" مَن " في موضع رفع على معنى فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ الصيام فكفارتُه إِطعام
سِتَينَ مِسْكِيناً، وكذلك فإطعامٌ بالتنوين ولا أعلم أحداً قرأ بها.
وقوله: (ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ).
(ذَلِكَ) في مَوْضِع رَفْعٍ، المعنى الفرض ذَلِكَ الذِي وَصَفْنَا.
ومعنى لتؤمنوا باللَّه ورسوله، أي لتصَدِّقوا ما أتى به رسول اللَّه، ولتصَدِّقوا أن اللَّه أمرنا به.
(وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ).
أي تلك التي وَصَفنا في الظِّهار والكفَّارة حدودُ اللَّهِ.
(وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ).
أي لمن لم يصدق بها، وأليم مؤلم.
* * *
وقوله: (إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (٥)
معنى (كُبِتُوا) أُذلُّوا وأُخْزوا بالعذاب وبأن غلِبُوا، كما نزل بمن قَبلَهُم ممنْ
حَادَّ اللَّهَ.
ومعنى (يُحَادُّونَ اللَّهَ) ويشاقون الله أي هم في غير الحَدِّ الذي يكون فيه أولياء اللَّه، وكذلك يُشَّاقُون يكونون في الشق الذي فيه أعداء اللَّه.
* * *
وقوله: (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٦)
(يَوْمَ) منصوب بمعنى قوله: وللْكَافِرين عَذَابٌ مُهِينٌ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا)، أي يبعثهم مجتمعين في حال واحدة.
(فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا).
أي يخبرهم بذلك ليعلموا وجوب الحجة عليهم.
* * *
وقوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧)
стр. 1927
أي يعلم كل ما في السَّمَاوَات وكل ما في الأرض مما ظهر للعباد ومما بطن.
* * *
وقوله : (مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ).
أي ما يكون من خَلْوَةِ ثلاثةٍ يسرون شيئاً وَيتناجون به إلا وهو رابعهم
عالم به، وهو في كل مكانٍ، أي بالعلم.
ونجوى مشتق من النجوة وهو ما ارتفع وَتَنَحَّى تقول: فلان من هذا المكان بنجوةٍ إذا كانت ناحية منه
فمعنى تناجون يتخالون بما يريدونَ.
وذكر الله هذه الآية لأن المنافقين واليهودَ كانوا يتناجَوْنَ، فيوهمونَ المسلمين أنهم يتناجون فيما يسوءهم ويؤذيهم فيحزنون لذلك، فنهي الله عق تلك النجوى فعاد المنافقون واليهود إلى ذلك
فأَعلم اللَّه النبي ﷺ أنهم قد عادوا في مثل تلك النجوى بعينها فقال:
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٨)
أي يوصي بعضهم بعضاً بمعصية الرسول.
(وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ).
أي هَلَّا يعذبُنَا الله بما نقول، وكانوا إذا أتوا النبي ﷺ قالوا: السام عليكم، والسام: الموت، فقالوا: لم لا ينزل بنا العذاب إذا قلنا للنبي ﵇ هذا القول، واللَّه وَعدهم بعذاب الآخرة وبالخزي في الدنيا، وبإظهار الإسلام وأمْرِ النبي ﷺ وغَلَبَةِ حِزْبِه، فقال: (حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا).
وقال: (كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ).
وقال: (فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (٥٦).
فصدق وَعْدَهُ ونصر جُنْدَهُ رأظْهَرَ دِينَهُ وكبت عَدُوَّهُ.
стр. 1928
وقوله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ
(٩)
أي إذا تخاليْتُمْ لِلسِّر فلا تخالوا إلا بالبرِّ والتقوى، ولا تكونوا كاليهود
والمنافقين.
وفي تناجوا ثلائة أوجهٍ:
فلا تتناجَوْا بتاءين ظاهرتين.
وبتاء واحدة مدغمة مشدَّدَةٍ: فلا تَنَاجَوْا.
وإنما أدْغمت التاءان لأنهما حرفان من مخرج واحد مُتحرّكان وقبلهما ألف، والألف قد يكون بعدها الدغم نحو دَابَّةٍ وَرَادَّ.
ويجور الِإظهار لأن التاءين في أول الكلمة وأن " لا " كلمة على حالها.
و" تتناجوا " كلمة أخرى، فلم يكن هذا البناء لاَزِماً فلذلك كان الِإظهار أجود.
ويجوز الِإدغام، ويجوز حَذْفُ التاء لاجتماع التاءين.
يحكى عن العرب " تبين هذه الخصلة، وتتبين هذه الخَصْلَةُ، وفي القرآن لعلكم تَذَكَّرُون، وَتَتَذَكَّرُونَ
وتذكُرون واحدة، ولا أعلم أحداً قرأ " ولا تناجوا " بتاء واحدة ولكن تقرأ " فَلَا تَنْتَجُوا " أي لا تفتعلوا من النجوى.
* * *
وقوله: (إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٠)
أي النجوى بالِإثْمِ والعًدْوَانِ مِنَ الشَيطانِ ليحزن الذين آمنوا.
ويجوز (ليُحْزِنَ الذين آمنوا) - بضم الياء وكسر الزاي -
العرب تقول: حزنني الأمر وأحزنني.
(وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا).
أي ليس يضرُّ التناجي المؤمنين شيئاً.
ويجوز أن يكون وليس بضارهم الشيطان شيئاً.
وقوله: (إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ)، أي لا يضرهم شيء إلا ما أراد الله
(وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ).
أي يكلون أمرهم إلى الله ويستعيذون به من الشيطان الرجيم.
стр. 1929
وقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١)
(فِي الْمَجْلِسِ) (تَفَسَّحُوا)
ويقرأ (في المَجَالِس) وتقرأ (تَفَاسَحُوا).
وجاء في التفسير أن المجلس ههنا يعنى به مجلس النبي ﷺ
وقيل في المجالس مجالس الحرب مثل قوله تعالى: (مقاعد للقتال).
فأمَّا مَا أمِروا به في مجلس النبي ﵇ فقيل إن الآية نزلت بسبب عبد اللَّه بن شَمَّاسٍ وكان من أهل الصفَّةِ، وكان من يجلس في مجلس النبي ﷺ من ذوي الغِنَى والشرف كأنهم لَا يُوَسعُون لِمَنْ هو دونَهمْ، فأمر اللَّه المؤمنين بالتواضع وأن يفسحوا في المجلس لمن أرادَ النبي ﷺ ليتساوى الناس بالأخذِ بالحظ منه.
(وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا).
أي إذا قيل انهضوا - قوموا - فانهضوا.
وهذا كما قال: (وَلَامُسْتَانِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُوذِي النَبِى فَيَسْتَحي مِنْكُمْ).
وَقِيلَ أيْضاً (وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا) أي إذا قيل قوموا لصلاة
أو قضاء حَقٍّ أو شهادَةٍ فانشُزُوا.
ويجوز " انشُروا فانْشُرْوا، جميعاً يقرأ بهما ويرويان عن العرب نشر ينشرُ وينْشِز.
* * *
وقوله: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ).
والدليل على فضل أهل العلم ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: عبادةُ العالم يَوْماً واحِداً تعدِلُ عِبَادَةَ العابد الجاهل أربعين سنةً.
* * *
وقوله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢)
أي إذا خاليتم الرسول بالسِّرِّ فقدموا قبل ذلك صدقة وافعلوا ذلك.
وقيل إن سبب ذلك أن الأغنياء كانوا يستخلون النبي ﷺ فَيُسَارُّونَه بما يريدونَ، وكان الفقراء لا يتمكنون من النبي ﷺ تمكنهم ففرض عليهم
стр. 1930
الصدقة قبل النجوى ليمتنعوا من ذلك، فروي أن عَلِيًّا ﵀ أراد أن
يناجِيَ النبي ﷺ ، فتصدق بدينار باعه بعشرة دَرَاهم قبل منَاجَاتِه، ثم نسخ ذلك الزكاة فقال :
(أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٣)
أي أطيعوه في كل أمْرٍ، ودخل في ذلك التَّفَسُّحُ في المجْلِسِ لتَقَارُب
النَّاسِ في الدُّنُوِ من النبي ﵇.
* * *
وقوله : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤)
هؤلاء المنافقون تولَّوُا اليهودَ.
ومعنى قَوله: (ويحْلِفُونَ عَلَى الكَذِبِ) يَدل على تفسيره قوله: (وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ)
وقوله: (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ)
يدل عليه قوله: (ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ).
* * *
وقوله: (اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٩)
معنى " استحوذ " في اللغة استولى، يقال: حُذْتُ الِإبِلَ وَحُزْتُهَا إذا
استوليت عليها وجمعتها، وهذا مما خرج على أصله ومثله في الكلام أجْوَدْتُ
وأطيبتُ، والأكثر أجدتُ وأطَبتُ، إلَّا أنَّ استحوذ جاء على الأصل، لأنه لم
يُقَلْ عَلَى حَاذَ لأنه إنما بني على استفعل في أول وهلة كما بني افتقر على
افتعل وهو من الفقر ولم يُقَلْ منه فَقُرَ ولا استعمل بغير زيادة، ولم يقل: حاذ
عليهم الشيطان ولو جاء استحاذ كان صواباً، ولكن استحوذ ههنا أجود لأنَّ
стр. 1931
الفعل في ذا المعنى لم يستعمل إلا بزيادة.
وقوله : (أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ).
قال أبو عبيدة: حزب الشيطان جند الشَيطان، والأصل في اللغة أن
الحزب الجمع والجماعة، يقال منه: قد تحزب القوم إذا صاروا فِرَقاً، جماعةً
كذا وجماعة كذا.
* * *
وقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (٢٠)
قد فسرنا يحادون ومعناه يشاقونَ أي يصيرون في غير حَد أولياء اللَّه.
وفي غير شِقِّهِمْ.
(أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ)، أي أولَئِكَ في المغلوبين.
* * *
وقوله: (كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢١)
أي قضى الله قضاء ثابتاً، ومعنى غلبة الرسل عَلَى نَوعين:
مَنْ بُعِثَ بالحرب فغالب في الحرب.
ومن بعث منهم بغير حرب فهو غالب بالحجة.
(إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ).
أي مانعٌ حِزْبَهُ من أن يُذَلَّ لأنه قال جلَّ وعلَا: (أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ).
والعزيز الذي لا يُغلب وَلَا يُقْهَر.
* * *
وقوله: (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٢٢)
جاء في التفسير أن هذه الآية نزلت بسبب حاطب بن أبي بَلْتَعة، وكان
النبي ﷺ عزم على قصد أهل مكة فكتب حاطب يشرح لهم القصةَ وُينْذِرَهمْ ليحرزوا فنزل الوحي على رسول اللَّه ﷺ فذكر حاطبٌ لَمَّا وُبِّخَ بذلك أن له بمكة أهلاً وأنه لَيس لَه أحدٌ يكنفهم، وإنما فَعَلَ ذلك ليحاط أهله، فأعلم اللَّه أن إيمان المؤمِنِ يَفْسدُ بِمَوَدةِ الكفار بالمعاونة على المؤمنين.
وأعلم اللَّه تعالى أنه من كان مؤمناً باللَّه واليوم الآخر لا يوالي مَنْ كَفَر، ولو
كان أباه أو أُمَّه أو أخاه أوْ أحَداً مِنْ عَشِيرته.
стр. 1932
وقوله تعالى: (أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ).
يعني الذين لا يوادُّون من حَادَّ اللَّهَ ورَسوله، ويوالون المؤمنين.
وقوله: (وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ).
أي قواهم بنور الِإيمان بإحياء الإِيمان، ودليل ذلك قوله:
(وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا).
فكذلك: (وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ).
فأعلم الله أن ذلك يوصلهم إلى الجنَّة فقال:
(وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ).
أي الذين لَا يُوادُّونَ من حاد الله ورسوله ومن المؤمنين، وحزب الله أي
الداخلون في الجمع الذي اصطفاه الله وارتضاه.
وقوله: (أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).
(أَلَا) كلمة تنبيه، وتوكيد للقصَّةِ.
و (الْمُفْلِحُونَ) المدركون البقاء في النعيم الدائم.
стр. 1933
سُورَةُ الحشر
(مَدنية)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله تعالى: (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١)
افتتح اللَّه السورة بذكر تقديسه وأن له أشياء تبرئُهُ من السُّوءِ ومثل ذلك
قوله: (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ).
* * *
وقوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ (٢)
هَؤلَاءِ بنو النضير، كان لهم عزَّ ومنعة مِنَ اليهود، فظنَّ الناس أنهم لعزهم
وَمَنْعَتِهِمْ لا يخرجون من ديارِهِمْ، وظنَّ بنو النضير أنَّ حُصُونَهمْ تمنعهم من
الله، أي من أمر اللَّه (فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ). -
كان بنو النضير لما دخل النبي ﵇ المدينة عاقدوه ألَّا يكونوا
عليه ولا معه، - فلما كان يوم أحد وظهر المشركون على المسلمين نكثوا
ودخلهم الريب، وكان كعب، بن الأشرف رئيساً لهم فخرج في ستين رَجُلًا إلى مكة وعاقد المشركين على التظاهر على النبي ﵇، فأطلع اللَّه نبيه ﵇ على ذلك، فلى ما صار إلى المدينة وَجَّهَ رسولُ الله ﷺ محمد بن مسلمة ليَقْتلَه، وكان محمد بن مَسْلَمَةً رضيعاً لكعب، فاستَأذَنَ محمد بن مسلمة رسول اللَّه ﷺ في، أن ينال منه [ليعتر] كعب بن الأشرف، فجاءَهُ محمد
стр. 1934
ومعه جماعة فاستنزله من منزله وأوهمه أنه قَدْ حُمِلَ عَلَيْهِ في أخذ الصدقَةِ مِنهُ
فلما نزل أخذ محمد بن مَسْلَمَةً بناصيته وكَبَّرَ، فخرج أصحابه فقتلوه في
مكانِه، وغَدَا رسول الله ﷺ غازياً بني النَضِير فأناخ عليهم، وقيل إنه غزاهم على حمار مخطومِ بليف، فكان المؤمِنونَ يخربون من منازل بني النضير ليكون لهم أمكنة للقتال، وكان بنو النضير يخربون منازلهم ليَسدُّوا بها أبْوابَ أزقتهم لِئَلَّا يُبْقَى علي المؤمنين، فقذف اللَّهُ في قلوبهم الرعْبَ (يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ).
ومعنى إخرابها بأيدي المؤمنين أنهم عَرَّضُوهَا لِذَلك.
ففارقوا رسول اللَّه ﷺ على الجلاء من منازلهم وأن يحملوا ما استقلت به إبِلهمْ ما خلا الفضة والذهب، فجلوا إلى الشام وطائفة منهم جلت إلى خيبر وطائفة إلى الحيرة، وذلك قوله:
(هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ).
وهو أول حَشْرٍ حُشِرَ إلى الشامِ - ثم يحشر الخلق يوم القيامةِ إلى الشامِ
ولذلك قيل لأول الحشر.
فجميع اليهود والنصارى يُجْلَوْنَ من جزيرة العَرَبِ.
وروي عن عمرَ أن النبي ﷺ قال:
" لأخْرِجَنَّ اليهُودَ مِنْ جَزِيرَةِ العَرَبِ ".
قال الخليل: جزيرة العرب مَعْدِنها وَمَسْكَنها، وإنما قيل لها جَزِيرة العَرَبِ لأن
بحر الحبس وبحر فارس ودجلة والفرات قد أحاطت بها، فَهِيَ أرضها
ومَعْدِنها.
قال أبو عبيدة: جزيرة العرب من [جَفْر] أبي موسى إلى اليَمَنِ في
الطول ومن رمل بَيْرِينَ إلى منقطع السماوة في العرض.
وقال الأصْمَعِى إلى أقصى عَدَن أبْيَن إلى أطراف اليمن حتى تبلغ أطرافَ بَوَادي الشام.
* * *
وقوله تعالى: (مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ (٥)
أي ما قطعتم من نخلة - والنخل كله ما عدا البرني والعجوة يسميه أهل
المدينة الألْوَان، وأصل لِينَةٍ لِوْنَهَ فقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها فقيل لينة.
стр. 1935
فأنكر بنو النضير قطع النخل فأعلم اللَّه أن ذلك بإذنه -
القطع والترك جميعاً.
(وليُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ).
بأن يريهم أموالهم يتحكم فيها المسلمون كيف أحبوا.
* * *
وقوله : (وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦)
يعني ما أفاء اللَّه على رسوله من بني النضير مما لم يوجفوا عليه خيلاً
ولا ركاباً - والركاب الإِبلُ والوَجِيفُ دون التقريب من السير، يقال: وجف الفرس وأوجَفته، والمعنى أنه لا شيء لكم فيه إنما هو لرسول اللَّه ﷺ خالصاً يعمل فيه ما أحب، وكذلك كل ما فتح على الأئمة مما لم يوجف المسلمون عليه خيلًا ولاركاباً.
* * *
وقوله: (مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)
معنى (فلِلَّهِ) أي له أن يأمركم فيه بما أحَبَّ.
(وَلِلرسُولِ وَلِذِي القُرْبَى).
يعني ذوي قرابات النبي ﷺ لأنهم قد منعوا الصدقة فَجُعِلَ لهم حَق في الفيء.
(وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ).
* * *
وقوله: (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨)
بَيَّنَ مَن المَسَاكِينُ الذين لهم الحق فقال: (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ).
* * *
وقوله: (وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)
يعني الأنصار.
стр. 1936
(وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ)
يعني المهاجرين.
(يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ)
أي يحب الأنْصَارُ المُؤْمِنِينَ.
(وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا).
أي لا يجد الأنصار في صدورهم حاجة مما يُعْطَى المهاجرونَ.
وقوله: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ).
قال أبو إسحاق: ما أفاء اللَّه على رسوله من أهل القرَى نحو خيبر.
وما أشْبَهَهَا، فالأمر عند أهل الحجاز في قسمة الفيء أنه يُفَرَّق في هذه الأصْنَافِ المسمَّاة على قَدْرِ ما يراه الِإمام على التحري للصلاح في ذلك إن رأى الِإمام ذلك، وإن رأى أنَّ صِنفاً من الأصناف يحتاج فيه إلى جميع الفيء صرف فيه أو في هذه الأصنافِ عَلى قَدْرِ مَا يَرَى.
* * *
قوله: (كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ).
يقرأ بضم الدال وفتحها - فالدُّولَة اسم الشيء الذي يتداول.
والدَّوْلَة الفِعْل والانتقال من حال إلى حالٍ.
وقرئت أيضاً (دُولَةٌ) - بالرفع -
فمن قرأ " كَيْلاَ يَكُونَ دُولَةٌ " فعلى أن يكون على مذهب التمام.
ويجوز أن يكون " دُولَةٌ " اسمَ يكونُ وخَبَرُها " بين الأغنياء ".
والأكثر (كيلا يكونَ دولةً بيْنَ الأغْنِيَاءِ مِنْكُمْ) على معنى كيلا يكون الفيء دولةٍ، أي متداولًا.
وقوله: (وَمَا آتَاكَم الرسُولُ فَخُذوهُ).
أي من الفيء.
(وَمَا نَهَاكمْ عَنْهُ) أي عن أخذه (فَانْتَهوا).
* * *
قوله (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ
(١٠)
أي ما أفاء اللَّه على رسوله من أهل القُرى فلله ولرسوله ولهؤلاء
стр. 1937
المسلمين وللذين يجيئون من بعدهم إلى يوم القيامة، ما أقاموا على محبة
- أصحاب رسول الله ﵇.
ودليل ذلك قوله: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ) في حال قولهم: (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ. .). الآية.
فمن يترحم على أصحاب رسول اللَّهِ ولم يكن في قلبه غِلٌ لهم أجمعين
فله حظٌّ فِي فَيْء المسلمين، ومن شَتَمُهُمْ ولم يترحم عَلَيهم أو كان في قَلْبِهِ
غِلٌّ لَهُمْ فما جعل الله له حقًّا في شيء من فيء المسلمين.
فهذا نصُّ الكتَابِ بَيِّنٌ.
* * *
قوله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١١)
هُمْ إِخْوَانُهُمْ يَضُمُّهُمْ الكُفْرُ.
(لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ).
وقد بَانَ ذلك في أمر بني النضِير الذين عاقدهم المنافقون لأنهم أخرجوا
من ديارهم وأموالهم فلم يخرج معهم المنافقون، وقُوتلُوا فلم ينصروهم.
فأظهر الله كَذِبَهُمْ.
فإن قال قائل: ما وجه قوله: (وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ)
ثم قال: (وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ).
قال أهل اللغة في هذا قولين: قالوا معناه أنهم لو تَعَاطَوْا نَصْرَهُمْ، أي
ولئن نَصَرهُم مَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ.
* * *
وقوله: (لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (١٤)
стр. 1938
وقرئت (أَوْ مِنْ وَرَاءِ جِدَارٍ) - على الوَاحِد - وقُرئت بتسكين الدال.
فمن قرأ (جُدُرٍ) فهو جمع جدار وجُدُرٍ مثل حمار وَحُمُرٍ.
ومن قرأ بتسكين الدال حذف الضمة لِثِقَلِهَا كما قالوا صُحْفٌ وَصُحُفٌ. ومن قرأ (جِدَارٍ) فهو الوَاحِد.
فأعلم اللَّه أنهم إذا اجتمعوا على قتالِكم لما قذف اللَّه في قلوبهم مِنَ
الرُعبِ لا يبرزون لحربكم إنما يقاتلون متحصنين بالقرى والجُدْرانِ.
وقوله: (تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى).
أي مختلفون لا تستوي قلوبهم ولا يتعاونون بِنيات مُجْتَمِعَة لأن اللَّه -
ناصر حزبه وخاذِل أعدائِه.
* * *
وقوله: (كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٥)
مثل ما نال أهل بَدْرٍ.
* * *
وقوله : (كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (١٦)
أي مثل المنافقين في غرورهم لبني النضِير وَقَوْلهِم لَهُمْ: (لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ) -
(كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ)
وهو - واللَّه أعلم - يدل عليه قوله: (وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ).
فكذلك المنافقون، لَمَّا نَزَلَ ببني النضِيرِ ما نزل تبرأوا منهم.
وقد جاء في التفسير أن عابداً كان يقال له بَرْصِيصَا كان يُدَاوِي مِنَ
الجُنُونِ فداوى امرأة فأعَجَبته فأغواه الشيطان حتى وَقَعَ بها ثم قتلها - ثم تبرأ
стр. 1939
منه الشيطان، وفي الحديث طول ولكن هذا معناه.
* * *
وقوله: (فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (١٧)
وقرأ عبد الله بن مسعود أنهما في النار خَالِدَان فِيهَا، وَهوَ في العربيةِ
جائز إلَّا أنه خلاف المصحف، فمن قَالَ (خَالِدَيْن فيها) فنصب على الحال.
ومن قرأ (خالدان) فهو خبر أَنَّ.
والقراءة فَكانَ عَاقِبَتهُمَا على اسم كانَ ويكون
خبر كانَ أنهما في النار على معنى فكان عاقبتهما كَوْنَهُما في النَّارِ
ويقرأ فكان (عاقِبَتُهُمَا) والنصب أحسَنُ.
ويكون اسم كان (أَنَّهُمَا).
* * *
وقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨)
أي ليوم القيامَةِ، وقُرِّبَ على الناسِ فجعل كأنه يأتي غَداً.
وأصل غَدٍ غَدْوٌ إلا أنه لم يأت في القرآن إلا بحذف الواو، وقد تُكُلِّمَ به
بحذف الواو، وجاء في الشَعْر بإثبات الواوِ وحَذْفِها.
قال الشاعر في إثباتها:
وما الناسُ إلاَّ كالدِّيارِ وأَهلِها. . . بها يومَ حَلُّوها وغَدْواً بَلاقِعُ
وقال آخر:
لا تَغْلُواها وادْلُواها دَلْوَا. . . إنَّ مَعَ اليَوْمِ أَخاه غَدْوَ
* * *
وقوله : (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (١٩)
نسوا الله تركوا ذكره وما أمرهم به فترك اللَّه ذكرهم بالرحمة والتوفيق.
* * *
وقوله: (لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٢١)
стр. 1940
ْأعلم اللَّه أن من شأن القرآن وعَظَمَتِهِ وَبَيانِه أنه لو جُعِلَ في
الجبل تمييز كما جعل فيكم وأنزل عليه القرآن لخشع وتصدَّع من خشية اللَّه
ومعنى خشع تطأطأ وخضع، ومعنى تصدَّع تشققَ.
وجائز أن يكون هذا عَلَى المَثَلِ لقوله: (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ)
كما قَالَ - سبحانه -: (لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠).
* * *
وقوله: (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢)
هذا رد على أول السورة، على قوله: (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).
(هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ).
* * *
قوله: (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣)
(الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ).
والقدوس الطاهر ومن هذا قيل: بيت المقدس أي بيت المكان الذي
يتطهر فيه من الذُنُوبِ.
وقوله: (السَّلَامُ).
اسم من أسماء اللَّه ، وقيل السلام الذي قد سَلِمَ الخلقُ من ظُلْمِهِ.
(الْمُؤْمِنُ).
الذي وَحَّد نَفْسَهُ بقوله: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).
وقيل المؤمِنُ الذي أمِنَ الخلقُ من ظُلمِه.
وقوله: (العَزِيزُ).
أي الممتنِعُ الذي لا يغلبه شيء.
(الْمُهَيْمِنُ). -
جاء في التفسير أنه الشهيد، وجاء في التفسير أنه الأمين، وزعم بَعْضُ
стр. 1941
أهل اللغة أن الهاء بدل من الهمزة وأن أصله المؤيمِنُ، كما قالوا: إِياك
وهِيَّاكَ، والتفسير يشهد لهذا القول لأنه جاء أنه الأمِينُ، وجاء أنه الشهِيدُ.
وتأويل الشهيد الأمين في شهادته.
وقوله: (الْجَبَّارُ).
تأويله الذي جبر الخلق على ما أراده من أمْرِه.
وقوله: (الْمُتَكَبِّرُ).
الذي تكبر عن ظلم عِبَادِه.
(سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ)
تأويله تنزيه الله عن شركِهِمْ.
* * *
قوله: (هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)
وقد رويت رواية لا ينبغي أن تُقْرَأ، رويت (الْبَارِئَ الْمُصَوِّرَ) بالنصب معناه الذي برأ آدم وصَوَّرَة.
وقوله: (لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى).
جاء في التفسير أنها تسعة وتسْعُون اسماً، من أحصاها دَخَل الجنَّةَ
وجاء في التفسير أن اسم اللَّهِ الأعظم اللَّه، ونحن نبيِّن هذه الأسماء واشتقاق ما ينبغي أن يبين منها إن شاء اللَّه.
روى أبو هريرة الدوسي عن النبي ﵇ قال إن للَّهِ مائة اسم غير
واحِدٍ مَن أحصاها دخل الجنَّةَ.
وهو الله الواحد الرحمن الرحيم الأحَدُ الصمَدُ الفرد السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر الخالق البارئ المصور الحي القيوم العَلِى الكبير الغني الكريم الولي الحميد العليم اللطيف السميع البصير الودود الشكور
الظاهر البَاطِن الأول الآخر المبدئ البديع الملك القدوس الذَارِئ الفَاصِلُ الغَفُورُ المجيد الحليم الحفيظ الشهيد الربُّ
стр. 1942
القدير التَّوَّاب الحافظ الكفيل القريبُ المجيب العَظيمُ الجليل العَفُوُّ الصَّفُوح
الحق المبين المعز المذل القوِي الشديد الحنَّان المَّان الفتاح الرؤوف القابض
الباسط الباعثُ الوَارِث الدَّيَّانُ الفاضل الرقيب الحسيب المتين الوكيل الزكي
الطاهر المحسن المجمل المبارك السُّبُّوح الحكيم البرُّ الرَّزاق الهادي المولى
النصير الأعلى الأكبر الوهاب الجواد الوفى الواسع الخلاَّق الوِتْر.
جاء في التفسير أن اسم اللَّه الأعظم اللَّه.
قال سيبويه: سألت الخليل عن هذا الاسم فقال:
الأصل فيه إله فأدخلت الألف واللام بدلًا من الهمزة.
وقال مرة أخْرَى: الأصل لَاهْ وأدْخِلَتِ الألف واللام لَازِمة.
وأما الرحمن الرحيم فالرحمن اسم الله خاصة لا يقال لغير اللَّه رحمن، ومعناه المبالغ في الرحَمَةِ وأرحم الراحمين - وَفَعْلانُ من بناء المُبَالَغَةِ، تقول للشديد الامتلاء ملآنُ وللشديد الشبع شبعَانُ، والرحيم اسم الفاعِلِ من رحم فَهُوَ رَحِيم، وهو أيضاً للمبالغة والأحدُ أصله الوَحَدُ بمعنى الواحد، وهو الواحد الذي ليس كمثله شيء.
والصَّمَدُ السيد الذي صَمَدَ له كل شيء، أي قصد قَصْدَهُ.
وتأويل صمود كل شيء للَّهِ أن في كل شيء أثر صنعة اللَّه.
السلام الذي سلم الخلق من ظلمه، وقد فَسَّرْنَا المؤمِن المهَيْمِن، وفسرنا الجبار المتكبر.
والباريء الخالق، تقول برأ اللَّه الخلق يبرؤهم أي خلقهم، والقيُّوم المُبَالِغُ في
القيام بكل ما خَلَقَ، وما أراد، والولي المتولي للمؤمنين اللطيف للخلق من
حيث لا يعلمون ولا يقدرون، والودودُ المحب الشديد المحبَّةِ.
الشكور الذي يرجع الخير عنده، الظاهر الباطن الذي يعلم مَا ظَهَرَ وَمَا بَطَن، المبدئ الذي ابتدأ كل شيء من غير شيء، والبديع الذي ابتدع الخلق على غير مثالٍ، القدُوس قد رويت القَدُّوس بفتح القاف، جاء في التفسير أنه المبارك، ومن ذلك أرض مقدَّسَةٌ مباركة، وقيل الطاهر أيضاً.
والمذرئ - مهموز - الذي ذرأ الخلق أي خلقهم، والفاصل الذي فصل بين الحَقِّ والباطل، والغفور الذي
стр. 1943
يغفر الذنوب، وتأويل الغفران في اللغة التغطيةُ على الشيء ومن ذلك المِغفَرُ
ما غطَيَ به الرأس.
المجيد الجميل الفعال، والشهيد الذي لا يغيب عنه شيء.
والرَّبُّ مالك كل شيء والصَّفوح المتجاوز عَنِ الذُنُوبِ يصفح عنها.
الحَنَّانُ ذو الرحمة والتعطف المَنَّان الكثير المَنِّ على عباده بمُظَاهر النعم.
الفتاح الحاكم، الدَّيَّانُ المجازي، الرقيب الحافظ الذي لا يغيب عنه شيء.
المتين الشديد القوة على أمْرِه، الوكيل الذي يوكل بالقيام بجميع ما خلق.
والزكي الكثير الخير السُّبُّوح الذي بيَّن عن كل سِرٍّ، الحليم الذي لا يعجل
بالعقوبة، وكان الحلم على هذا تأخير العقوبة.
стр. 1944
سُورَةُ الممتحنة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١)
قيل المعنى تُلقُونَ إليهم المودَّةَ، والمعنى - واللَّه أعلم - يلقون إليهم
أخبار النبي ﵇ وسِرَّهُ بالمودةِ التي بينكُمْ وبينهم، ودليل هذا القول:
(تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ) ما يستره النبي ﵇ بالمودة.
ويروى أنها نزلت في حاطب بن أبي بلتعة، وكان كتب إلى أهل مكة
يتنصُحُ لهم، فكتب إليهم أن رسول الله يريد أن يغزوكم فخذوا حذركم فأطلع اللَّه نبيه على ذلك، وكان كتب إليهم كتاباً ووجه به مع امرأةٍ يقال إنها كانت مولاة بني هاشم، فوجَّه رسول اللَّه ﷺ بعَلِى والزبَيْرِ خلفَها فلحقاها فسألاها عن الكتاب فأنكرت، ففتشا ما معها فلم يجدا شيئاً، فقال علي رضوان اللَّه عليه: إن رسول اللَّه ﷺ لم يَكذِبْنا فأقسم عليٌّ عليها لتخرجن الكتابَ أو
ليضربنها بالسيف، فقالت لهما: وَلِّيَا وُجُوهكما وأخرجت الكتابَ من قرن من قرون شعرها، فجاء بالكتاب إلى النبي ﵇ فعرضه على حاطب
فاعترف به وقال إن لي بمكة أهلًا ومالًا فأردت أن أتقرب مِنْهُمْ، ولَنْ يرد اللَّه
بأسه عنهم، فأنزل الله :
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ) الآية
إلى آخر القصة.
стр. 1945
وأما قوله: (إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي).
هذا شرط جوابه تَقَدَّم.
المعنى إن كنتم خرجتم جهاداً في سبيلي وابتغاء مرضاتي فلا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء.
وجهاداً، وابتغاء) منصوبان لأنهما مفعولان لهما.
المعنى إن كنتم خرجتم لجهاد وابتغاء مرضاتي فلا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء.
ثم أعلمهم تعالى أنه ليس ينفعهم التقرب إليهم بنَقْل أخبار النبي ﵇ فقال:
* * *
(إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ (٢)
معنى يثقفوكم يلقَوْكم.
(وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ).
ثم أعلمهم أن أهلهم وأولاَدَهم لا ينفعُونهم شيئاً في القيامةِ فقال:
(لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣)
قرئت (يَفْصِلُ) على أربعة أوجه.
يَفْصِل بينَكُمْ على مَعْنَى يفصل اللَّه بينكم، ويُفْصَلُ بينكم على ما لم يسمَّ فاعله، والمعنى راجع إلى الله .
ويُفَصَّلَ بَيْنَكُمْ - بتشديد الصاد وفتحها وضم الياء على ما لم يُسمَّ
فاعله.
وقرئت يُفصَّل بينكم، ويجوز نُفصِّل بينكم ونُفصِل بينكم - بالنون.
فهذه سِتَةُ أوجُهٍ.
* * *
وقوله تعالى: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءَاءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٤)
(قَدْ كَانَتْ لَكُمْ إِسْوَةٌ)
ويجوز أسوة بضم الهَمْزَةِ.
(فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءَاءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ).
فأعلم اللَّه أن أصحاب إبراهيم صلوات اللَّه عليه تَبَرأوا من
قومهم وعَادَوْهًمْ، فأمِرَ أصحاب النبي ﵇ أن يتأسَّوْا بهم وبقولهم.
стр. 1946
وقوله: (إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ).
فإن ذلك عن موعدة وعدها إياه، فلما تبين له إقامَتُهُ على الكفر تبرَّأ منه.
فأمَّا ما يجوز في " بُرَءاءُ منكم " فأربعة أوجه:
أجودُها بُرَءَاءُ على فُعَلاء، مثل ظريف وظرفاء، وشريك وشركاء، وكذلك بري. وبُرَءَاءُ، ويجوز بُرَاء منكم وبَرَآءٌ منكم جميعاً بالمَد
فمن قال بِراء بالمد فهو بمنزلة ظريف وظراف.
ومن قال بُرَاءٌ بالضم - أبْدَلَ الضمَ من الكسرة كما قالوا رُخْلَةَ ورِخَال
وقال بعضهم: رُخال بضم الراء وقالوا: شاة رُبَى وغَنَمٌ رُبَات وَرِبَابٌ - بضم الراء وكسرها - وهي الحديثة النتاج، أي الحديثة الولادة.
ويجوز بَرَاء منكم بفتح الباء، لأن العَرَبَ تقول: أنا البراء مِنْكَ ويقول
الاثنان والثلاثة: نحن البراء منك، وكذلك تقول المرأةُ: أنا البراء منك.
فلا تقرأ من هذه الأوجه إلا بما قرأ به من تُوْجَد عنه القِراءةُ.
* * *
وقوله: (رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٥)
معناه لا تظهرهم علينا فيظنوا أنهم على حق فَيَفْتَتِنُوا بِذَلِكَ.
* * *
وقوله: (عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧)
" عسى " واجبة من اللَّه.
جاء في التفسير أنه يعني بهذا أن رسول الله ﷺ
تَزَوجَ أمَّ حبيبة بنت أبي سفيان، فهذه هي المودة وقيل إنه يعني به من أسلم مِنهُمْ فيكون بينكم وبينهم موَدَّة.
* * *
وقوله: (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨)
" أن " في موضع جر بدل من " الذِين ".
المعنى لا ينهاكم أن تبروا الَّذين لم يقاتلوكم في الدِّينِ.
وهذا يدل على أن المعنى: لا ينهاكم الله عن بِرِّ الذين
стр. 1947
بينكم وبينهم عَهْدٌ ودليل ذلك قوله: (وتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ) أي وتعدلوا فيما بينكم وبينهم، من الوفاء بالعهد، يقال أقسط الرجل فهو مقسط إذا عَدَل، وقسط فهو قاسط إذا جار، وقيل إنه يعني به النساء والصبيانُ.
* * *
وقوله: (إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩)
(ظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ) أي عاونوا على إخراجكم.
(أَنْ تَوَلَّوْهُمْ)
" أن " في موضع جر أيضاً على البدل.
المعنى إِنَّمَا ينهاكم اللَّه عن أن تتولوا هؤلاء الذين قاتلوكم في الدِّين لأن مُكَاتَبَتهم بإظهار ما أسره النبي ﵇ مُوِالِاةٌ.
* * *
وقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠)
موضع " مهاجرات "
نصب على الحال، وقيل المؤمنات وإن لم يُعْرَفْنَ بالِإيمانِ وَقَبْلَ أن يَصِلُوا إلى النبي ﵇، وإنما سمين بذلك لأن تقديرهُنَّ الِإيمان.
(فَامْتَحِنُوهُنَّ).
معناه اختبروهُنَّ.
وهذه نزلت بسبب عهد الحديبية الذي كان بين النبي ﷺ وبين مَنْ عَاهَدَهُ بمكة من خزاعة وغيرهم، وكان ﵇
عاهدهم على أنه من جَاءَ منهم إليه ردَّه إليهم، ومن صار من عنده إليْهِمْ لم
يردوه إليه، فأعلم اللَّه - جلَّ وعزََّّ - أن من أتى من المؤمِنَاتِ ممن يريد الدخول في الِإسلام فلا يرجعن إلى الكُفَّار، فذلك قوله: (فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ).
فأعلم أن إظهار الِإيمَانِ يدخُلُ في جملة الِإسلام، واللَّه عالم
стр. 1948
بما في القلوب، وكانت المحنة إذَا جَاءَتِ المرأةُ المهاجِرَةُ أن تحلَّفَ باللَّه أنه
ما جاء بها غَيرَة على زوجها، ولا جاءت إلا مُحِبَّةً لِلًهِ وَلرَسُولهِ وللرغْبَةِ في
الإِسلام فَهذِهِ المِحنَةُ.
وقوله تعالى: (فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ).
أي لا تردوهُن، يقال: رجع فلان ورجعته.
وقوله: (لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ).
أي إنَّ المؤمنات لا يَحْلِلْنَ للكُفَارَ ولا الكفارُ يحلون للمؤمنات
(وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا)
فكان الزوج يُعْطَى مَهْرَ امرأته التي آمنت، وكان يؤخَذ مِنْهمْ مَهْرُ من
مضى إليهم من نساء المؤمنين مِمن تلحق بزوجها إذا رغبت في الكُفْرِ.
فأقامَتْ عَلَيْه.
(وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ)
أي وَلاَ إِثْمَ عليكم.
(أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ)
أي أن تزوجوهُنَّ.
(إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ)
وهذا دليل على أن التَزْوِيج لَا بُدَّ فيه مِنْ مَهْرٍ.
(وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ).
أي إذا كفرن فقد زَالَتِ العِصمَةُ بين المشركةِ والمؤمِنِ، أي قد انبَتَّ
عَقْدُ حبل النكاح، وأصل العصمة الحبل، وكل ما أَمْسَك شيئاً فقد عَصَمَهُ.
وقرِئَت: (وَلَا تُمْسِكُوا). (وَلَا تَمْسَّكُوا)، والأصل تَتَمسًكوا من قَوْلكَ تَمَسَّكْت بالشيءِ إِذَا أنتَ لَمْ تُخْله من يَدِك أو إرادتِكَ، فحذفت إحدى التاءين.
وقُرِئَتْ (تُمْسِّكُوا) - بضم التاء والتشديد من قَوْلكَ مَسَّكَ يُمَسِّكُ.
وقرئت (تُمْسِكُوا) بضم التاء وتَخْفِيفِ السين على معنى أمْسَكَ يُمْسِكُ.
стр. 1949
وقوله: (وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (١١)
(فَعَاقَبْتُمْ)
على فاعلتم، وقرئت فعقَبْتُمْ بغير ألف وتخفيف القاف.
وجاء في التفسير فَغَنِمْتُمْ، وتأويله لأي اللغة كانت العقبى لكم، أي كانت العقبى والغلبة لكم حتى غنمتم.
وعَقِبْتُم أجْوَدُها في اللغَةِ، وفَعَقَبتُمْ بالتخفيف جَيِّدٌ في اللغة أيْضاً.
أي صارت لكم عقبى الغلبة، إلا أنَّهُ بالتشديد أبلغ.
ومعنى (فعاقبتم) أصبتموهم في القتال بعقوبة حتى غنمتم.
أي إنْ مَضَتْ امرأة منكم إلى من لا عهد بينكم وبينه.
(فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا).
أي مثل ما أنفقوا في مُهُورِهِنَّ، وكذلك إنْ مَضَتْ إلى من بينكم وبينهم
عَهْدٌ، فنكثَ في إعطاء المَهْرِ فالذي ذهبت زوجَتُهُ كَانَ يعْطَى من الغنيمة
المَهْرَ، فلا ينقص شيء من حقه، يعطى حَقَّهُ كاملاً بعد إخراج مهور
النساء، فمن ثم دفع عمر بن الخطاب ﵀ فيما رَوَوْا مهر أم أيمن.
* * *
وقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢)
أي لا يأتين بِوَلَدٍ ينسبنه إلى الزوج، فإن ذلك بَهتان وَفِرية.
(وَلاَ يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ).
قيل لا يعصينَك في أمر في النوح، وقيل في تمزيق الثياب وخمش
الوجوه ومحادَثَةِ الرجال.
والجملة أن المعنَى لَا يُعْصِيَنَك في جميع ما تأمُرُهُن به بالمعروف.
стр. 1950
وروي أن النبي ﵇ جلس على الصفا، وجلس عمر ﵀
دُونَهُ، فكن يبايعن النبي ﷺ على ما تَضَمَّنَتْه الآية، ويمسحن أيدِيَهُنَّ بِيَدِ عُمرَ.
وقيل كن يمسحن بأيديهن من وراء ثوبٍ.
* * *
وقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ (١٣)
يعني به اليهودُ.
(كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ).
أيْ كما يئس الكفارُ الذين لاَ يوقنون بالبعث من موتاهم أن يُبْعَثُوا، فقد
يئس اليهود والذين عاقدوا النبي ﷺ من أن يكون لهم في الآخرة حظ.
وقيل: (قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ)
أي من الذين في القبور، يعلمون أنهم لا حَظَّ لهم فِي الآخِرةِ.
стр. 1951
سُورَةُ الصَّف
(مَكِّيَّة)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١)
قد فسرنا ما في قوله: (سَبَّحَ لِلَّهِ).
* * *
قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢)
الأصل " لما " فحذفت الألف لأن ما واللام كالشيء الواحد، فكثر
استعمال " ما " واللام في الاستفهام، فإذا وقفت عليها قلت: لمه ولا يوقف عليها في القرآن بها لئلا يخالف المصحف.
وينبغي للقارئ أنْ يَصِلَها.
وهذا قيل لهم لأنهم قالوا: لو علمنا مَا أحَبُّ الأعمال إلى اللَّه
لأصبناه ولو كان فيه ذَهَابُ أنفسنا وأمْوَالِنَا فأنزل اللَّه : (هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ)
إلى قوله: (وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ).
فلما كانَ يوم أحُدٍ تولَّى من تَوَلَّى عن النبي ﷺ حتى كسرت رَبَاعيته وَشُجَّ في وَجْهِهِ أنزل اللَّه :
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)
(أنْ تَقُولُوا) في موضع رفِع.
و (مَقْتاً) نصبٌ على. التمييز، المعنى كَبُرَْ قولكم ما لا تَفعلون مَقْتاً عند اللَه، ثم أعلم اللَّه ما الذي يحبه فقال:
стр. 1952
(إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (٤)
أي بنيان لاصق بعضُه بِبَعْض لا يغادر بَعْضُه بَعْضاً.
فأعلم اللَّه أنه يحب من يثبت في الجهاد في سبيله ويلزم
مَكَانَهُ كَبُيُوتِ البناء المرْصُوصِ.
ويجوز - واللَّه أعلم - أن يكون عني أن تستوي نِياتُهُمْ في حَرْبِ عَدُوهِمْ حتى يكونوا في اجتماع الكلمةِ ومُوَالَاةِ بعضهم بعضاً كالبنيانِ المرصوص.
* * *
وقوله: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٥)
قد بينَّا في سورة الأحْزاب ما كان آذوه به.
(فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ).
أي عدَلُوا عنِ الحق وانصرفوا عنه فأضلَّهم الله وَصَرَفَ قُلوبَهُمْ.
وقوله: (وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ)
معناه لا يهدي من سبق في علمه أنَّهُ فَاسِقٌ.
* * *
وقوله: (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (٦)
موضع (إِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ) و (إذ قال موسى) جميعاً نصب.
المعنى اذكر إذ قال موسى، واذكر إذ قال عيسى ابنُ مريم.
أي اذْكر لقومِكَ وأُمَّتِكَ قَصةَ مُوسَى وعيسى وما كان عاقبة من آمَنَ بِهِمَا وعاقبة من كفر وآذى الأنبياءَ.
وقولُه: (لِلْحَوَارِيينَ).
قيل إن الحواريين سموا بذلك لبياض ثيابِهِمْ، وقيل كانوا قصَّارِينَ.
والحَوارِيُّونَ خُلْصَان الأنْبِيَاءِ وصَفْوَتُهُمْ، والدليل على ذلك قول النبي ﷺ :
стр. 1953
الزبيرُ ابنُ عَمَّتِي وحَوَاريِّي مِنْ أُمَّتِي.
وأصحاب رسول الله ﷺ حواريُّون.
وتأويل الحوارِيين في اللغة الذين أخلَصُوا ونُقُّوا من كُل عَيْبِ، وكذلك الدقيق الحوارَى من هذا، إنما سُمِّيَ لأنَّه يُنَقى من لُبَابِ البُرِّ وخالِصِه. وتأويله في الناس أنه الذي إذَا رُجِعَ في اختياره مَرة بعد مَرةٍ وُجِدَ نقيًّا مِنَ العُيُوب.
فأصل التحوير في اللغة من حَارَ يحورُ، وهو الرجوع والترجيعُ.
فهذا تأويله - واللَّه أعلم.
وقوله: (مَنْ أنْصَارِي إلى اللَّهِ).
أي من أنْصَارِي مع اللَّه، وقال قوم مَنْ أنْصَارِي إلى نَصْرِ اللَّهِ.
وقال الشاعر:
ولَوْحُ ذِراعَيْنِ في بِرْكةٍ. . . إِلى جُؤْجُؤٍ رَهِلِ المَنْكِبِ
المعنى الكاهل مع جؤجؤ رهل الْمنْكِب.
* * *
وقو له: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ)
وأكثر القراءة كونوا أنصارَ اللَّهِ، وهو الاختيار لقولهم نحن أنْصَارُ اللَّه.
لأن الآيتين في جواب كونوا أنصاراً للَّهِ، نحن أنصَارُ اللَّهِ.
ويجوز أن يكون " نحن أنصار اللَّه " جواباً لذلك.
وقرئت (وَاللَّهُ مُتِمٌّ نُورَهِ) - (وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ) كلاهما جَيدٌ.
стр. 1954
وقوله : (فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ).
مَعْنَى (أَيَّدْنَا) قَوَّينَا، واشتقاقه من الأيْدِ، والأيْدُ القوَّةُ.
* * *
وقوله: (يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢)
هذا جواب (تؤمنون باللَّه وَرَسُوله وتُجَاهِدُونَ) لأن معناه معنى الأمْرِ.
المعنى آمنوا باللَّه ورسوله وجاهدوا في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم يغفر لكم
ذنوبكم.
أي إن فعلتم ذلك يغفر لكم.
والدليل على ذلك قراءة عَبْدُ الله بن مسعودٍ: آمِنُوا باللَّهِ وَرَسولهِ، وقد
غلِطَ بعض النحويين فقال: هذا جَوابُ " هل "، وهذا غلط بين، ليس إذا دلهم النبي على ما ينفعهم غفر الله لهم، إنما يغفر اللَّه لهم إذا آمنوا وجاهدوا.
فإنما هو جواب (تُومِنُونَ باللَّهِ ورَسُوله وتجاهدون يغفر لكم).
فأمَّا جواب الاستفهام المجزوم فكقَولكَ هل جئتني بشيء أعطكَ مثله.
المعنى لو كنت جئتني أعطيتك، وَإِنْ جئتني أعْطَيْتُكَ.
وكذلك " أين بيتك أزُرْكَ ".
* * *
وقوله: (فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ).
أي في جنات إقامة وخلودٍ، يقال عَدَنَ بالمكان إذَا أقام به.
* * *
وقوله: (وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١٣)
المعنى ولكم تجارة أخرى تحبونها وهي نصر من الله وفتح قريب.
وإن شئت كان رفعاً على البَدَلِ من (أُخْرَى).
المعنى يُدْخِلْكُمْ جَنًاتٍ ولكُمْ نَصْرٌ من اللَّه وَفَتْحٌ قَرِيبٌ.
* * *
وقوله: (إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ).
(مُصَدِّقًا) منصوب على الحال.
أي إِني رسول اللَّه إليكم في حال
стр. 1955
تصديقٍ لما تَقَدمَني من التوراة وفي حال تبشير برسول (يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ).
قُرِئَتْ بفتح الياء - مِنْ بَعْدِيَ -. وبإسكان الياء، وحذْفِها من اللفظ
لالتقاء السَّاكنين، وأَما في الكتاب فهي ثابتة. من بَعْدي اسمُه أحمد.
والاختيار عند سيبويه والخليل تحريك هذه الياء بالفتح.
فأمَّا من قرأ (يَغْفِر لكُمْ) - بإدغام الراء في اللام - فغير جائز في القراءة عند الخليل وسيبويه، لأنه لا تدغَمُ الراء في اللام في قولهما.
وقد رُوَيتْ عن إمام عَظِيم الشأن في القِرَاءةِ.
وهُوَ أبو عمرو بن العلاء، ولا أَحْسَبُه قرأ بها إلا وقد سمعها عن العَرَب.
زَعم سيبويه والخليل وجميع البصريين - مَا خَلَا أَبا عمرو أن اللامَ تُدْغَمُ في
الراءِ، وأن الرَّاءَ لا تُدغَمُ في اللامِ.
وحجة الذين قالوا أن الراء لا تدغم في اللام أن الراء حرف مكرر قويٌّ
فَإذَا أدغمت الراء في اللام ذهب التكرير منها.
وَدَلِيلُهُمْ على أَن لَهَا فضلة عَلَى غَيْرِهَا في التمكن أَنَكَ لَا تميلُ ما كان على
مثال فاعل إذا كان في أَوله حَرْفٌ مِنْ حُرُوف الإطباقِ أَو المسْتَعْلِيَةِ، وهي سبعة أَحْرُفٍ منها أَربعة مطبقة وهي الصَّادُ والضَّاد والطَّاءُ والظَّاء.
وثلاثة مستعلية وهي: الخَاءُ والغَيْن والقاف.
لا تقول: هذا صالح، بإمالة الصادِ، إلى الكسر - فإن كان في مَوْضع
اللام رَاء جاز الكسر، تقول: هذا صَارِم. ولا تقول: مَرَرْت بضَابَطٍ - بإمالة الضادِ - ولكن تقول: مَررت بضارِبِ، فَتُسفِلَ الراءَ المكسورَة كَسْرَةَ الصاد والضادِ المطبقتين.
وهذا الباب انفرد به البَصْرِيونَ في النحو وليس للكوفيين ولا المدنيين
فيه شيء، وهو باب الِإمالةِ.
стр. 1956
سُورَةُ الجمعة
(مدنية)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله : (يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١)
(الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ)
بضم القاف القراءة، وقد رُوِيتْ القَدُّوس بفتح القاف، وهي قليلة.
ومعنى القدوس المبارَكُ وقيل الطاهِرُ أيضاً.
* * *
وقوله: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)
(الْأُمِّيِّينَ) الذين لا يكتبون، الذين هم على ما خُلِقَت عليه الأمَّةُ قبل
تعلم الكتاب، والكتَابُ لا يكون إلا بتعَلُّم ٍ.
وقولهم في الذي لا يعرف الكلام ولا القراءة: هو يقرأ بالسليقة، أَي لم يتعلم القراءة مُعْرباً إنما يقرأ على ما سمع الكلام على سلِيقَتهِ.
والسَّلِيقَةُ والطبيعةُ والنحيبَةُ والسَّجيَّةُ والسَّرجُوجَةُ، ْ مَعْنَاهُ كله الطبيعةُ.
وقيل أول ما بدأ الكتاب في العرب بَدَا مِنْ أَهْل الطائِفِ، وذكر أَهل
الطائف أنهم تعلمُوا الكتابة في أَهل الحِيرَةِ، وذكر أَهلُ الحيرَةِ أَنهم تعلموا
الكتابة من أَهل الأنبار.
* * *
وقوله : (وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣)
" آخرين " في مَوْضِع جَرٍّ.
المعنى هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ
стр. 1957
وبَعَثَ في الذين لم يلحقوا بهم، أَي في آخرين منهم لَمَّا يَلْحَقوا بِهِم.
فالنبي ﵇ مبعوث إلى من شاهده وإلى كل من كان بَعْدَهُمْ من العرب
والعجم.
ويجوز أن يكون (وآخرين) في موضع نصب على معنى يعلمهم الكتاب
والحكمة وُيعَلَمُ آخرين منهم لما يلحقوا بِهِمْ.
* * *
وقوله: (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥)
الأسفار الكُتُب الكبار، واحدها سِفْر، فأعلم اللَّه أن اليهودَ
مَثَلُهُمْ في تركهم استعمال التوراة والإيمان بالنبي ﵇ الذي يجدونه
مكتوباً عندهم فيها كمثل الحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً.
ثم قال: (بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ).
ومعنى (بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ) المثل الذي ضَرَبْنَاه لَهُمْ.
وقرأ أبو عَمْرو كمثل الحِمَارِ - بكسر الألف - وهذه الِإمالة أَعْنِي كسر الراء كثير في كَلَامِ العَرَبِ.
وقوله: (وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ).
معناه أَنه لا يهدي من سبق في علمه أَنه يكون ظَالِماً.
* * *
وقوله: (قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦)
وذلك لأنهم قالوا: (نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ) فقيل لهم:
إنْ كِنتُمْ تزعمون فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ.
أي فإن اللَّه سَيُمِيتُكُمْ.
وَأعلم اللَّه أنهم لايَتَمَنَّوْنَهُ، لأنهم قد
عَلِمُوا أن النبي ﵇ حَقٌّ وأَنهم إن تَمَنَّوهُ مَاتُوا، فلم يَتَمَنَّوْهُ.
стр. 1958
فهذه من أدل آيات النبي ﷺ .
ثم أعلم أنهم إنْ لم يَتَمنُوا الموت وَلَمْ يَمُوتُوا فِي وَقْتِهِمْ أنهم
يموتون لَا مَحالةَ فقال:
* * *
(قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨)
ودخلت الفاء في خبر إِنَّ، ولا يجوز إنَّ زَيْداً فمنطَلِق، لأن
(الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ) فيه معنى الشرط والجزاء.
ويجوز أَن يكونَ تَمَام الكَلاَمِ: (قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ)
كَأَنَّه قيلَ: إنْ فَرَرْتُم من أَي موتٍ كانَ مِنْ قَتْلٍ أَو غيره فإنه مُلَاقِيكُمْ، ويكون (فَإِنَّهُ) استئنافٌ، بعد الخبر الأول.
* * *
وقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩)
وقرئت الجُمْعَة - بإسكان الميم - ويجوز في اللغة الجمَعَة - بفتح الميم -
- ولا ينبغي أن يقرأ بها إلا أن تثبت بها روايةٌ عن إمام من القُرَّاء.
فمن قرأ الجُمْعَة فهو تخفيف الجُمُعَةِ، لثقَلِ الضَمَّتَيْنِ.
ومن قال في غير القراءة الجُمَعَةِ، فمعناه التي تجمع النَّاسَ، كما تقول رجل لُعَنَة، أَيْ يُكْثِرُ لَعْنَ الناس، ورَجُل ضُحَكَةٌ، يكثر الضَّحِكَ.
وقوله: (فَاسْعَوْا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ).
معناه فاقصدوا إلى ذكر اللَّه، وليس معناه العدو.
وقرأ ابن مَسْعودٍ: " فَامْضُوا إلى ذِكْرِ اللَّهِ "
وقال: لو كانت فاسْعَوْا لَسَعَيْتُ حتى يسقط رِدَائي.
وكذلك قرأ أبَيٌّ بن كَعْب: (فَامْضُوا).
وَقَدْ رويت عن عمر بن الخطاب.
ولكن اتباع المصحف أولى، ولو كانت عند عمر " فامضوا " لا غير، لغيرها في المصحف.
والدليل على أن معنى السَّعْيِ التصرف في كل عمل قول اللَّه -
стр. 1959
(وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (٤٠)
فلا اختلاف في أَن معناه: وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا عمل.
* * *
وقوله : (وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ).
فالبيع من وقت الزوال في يوم الجُمَعَةِ إلى انقضاء الصلاةِ كالمحرَّمِ.
* * *
وقوله: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠)
هذا معناه الِإباحة، ليس معناه إذا انقضت الصلاة وجب أن يَتْجر
الإنْسانُ كما قال: (وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا)
فليس على من حَلَّ من إحرامٍ أن يصطادَ إنما هو مباح له، مثل ذلك قوله في الكلام: إذَا حَضَرتني فلا تنطق وَإذا غبت عني فتكلم بما شئت، إنَّما معناه الِإباحة.
* * *
وقوله: (فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ) بضم الواو لسكونها وسكون اللام.
وَاخْتِير الضم مع الواو، لأن الواو ههنا أصل حركتها الرفع.
لأنها تنوب عن - أسماء مرفوعة.
وقد قرئت (فتمنَوِ الموت) بكسر الواو لالتقاء السَّاكنين، إذا التقيا من كلمتين كسر الأول منهما كما تقول: قَلِ الحق فتكسر اللام لسكون لام الحق.
* * *
وقوله: (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١)
ولم يقل إليهما، ويجوز من الكلام، وإذا رأو تجارة أو لهواً انفضوا إليه
انفضوا إليها، وانفضوا إليهما فحذف خبر أحدهما لأن الخبر الثاني يدل على
الخبر المحذوف والمعنى إذا رأوا تجارة انفضوا إليها أو لهواً انفضوا إليه.
وروي أن النبي ﷺ كان في خطبتِهِ فجاءت إبل لدحية بن خليفة الكلبي وعليها زيت فانفضوا ينظرون إليها وتركوا النبي ﷺ يخطب، وبقي النبي ﵇ مع اثني عشر رجلًا، فقال رسول الله ﷺ : لو لحق آخرُهُمْ أَوَّلَهُمْ
لالتهب الوادي نَاراً.
فأَعلم اللَّه أَن ما عند الله خيرٌ من اللهو ومن
стр. 1960
التجارة، وأَعلم النبي ﵇ غليظ ما في التولي عن الِإمام إذا كان
يخطب يوم الجمعة.
واللَّهوُ هَهنا قِيلَ الطَّبْلُ، وهو - واللَّه أَعلم - كل ما يُلْهَى بِهِ.
(وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ).
أَي ليس يفوتهم من أَرْزَاقِهم لتخلفهم عن النظر إلى الميرة شيءٌ مِنْ
رِزْقٍ ولا بتركهم البيعَ في وقت الصلاة والخطبة.
стр. 1961
سُورَةُ المُنَافِقِينَ
(مدنية)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله تعالى: (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١)
أَكْذَبَهمْ فيما تَعتقده قلوبُهمْ، وفي أنهم يحلفون باللَّهِ إنهم لمنكم.
ويحلفون بالله ما قالوا، ولقد قالوا كلمة الكفر.
* * *
وقوله: (اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢)
أي سُتْرةً يستترون بها منه، ودليل ذلك أَنهم حَلَفوا على ما وصفنا.
وقد قرئت: (اتَّخَذُوا إِيْمَانَهُمْ) بكسر الهمزة -
أي إظْهَارَهُم الإيمَانَ (جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ).
* * *
وقوله: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ
(٣)
وقرئت فَطَبَع على قلوبِهِم. ورويت فَطَبَعَ الله على قلوِبهم.
والقراءة المعروفة المجمع عليها ههنا فَطُبِعَ، على ما لم يسمَّ فاعله.
ويجوز في العربيَّةِ فطبعْ عَّلى قلوبهِمْ على إدغام العين في العين لأنهما من مخرج واحد، ولاجتماع الحركات لأنه يجتمع لسِت حَرَكاتٍ، ومن ترك الإدغام فلأن الحرفين
стр. 1962
من كلمتين وأن العين من الحلق وحروف الإدغام في حروف الفم أَكثر منها
ْفي حروف الحلق نحو مدَّ وشَدَّ وقَرَّ وَرَدَّ وأكثر مِنْ بَابِ دَعَّهُ يُدعُّه.
* * *
وقوله : (وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٤)
كَأنه وصفهم بتمام الصوَرِ وَحُسْنِ الإِبَانة، ثم أعلم أنهم في تركهم
التَّفهُّمَ والاستبصار بمنزلة الخشب فقال: (كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ).
ويقرأ (خُشْبٌ مُسَنَّدَةٌ) بإسْكانِ الشِين.
فمن قرأ بإسكان الشين فهو بمنزلة بَدَنةٍ وَبُدْنٍ.
ومن قال خَشُب - بضم الشين - فهو بمنزلة ثَمَرَةَ وَثُمُر.
ويجوز (خَشَبٌ مُسَنَّدَةٌ)، فلا تقرأ بها إلا أَن تثبت بها رواية، وخشبة وخَشَبٌ مثل شجرة وشَجَر.
وقوله: (يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ).
وصفهم اللَّه تَعَالى بِالجُبْنِ، ويكون أمر كل من خاطب النبي عليه
السلام فإنَّمَا يخاطبه في أمرهم بكشف نِفَاقِهِمْ.
وقوله: (هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ).
أَي هم العدو الأدنى، فاحذرهم لأنهم كانوا أَعداء النبي ﷺ ويظهرون أَنَّهم مَعَهُ.
وقوله : (قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ).
ومعنى (أَنَّى يُؤْفَكُونَ) من أين يصرفون عن الحق إلى الباطل.
* * *
قوله: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٥)
قرأ أَبو عمرٍو يَسْتَغْفِر لَّكُمْ - بإدغام الراء في اللام - وهي عند سيبويه لا
تجوز، وقد بيَّنَّا ذلك في سورة الصف.
стр. 1963
وقوله: (لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ).
على فَعَّلُوا، وَقُرِئَتْ (لَوَوْا رُءُوسَهُمْ) بالتخفيف.
وهذه قيل إنها نزلت في عبد اللَّه بن أُبَيٍّ.
* * *
وقوله: (هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ (٧)
هذه أيضاً نزلت في عبد الله بن أُبَيٍّ.
وذلك أنه قال لقوم ينفقون على بعض من مع رسول اللَّه: لا تنفقوا عليهم حتى ينفَضُوا عنه.
ْ (وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ).
أَي أن اللَّه يرزقهم وهو رازقهم في حال إنفاق هؤلاء عليهم.
* * *
وقوله : (يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨)
يعنون أَيضاً عبد الله بنَ أُبَيٍّ.
فأعلم اللَّه أَنه مظهر دينه على الدين كله ومعزٌّ رسوله ومن معه من المؤمنين فقال: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ).
* * *
وقوله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٩)
حَضهم الله على إدامة الذِكر له وأن لا يضنوا بأموالهم فقال:
(وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠)
أي من قبل أن يُعاين ما يعلم معه أَنَه مَيَت.
(فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ).
стр. 1964
فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ
وقرئت (فَأَصَّدَّقَ وَأكونَ من الصالحين).
فجاء في التفسير أنهُ ما قَصَّر أحدٌ في الزكاة أو في الحج إلا سأل الكرة.
فمن قال (فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ).
(فَأَصَّدَّقَ) جواب (لَوْلَا أَخَّرْتَنِي) ومعناه هلَّا أَخَّرْتَنِي.
وجزم (وَأَكُنْ) على موضع (فَأَصَّدَّقَ)، لأنه على معنى إن أَخرتني أصَّدَّق وأكن من الصالحين.
ومن قرأ وأكونَ فهو على لفظ (فَأَصَّدَّقَ) وَأَكونَ (١).
стр. 1965
سُورَةُ التَّغَابُن
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مكية ما خلا ثلاث آيات نزِلت بالمدينة، وهي من آخرها
قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ. . .) إلى آخرها.
وقيل إن
الصحيح أنها مدنية كلها.
* * *
قوله : (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢)
خلقكم في بطون أمهاتكم كفاراً ومؤمنين، وجاء في التفسير أن يحيى
﵇ خلق في بطن أُمِّه مؤمناً، وخلق فرعون في بطن أُمِّه كافراً، ودليل ما في التفسير قوله : (فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣ ٩).
فأعلم اللَّه يُعالى أنه مخلوق كذلك، وجائز أن يكون
(خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ)
أي مؤمن بأن اللَّه خلقه وكافِر بأن اللَّه خلقه.
ودليل ذلك أقوله سبحانه،: (قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (١٧) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩).
وقال: (أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (٣٧).
* * *
وقوله: (وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣)
ويقرٍأ (صِوَرَكم) بكسر الصادِ، وصُورَة يجمِع صُوَراً مثل غُرْفَةَ وَغُرَف.
ورُشْوَة ورُشى، ويجمع أيضاً صِوَر مثل رِشْوة وَرِشَى وفُعَل وفِعَل أختان، قالوا