سُورَةُ المُنَافِقِينَ
(مدنية)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله تعالى: (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١)
أَكْذَبَهمْ فيما تَعتقده قلوبُهمْ، وفي أنهم يحلفون باللَّهِ إنهم لمنكم.
ويحلفون بالله ما قالوا، ولقد قالوا كلمة الكفر.
* * *
وقوله: (اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢)
أي سُتْرةً يستترون بها منه، ودليل ذلك أَنهم حَلَفوا على ما وصفنا.
وقد قرئت: (اتَّخَذُوا إِيْمَانَهُمْ) بكسر الهمزة -
أي إظْهَارَهُم الإيمَانَ (جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ).
* * *
وقوله: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ
(٣)
وقرئت فَطَبَع على قلوبِهِم. ورويت فَطَبَعَ الله على قلوِبهم.
والقراءة المعروفة المجمع عليها ههنا فَطُبِعَ، على ما لم يسمَّ فاعله.
ويجوز في العربيَّةِ فطبعْ عَّلى قلوبهِمْ على إدغام العين في العين لأنهما من مخرج واحد، ولاجتماع الحركات لأنه يجتمع لسِت حَرَكاتٍ، ومن ترك الإدغام فلأن الحرفين
стр. 1962
من كلمتين وأن العين من الحلق وحروف الإدغام في حروف الفم أَكثر منها
ْفي حروف الحلق نحو مدَّ وشَدَّ وقَرَّ وَرَدَّ وأكثر مِنْ بَابِ دَعَّهُ يُدعُّه.
* * *
وقوله : (وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٤)
كَأنه وصفهم بتمام الصوَرِ وَحُسْنِ الإِبَانة، ثم أعلم أنهم في تركهم
التَّفهُّمَ والاستبصار بمنزلة الخشب فقال: (كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ).
ويقرأ (خُشْبٌ مُسَنَّدَةٌ) بإسْكانِ الشِين.
فمن قرأ بإسكان الشين فهو بمنزلة بَدَنةٍ وَبُدْنٍ.
ومن قال خَشُب - بضم الشين - فهو بمنزلة ثَمَرَةَ وَثُمُر.
ويجوز (خَشَبٌ مُسَنَّدَةٌ)، فلا تقرأ بها إلا أَن تثبت بها رواية، وخشبة وخَشَبٌ مثل شجرة وشَجَر.
وقوله: (يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ).
وصفهم اللَّه تَعَالى بِالجُبْنِ، ويكون أمر كل من خاطب النبي عليه
السلام فإنَّمَا يخاطبه في أمرهم بكشف نِفَاقِهِمْ.
وقوله: (هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ).
أَي هم العدو الأدنى، فاحذرهم لأنهم كانوا أَعداء النبي ﷺ ويظهرون أَنَّهم مَعَهُ.
وقوله : (قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ).
ومعنى (أَنَّى يُؤْفَكُونَ) من أين يصرفون عن الحق إلى الباطل.
* * *
قوله: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٥)
قرأ أَبو عمرٍو يَسْتَغْفِر لَّكُمْ - بإدغام الراء في اللام - وهي عند سيبويه لا
تجوز، وقد بيَّنَّا ذلك في سورة الصف.
стр. 1963
وقوله: (لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ).
على فَعَّلُوا، وَقُرِئَتْ (لَوَوْا رُءُوسَهُمْ) بالتخفيف.
وهذه قيل إنها نزلت في عبد اللَّه بن أُبَيٍّ.
* * *
وقوله: (هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ (٧)
هذه أيضاً نزلت في عبد الله بن أُبَيٍّ.
وذلك أنه قال لقوم ينفقون على بعض من مع رسول اللَّه: لا تنفقوا عليهم حتى ينفَضُوا عنه.
ْ (وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ).
أَي أن اللَّه يرزقهم وهو رازقهم في حال إنفاق هؤلاء عليهم.
* * *
وقوله : (يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨)
يعنون أَيضاً عبد الله بنَ أُبَيٍّ.
فأعلم اللَّه أَنه مظهر دينه على الدين كله ومعزٌّ رسوله ومن معه من المؤمنين فقال: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ).
* * *
وقوله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٩)
حَضهم الله على إدامة الذِكر له وأن لا يضنوا بأموالهم فقال:
(وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠)
أي من قبل أن يُعاين ما يعلم معه أَنَه مَيَت.
(فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ).
стр. 1964
فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ
وقرئت (فَأَصَّدَّقَ وَأكونَ من الصالحين).
فجاء في التفسير أنهُ ما قَصَّر أحدٌ في الزكاة أو في الحج إلا سأل الكرة.
فمن قال (فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ).
(فَأَصَّدَّقَ) جواب (لَوْلَا أَخَّرْتَنِي) ومعناه هلَّا أَخَّرْتَنِي.
وجزم (وَأَكُنْ) على موضع (فَأَصَّدَّقَ)، لأنه على معنى إن أَخرتني أصَّدَّق وأكن من الصالحين.
ومن قرأ وأكونَ فهو على لفظ (فَأَصَّدَّقَ) وَأَكونَ (١).
стр. 1965
سُورَةُ التَّغَابُن
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مكية ما خلا ثلاث آيات نزِلت بالمدينة، وهي من آخرها
قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ. . .) إلى آخرها.
وقيل إن
الصحيح أنها مدنية كلها.
* * *
قوله : (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢)
خلقكم في بطون أمهاتكم كفاراً ومؤمنين، وجاء في التفسير أن يحيى
﵇ خلق في بطن أُمِّه مؤمناً، وخلق فرعون في بطن أُمِّه كافراً، ودليل ما في التفسير قوله : (فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣ ٩).
فأعلم اللَّه يُعالى أنه مخلوق كذلك، وجائز أن يكون
(خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ)
أي مؤمن بأن اللَّه خلقه وكافِر بأن اللَّه خلقه.
ودليل ذلك أقوله سبحانه،: (قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (١٧) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩).
وقال: (أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (٣٧).
* * *
وقوله: (وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣)
ويقرٍأ (صِوَرَكم) بكسر الصادِ، وصُورَة يجمِع صُوَراً مثل غُرْفَةَ وَغُرَف.
ورُشْوَة ورُشى، ويجمع أيضاً صِوَر مثل رِشْوة وَرِشَى وفُعَل وفِعَل أختان، قالوا
стр. 1966
حٌلًى وحِلًى، ولِحىً وَلُحىً جمع لحية.
ومعنى (أَحسَنَ صُورَكم) خلقكم أحسن الحَيَوَانِ كلِّه.
والدليل على ذلك أن الإنسان لا يُسَرُّ بأن يكون صورته على غير
صورة الآدميين، فالإنسان أحسن الحيوان.
وقيل أيضاً فأحسن صوركم من أَرَادَ اللَّه أَن يكون أبيض كان أبيض، ومن أراد أنْ يكون أَسودَ كان أَسْوَدَ ومن أَراد أَن يكون دَمِيماً كان دَمِيماً أَو تاماً كان تامًّا.
فأحسن ذلك وأَتى من كل صورةِ بكل صنف على إرادته.
* * *
وقوله: (أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٥)
أي وذاقوا في الدنيا عظيم السطوات وَلَهُمْ في الآخرةِ عَذَابٌ أَلِيمٌ.
ثم أعلم اللَّه بِمَ نَزَلَ بِهِمْ ذَلِكَ فقال:
(ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٦)
فأعلم اللَّه أنه نزل بهم العذاب في الدنيا وأنه ينزلً بِهِمْ في
الآخرة بكفرهم.
* * *
وقوله: (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ
(٨)
أي وبالقرآن الذي هو نًورٌ وكتابٌ مبِينٌ.
* * *
وقوله: (يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩)
(يَوْمَ) مَنصوبٌ بقوله (لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ) يوم الجمع.
ويوم التغابن يومَ يغبن أَهلُ الجنَّةِ أَهلَ النَّارِ، ويغبن من ارتفعت منزلته في الجنة من كان في دُونِ مَنْزِلَتِه.
وضرب ذلك مثلاً للشَراءِ والبيعِ كما قال: (هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ)
وقال في موضع آخر: (فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٦).
وذلك في الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضلالة بالهدى.
стр. 1967
وقوله: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١)
معناه إلا بِأمر اللَّه، وقيل أَيضاً إلا بعلم اللَّه.
وقوله: (وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ).
وَيُسَلِّمُ في وقت المصيبة لأمر الله يهد قلبه يجعله مهتدياً.
وقُرِئت (يَهْدَ قلبُه)، تَأويل هَدَأَ قَلْبُه يهدأ إذا سكن، ويكون على طرح الهِمزة، ويكون في الرفع يَهْدَا قلبه - غير مهموز - وفي - الجزم: مَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدَ قَلْبُهُ، بطرح الألف للجزم، ويكون التأويل إذا سَلَّمَ لأمر اللَّه سَكَنَ قَلْبُه.
* * *
وقوله: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٦)
هذه رخصة لقوله: (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ).
وقوله: (وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ)
أَي قدموا خَيراً لأنفسكم من أموالكم.
(وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ).
ويجوز (ومن يُوَقَّ شُحَّ نَفْسِهِ)، ولا أعلم أحداً قرأ
بها فلا تقرأن بها إلَّا أن تثبت رواية في قراءتها.
(فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)
معناه الظافرون بالفَوْزِ والخَيْرِ.
* * *
قوله: (إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ).
جاء في التفسير أن النبي ﷺ لَمَّا أَمر بالهجرة مِنْ مَكة إلى المدينة أَرَادَ قَومٌ الهِجْرَةَ فقال لهم أَزْوَاجُهُم وأَوْلَادُهُمْ: قد صبرنا لكم على مفارقة الدين، ولا نصبر لكم على مفارقتكم ومفارقة الأموال والمساكن فأعلم اللَّه تعالى أن من كان بهذه الصورة فهو عَدُوٌّ، وإن كان وَلَداً أو كانت زوجة.
ثم أمر بالعَفْو والصَّفْح فقال:
(وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ).
стр. 1968
ثم أَعلم أن الأموال والأولاد مما يفتتن به فقال:
(إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٥)
(فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ).
أي ما أمكنكم الجهاد والهجرة مع النبي ﷺ فَلاَ يَفْتننكُمْ الميل إلى الأموال والأوْلَادِ عن ذلك.
* * *
(إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (١٧)
فَاقترض مما رزق وأعطى تفضلاً وامتحاناً.
(وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ).
يَشْكُر لكم ما عملتم وَيحْلُم عنكم عند استِحقَاقِكم العقوبَةَ على ذنوبِكمْ.
* * *
(عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)
يعلم ما تُكُِّه الصدورُ " مما لا تعلمه الحفظة، ويعلم ما تسقط من وَرَقَةٍ
وما قَطَر مِنْ قَطْرِ المَطَرِ.
стр. 1969
سُورَةُ الطَّلاق
(مدنية)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله : (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (١)
هذا خطاب للنبي ﵇ والمؤمنون داخلون معه في الخطاب.
ومعناه إن أردتم الطلاق كما قال: (إذَا قمْتمْ إلى الصَّلَاةِ) معناه إذا أرَدْتم
القيام إلَى الصلاة.
وقوله: (فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ).
فطلاق السنة المجْتَمَع عَلَيْه في قول مَالِك أَن يطلق الرجل امْرَأَته طَاهِراً
من غير جماع تطليقة واحدة، ثم يتركها إذا أراد المقام على فراقها ثَلَاثَ
حِيَض، فإذا طعنت في الحيضة الثالثة فلا يملك رجعتها، ولكن إن شاء
وشاءت أن يجددا نكاحاً جَدِيداً كان ذلك لهما لأن معنى:
(لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا)
أَي بعد الطلاق الواحد.
فإذا طلقها ثلاثاً في وقت واحد فلا معنى في قوله:
(لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا).
وإنما تفسيره الرجعة، أعني إذا وقع الثلاث في وقت واحدٍ، وهذا قول مالك ﵀
وقال أهل العراق إن طلقها طاهراً من غير جماع ثم أوقع عند كل حيضة تطليقة فهو أيضاً عندهم طلاق السنة، وأن فعل ما قال مالك فهو عندهم سنة أيْضاً.
وقال الشافعي إذا طلَّقها طَاهِراً من غير جماع فهو مطلق للسنة أيضاً طلق واحدة أَو ثلاثاً، وهذا يسقط معه إذا كان ثلاثاً.
стр. 1970
قوله: (لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا).
وقد جاء التشديد فيمن تعدى طلاق السنة، فقال:
(ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ).
وقال: (وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ).
يعني بحدود اللَّه حدود طلاق السنة وما ذَكَرَ مع الطلاق.
وقوله: (وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ).
ويقرأ (مُبَيَّنَةٍ).
فجعل للمطلقات السكنى، وقيل إن خروجهن من بُيوتهِنَّ فاحشة.
وقيل الفاحشة المبينة الزنا.
ودليل هذا القول قوله: (وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ)، يعني الزنا. وقيل أَيضاً: (إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ) زنا أو سَرق أَو شربُ خَمْر.
وقيل كل ما يجب فيه الحد فهو فاحشة.
* * *
قوله: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ)
معناه يجعل له مخرجاً من الحرام إلى الحلال، وقيل أيضاً من النار إلى
الجنَّة ويرْزُقْه مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبْ مَعْنَاهُ - وَاللهُ أَعْلَمُ - أنه إذا اتقَى اللَّهَ وآثَرَ الحلال والصبر على أهله إن كان ذَا ضَيْقَةٍ فتح الله عليه ورزقه من حيث لا يحتسب.
وجائز أن يكون إذا اتقى الله في طلاقه، وآثر ما عند اللَّه وجرى في
ذلك على السُّنَّةِ رزقه الله أهلاً بَدَل أهله.
وقوله: (إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)
(إِنَّ اللَّهَ بَالِغٌ أَمْرَهُ)
وتقرأ (بَالِغُ أَمْرِهِ)، أي إِن اللَّه بالغ ما يُرِيدُ.
وقرئت إنَّ اللَّهَ بَالِغ أمْرُهُ، على رفع الأمر بِبَالِغ، أَي إنَّ اللَّهَ يبلغ أَمره وينفذ.
* * *
وقوله : (قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا).
وقَدَراً، أَي ميقاتاً وَأَجَلًا.
* * *
وقوله: (وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا (٤)
стр. 1971
قيل في بعض التفسير إِنهم سألوا فقالوا: قد عرفنا عدةَ التي تحيض.
فما عدةُ التي لا تحيض والتي لم تحض؟
فقيل إن ارتبتم، أي إذا ارتبتم فعدتهن ثَلَاثَةُ أشْهُرٍ.
والذي يذهب إليه مالك، واللغةُ تدل عليه أن معناه إِن ارتبتم في حيضها وقد انقطع عنها الحيض وكانت ممن يحيض مثلها فعدتها ثلاثة أشهُرٍ، وذلك بعد أن تترك تسعة أشْهُرٍ بمقدار الحمل، ثم تعتد بعد ذلك
ثلاثة أشهر، فإن حاضت في هذه الثلاثة الأشْهُرِ تمت ثلاث حِيَض.
وجائز أن يتأخر هذا الحيض فيكون كلما قاربت أن تخرج من الثلاثة حاضت، فهذا مذهب مالك وهو الذي يروى عن عمر ﵀.
وقال أهل العراق تترك ولو بلغت في ذلك أكثر من ثلاثين سنةً ولو بلغت
إلى السبعين، يعنون حتى تبلغ مبلغ من لا يحيض، وقالوا: ولو شاء اللَّه
لابتلاها بأكثر من ذلك، وكذلك في قوله:
(وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ) معناه عند مالك معناه إِن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر، واليائسة عند مالك وغيره بإجماع التي قد يئست من المحيض فلا ارتياب في أمرها أنها لا تحيض تعتد ثلاثة أشهر.
ولم يأتِ في القرآن النَّصُّ عَلَى ذلك، ولكن في القرآن دليل عليه
وأنا أبَيِّنُه إن شاء الله.
فأمَّا الصغيرة التي لا يُوطأ مثلها فإن دخل بها ووطئها مكانَهُ فإنما عقرها (١).
ولا عدةَ عند مالك عليها، إلا أن يكون مثلها يَسْتقيم أَن يُوطَأ وإنما هي عنده
في عداد من لم يُدخَلْ بها.
والذي في القرآن يدل على أن اليائسة التي لا يُرتاب فيها يجب أن تعتد ثلاثة أشهر لقوله: (وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ)
فمعناه واللائي لَا يَحِضْن فعدتهن ثلاثة أَشْهُرٍ، فقياس اللائي لا يحضن قياس اللائي لم يحضن
стр. 1972
فلم يحتج إلى ذكر ذلك.
وإذا كان عدة المرتاب بها ثلاثة أشهر فالتي لا يرتاب بها أولى بذلك.
قوله تعالى: (وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ).
معناه أجلهن في الانقطاع فيما بينهن وبين الأزواج أن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ.
* * *
وقوله: (أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى (٦)
(مِنْ وُجْدِكُمْ)
ويقرأ (من وِجْدِكم)، يقال وَجَدْتً في المال وُجْداً، أَي صرت ذا مالٍ.
وَوِجداً وَجِدَةً، وَوَجَدْتُ الضَّالَّةَ وِجْدَاناً وَوَجَدْتُ على فلانٍ وَجْداً، ووجَدْت عليه مَوْجِدَةً.
فأوجب اللَّه تعالى السُّكْنَى حتى تنقضِيَ العِدةُ.
والسكنى والنفقة على الزوج إذا طلق طلاق السنة إلى أن تأتي ثلاث حِيَضٍ، فإذا أَبَتَّ الطلاقَ قبل انقضاء العِدةِ فعليه النفقة والسكنى في قول أهل العراق، وعليه السكنى في مذهب مالك والشافعي، فأما الحاملِ فعليه النفقة لها، وذا في القرآن نص بقوله تعالى:
(وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ).
وقوله: (فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ).
أي فأعطوهن أجْرَةَ رِضَاعهنَّ.
(وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ).
قيل في التفسير إنه الكسوةُ والدِّثَار، والمعروف - واللَّه أعلم - أن لا
يقصِّر الرجلُ في نفقة المرضع التي ترضع ولَدَه إذا كانت هي والدتَه لأن
الوالدَةَ أَرأف بولدها من غيرها به، فلا تقصرُ في رضاعه والقيام بشأنه، فحق
كل واحد منهما أن يأتمر في الولد بمعروف.
(وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى).
стр. 1973
معناه فليرضع الوالد غير والِدَةِ الصبِى، وهذا خبر في مَعْنى الأمْرِ لأن
لفظ. . (فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى) لفظ الخبر ومعناه فليرضع.
ومثله في لفظ الخبر ومعنى الأمر قوله:
(وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ)
معناه ولْيُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ.
* * *
قوله: (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (٧)
أَمَرَ أهل التوسِعَةِ أن يُوَسِّعوا على نسائهم المرْضِعَاتِ أَوْلَادَهنَّ على قدر
سعتِهن.
(وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ).
أي مَن كان رزقه بمقدار القوت فلينفق على قدر ذلك، كما قال:
(عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ).
(لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا)
أي إلا ما أعطاها.
* * *
وقوله : (سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا).
أعلم الله المؤمنين أنهم وَإن كانوا في حالٍ ضَيِّقَةٍ، وقيل كان الغالب
على أكثرهم في ذلك الوقت في عهد رسول اللَّه ﷺ الفقر والفاقةُ فأعلمهم أنه سَيوسِرُ المسلمون - ففتح الله عليهم بعد ذلك وجعل يُسراً بعد عُسْرٍ.
* * *
وقوله : (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا (٨)
أي عجلنا لها العذاب، وَمَعناه: عتا أهلها فحاسبنا أهلها وَعَذَّبْنَاهُم.
* * *
وقوله: (فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا (٩)
أَي ثِقْلَ عاقبةَ أَمرها.
стр. 1974
(وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا)
يعني في الآخرة وهو قوله:
(أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (١٠)
يعني بعد ذلك الذي نزل بِهِم في الدنيا.
ثم وعظ الله هذه الأمَّةَ في تصديق النبي ﵇، واتباع أَمْره
وأعلم أنه قد بعث رسوله ليخرج الناس من الظلمات إلى النور فقال:
(فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا).
ومعنى أولي الألباب أصحاب العقول، وواحد أولي الألباب ذُو لُبٍّ أَي
ذو عَقْلً.
(قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (١٠) رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا (١١)
(رَسُولًا) مَنْصوبٌ على ثلاثَةِ أوجه:
أجوَدُهَا أن يكون قَوله: (قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا) دليلاً على إضمار أَرْسَلَ رَسُولَاَ يتلو عليكم.
ويجوز أن يكون يعني بقوله (رَسُولًا) النبي ﵇.
ويكون (رَسُولًا)، منصوباً بقوله (ذِكراً).
يكون المعنى قد أنزل الله اليكم ذِكراً (رَسُولًا) ذَا ذِكْرٍ رسولًا يتلو، ويكون (رَسُولًا) بَدَلاً مِنْ ذِكرٍ، ويكون يعنى به جبريل ﵇.
ويكون دليل هذا القول قوله يعنى به جبريل ﵇: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ) (١).
ومعنى: (مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) من ظلمات الكفر إلى نور الإِيمان لأن
أدلة الكِفر مظلمَة غَير بَيِّنَةٍ، وأدلة الإسلام واضحة بيِّنَة.
قوله: (قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا).
أي رزقه اللَّه الجنة التي لا ينقطع نعيمها، ولا يزول.
ثم ذكر - جلَّ وعزَّ -
ما يدلُّ على توحيده فقال:
стр. 1975
(اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)
ففي كل سماء وكل أرض خلق من خَلْقِه، وأمر نافِذٌ مِن أَمْرِهِ.
* * *
وقوله : (لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).
وقوله: (وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا).
(عِلْمًا) منصوب على المَصدر المؤكد، لأن معنى قوله:
(وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا)
أي قد علم كل شيء عِلْمًا.
ومثله: (وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ)
ثم قال: (صُنْعَ اللَّهِ) مُوكِّداً.
لأن معنى قوله: (صُنْعَ اللَّهِ) صَنَعَ اللَّهُ الجبالَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ.
стр. 1976
سُورَةُ التَّحْريم
(مدنية)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١)
أَي وقد غفر اللَّه لك ذلك التحريم.
وجاء في التفسير أن النبي ﷺ شرب عسلاً عند زينب بنت جحش فأجمعت عائشة وحفصة على أن يقولا له: إنَّا نَشَمُّ منك رِيحَ المغافير، والمغافير صمغ متغير الرائحة.
وقيل في التفسير إنه بَقْلَة (١)، فلما صار إلى كل واحدة منهما قالت له: إني أَشَمُّ منك ريح المغافير فحرَّم النبي ﵇ على نفسه شرب العسل، وقيل إنه حلف على ذلك.
وجاء في التفسير - وهو الأكثر - أن النبي ﵇ خلا في يوم
لعائشة مع جاريته أم إبراهيم، وكان يقال لها مارية القبطية فوقفت حفصة على ذلكِ، فقال لها رسول اللَّه ﷺ لا تُعْلِمِي عَائِشَةَ ذلك، فقالت له لَسْتُ أفعل.
وحَرَّمَ مَارِية على نفسه.
وقيل إنه حلف مع ذلك أيضاً، فأعلمت حفصة عائشة الخبر واستكتمتها إيَّاه، فأطلع الله نبيَّه على ذلك فقال الله : (وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (٣)
(وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا)
يعني حفصة.
موضع " إذ " نِصْبٌ، كأنه فال: واذكر (إِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا) يعني حفصة.
(فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ)، أي فلما خَبَّرت به عائشةَ.
стр. 1977
(وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ).
وقًرِئَتْ (عَرَفَ بعضَه) بتخفيف الراء.
وأعلم الله أن التحريم على هذا التفسير لا يحرم.
فقال لنبيه ﵇:
(لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ).
فلم يجعل الله لنبيه أن يُحَرِّمَ إلا ما حَرَّمَ اللَّه، فعلى هذين التفسيرين
ليس لأحد أن يحرِّم ما أحلَّ اللَّه، فقال اللَّه: (قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ).
يعني الكفَّارة، لأنه قد روىِ أنه مع ذلك التحريم حَلَفَ.
وقال قومٌ إن الكفَّارةَ كفَّارةُ التحريم.
فَأمَّا (عَرَّفَ بَعْضَهُ).
فتأويله أنه عرف بعضه حفصة، (وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ)
جاء في التفسير أنه لما حرم مارية أخبر حفصة أنه يملك مِن بعده أبو بكر
وعمر، فعرفها بعضَ ما أفشت من الخبر، وأعرض عن بعض.
فإن النبى ﷺ قد عرف كل ما كان أَسَره.
والِإعراض لا يكون إلا عما يعرف.
وتأويل هذا في اللغة حَسَن بَيِّنٌ.
معنى (عَرفَ بَعْضَه) جازى عليه، كما تقول لمن تتوعده: قَدْ عَلِمتُ مَا عَمِلْتَ وَقَد عَرَفْتُ ما صَنَعْتَ.
وتأويله فسأجازيك عليه، لا أنك تقصد إلى أنك قد علمت فقط.
ومثله قول الله : (وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ).
فتأويله يعلمه اللَّه ويجازي عليه، فإن اللَّه يعلم كل ما يُفعَل.
ومثله قوله تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ)
واللَّه يعلم ما في قلوب الخلق أجمعين.
ومثله قوله: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧).
ليس الفائدة أنه يرى ما عمل، إنما يرى جزاء مَا عَمِلَ.
فقيل إن النبي ﷺ -طلَّق حفصة تطليقة واحدةً فكان ذلك جزاءها عنده.
стр. 1978
فذلك تأويل (عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ).
أي جازى على بعض الحديث.
وكانت حفصة، صَوَّامةً قوَّامَةً فأمره الله تعالى أن يراجعها فراجعها.
* * *
وقوله: (إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ (٤)
يعني به عائشة وحفصة.
ومعنى (صَغَتْ قُلُوبُكُمَا). عدلت قلوبكما وزاغت عن الصدق.
وقوله: (وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ).
أي تتعاونا عليه، فإن اللَّه هو مولاه أي هو يتولى نصرته،.
(وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ).
جاء في التفسير أن صالح المؤمنين أبو بكر وعمر، وجاء أَيضاً في
التفسير أن صَالِح المؤمنين عمر، وقيل إن صالحي المؤمنين خيار
المسلمين.
و" صَالِح " ههنا ينوب عن الجمع كما تقول: يَفْعَل هَذَا الخَيِر من
الناس تريد كل خَير.
(وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ).
في معنى ظهَرَاء، أي والملائكة أيضاً نصَّارٌ للنبي ﷺ (١).
* * *
قوله : (عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا (٥)
(يُبْدِلَهُ)
وقرئت (يُبَدِّلَهُ)، بتشديد الدال وفتح الباء، وُيُبَدِّلَهُ للتَكْثِيرِ، وَكِلَاهمَا جَيِّدٌ وقد قرئ به.
* * *
وقوله: (قَانِتَاتٍ).
جاء في التفسير مطيعاتٍ، والقُنُوتُ القِيامُ بما يقرب إلى اللَّه .
стр. 1979
وقوله تعالى: (سَائِحَاتٍ).
جاء في التفسير عن النبي ﷺ أن السائحين هم الصائمونَ، وهو مما في الكتب الأولى.
وقال أهل اللغة: إنما قيل للصائم سائح لأن الذي يسيح متعَبِّدٌ
ولا زاد مَعَه، فحين يجد الزاد يطعَمُ، والصائم كذلك يَمْضِي النهار ولا يَطعَمُ
شيئاً فلشبهه به سُمِّيَ سَائِحاً.
* * *
وقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)
(قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا).
معناه خذوا أنفسكم وأهليكم بما يَقَرِّبُ من اللَّه - جلَّ وعزَّ - وجنبوا
أنفسكم وَأَهْليكم المعاصي.
ومعنى (قُوا أَنْفُسَكُمْ) أي: وقُّوا أَنْفُسَكُمْ (١)
وجاء في التفسير: رَحم الله رَجُلاً قال: يا أهلاه صَلَاتَكُمْ صيامكم مِسْكينكم يتيمكم جيرانكم.
معناه ألزموا واحفظوا صلاتكم وهذه الأشياء المذكورة، ادُّوا فرض اللَّه
فيها.
وفي الحديث لعل اللَّه يجمعهم معه في الجنَّة.
* * *
وقوله : (وَقُودُهَا النَّاسُ والحِجَارَةُ).
جاء في التفسير أنها حجارة الكبريت.
والوَقُود بفتح الواو ما تُوقَدُ به النَّارُ من حَطبٍ وغَيْرِهِ، يقال وقدت النار وُقُوداً - بضم الواو -.
* * *
وقوله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٨)
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً)
بفتح النون، وتقرأ (نُصُوحاً) - بضم النُون -
فمن فتح فعلى صفة التوبة.
ومعناه توبة بالغة في النصح، وفَعُول من أسماء الفاعلين
التي تستعمل للمبالغة في الوصف، تقول رجل صبورٌ وَشَكُورٌ، وتوبة نَصُوحٌ.
وَمَنْ قَرأ (نُصُوحاً) - بضَم النُّونِ - فمعناه يَنصَحُونَ بهذا نُصُوحاً.
يقال: نصحت له نُصْحاً ونصاحَةً ونصوحاً.
стр. 1980
وجاء في التفسير أن التوبة النَّصُوحُ التي لا يعاود التائب مَعَها المعْصِيةَ.
وقال بعضهم التي لا ينوي معها معاودة المعصية.
وقوله: (يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ).
(يَوْمَ) منصوبٌ بقوله: (عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ).
أي في هذا اليوم.
والقراءة النصب في قوله: (وَيُدْخِلَكُمْ) عطف على (أنْ يُكَفِّرَ)
ولو قرئت بالجزم لكانَ وَجْهاً، يكون محمولا على موضع (عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ) لأن عسى من الله واجبة، قال الله تعالى:
(وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى (٨٢).
* * *
وقوله: (نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا).
أما إذا رأى المؤمنون نور المنافقين يُطْفَأ سأَلوا الله أَنْ يُتَمِّمَ لهم نورهم.
* * *
وقوله: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (١٠)
أعلم الله أن الأنبياء لا يُغْنون عمَّن عمل بالمعاصي شيئاً.
وجاء في التفسير أن خيانتهما لم تكن في بغاء، لأن الأنبياءَ لا يبتليهم
اللَّه في نِسائِهم بفسادٍ، وقيل إن خيانة امرأة لوط أنها كانت تدل على الضيف، وخيانة امرأة نوح أنها كانت تقول: إنه مجنون ﷺ وعلى أَنبيائه أجمعين.
فأما من زعم غير ذلك فمخطئ لأن بعض من تأول قوله:
(يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ).
стр. 1981
ذهب إلى جنس من الفسَادِ.
يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ
والقراءة في هذا ((عَمِلَ غَيْرَ صَالِحٍ)، و (عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ).
وهما يرجعان إلى معنى وَاحدٍ.
وذلك أن تأويل (إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ) إِنَّهُ ذو عمل غيرِ صالح.
وكل من كفر فقد انقطع نسبه من أَهله المؤمنين، لا يرثهم ولا يرثونه.
* * *
وقوله : (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١١)
جاء في التفسير أن فرعون وَتَد لها أرْبَعةَ أَوْتادٍ وشدَّ بدنها ورجليها وجعل
على صدرها رَحًى، وجعلها في الشمس، وأن اللَّه فرج لها فرأت بيتها في الجنة.
وجاء في التفسير أن الملائكة كانت تظلها بأجنحتها من الشمس.
* * *
وقوله: (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (١٢)
(وَكُتُبِهِ)
وقرئت (وَكِتَابِهِ).
(أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا)
جاء في التَفسير أنه يعنى به فرج ثوبها.
والعرب تقول للعفيف: هو نِقى الثَّوْبِ، وهو طيب الحُجْزةِ، تريد أَنهُ عفيف وأَنشدوا بيت النابغة الذبياني:
رِقاق النِّعالِ طَيِّب حُجُزاتهم. . . يُحَيَّوْن بالرَّيْحان يومَ السَّباسِب
فسروا " طَيِّب حُجُزاتهم " أنهم أَعِفَّاء.
وكذلك (فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا)
أي في فرجِ ثوبها.
стр. 1982
سُورَةُ الْمُلْكِ
(مَكِّيَّة)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
جاء في التفسير أَنها تسمى المنجية، تنجي قارئها من عذاب القبر.
وجاء في التفسير أن في التوراة: سورةُ الملك من قرأها - في لَيْلَةٍ فَقَدْ أكْثَرَ.
* * *
وقوبه: (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)
معناه تعالى وتعاظم.
* * *
قوله: (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (٢)
المتعلق بـ (أَيُّكُمْ) المضْمَر.
والمعنى لِيَبْلُوَكُم فيعلم أيكم أحسن عَملاً علم ما وقع.
واللَّه قد علم ما يكون منهم إلا أَنَّ الجَزَاء يجب بوقوع
العَمَلِ منهم، وارتفعت " أي " بالابتداء، ولا يعمل فيها ما قَبلَها لأنها على أصل الاستفهام، وهذا مثل قوله: (لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا (١٢).
وهذا عند النحويين في تَقْدِير التسْمِيَةِ، معناه معنى الألف وأم، إذا قلت: قد
علمت أَيُّكُمْ أَفْضَلُ، فالمعنى قد علمت أزيد أَفضلُ أَمْ عمرو.
فَعَلِمْت لا يعمل فيه، بعد الألف، وكذلك لا يعمل في أي، والمعنى واحد. ومعنى (خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ) خلق لكم الحياة ليختبركم فيها وخلق الموت ليبعثكم ويجازيكم بأعمالكم.
وجاء في تفسير الكلبي خلق الموت في صورة كبش أملح لا يمر بشيء
стр. 1983
إلا مات، ولا يطأ على شيء إلا مَاتَ، ولا يجد رائحته شيء إلا مات، وخلق الحياة في صورة فرس بلقاء فوق الحمار ودون البغل، لا تمر بشيء إلا أَحْيَتْهُ ولا تطأ على شيء إلا أحيته ولا يجد ريحها شيء إلا حصي، واللَّه أعلم بحقيقة ذلك.
* * *
وقوله : (الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣)
فِي خَلْقِ ويقرأ (فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَوُّتٍ) بغير ألف.
ويجوز في (تفَاوُتٍ) (تَفَاؤُتٍ) مهموز، تبدل الهمزة من الواو المضمومة، ويقال: تفاوت الشيء تفاوتاً وتفوَّت تفوُّتاً إذا اختلف، فالمعنى ما ترى في خلقه السماء اختلافاً ولا اضطراباً.
ومعنى (طباقاً) مطبق بعضها عَلَى بَعْض، طباق مصدر طوبقت طباقاً.
وقوله: (فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ).
أي هل ترى فيها فروجاً أو صَدُوعاً.
* * *
(ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ (٤)
(خَاسِئًا) منصوب على الحال، ومعناه صَاغِراً، وهو حَسِيرٌ، قد أَعْيَى من
قبل أَنْ يَرَى في السَّمَاءِ خَلَلاً.
* * *
وقوله: (وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٦)
(عَذَابُ جَهَنَّمَ)
بالنصب والرفع، والنصب يكون عطفاً على قوله: (وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ (٥) وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ)، أي وأعتدنا للذين كفروا
بِرَبِّهِمْ عَذَابَ جَهَنَّمَ.
* * *
قوله: (وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا).
стр. 1984
معناه التي تدنو منكم من سبع السَّمَاوَات.
وقوله: (بِمَصَابِيحَ) يعني الكواكب.
* * *
وقوله : (إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ (٧)
وهو أقبح الأصوات وهو كصوت الحمار.
* * *
وقوله: (تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨)
معناه تكاد ينقطع مِنْ غيظها عليهم.
وقوله: (كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ).
هذا التوبيخ زيادة لهم في العذاب.
ثم اعترفوا بجهلهم فقالوا:
(لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (١٠)
أي لو كنا سَمِعْنَا سَمْعَ مَن يَعِي ويفَكِرُ مَا كنا في أصحاب السعير، أَو
يَعْقِل عَقْل من يمَيِّز وينظُر ما كنا في أهل النَّارِ.
* * *
(فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ (١١)
ويروى (فَسُحُقاً) بضم الحاء.
(سُحْقًا) منصوب على المصدَر، المعنى أسْحَقَهُم اللَّهُ سُحْقًا.
أي بَاعَدَهُم الله من رحمته مبَاعَدَةً، والسحيق البعيد.
* * *
وقوله: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (١٥)
معناه في جبالها، وقيل في جوانبها، وقيل في طرقها.
وأشبه التفسير - واللَّه أعلم - تفسير من قال في جبالها، لأن قوله:
(هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا)، معناه سهَّل لكم السلوكَ فيها، فإذا أمكنكم السلوك في جبالها فهو أَبْلَغُ في التذْلِيل.
стр. 1985
قوله: (وَإِلَيْهِ النُّشُورُ).
معناه: إن اللَّه الذي خلق السَّمَاوَاتِ بغير عَمَدٍ لا تفاوت فيها وخلق
الأرْضَ وذللها لكم قادر على أن ينْشُرَكم، أي يبعثكم.
* * *
وقوله: (أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦)
معنى تمور تَدُورُ.
* * *
وقوله: (أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (١٧)
أي كما أرسل على قومِ لُوطٍ الحجَارَة التي حَصَبَتْهُمْ.
* * *
وقوله: (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ (١٩)
بين لهم بخلق السَّمَاوَات والأرْضِينَ مَا دَلَّهم على توحيده، وَبَين لهم
بتسخير الطيْرِ في جو السماء صَافًاتٍ أَجْنِحَتهُنَّ وقابضاتها.
(مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ) بِقُدْرَتِهِ.
* * *
(أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٢)
أعلم اللَّه أن المؤمن سالك الطريقة المستقيمة، وأن الكافر
في ضلالته بمنزلة الذي يمشي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ.
وجاء في التفسير أن الكافر يمشي على وجهه في الآخرة.
وَسُئِلَ رسول الله ﷺ : كيف يمشون على وُجُوهِهِم؟ فقال: الذي مشاهم على أرجلهم قَادِرٌ على أن يمْشيَهُمْ على
وُجُوهِهِمْ.
* * *
وقوله: (فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ (٢٧)
وقرئت " سُِيْئَتْ " بِإِشْمَامِ السِين الضَّمَّ، ويجوز " سِيتْ " على طرح
الهمزة، وإلقاء الحركة على الياء.
стр. 1986
والمعنى فلما رأوا العذاب زلفةً، أَيْ قريباً، سِيَتْ وجوه الذين كفروا.
تَبين فيها السوء (١).
(وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ).
وقُرِئَتْ (تَدْعُونَ)، من دعوت أَدْعو.
فَأمَّا (تَدَّعُونَ)، فجاء في التفسير تُكَذِبُونَ.
وتأويله في اللغة هذا الذي كنتم من أجله تَدَّعُونَ الأباطيل والأكاذيب.
أي تدعون أنكم إذَا مِتُّم وكنتم تراباً وعظاماً أَنَّكُمْ لا تُخْرَجُونَ.
ومن قَرَأَ تَدْعُونَ. بالتخفيف -
فالمعنى هذا الذي كنتم به تستعجلون وتدعون اللَّه في قولكم:
(اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً
مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٢).
ويجوز أن يكون معنى (تَدَّعُونَ) هذا أَيضاً تَفْتَعِلُونَ، من الدعاء.
وتفتعلون من الدِعوى، يجوز ذلك - واللَّه أعلم.
* * *
وقوله: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ (٣٠)
أي غائِراً، وهو مصدرٌ يوصف به الاسم، فتقول: ماء غَوْرٌ، وماءَان غَوْرٌ
ومياه غَوْرٌ.
كما تقول: هذا عَدْل وهذَان عَدْلٌ وهؤلاء عَدْلٌ.
ومعنى مَعِين جارٍ من العُيونِ.
وجاء في التفسير [ظاهر]، والمعنى أَنَّه يظهر من العُيُون.
стр. 1987
سُورَةُ (ن)
(مَكِّيَّة)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله : (ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١)
قرئت بإدغام النون في الواو، وقرئت بتبيين النون عند الواو.
وقرئت نُونَ والقلم - بفتح النون.
وَالَّذِي اختارَ إِدْغام النون في الواو كانت الواو ساكنة أَوْ متحركة.
لأن الذي جاء في التفسير يُبَاعِدُهَا من الإسكان والتبْيين، لأن من
أسكنها وبينها فإنما يجعلها حرفَ هجاء والذي يدغِمُهَا فجائز أن يَدغمها وهي مفتوحة (١).
وجاء في التفسير أن " نُون " الحوتُ التي دُحِيت عَلَيْهَا سَبْعُ الأرضين
وجاء في التفسير أيضاً أن النون الدواة، ولم يجئ في التفسير كما فسرت
حروف الهجاء -، والِإسْكان لا يَجوز أن يكون فيه إلَّا حرف هجاء.
وجاء في التفسير أن أول ما خلق اللَّه القلم، فقال له: اكتب، فقال:
أيْ ربِّ، وما أكتب؟ قال: القدر، فجرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة، وجرى فيما جرى به القلم (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ).
* * *
وقوله: (وَمَا يَسْطُرُونَ).
معناه: وما تكتب الملائكة.
* * *
وقوله: (مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢)
стр. 1988
هذه مسألة من أبواب النحو، تحتاج، إلى تبيين.
قوله: (أنت) هو اسم (ما)، و (بِمَجْنُونٍ) الخبر، و (بِنِعْمَةِ رَبِّكَ)
موصول بمعنى النفي.
المعنى: انتفى عنك الجنون بِنِعْمَةِ رَبِّكَ، كما تقول: أنت بنعمة اللَّه
فَهِمٌ، وما أنت بنعمة اللَّه جاهل.
وتأويله: فارقك الجهل بِنِعْمَةِ رَبِّكَ، وهذا جواب لقولهم:
(وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦) .
* * *
قوله: (وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ (٣)
أي: غير مَقطوع، وجاء في التفسير: غير محسوب.
* * *
(وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)
قيل: على الإسلام، وقيل: على القرآن.
والمعنى - واللَّه أعلم - أَنت على الخلق الذي أَمرك اللَّه به في القرآن.
* * *
قوله: (فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (٥) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (٦)
معنى المفتون: الذي قد فُتِنَ بالجنون.
قال أبو عبيدة، معنى الباء الطرح، المعنى: أيكم المفتون.
قال: ومثله قول الشاعر:
نضرب بالسيف ونرجو بالفرج
стр. 1989
قال معناه: نرجو الفرج. وليس كذلك.
المعنى: نرجو كشف ما فيه نحن بالفرج، أو نرجو النصر بالفرج.
والباء في (بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ) لا يجوز أن تكون لغواً.
وليس هذا جائزاً في العربية في قول أحد من أهلها.
وفيه قولان للنحويين:
قالوا: المفتون ههنا بمعنى الفتون، المصادر تجيء على المفعول.
تقول العرب: ليس لهذا معقول. أي عقل. وليس له
معقود رأي، بمعنى عقد رأى.
وتقول: دعه إلى ميسور. بمعنى: إلى يسر.
فالمعنى: فستبصر وييصرون بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ.
وفيه قول آخر: بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ بالفرقة التي أنت فيها، أو فرقة الكفار التي فيها أبو جهل والوليد بن المغيرة المخزومي ومن أشبههم.
فالمعنى على هذا: فستبصر ويبصرون في أي الفريقين المجنون.
أفي فرقة الإسلام أم في فرقة الكفر.
* * *
وقوله: (وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (٩)
أي: ودُّوا لو تصانعهم في الدين فيصانعونك.
* * *
وقوله: (وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠)
فعيل من المهانة، وهي القلة.
ومَعناه ههنا القلة في الرأي والتمييز.
* * *
وقوله: (هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١)
الهَمَّاز الذي يغتاب الناس.
* * *
وقوله: (مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢)
معناه: كان يمنع أهله وَوَلده ولحمته من الِإسلام.
وجاء في التفسير أنه الوليد بن المغيرة المخزومي، وكان موسراً كثير المال، وكان له عشرة بنين فكان يقول لهم وللحمته: من أسلم منكم منعته رفدي.
* * *
وقوله: (مُعْتَدٍ أَثِيمٍ).
أي متجاوز في الظلم، وأثيم: أي أثيم بربه، أي أثيم باعتدائه وذنبه.
стр. 1990
قوله : (عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (١٣)
جاء في التفسير أن العُتُل ههنا الشديد الخصومة، وجاء في التفسير أنه
الجافي الخلق اللئيم الضريبة، وهو في اللُّغَةِ الغليظ الجافي.
والزنيم جاء في اللغة أنه الملزق في القوم وليس منهم، قال حسَّانُ بن
ثابت الأنصاري.
وَأَنْتَ زَنِيمٌ نِيطَ في آل هَاشِمٍ. . . كما نِيطَ خَلْفَ الرَّاكِبِ القَدَحُ الفَرْدُ
وقيل إن الزنيم الذي يعرف بالشر كما تعرف الشاة بزنمتها، والزنمتان
المعلقتان عند حلوق المِعْزَى.
* * *
وقوله : (أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (١٤)
وقرئت على لفظ الاستفهام، والمعنى معنى التوبيخ.
وَمَوْضِعُ " أنْ " نَصبٌ على وجهين:
على معنى أَلِأنْ كان ذا مال وبنين يَقُولُ، (إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آياتُنَا).
فيكون " أن " نصْباً بمعنى قال ذلك لأن كان ذا مال وبنين، أي جعل مجازاة
النَعَمِةِ التي خُوِّلَهَا في المال والبنين والكفر بآياتنا.
وَإِذَا جَاءَتْ ألِفُ الاسْتِفْهام فهذا هو القول لا يصلح غيره.
وقيل في التفسير: ولا تطع كل حلاف مهين أن كان ذا مال وبنين
أي لَا تُطعْهُ لِيَسَارِه وعَدَدِه.
(إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٥)
(وأساطيرُ) مرفوعة بإضمار هي، المعنى إذا تتلى عليه آياتنا
قال هي أساطير الأولين.
وواحد الأساطير أسطورة.
* * *
وقوله : (سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (١٦)
стр. 1991
معناه سَنَسِمُهُ عَلَى أنفه، والخرطوم الأنف، ومعنى سنسمه سنجعل له في
الآخرة العلم الذي يعرف به أهل النار من اسوداد وجوهِهِمْ.
وجائز - واللَّه أعلم - أذا يفرده بِسمَةٍ لمبالغته في عداوة النبي ﵇. فيخصُّ من التشويه بما يتبين به من غيره كما كانت عداوته لرسول الله ﷺ عداوةً يُتَبَين بها من غيره.
* * *
وقوله: (إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (١٧)
والجنَّة: البستان، وهؤلاء قوم بناحية اليمن كان لهم أب يتصدق من جنته على المساكين، فجاء في التفسير أنه كان يأخذ منها قوت سنته، ويتصدق
بالباقي
وجاء أيضاً أنه كان يترك للمساكين ما أخطأه المنجل، وما كان في أسفل
الأكداس، وما أخطاه القطاف من العنب وما خرج عن البساط الذي يبسط
تحت النخلة إذا صُرِمَتْ، فكان يجتمع من ذلك شيء كثير، فقال بنوه:
نحن جماعة، وإن فعلنا بالمساكين ما كان يفعل أبونا ضاق علينا الأمر فحلفوا
لَيَصْرِمُنَّهَا بِسُدْفة من الليل.
قال الله : (وَلَا يَسْتَثْنونَ).
فحلفوا ولم يقولوا: إن شاء اللَّه، فلما كان الوقت الذي اتَعَدُوا فِيه بِسُدْفة
غَدَوْا إلى جنتهم ليصرموها.
* * *
(وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ (٢٥)
من قولهم: حاردت السنة إذا منعت خيرها.
وقيل على غَضبٍ (١).
فأما الحرد الذي هو القصد فأنشدوا فيه:
أَقْبَل سَيْلٌ جاء مِنْ أَمْرِ اللهْ. . . يَحْرِدُ حَرْدَ الجَنَّةِ المُغِلَّهْ
стр. 1992
أي يقصد قَصْدَ الجنةِ المغلَّةِ.
* * *
قوله تعالى: (فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (١٩)
أي أرسل عليها عذاباً من السماء فاحترقت كُلها.
* * *
(فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (٢٠)
أي فأصبحت كالليل سواداً.
* * *
(فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ (٢١) أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ (٢٢)
أي إن كنتم عازمين على صرام النخل.
* * *
(فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (٢٣)
أي يسرون الكلام بينهم بأن: (لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ).
والتخافِتُ إسرار الكلام.
* * *
(فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (٢٦)
(فَلَمَّا رَأَوْهَا)
مُحْتَرِقَةً.
(قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ)، أي قد ضللنا طريق جَنتِنَا، أي ليست هذه، ثم
عَلِمُوا أَنَّهَا عُقُوبَةٌ فقالوا:
* * *
(بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٢٧)
أي حُرِمْنَا ثَمَرَ جنتنا بمنعنا المساكين.
* * *
(قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (٢٨)
(أَوْسَطُهُمْ) أعدلهم من قوله: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا)
أي عَدْلاً.
(لَوْلَا تُسَبِّحُونَ).
قال لهم: استثنوا في يمينكم، لأنهم أقسموا لَيَصْرِمُنَّهَا مصبحين
стр. 1993
ولم يستثنوا.
ومعنى التسبيح ههنا الاستثناء، وهو أَنْ يَقول: إن شاء اللَّه.
فإذا قال قائل التسبيح أن يقول: سبحان اللَّه، فالجَوابُ فِي ذلكَ أن كل
ما عظمت الله به فهو تسبيح، لأن التسبيح في اللغة فيما جاء عن النبي عليه
السلام تنزيه الله عن السوء.
فالاستثناء تعظيم الله والإقرار بأنه لا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَفعل فِعْلاً إلا بمشيئتِهِ .
فالمعنى في قوله: (إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ).
إنا بلونا أهل مكة حين دعا عليهم رسول اللَّه ﷺ فقال: اللهمِ اشدد وطأتك على مُضَرَ واجعلها عليهم سنين كسني يوسف، فابتلاهم اللَه بالجرب والهلاك وذَهَابِ
الأقواتِ كما بلى أصحاب هذه الجنة باحتراقِها وذهاب قوتهم منها.
* * *
وقوله: (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦)
هذه الألف ألف الاستفهام، ومجازها ههنا التوبيخ والتقرير.
وجاء في التفسير أن بعض كفار قُرَيْش قال: إن كان ما يذكرون أن لهم في الآخرة حَقًا، فإن لنا في الآخرة أكبر منه كما أنا في الدنيا أفضل منهم. فوبخهم الله فقال:
(أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ).
وكذلك: (مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ).
معناه على أي أحوال الكفر تخرجون حُكمَكُمْ.
* * *
(أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (٣٧) إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ (٣٨)
أي أعندكم كتاب من اللَّه أن لكم لما تخيرونَ.
* * *
(أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ (٣٩)
(أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ*
معناه مؤكدة
(إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ).
أي حَلِفٌ على ما تَدَّعُونَ في حكمكم.
стр. 1994
قوله: (سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ (٤٠)
والزعيمِ الكفيل والضَامِنِ.
والمعنى سلهم أَيُّهُمْ كَفَلَ بِذَلِكَ.
* * *
قوله: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (٤١) يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢)
أي فليأتوا بشركائهم يوم القِيَامةِ.
ومعنى (يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ) في اللغة يُكشَفُ عن الأمر الشديد.
قال الشاعر:
قد شمرت عن ساقها فشُدُّوا. . . وجدَّت الحرب بكم فَجِدُّوا
والقوس فيها وترٌ عُردُّ.
وجاء في التفسير عن أحمد بن عبد الله بن أحمد بن حَنْبَل قال ثنا أبي.
قال ثنا محمد بن جَعْفَرٍ يعني غندر، عن شعبة عن مغيرة عن إبراهيم قال.
قال ابن عباس في قوله: (يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ) عن الأمر الشديد.
وقال ابنُ مَسْعُودٍ: يكشف الرحمن عن ساقه.
فأما المؤمنون فيخرون له سُجَّداً
وأما المنافقون فتكون ظهورهم طبقاً طبقاً كان فيها السفافيد.
فهذا ما روينا في التفسير وما قاله أهل اللغة.
قال أبو إسحاق: هذا تأويل قوله (وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢) خَاشِعَةً أبْصَارُهُمْ).
يعنى به المنافقُونَ.
стр. 1995
وقوله: (تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ (٤٣)
(تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ)
معناه تَغشاهم ذِلَّةٌ.
(وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ (٤٣)
يعنى به في الدنيا.
* * *
وقوله: (فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (٤٤)
ومثله: (ذَرْني ومن خَلَقْتُ وَحِيداً)، معناه لا تَشْغَلْ قَلْبَكَ بِهِ، كِلْهُ إليَّ
فإني أُجازيه.
ومثله قول الرجل: ذرني وإياه. وليس أنه مَنَعه بِهِ ولكن تأويله
كِلْهُ إليَّ فَإنِي أَكْفِيكَ أَمْرَه.
* * *
وقوله: (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (٤٨)
يعني: يونس ﵇.
* * *
(إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ)
أي مملوء غَمًّا وكرباً.
* * *
وقوله: (لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (٤٩)
والمعنى أنه قد نبذ بالعراء وهو غير مذموم، ويدل على ذلك أن النعمة
قد شَمِلته.
* * *
وقوله: (فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٥٠)
هذا تخليصٌ له من الذَّم، والعراء المكان الخالي
قال الشاعر:
رَفَعْتُ رِجلاً لا أَخافُ عِثارَها. . . ونَبَذْتُ بالبَلَدِ العَراء ِثيابي
* * *
قوله : (وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (٥١)
وقرئت (ليزهقونك) - بالهاء - ولكن هذه تخالف المصحف أعني الهاء
والقراءة على ما وافق المصحف (١).
وهذه الآية تحتاج إلى فصل إبانةٍ في اللغة
فأمَّا ما رُوِيَ في التفسير
стр. 1996
فروي أن الرجل من العرب كان إذا أراد أن يعتان شيئا. أي يصيبَه بالعين تجوع ثلاثة أيام، ثم يقول للذي يريد أن يعتانه: لَا أَرَى كاليوم إبلاً أَو شاءً أو ما أراد.
المعنى لَمْ أَرَ كإبل أَراها اليوم إبلًا فكان يصيبها بالعين بهذا القول.
فقالوا للنبي ﷺ لما سمعوا منه الذكر كما كانوا يقولون لما يريدون أَنْ يُصِيبوه بالعين.
فأما مذهب أهل اللغة فالتأويل عندهم أنه من شدة إبغَاضِهِم لك
وعدوانهم يكادون بِنَظَرهم نَظَر البغضاء أن يضروك، وهذا مستعمل في
الكلام، يقول القائل: نظر إليَّ نظراً يكاد يَصْرَعنِي بِهِ، ونظراً يكاد يأكلني فيه.
وتأويله كله أنه نظر إليَّ نظراً لو أمكنه معه أكلي أوْ أَن يَصْرَعَنِي لفعَلَ.
وهذا بين واضح، واللَّه أعلم.
стр. 1997
سُورَةُ الحَاقَّة
(مَكِّيَّة)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله تعالى: (الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢)
الأوَّلَةُ: مرفوع بالابتداء، و " ما " رفع بالابتداء أَيْضاً.
و (الْحَاقَّةُ) الثانية خبر " ما " والعائد على " ما " (الْحَاقَّةُ) الثانيةُ.
على تقدير ما هي، والمعنى تفخيم شأنها، واللفظ لفظ استفهام كما تقول: زيد ما هو، على تأويل التعظيم لشأنه في مَدْح كان أَوْ ذَمٍّ.
والحاقَةُ: السَّاعَةُ والقِيامة وسميت (الْحَاقَّةُ) لأنها تحق كل
شيء يعمله إنسان من خير أو شر.
وكذلك (وَمَا أدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ).
معناهُ أَي شيء أعلمك ما الحاقة.
و" ما " موضعها رفع، وأن كان بعد أدراك
لأن ما كان في لفظ الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله.
المعنى ما أعلمك أي شيء الحاقةُ.
ثم ذكر اللَّه من كذبَ بالحاقةِ والساعة وأمر البعث
والقِيَامَةِ وما نزل بِهِمْ وَعْظاً لأمَّة محمد ﷺ فقال:
(كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ (٤)
أي بالقيامة.
* * *
(فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (٥)
ومعنى (بِالطَّاغِيَةِ) عند أهل اللغة بطغيانِهِمْ، وفاعِلَة قد يأتي يمعنى
المصادِر نحو عافية وعاقبة.
والذي يدل عليه معنى الآية. - واللَّه أعلم - أنهم أهلكوا بالرجفة الطاغية، كما قال:
стр. 1998
(وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (٦)
يقال للشيء العظيم عاتٍ وعاتية، وكذلك أهلكوا بالطاغية، ودليل
الوصف بالطغيان في الشيء العظيم قوله :
(إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ).
فوصف الماء بالطغيان لمجاوزته القَدْرَ في الكَثْرةِ، وكذلك أهلكوا
بالطاغية، واللَّه أعلم.
وقوله: (بِرِيح صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ)
أي بريح شديدة البرد جدًّا، والصَّرْصَرُ شدة البردِ، وصَرْصَر متكرر فيها البرد، كما تقول قد قلقلت الشيء، وأقْلَلْتُ الشيء
إذا رَفَعته من مكانه، إلا أن قلقلته رَدَدْتُه أي كررْتُ رفعه، وأَقْلَلْتُه رفعته. فليس فيه دليل تَكْرِيرٍ، وكذلك صَرْصَرَ وَصَر وصَلْصَلَ، وَصَل.
إذا سمعت صوت الصرير غير مُكَرر قلت قد صَر وَصَل، فإذا أردت أن الصوت تكرر قلت: قد صَلْصَلَ، وصَرْصَرَ.
* * *
وقوله تعالى: (سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (٧)
معنى (سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ) أقامها عليهم كما شاء، ومعنى (حُسُوماً) دَائمَةً.
وقالوا مُتَابِعةً، فأمَّا ما توجبه اللغة فعلى معنى تَحْسِمُهم حُسُوماً.
أَي تُذْهِبُهُمْ وتُفْنِيهِمْ.
وقوله : (كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ).
(أَعْجَازُ نَخْلٍ) أصول نخل، وقيل خاوية للنخل لأن النخل تذكر وتُؤنثُ.
يقال: هذا نخل حسن، وهذه نخل حَسَنَة، فخاوية على التأنيث.
وقال في موضع آخر: (أعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ).
* * *
وقوله: (وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ (٩)
стр. 1999
وقُرِئَتْ وَمَن قِبَلَهُ فمن قال: ومن قِبَلَهُ فمعناه وتباعُة، ومن قال ومَنْ قَبْلَه
فالمعنى مَنْ تَقَدَّمَهُ.
(وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ).
(وَالْمُؤْتَفِكَاتُ) الذين ائتفكوا بِذُنُوبِهِمْ، أي أهلكوا بِذُنُوبِهِمْ الَّتي أعظَمُها
الإفكُ، وهو الكذبُ في أمر الله بأنهم كفروا وكذَبوا بالرسل فلذلك قيل لهم
مؤتفكون، وكذلك الذين ائتفكت بهم الأرض، أي خسِفَ بِهِمْ إنما معناه
انقلبت بِهِمْ كما يقلب بهم الكذاب الحق إلى البَاطِلِ
ومعنى (بالخاطئة) بالخطأ العظيم، والدليل على أن من عظيم آثامهم الكذِبُ قوله:
(فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً (١٠)
لإأنهم كذبوا رسُلَهُمْ.
(أَخْذَةً رَابِيَةً): معنى (رَابِيَةً) تَزِيد عَلَى الأحْدَاثِ.
* * *
وقوله : (إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (١١)
معنى طغى الماء طما وارتفع، ومعنى الجارية، أي سفينة نوحٍ عليه
السلام وَاللَّهُ أعلم.
* * *
وقوله: (لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ (١٢)
معناه لنجعل هذه الفعلة لكم تذكرة، أي إغراق قوم نوح ونجاته
والمؤمنين مَعَهُ.
* * *
وقوله: (وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ).
معناه أُذُنٌ تحفظ ما سَمِعَتْ وَتَعْمَل به، أي ليحفظ السامع ما سمع
ويعمل به.
تقول لكل شيء حفظته في نفسك: قَدْ وَعَيْته، يقال: قَدْ وَعَيْتُ
стр. 2000
العِلم وَوَعَيْتُ قُلْتَ، وتقول لما حفظته في غير نفسك: أَوْعَيتُه، يقال أوعيت
المتاعَ في الوعاء.
* * *
وقوله: (فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣)
القراءة بالرفع في (نَفْخَةٌ) على ما لم يسم فاعله.
وذكر الأخفش (نفخةً وَاحِدةً) بالنَصْبِ ولم يذكر قرئ بها أم لا، وهي في العربية جائزة على أن قولك في الصور يقوم مقام ما لم يسم فاعله، تقول: في الصور نفخاً، ففي الصور على لفظ الجر، والمعنى نفخ الصور نفخة واحدةً، وهذا على من نصب نفخة واحدة.
ومن رفع فعلى مَعْنَى نُفِخَ نفخة واحدةٌ فِي الصورِ.
فأما تذكير نفخ فلو كان نفخت في الصور نفخة جاز لأنه تأنيثٌ ليس بِحقيقيٍّ، فتذكيره جَائِز، لأن النفخة والنفخ بمعنًى وَاحِدٍ.
ومثله (فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ).
المعنى معنى الوعظ.
وقال في موضع آخر: (قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ).
* * *
وقوله: (وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (١٦)
يقال لكل ما ضعف جدًّا قد وَهَى فهو واهٍ، ويجوز واهية بإمالة الألف
والواو لكسر الهاء.
* * *
وقوله: (وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ
(١٧)
المعنى الملائكة على جَوَانِبَها، ورَجَا كل شيء نَاحِيَتُه، مقصور، والتثنيةُ
رَجَوان والجمع أَرْجَاءِ.
* * *
(وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ).
يروى ثمانية أملاك أرْجُلُهم في تخوم الأرض السابعة والعَرْشُ فوق
رُؤوسِهِم وَهُمْ مُطْرِقُونَ يُسَبِّحُونَ.