر أُمِّي. وهذا قول من لا يدري اللغة، وهو خلاف قول أهل العلم أجمعين.
إنما المعنى ثم يعودون العودة التي من أجل القول، فلتلك العودة تلزم الكفارة لا لكل عودَة.
وفيها قول آخر للأخفش وهو أن يُجْعَلَ " لما قالوا " من صلة فتحرير رقبة، فالمعنى عنده: والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون فتحرير رقبة لما قالوا، فهذا مذهب حسن أيضاً.
والدليل على بطلان هذا القائل أن " ثم يعودون لما قالوا " أن يقول ثانية: أنت على كظهر أُمِّي - قول جميع أهل العلم ومتابعته هو إياهم:
(لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا)
فأجمعوا أنه ليس (فَإِنْ فَاءُوا) فإن حَلَفُوا ثانية.
ومعنى فاءوا في اللغة وعادوا معنى واحد.
وقوله: (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا)
كناية عن الجماع، ودليل ذلك قوله: (وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ).
فالمعنى من قبل أن تدخلوا بِهِنَّ.
* * *
وقوله: (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤)
المعنى فمن لم يجد الرقبة فكفارته صيام شهرين متتابعين، وإن شئت
فعليه صيام شهرين متتابعين.
ولو قرئت فَصِيَامٌ شهرين جَازَ كما قال اللَّهُ
(أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥).
ولا أعلم أحداً قرأ بالتنوين.
* * *
وقوله: (فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا).
стр. 1926
" مَن " في موضع رفع على معنى فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ الصيام فكفارتُه إِطعام
سِتَينَ مِسْكِيناً، وكذلك فإطعامٌ بالتنوين ولا أعلم أحداً قرأ بها.
وقوله: (ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ).
(ذَلِكَ) في مَوْضِع رَفْعٍ، المعنى الفرض ذَلِكَ الذِي وَصَفْنَا.
ومعنى لتؤمنوا باللَّه ورسوله، أي لتصَدِّقوا ما أتى به رسول اللَّه، ولتصَدِّقوا أن اللَّه أمرنا به.
(وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ).
أي تلك التي وَصَفنا في الظِّهار والكفَّارة حدودُ اللَّهِ.
(وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ).
أي لمن لم يصدق بها، وأليم مؤلم.
* * *
وقوله: (إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (٥)
معنى (كُبِتُوا) أُذلُّوا وأُخْزوا بالعذاب وبأن غلِبُوا، كما نزل بمن قَبلَهُم ممنْ
حَادَّ اللَّهَ.
ومعنى (يُحَادُّونَ اللَّهَ) ويشاقون الله أي هم في غير الحَدِّ الذي يكون فيه أولياء اللَّه، وكذلك يُشَّاقُون يكونون في الشق الذي فيه أعداء اللَّه.
* * *
وقوله: (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٦)
(يَوْمَ) منصوب بمعنى قوله: وللْكَافِرين عَذَابٌ مُهِينٌ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا)، أي يبعثهم مجتمعين في حال واحدة.
(فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا).
أي يخبرهم بذلك ليعلموا وجوب الحجة عليهم.
* * *
وقوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧)
стр. 1927
أي يعلم كل ما في السَّمَاوَات وكل ما في الأرض مما ظهر للعباد ومما بطن.
* * *
وقوله : (مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ).
أي ما يكون من خَلْوَةِ ثلاثةٍ يسرون شيئاً وَيتناجون به إلا وهو رابعهم
عالم به، وهو في كل مكانٍ، أي بالعلم.
ونجوى مشتق من النجوة وهو ما ارتفع وَتَنَحَّى تقول: فلان من هذا المكان بنجوةٍ إذا كانت ناحية منه
فمعنى تناجون يتخالون بما يريدونَ.
وذكر الله هذه الآية لأن المنافقين واليهودَ كانوا يتناجَوْنَ، فيوهمونَ المسلمين أنهم يتناجون فيما يسوءهم ويؤذيهم فيحزنون لذلك، فنهي الله عق تلك النجوى فعاد المنافقون واليهود إلى ذلك
فأَعلم اللَّه النبي ﷺ أنهم قد عادوا في مثل تلك النجوى بعينها فقال:
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٨)
أي يوصي بعضهم بعضاً بمعصية الرسول.
(وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ).
أي هَلَّا يعذبُنَا الله بما نقول، وكانوا إذا أتوا النبي ﷺ قالوا: السام عليكم، والسام: الموت، فقالوا: لم لا ينزل بنا العذاب إذا قلنا للنبي ﵇ هذا القول، واللَّه وَعدهم بعذاب الآخرة وبالخزي في الدنيا، وبإظهار الإسلام وأمْرِ النبي ﷺ وغَلَبَةِ حِزْبِه، فقال: (حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا).
وقال: (كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ).
وقال: (فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (٥٦).
فصدق وَعْدَهُ ونصر جُنْدَهُ رأظْهَرَ دِينَهُ وكبت عَدُوَّهُ.
стр. 1928
وقوله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ
(٩)
أي إذا تخاليْتُمْ لِلسِّر فلا تخالوا إلا بالبرِّ والتقوى، ولا تكونوا كاليهود
والمنافقين.
وفي تناجوا ثلائة أوجهٍ:
فلا تتناجَوْا بتاءين ظاهرتين.
وبتاء واحدة مدغمة مشدَّدَةٍ: فلا تَنَاجَوْا.
وإنما أدْغمت التاءان لأنهما حرفان من مخرج واحد مُتحرّكان وقبلهما ألف، والألف قد يكون بعدها الدغم نحو دَابَّةٍ وَرَادَّ.
ويجور الِإظهار لأن التاءين في أول الكلمة وأن " لا " كلمة على حالها.
و" تتناجوا " كلمة أخرى، فلم يكن هذا البناء لاَزِماً فلذلك كان الِإظهار أجود.
ويجوز الِإدغام، ويجوز حَذْفُ التاء لاجتماع التاءين.
يحكى عن العرب " تبين هذه الخصلة، وتتبين هذه الخَصْلَةُ، وفي القرآن لعلكم تَذَكَّرُون، وَتَتَذَكَّرُونَ
وتذكُرون واحدة، ولا أعلم أحداً قرأ " ولا تناجوا " بتاء واحدة ولكن تقرأ " فَلَا تَنْتَجُوا " أي لا تفتعلوا من النجوى.
* * *
وقوله: (إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٠)
أي النجوى بالِإثْمِ والعًدْوَانِ مِنَ الشَيطانِ ليحزن الذين آمنوا.
ويجوز (ليُحْزِنَ الذين آمنوا) - بضم الياء وكسر الزاي -
العرب تقول: حزنني الأمر وأحزنني.
(وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا).
أي ليس يضرُّ التناجي المؤمنين شيئاً.
ويجوز أن يكون وليس بضارهم الشيطان شيئاً.
وقوله: (إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ)، أي لا يضرهم شيء إلا ما أراد الله
(وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ).
أي يكلون أمرهم إلى الله ويستعيذون به من الشيطان الرجيم.
стр. 1929
وقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١)
(فِي الْمَجْلِسِ) (تَفَسَّحُوا)
ويقرأ (في المَجَالِس) وتقرأ (تَفَاسَحُوا).
وجاء في التفسير أن المجلس ههنا يعنى به مجلس النبي ﷺ
وقيل في المجالس مجالس الحرب مثل قوله تعالى: (مقاعد للقتال).
فأمَّا مَا أمِروا به في مجلس النبي ﵇ فقيل إن الآية نزلت بسبب عبد اللَّه بن شَمَّاسٍ وكان من أهل الصفَّةِ، وكان من يجلس في مجلس النبي ﷺ من ذوي الغِنَى والشرف كأنهم لَا يُوَسعُون لِمَنْ هو دونَهمْ، فأمر اللَّه المؤمنين بالتواضع وأن يفسحوا في المجلس لمن أرادَ النبي ﷺ ليتساوى الناس بالأخذِ بالحظ منه.
(وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا).
أي إذا قيل انهضوا - قوموا - فانهضوا.
وهذا كما قال: (وَلَامُسْتَانِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُوذِي النَبِى فَيَسْتَحي مِنْكُمْ).
وَقِيلَ أيْضاً (وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا) أي إذا قيل قوموا لصلاة
أو قضاء حَقٍّ أو شهادَةٍ فانشُزُوا.
ويجوز " انشُروا فانْشُرْوا، جميعاً يقرأ بهما ويرويان عن العرب نشر ينشرُ وينْشِز.
* * *
وقوله: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ).
والدليل على فضل أهل العلم ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: عبادةُ العالم يَوْماً واحِداً تعدِلُ عِبَادَةَ العابد الجاهل أربعين سنةً.
* * *
وقوله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢)
أي إذا خاليتم الرسول بالسِّرِّ فقدموا قبل ذلك صدقة وافعلوا ذلك.
وقيل إن سبب ذلك أن الأغنياء كانوا يستخلون النبي ﷺ فَيُسَارُّونَه بما يريدونَ، وكان الفقراء لا يتمكنون من النبي ﷺ تمكنهم ففرض عليهم
стр. 1930
الصدقة قبل النجوى ليمتنعوا من ذلك، فروي أن عَلِيًّا ﵀ أراد أن
يناجِيَ النبي ﷺ ، فتصدق بدينار باعه بعشرة دَرَاهم قبل منَاجَاتِه، ثم نسخ ذلك الزكاة فقال :
(أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٣)
أي أطيعوه في كل أمْرٍ، ودخل في ذلك التَّفَسُّحُ في المجْلِسِ لتَقَارُب
النَّاسِ في الدُّنُوِ من النبي ﵇.
* * *
وقوله : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤)
هؤلاء المنافقون تولَّوُا اليهودَ.
ومعنى قَوله: (ويحْلِفُونَ عَلَى الكَذِبِ) يَدل على تفسيره قوله: (وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ)
وقوله: (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ)
يدل عليه قوله: (ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ).
* * *
وقوله: (اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٩)
معنى " استحوذ " في اللغة استولى، يقال: حُذْتُ الِإبِلَ وَحُزْتُهَا إذا
استوليت عليها وجمعتها، وهذا مما خرج على أصله ومثله في الكلام أجْوَدْتُ
وأطيبتُ، والأكثر أجدتُ وأطَبتُ، إلَّا أنَّ استحوذ جاء على الأصل، لأنه لم
يُقَلْ عَلَى حَاذَ لأنه إنما بني على استفعل في أول وهلة كما بني افتقر على
افتعل وهو من الفقر ولم يُقَلْ منه فَقُرَ ولا استعمل بغير زيادة، ولم يقل: حاذ
عليهم الشيطان ولو جاء استحاذ كان صواباً، ولكن استحوذ ههنا أجود لأنَّ