فروي أن الرجل من العرب كان إذا أراد أن يعتان شيئا. أي يصيبَه بالعين تجوع ثلاثة أيام، ثم يقول للذي يريد أن يعتانه: لَا أَرَى كاليوم إبلاً أَو شاءً أو ما أراد.
المعنى لَمْ أَرَ كإبل أَراها اليوم إبلًا فكان يصيبها بالعين بهذا القول.
فقالوا للنبي ﷺ لما سمعوا منه الذكر كما كانوا يقولون لما يريدون أَنْ يُصِيبوه بالعين.
فأما مذهب أهل اللغة فالتأويل عندهم أنه من شدة إبغَاضِهِم لك
وعدوانهم يكادون بِنَظَرهم نَظَر البغضاء أن يضروك، وهذا مستعمل في
الكلام، يقول القائل: نظر إليَّ نظراً يكاد يَصْرَعنِي بِهِ، ونظراً يكاد يأكلني فيه.
وتأويله كله أنه نظر إليَّ نظراً لو أمكنه معه أكلي أوْ أَن يَصْرَعَنِي لفعَلَ.
وهذا بين واضح، واللَّه أعلم.
стр. 1997
سُورَةُ الحَاقَّة
(مَكِّيَّة)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله تعالى: (الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢)
الأوَّلَةُ: مرفوع بالابتداء، و " ما " رفع بالابتداء أَيْضاً.
و (الْحَاقَّةُ) الثانية خبر " ما " والعائد على " ما " (الْحَاقَّةُ) الثانيةُ.
على تقدير ما هي، والمعنى تفخيم شأنها، واللفظ لفظ استفهام كما تقول: زيد ما هو، على تأويل التعظيم لشأنه في مَدْح كان أَوْ ذَمٍّ.
والحاقَةُ: السَّاعَةُ والقِيامة وسميت (الْحَاقَّةُ) لأنها تحق كل
شيء يعمله إنسان من خير أو شر.
وكذلك (وَمَا أدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ).
معناهُ أَي شيء أعلمك ما الحاقة.
و" ما " موضعها رفع، وأن كان بعد أدراك
لأن ما كان في لفظ الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله.
المعنى ما أعلمك أي شيء الحاقةُ.
ثم ذكر اللَّه من كذبَ بالحاقةِ والساعة وأمر البعث
والقِيَامَةِ وما نزل بِهِمْ وَعْظاً لأمَّة محمد ﷺ فقال:
(كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ (٤)
أي بالقيامة.
* * *
(فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (٥)
ومعنى (بِالطَّاغِيَةِ) عند أهل اللغة بطغيانِهِمْ، وفاعِلَة قد يأتي يمعنى
المصادِر نحو عافية وعاقبة.
والذي يدل عليه معنى الآية. - واللَّه أعلم - أنهم أهلكوا بالرجفة الطاغية، كما قال:
стр. 1998
(وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (٦)
يقال للشيء العظيم عاتٍ وعاتية، وكذلك أهلكوا بالطاغية، ودليل
الوصف بالطغيان في الشيء العظيم قوله :
(إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ).
فوصف الماء بالطغيان لمجاوزته القَدْرَ في الكَثْرةِ، وكذلك أهلكوا
بالطاغية، واللَّه أعلم.
وقوله: (بِرِيح صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ)
أي بريح شديدة البرد جدًّا، والصَّرْصَرُ شدة البردِ، وصَرْصَر متكرر فيها البرد، كما تقول قد قلقلت الشيء، وأقْلَلْتُ الشيء
إذا رَفَعته من مكانه، إلا أن قلقلته رَدَدْتُه أي كررْتُ رفعه، وأَقْلَلْتُه رفعته. فليس فيه دليل تَكْرِيرٍ، وكذلك صَرْصَرَ وَصَر وصَلْصَلَ، وَصَل.
إذا سمعت صوت الصرير غير مُكَرر قلت قد صَر وَصَل، فإذا أردت أن الصوت تكرر قلت: قد صَلْصَلَ، وصَرْصَرَ.
* * *
وقوله تعالى: (سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (٧)
معنى (سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ) أقامها عليهم كما شاء، ومعنى (حُسُوماً) دَائمَةً.
وقالوا مُتَابِعةً، فأمَّا ما توجبه اللغة فعلى معنى تَحْسِمُهم حُسُوماً.
أَي تُذْهِبُهُمْ وتُفْنِيهِمْ.
وقوله : (كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ).
(أَعْجَازُ نَخْلٍ) أصول نخل، وقيل خاوية للنخل لأن النخل تذكر وتُؤنثُ.
يقال: هذا نخل حسن، وهذه نخل حَسَنَة، فخاوية على التأنيث.
وقال في موضع آخر: (أعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ).
* * *
وقوله: (وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ (٩)
стр. 1999
وقُرِئَتْ وَمَن قِبَلَهُ فمن قال: ومن قِبَلَهُ فمعناه وتباعُة، ومن قال ومَنْ قَبْلَه
فالمعنى مَنْ تَقَدَّمَهُ.
(وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ).
(وَالْمُؤْتَفِكَاتُ) الذين ائتفكوا بِذُنُوبِهِمْ، أي أهلكوا بِذُنُوبِهِمْ الَّتي أعظَمُها
الإفكُ، وهو الكذبُ في أمر الله بأنهم كفروا وكذَبوا بالرسل فلذلك قيل لهم
مؤتفكون، وكذلك الذين ائتفكت بهم الأرض، أي خسِفَ بِهِمْ إنما معناه
انقلبت بِهِمْ كما يقلب بهم الكذاب الحق إلى البَاطِلِ
ومعنى (بالخاطئة) بالخطأ العظيم، والدليل على أن من عظيم آثامهم الكذِبُ قوله:
(فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً (١٠)
لإأنهم كذبوا رسُلَهُمْ.
(أَخْذَةً رَابِيَةً): معنى (رَابِيَةً) تَزِيد عَلَى الأحْدَاثِ.
* * *
وقوله : (إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (١١)
معنى طغى الماء طما وارتفع، ومعنى الجارية، أي سفينة نوحٍ عليه
السلام وَاللَّهُ أعلم.
* * *
وقوله: (لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ (١٢)
معناه لنجعل هذه الفعلة لكم تذكرة، أي إغراق قوم نوح ونجاته
والمؤمنين مَعَهُ.
* * *
وقوله: (وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ).
معناه أُذُنٌ تحفظ ما سَمِعَتْ وَتَعْمَل به، أي ليحفظ السامع ما سمع
ويعمل به.
تقول لكل شيء حفظته في نفسك: قَدْ وَعَيْته، يقال: قَدْ وَعَيْتُ
стр. 2000
العِلم وَوَعَيْتُ قُلْتَ، وتقول لما حفظته في غير نفسك: أَوْعَيتُه، يقال أوعيت
المتاعَ في الوعاء.
* * *
وقوله: (فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣)
القراءة بالرفع في (نَفْخَةٌ) على ما لم يسم فاعله.
وذكر الأخفش (نفخةً وَاحِدةً) بالنَصْبِ ولم يذكر قرئ بها أم لا، وهي في العربية جائزة على أن قولك في الصور يقوم مقام ما لم يسم فاعله، تقول: في الصور نفخاً، ففي الصور على لفظ الجر، والمعنى نفخ الصور نفخة واحدةً، وهذا على من نصب نفخة واحدة.
ومن رفع فعلى مَعْنَى نُفِخَ نفخة واحدةٌ فِي الصورِ.
فأما تذكير نفخ فلو كان نفخت في الصور نفخة جاز لأنه تأنيثٌ ليس بِحقيقيٍّ، فتذكيره جَائِز، لأن النفخة والنفخ بمعنًى وَاحِدٍ.
ومثله (فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ).
المعنى معنى الوعظ.
وقال في موضع آخر: (قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ).
* * *
وقوله: (وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (١٦)
يقال لكل ما ضعف جدًّا قد وَهَى فهو واهٍ، ويجوز واهية بإمالة الألف
والواو لكسر الهاء.
* * *
وقوله: (وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ
(١٧)
المعنى الملائكة على جَوَانِبَها، ورَجَا كل شيء نَاحِيَتُه، مقصور، والتثنيةُ
رَجَوان والجمع أَرْجَاءِ.
* * *
(وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ).
يروى ثمانية أملاك أرْجُلُهم في تخوم الأرض السابعة والعَرْشُ فوق
رُؤوسِهِم وَهُمْ مُطْرِقُونَ يُسَبِّحُونَ.
стр. 2001
(فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (١٩)
يروى إذا كان يوم القيامةِ عرض الخلق ثلاث عَرَضاتٍ في الاثنين منها
الاحتجاج والاعتذار والتوبيخ، وفي الثالثةِ تنثر الكتب فيأخذ الفائز كتابه بيمينه والهالك كتابه بشماله.
و (هَاؤُمُ) أمر للجماعة بِمَنْزِلَةِ هَاكم، تقول للواحد هَاءَ يَا رَجل وللاثنين
)، وهَا يا رَجُلَانِ، وللثلاثة هَاؤُمُ يا رجال، وللمَرْأَةِ هاءِ يا امرأَةُ - بكسر الهمزة - وللاثنين هاؤما وللجَمَاعَةِ النِسَاءِ هَاؤنَّ.
وفي هذه ثلاث لغَات قد ذكرتها في غير كِتَابِ القرآنِ (١).
* * *
وقوله: (إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (٢٠)
معناه إني أيقنتْ بأني أحاسب وأبعَث.
فأمَّا " كتابيه " و " حسابيه " فالوجه أن يوقف على هذه الهَائَاتِ ولا تُوصِلْ.
لأنها أدخلت للوقف، وقد حذفها قوم في الوصل ولا أحب مخالفة المصحف، ولا أن أقرأ بإثبات الهاء في الوصل.
وهذه رؤوس آياتٍ فالوجه أن يوقف عندها.
وكذلك قوله: (وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠).
* * *
وقوله: (هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (٢٩)
معناه ذهبت عني حجتِيَهْ، والسلْطَان الحُجَّة، وكذلك قيل للأمراء
سلاطين لأنهم الذينَ تقام بِهِمً الحجة والحُقوق.
* * *
وقوله: (قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (٢٣)
معناه تدنو من مريدها لا يمْنَعه مِنْ تَناولها بُعْدٌ وَلاَ شَوْك.
وقوله: (فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ).
ومعناه في الأيام التي مَضَتْ لهم.
стр. 2002
قوله: (ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١)
المعنى اجعلوه يصلى النَّارَ.
* * *
قوله (وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦)
معناه من صديد أهل النار، واشتقاقه مما ينغسِلُ مِنْ
أبدَانِهمْ.
* * *
وقوله: (قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) ، و (قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢)
" ما " مُؤَكدَة، ْ وهي لَغْوٌ في باب الإعراب، والمعنى (قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ)
و (قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ).
* * *
وقوله: (تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٣)
رفعه بِـ (هُوَ) مُضْمِرَة يدل عليها قوله: (وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ) أي هُوَ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
* * *
وقوله: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤)
يعني به النبي ﷺ
* * *
(لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥)
أي بالقُدْرَةِ والقؤة وقال الشماخ:
إذا ما راية رفعت لمجد. . . تلقاها عرابة باليمين
* * *
قوله: (ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦)
الوتين نياط القلب.
* * *
(فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (٤٧)
(حَاجِزِينَ) من نعت (أَحَدٍ)، وَ (أَحَدٍ) في معنى جميع.
المعنى فما منكم قوم يحجزون عنه.
* * *
وقوله: (وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (٥١)
المعنى أن القُرآن لليقين حق اليقين.
* * *
قوله: (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٥٢)
التسبيح معناه تَنْزيهُ اللَّهِ مِنَ السوءِ وتنزيهه تعالى.
стр. 2003
سُورَةُ المعارج
(مَكِّيَّة)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله : (سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١)
وقرئ سال بغير همز، يقال:. سالت اسال، وسَلْتُ أَسَالُ، والرجلان
يتساءلان ويتساوَلان بمعنى واحِد.
والتأويل دَعَا دَاع بعذاب واقع.
وذلك كقولهم: (اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣ ٢).
وقيل معنى سأل سائِلٌ بعذاب، أي عن عذاب واقع، فالجواب قوله:
(لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِع).
أي يقع بالكافرين، وقيل إن سال سايل بغير همز، سايل وَادٍ في جهنم (١).
* * *
وقوله: (مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ (٣)
قيل معارج الملائكة،. وقيل ذي الفَوَاصِل.
* * *
وقوله: (تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤)
جاء في التفسير أَنًه يَوْمُ القِيَامَةِ، وجاء أَيضاً أن مقداره لو تكلفتموه
خمسون ألف سنة، والملائكة تعرج في كل يوم واحِدٍ.
وقرئت: تعرجُ
стр. 2004
الملائكة، ويعرج الملائكة.
وقيل منذ أول أَيامِ الدنيا إلى انقضائها خمسون ألف سنة.
وجائز أن يكون " فِي يَوْمٍ " من صلة " واقع "، فيكون المعنى سأل سائل
بعذاب واقع في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة.
وذلك العذابُ يقع في يوم القيامة.
* * *
وقوله : (فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا (٥)
هذا يدل على أن ذلك قبل أن يؤمر النبي ﵇ بالقتال.
* * *
قوله: (إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (٧)
يرونه بعيداً عندهم كأنهم يستبعدونه على جهة الِإحالة، كما تقول
لمنَاظِرِكَ: هذا بعيد لا يكون.
* * *
وقوله: (وَنَرَاهُ قَرِيبًا (٧)
أي صحيحاً يقرب فَهْمُ مثله بما دل اللَّه على يوم البعث بقوله:
(قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ).
وما أشبه هذا من الاحتجاجات في البعث.
* * *
وقوله: (يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ (٨) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ (٩)
العِهْن الصوف، والمهل دُرْدِيُّ الزَّيت.
* * *
(وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (١٠)
وقرئت (ولا يُسْأَلُ حَمِيم).
فمن قرأ (وَلَا يَسْأَلُ) فالمعنى أنهم يعرف بعضهم بعضاً، ويدل عليه قوله: (يُبَصَّرُونَهُمْ).
ومن قرأ (ولا يُسْأَل حَمِيمٌ حَمِيمًا).
فالمعنى لا يُسْأَل قريب عن قرابته، ويَكُونُ (يُبَصَّرُونَهُمْ) - واللَّه أعلم - للملائكة.
* * *
وقوله: (وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (١٣)
معناه أدنى قبيلته منه.
стр. 2005
وقوله: (كَلَّا إِنَّهَا لَظَى (١٥)
(كَلَّا) ردع وتنبيه، أي لَا يَرجعُ أحدٌ من هؤلَاء فاعتبروا.
* * *
(نَزَّاعَةً لِلشَّوَى (١٦)
(نَزَّاعَةٌ)
وقُرئت (نَزاعَةً للشوَى).
والقراءة (نَزَّاعَةٌ)، والقراء عليها وهي في النحو أَقْوى مِنَ النصْبِ.
وذكر أَبو عبَيْدٍ إنها تجوز في العربيَّةِ، وأنه لا يَعْرِفُ أَحَداً قَرَأَ بها.
وقد رويت عن الحسن، واختلف فيها عن عَاصِمٍ، فَأَما ما رواه أبو
عمرو عن عاصم فَـ (نَزَّاعَةً) - بالنصب - وروى غيره (نَزَّاعَةٌ) بالرفع.
فأَما الرفع فَمِنْ ثَلاث جِهَاتٍ:
أحدها أن تكون " لَظًى، و " نَزَّاعة " خبراً عن الهَاءِ والألِفِ، كما تقول: إنه حُلْوٌ حَامِضٌ، تريد أنه جمع الطعمين.
فيكون الهاء والألف إضماراً للقصة، وهو الذي يسميه، الكوفيون المجهول.
المعنى أن القصة والخبر لظى نَزَّاعَة لِلشَّوَى، والشوى الأطراف، اليدَانِ
والرَجْلَانِ والرأس، والشوى جمع شواه، وهي جلدة الرأس.
قال الشاعر:
قَالَتْ قُتَيْلَةُ مَا لَهُ. . . قَدْ جُلِّلَتْ شَيْباً شَوَاتُهْ؟
فأمَّا نصب (نَزَّاعَةً) فعلى أنها حال مؤكدة كما قال:
(وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا)
وكما تقول أنا زيدٌ معروفاً، فيكون (نَزَّاعَةً) منصوباً مُؤَكِداً لأمر النار.
ويجوز أن ينصب على معنى أنها تتلظى (نَزَّاعَةً) كما قال جلَّ ثناؤه:
(فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (١٤).
والوجه الثالث في الرفع يرفع على الذَّمِّ بإضمار هي على معنى هي نَزَّاعَةٌ لِلشَّوَى.
ويكون نصبها أيضاً على الذم فيكون نصبها على ثلاثة أوجه.
* * *
وقوله: (تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (١٧)
стр. 2006
تدعو الكافر باسمه والمنافق باسمه.
* * *
وقوله: (إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩)
الهلوع على ما في الآية من التفسير يفزع وَيجْزَعُ مِنَ الشَّرِّ.
* * *
(إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١)
الإنسان ههنا في معنى الناس، فاستثنى اللَّه المؤمنين
المصلين فقال: (إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (٢٣).
يعني به المحافظين على الصلاة المكتوبة.
ويجوز أن يكون الذين لا يُزِيلُونَ وجوههم عن سمت القبلة ولا يلتفتون، فيكون اشتقاقه من الدائم وهو الساكن، كما جاء النهي عن البول في الماء الدائم، والمحروم الذي هو محارف قد حرم المكاسب. وهو لا يَسْألُ.
* * *
وقوله : (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٢٩) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٣٠)
أي، على هؤلاء.
وقيل إنها في مَعنى " مِنْ " المعنى عند قائل هذا إلا مِنْ أَزْوَاجِهِم أَو ما
ملكت وقيل إن " على " محمول على المعنى، المعنى فإنَهُم لَا يلَامُونَ على
أزواجهم، ويدل عليه (فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ).
* * *
وقوله: (فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٣١)
معناه في العُدْوَانِ.
وهي المبالغة في مخالفة أمر اللَّه ومجاوزة القدر في الظلِم.
وقيل: (فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ).
أي من طلب غير الأزواج وَمَا ملكت الأيمان فقد اعتدى.
стр. 2007
والعَادُونِ جَمْعُ عَادٍ وَعَادُونَ.
* * *
قوله: (وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٣٢)
أي يَرْعَوْنَ العهد والأمانة ويحافظون عليها.
وكل محافظ على شيء فهو مُرَاعٍ له. والإِمام راعٍ لرعيته.
* * *
وقوله: (فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (٣٦)
(مُهْطِعِينَ) منصوب على الحال، والمهطع المقبل ببصره على الشيء لا
يزايله، لأنهم كانوا ينظرون إلى النبي ﵇ نظر عداوة.
قال اللَّه تعالى: (وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ).
معناه غيظاً وحنقاً.
* * *
قوله: (عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ (٣٧)
حلقاً حلقاً وجماعةً جماعة، وعِزِينَ جمع عِزَة، فكانوا عن يمينه وشِمَالِه
مجتمعين، فقالوا إن كان أصحاب محمد يدخلون الجنة فإنا ندخلها قبلهم.
وإن أعطوا فيها شيئاً أعطِينا أكثر منه، فقال :
* * *
(أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (٣٨)
وقرئت (أَنْ يَدْخُلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ). ثم قال:
* * *
(كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ (٣٩)
أَي من تراب ومن نطفة، فأي شيء لهم يدخلون به الجنة، وهم لك
على العداوة وعلى البغضاء.
* * *
وقوله: (فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ (٤٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٤١)
معناه فأُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ.
و" لا " مؤكدة كما قال:
стр. 2008
(لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ).
ومعناه ليعلم أهل الكتاب، ومعنى (بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ)
أي مشارق الشمس ومغاربها، وكذلك القَمَرُ، وهي مشارق الصيف ومشارق الشتاء وَمَغَارب الصيف، ومغارب الشتاء فتشرق الشمس كل يوم من مشرق، وتغرب من مغرب، وكذلك القَمَرُ.
* * *
وقوله: (فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٤٢)
(يخوضوا) جواب الأمر مجزوم، وقيل إنه مجزوم وإن كان لفظه بغير آلةِ
الأمْرِ لأنه وضع موضع الأمر، كأنه قال ليخوضوا وليَلْعَبُوا.
وهذا أَمْر على جهة الوعيد، كما تقول: اصنع ما شئت فإني أعاقبك عليه.
وقد مر تفسير هذا مستقصًى.
* * *
وقوله : (يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (٤٣)
والأجداث القبور واحدها جَدَث، ويقال أيضاً جَدَفٌ في هذا المعنى.
وقرئت إلى (نَصْبٍ يوفِضُونَ) وَ (إلى نُصْبٍ) - بضم النون وسُكونِ الصاد، وقرِئَتْ (إلى نُصُبِ) بضم النون والصاد.
فمن قَرَأَ نصْب، فمعناه كأنَّهم إلى علم مَنْصُوبَِ لهم.
ومن قرأ (إلى نصْبِ) فمعناه إلى أَصْنَام لهم.
كما قال (وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ).
ومعنى (يوفِضُونَ) يُسْرِعُونَ.
قال الشَاعِر:
لأَنْعَتَنْ نَعامةً مِيفاضا. . . خَرْجاءَ تَغْدُو وتطلُبُ الإِضَاضا
ْالميفاض السريعة، وخرجاء ذات لونين سَوَادٍ وبياضٍ.
ومعنى الأضاض الموضع الذي يُلْجَأ إليه، يقال أضَتني إليك الحاحة أضَاضاً.
стр. 2009
قوله: (خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (٤٤)
(تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ)
أي تغشاهم ذِلًةٌ.
وقوله: (مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ).
قرئت بالفتح والكسر، فمن قرأ بِكَسْرِ يَوم فَعَلَى أَصْل الِإضافة لأن الذي
يضاف إليه الأول مجرور بالإضافة.
ومن فتح يوم فلأنه مضاف إلى غير متمكن مضاف إلى " إذْ "، و " إذْ " مبهمة، ومعناه يوم إذ يكون كذا وكذا، فلما كانت
مبهمة وأضيف إليها، بني المضاف إليها على الفتح.
كذلك أنشدوا قول
الشاعر:
لم يَمْنع الشُّرْبَ منها غَيْرَ أَن نطقت. . . حمامة في غُصُونٍ ذاتِ أَوْقالِ
فلما أضاف " غير " إلى " أن " بناها على الفتح، وهي في موضع رفع، والرفْعُ أيضا قَد رُوِيَ، فقالوا " غيرُ " أن نطقت، كما قرئ الحرف على إعراب الجر، وعلى البناء على الفتح.
стр. 2010
سُورَةُ نُوحٍ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله عَر وَجَلً: (إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١)
" أن " في موضع نصب بـ (أَرْسَلْنَا)، لأنَّ الأصْلَ بأن أَنْذِرْ قَوْمَكَ، فلما أسقطت الباء أفضى الفِعْلُ إلى " أن " فنصبها
وقد قال قوم يُرتَضَى عِلْمُهُمْ إن موضع مِثْلِها جَر وإن سقطت الباء.
لأن " أن " يحسن معها سقوط الباء. ولا تسقط من المصدر
الباء، لأنك لو قلت: إني أرسلتك بالإنْذَارِ والتهدد لم يُجِزْ أن تقول إني
أَرْسَلْتُك الإنذار والتهدُّدَ، ولو قلت إني أرسلتك بأن تُنْذِرَ وأن تهدد لجاز وإني أرسَلْتُكَ أن تنذر وأن تهدِّدَ.
وأصل الِإنذار في اللغة الِإعلام بما يخاف منه فيحذر، وأن لا يتعرض
له ويجوز أن يكون " أَن " تفسير لما أُرْسِلَ بِهِ.
فيكون المعنى: إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَيْ أَنْذِرْ قَومَكَ.
* * *
(قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣)
أرسل الله نوحاً وجميع الأنبياء بالأمر بعبادته وإيثار تقواه وطاعة رسله.
* * *
وقوله: (أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣)
(يَغْفِرْ) جزم جواب الأمر (أعْبُدُوا اللَّهَ) واتقوه وأطيعوني يغفر لكم من
стр. 2011
ذنوبكم، والنحويون البصريون كلهم ما خلا أبا عمرو بن العلاء لا يدغِمُونَ
الراء في اللام، لا يجيزون يَغْفِر لَّكُمْ، وأبو عمرو بن العلاء يرى الإدغام
جائزاً.
وزعم الخليل وسيبويه أن الراء حرف مكرر متى أدغم في اللام ذهب
التكرير منه، فاختل الحرف، والمسموع من العرب وقرأه القراء إظهار الراء.
(يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤)
ومعنى (مِنْ ذُنُوبِكُمْ) ههنا - يغفر لكم ذنوبكم
ودخلت "مِنْ " تختص الذنوب من سائر الأشياء، لم تدخل لتَبْعيض الذنُوب، ومثله قوله (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ).
معناه اجتنبوا الرجس الذي هو الأوثان ليس الرجس ههنا
بعض الأوثان.
وقوله: (وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ).
معناه اتقوا الله وأطيعون يؤخركم عن العذاب، أي يؤخركم فتموتوا غير
ميتة المُسْتَأْصَلِين بِالعَذَابِ.
ثم قال: (إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ)
معناه إذا جاء الأجل في الموت لا يؤخر بعذاب كان أو باستئصال.
* * *
قوله: (جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (٧)
قيل إنهم كانوا يسدُّون آذانهم ويغطون وجوههم لئلا يسمعوا قَوْلَه.
وليبالغوا في الإعراض عنه بتغطية الوجوه.
وقوله: (وَأَصَرُّوا) أقاموا ولم ينووا توبة منه.
(وَاسْتَكْبَرُوا) أخذتهم العزة من اتباع نوح والدليل على ذلك قوله:
(أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ).
* * *
وقوله: (ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (٨)
أي دعوتهم مظهراً لهم الدعوة.
و" جِهَارًا " منصُوبٌ مصدر موضوع موضع
стр. 2012
الحال.
المعنى دعوتهم مجاهراً بالدعاء إلى توحيد الله وتقواه.
* * *
(ثُمَّ إني أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ، لَهًمْ إسْرَاراً).
أي خَلَطْتُ لَهُمْ دُعَاءَهم في العلانيةَ بدعاء السر.
فقلت: (اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا).
أي استدعوا مَغْفِرَةَ رَبِّكُمْ.
* * *
(يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١)
وقيل إِنهم كانوا قد أجدبوا فَاعْلَمَهُم أن إيمانهم باللَّه يجمع لهم مَعَ
الحظِّ الوافِرِ في الآخرة.
الخِصْب والغِنَى في الدنيا.
و (مِدْرَارًا): كثيرة الدَّر، أي كثيرة المطر.
* * *
(وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (١٢)
يعطيكم زينة الدنيا وهي المال والبنون.
* * *
(وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ): أَي بساتين.
* * *
وقوله : (مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣)
قيل: مَا لكم لَا تَخَافُونَ للَّهِ عَظَمةً، وقيل لا ترجون عاقبة، وحقيقته
- واللُّه أعلم - مالكم لا ترجون عاقبة الإيمان فتوحدون الله وقد جعل لكم في - أنفسكم آية تدل على توحيده من خلقه إياكم، ومن خلق السَّمَاوَاتِ والأرضِينَ والشمس والقمر فقال:
* * *
(وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (١٤)
أي طوراً بعد طورٍ، نقلكم من حالٍ إلى حال ومن جِهَةٍ من الخلق إلى
جهة - خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة، ثم جعل
المضغة عظْماً، وكسا العظم لحماً ثُمَّ قَررَهُمْ فقال:
стр. 2013
(أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥)
و (طباقاً) مَنْصوبٌ على جهتين:
إحداهما مطَابِقَةً طِباقاً.
والأخرى من نعت (سَبْعَ) أيْ خَلَق سبعاً ذات طباق.
* * *
(وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (١٦)
قال أهل العربية: يجوز أن يكون في السماء الدنيا
وقيل (فِيهِنَّ) لأنهن كالشيء الوَاحِد.
وجاء في التفسير أن وجه الشمس يضيء لأهل الأرض من
ظَهْرها وقَفَاهَا ويضيء لأهل السَّمَاوَات وكذلك القمر.
* * *
(وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧)
و (نَبَاتًا) محمول في المصدر على المعنى، لأن معنى " أنبتكم " جعلكم
تنبتون نباتاً والمصدر على لفظ أنبتكم إنباتاً ونباتاً أبلغ في المعنى.
* * *
قوله: (لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا (٢٠)
أي طرقاً بَيِّنَةً.
* * *
وقوله: (وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا (٢١)
(وَوُلْدُهُ) ويقرأ: (وَوَلَدُهُ).
والوَلَدُ والولد بمعنى واحِدٍ، مثل العَرَب والعُرْب، والعجم والعُجْم.
* * *
وقوله (وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (٢٢)
يقال: مكر كبير وكُبَّار وكِبار في معنى واحد.
* * *
(وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣)
وقُرِئَتْ (وُدًّا) - بضم الواو -.
(وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا)
هذه خمسة أصنام كانَتْ في قَوْمِ نُوح يعبدونها.
ثُمَّ صَارَتْ إلَى العَرَبِ
стр. 2014
فكان وَدّ لكلب، وكان سُواع لِهَمَدَان، وكان يَغُوث لمذحج، وكان نَسْر لحمَير
وقرئت (يَغُوثاً وَيَعُوقاً).
ويغوث ويعوق لا ينْصَرِفَان لأنَّهُمَا في وزن الفعل وهما معرفتان.
والقراءة التي عليها القراء والمصحف ترك الصرف.
وليس في يغوث ويعوق ألف في الكتاب، ولذلك لا ينبغي أن يقرأ: إلا بترك الصرف.
والذين صرفوا جعلوا هذين الاسمين الأغلب عليهما كما الصرف إذ كان أصل الأسماء عندهم الصرْفَ، أَو جعلوهما نَكِرةً وإن كانا معرفتين، فكأنهم قالوا: ولا تذرون صنماً من أصنامكم، ولا ينبغي أن يقرأ بها لمخالفتها المصحف (١).
* * *
قوله ت (مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا (٢٥)
ويقرأ (مما خطاياهم)، وخطيئة يجمع على خطايا. وخطيئات.
وقَد فسَّرنَا ذلك فيما سلف من الكتاب.
* * *
(وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦)
(دَيَّارًا) في معنى أحد. يُقَال ما في الدار أحَدٌ وما بها دَيَّارٌ.
وأصْلهَا دَيْوَار، [فَيْعَال] فقلبت الواو ياء وأدغمت إحداهما في الأخرى.
وإنما دعا عليهم نوح ﵇ لأنَّ اللَّه جَل - وَعَلَا أوحى إليه (أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ).
* * *
قوله تعالى: (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا (٢٨)
(وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا)
قالوا بيتي مَسْجداً، وإن شئت، أسكنت الياء وإن شئت فتحتها.
* * *
وقوله: (وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا).
معناه إلا تباراً، والتبار الهلاك، وكل شيء أهلك فقد تبر، ولذلك سُمِّيَ
كلُّ مكَسَّرٍ تبرا.
стр. 2015
سُورَةُ الجِنِّ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله : (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١)
القراءة (أوحِيَ) بإثبات الواو. - قد قرئت: (قُلْ أُحِيَ إِلَيَّ) - بغير واو.
فمن قال: (أُحِيَ إِلَيَّ) فهو من وحيت إليه، والأكثر أَوْحَيْت إليه.
والأصل وحِي، ولكن الواو إذا انْضمَّت قد تبدل منها الهمزة نحو:
(وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ)، أصله وقِّتَتْ لأنه مِنَ الوَقْتِ.
وجاء في التفسير أن هؤلاء النفر الذين من الجن استمعوا إلى النبي ﷺ وهو يصلي الصبح ببطن نخلة، وهو قوله: (وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا)
أي قال بعضهم لبعض أَمْسِكوا عن الكلام واستمعوا.
وقيل إنهم كانوا من جِنَ نَصِيبينْ، وقيل إنهم كانوا مِنَ اليَمَن، وقيل إنهم كانوا يَهوداً، وَقِيل إنهم كانوا مشركين.
فأمَّا قوله: (أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ)، و (أَنَّ) مفتوحة لا غير.
* * *
وقوله: (إِنَّا سَمِعْنَا) وقوله: (فَإِنَّ لَهُ)، وقوله: (فَإِنَّهُ يَسْلُكُ).
فهذه الثلاث مكسورة لا غير.
وقد اختلف القراء فيما في هذه السورة غير هذه الحروف الثلاث فقال بعضهم: (وَأَنَّهُ، وأَنَّا) فَاما عَاصمٌ فروى عنه أبوبكر بن عياش مثل قراءة نافع ومن تابعه، وروى حفص بن سليمان عن الفتح فيما قرأه أبو بكر بالكسر، والذي يَخْتاره النحوُّيونَ قراءة نافع ومن تابَعَهُ في هذه الآية عندهم ما كان محمولاً على
стр. 2016
الوحي فهو (أنَّه) بفتح (أنَّ) وما كان من قول الجن فهو مكسور معطوف على
قوله: (فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا)، وعلى هذه القراءة يكون المعنى، وقالوا إنه تعالى جَدُّ رَبِّنَا، وقالوا إنه كان يقول سفيهنا.
ومن فتح فذكر بعض النحويين ْأنه معطوف على الهاء.
المعنى عِندَه فآمنا به وبأنه تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا
وكذلك ما بعد هذا عنده، وهذا رديء في القياس.
لا يعطف على الهاء المكنية المحفوضة إلا بإظهار الخافض، ولكن وجهه أن يكون محمولًا على معنى آمناً به، لأن معنى آمنا به صدقناه وعلمناه، ويكون المعنى: وصدقنا أنه تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا.
* * *
(وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا (٣)
وتأويل (تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا) تعالى جلال رَبِّنَا وعظمته عن أن يتخذ صَاحِبَةً أَوْ
وَلَداً (١).
* * *
وقوله تعالى: (وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (٦)
كان أهل الجاهلية إذا مرتْ جماعة منهم بوادٍ يقولون: نعوذ بعزيز هذا
الوادي من مردة الجن وَسُفَهَائِهِمْ.
ومعنى (فَزَادُوهُمْ رَهَقًا) فَزادوهم ذِلَّةً وضعفاً.
ويجوز - واللَّه أعلم - أن الإنس الذين كانوا يستعيذون بالجن زادوا الجن رهقاً، ويجوز أَنْ يكون الجن زادوا الإنس رَهَقاً.
* * *
وقوله: (وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (٨) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (٩)
أي كنا نستمع فالآن حين حَاوَلْنَا الاستماع ورمينا بالشُهُبِ، وهي
الكواكب.
و (رَصَدًا) أي حَفَظَةً تمنع من الاستماع.
وقيل إن الانقضاض الذي رميت به الشياطين حَدَثَ بعد مَبْعَثِ النبي ﵇ وهو أَحَدُ آيَاتِه.
* * *
(وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (١٠)
المعنى إنا لا ندري بحدوث رجم الكواكب أَلِصَلاَحٍ في ذلك لأهل
الأرض أو غيره.
стр. 2017
وقوله: (وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا (١١)
(قِدَدًا) متفرقون، أي كنا جماعات، متفرقين، مُسْلِمِينَ وغير مسلمين.
* * *
قوله: (وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا (١٤)
هذا تفسير قولهم: (كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا)، والقاسطون: الجائرون.
وقوله (فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا).
يعني قصدوا طريق الحق والرشد، ولا أعلم أَحَدأ قرأ في هذه السورة
رُشْداً، والرُّشْد والرَّشَدُ يجوز في العربية، إلا أن أواخر الآي فيما قَبْلَ الرَّشَد
وبَعْدَه على الفتح، مبني على فَعَل، فأواخر الآي أن يكون على هذا اللفظ
وتَسْتَوي أَحْسَنُ، فإن ثبتت في القراءة بها رواية فالقراءة بها جائزة.
ولا يجوز أن تقرأ بما يجوز في العربية إلا أن تثبت بذلك رواية وقراءة عن إمام يقتدى بقراءته، فإن اتباع القراءة السنة، وتتبع الحروف الشواذ والقراءة بها بدعة.
* * *
قوله: (وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (١٥)
يقال قسط الرجل إذَا جَارَ، وأَقسط إذَا عَدَل.
* * *
وقوله: (وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (١٦) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ)
وهذا تفسيره لو استقاموا على الطريقة التي هي طريق الهدي لأسْقَيْنَاهُمْ
مَاءً غَدَقًا غَدَقاً.
والغَدَقَ الكثير، ودليل هذا التفسير قوله : (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ).
وكقوله: (لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ)
وقد قيل إنه يعني به: لو استقاموا على طريقة الكفر.
ودليلٍ هذا التفسير عندهم قوله تعالى:
стр. 2018
(وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (٣٣).
والذي يختار وهو أكثر التفسير أن يكون يعنى بالطريقة طريق الهدى.
لأن الطريقة معَرفَة بالألف واللام.
والأوجب أن يكون طريقة الهدى. واللَّه أعلم.
* * *
وقوله: (لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا (١٧)
لنختبرهم بذلك.
وقوله: (وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا).
معناه - واللَّه أعلم - عذاباً شَاقًّا، وقيل صخرة في جهنم - وهي في اللغة
- واللَّه أعلم - طريقة شَاقَّة مِنَ العذاب.
يقال: قد وقع القوم في صَعودٍ وَهَبُوطٍ، إذا كانوا في غير استواء وكانوا في طَرِيقة شاقَّة.
ويقرأ (لأسقيناهم ماء غَدِقا)، والغدق المصدر، والغَدِق اسم الفاعل، تقول: غَدِق يَغْدَقُ غَدَقَا فَهو غَدِق، إذا كَثُر الندى في المكان أو الماء.
* * *
وقوله: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨)
معناه الأمر بتوحيد الله في الصلوات.
وقيل المساجد مواضع السجود من الإنسان، الجبهة والأنف واليدان والركبتان والرجْلَانِ.
و" أن " ههنا يصلح أن يكون في موضع نصب ويصلح أن يكونَ في مَوْضِع
جَرٍّ.
والمعنى لأن المساجد لِلَّهِ. فلا تدعوا مع الله أَحَداً، فلما حذفت اللام صار
الموضع موضع نَصْبٍ.
ويجوز أن يكون جَرًّا وإن لم تظهر اللام، كما تقول العرب: وَبَلَدٍ ليس به أنيس. تريد رُبَّ بَلَدٍ.
* * *
وقوله: (وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (١٩)
стр. 2019
ويَقرأ (لُبَداً)، ويجوز (لُبَّداً).
والمعنى أن النبي ﷺ لما صَلَّى الصبْحَ بذات
نخلة كادت الجن - لما سمعوا القرآن وتعجبوا منه - أن يسقطوا على النبي ﷺ .
وقيل كادوا يعني به جميع الملأ التي تظاهرت على النبي ﷺ
ومعنى (لُبَداً) يركب بعضه بعضا، وكل شيء ألصقته بشيء إلصاقاً شديداً فقد لبدته ومن هذا اشتقاق هذه اللبود التي تفرش.
فأما من قرأ لَبِدًا فهو جمع لِبْدَة ولبَد.
ومن قرأ لُبَداً نهو جمع لُبْدَة وَلُبَدَة ولِبْدَة فني معنى واحِدٍ.
ومعنى من قرأ (لُبَّداً) فهو جمع لابد ولُبدٍ، مثل رَاكِع وَرُكَّعٍ وغازٍ وغُزًّى (١).
* * *
قوله: (قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٢)
أي، مَنْجًى إلا أن اشتقاقه من اللحد، وهو مثل
(لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا) فالملتحد من جنس المُدَّخَل.
* * *
ونَصَبَ (إِلَّا بَلَاغًا) على البدل من قوله (مُلْتَحَدًا).
المعنى ولن أجد من دونه منجى إلا بلاغاً أي لا ينجيني إلا
أن أبلغ عن الله ما أرسلتُ به.
* * *
وقوله: (قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا (٢٥)
أي بُعْدًا، كما قال: [(وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ)].
* * *
قوله: (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ)
هذه الآية توجب على من ادعى أنَّ النُّجومَ تدلُّه على ما يكون من حياة وموت وغير ذلك أن قد كفر بما في القرآن.
وكذلك قوله: (قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ). والاستثناء بقوله: (إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧)
معناه أنه لا يظهر على غَيْبه إلا الرسُلَ، لأن الرسُلَ يستدل على نبوتهم
بالآيات المعجزات، وبأن يخبروا بالغيب فيعلم بذلك أنهم قد خالفوا غير
الأنبياء.
ثم أعلم أنه يحفظ ذلك بأن يَسْلُك (مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا).
стр. 2020
إذا نزل الملك بالوحي أرسل اللَّه معه رصداً يحفظون الملك من أن
يأتي أحد من الجن فيستمع الوحيَ فيخبر به الكهنة فيخبروا به الناس فيساؤوا
الأنبياء.
فأعلم الله أنه يسلك من بين يدي الملك ومن خلفه رَصَداً.
* * *
(لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا (٢٨)
فيجوز أن يكون ليعلم النبي ﷺ أن الرسالة أتته ولم تصل إلى غيرهِ.
ويجوز أَنْ يكونَ - واللَّه أعلم - ليعلم اللَّه أن قد أبلغوا رسالاته، وما بعده
يدل على هذا وهُوَ قوله: (وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا).
فهذا المضمر في (وَأَحْصَى) لله لا لغيره.
ونصب (عدَداً) على ضربين، على معنى وأحصى كل شيء في حال العَدَدِ، فلم تخفَ عليه سقوط ورقة ولا حَبَّةٍ في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابِس، ويجوز أَن يكون (عَدَداً) في موضع المصدَرِ المحمول على معنى وأحصى، لأن معنى أحصى وَعَدَّ كل شيء عَدَداً.
стр. 2021
سُورَةُ المُزَّمِّل
(مَكِّيَّة)
ما خلا آيتين من آخرها مدنية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله: (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢)
هذا خطاب للنبي ﵇، وقيل إنه نزل عليه هذا وعليه قطيفة.
والْمُزَّمِّلُ أصله المُتَزَمِّل، ولكن التاء تدغم في الزاي لقربها منها، يقال: تَزَمَّل
فُلان إذا تلفف بثيابه، وكل شيء لافف فَقَدْ زُمِّلَ.
قال امرؤ القيس:
كأَنّ أَبَاناً في أَفَانِينِ وَدْقِهِ. . . كبيرُ أُناسٍ في بِجَادٍ مُزَمَّلِ
وقيل إنه كان مُتَزَمِّلًا في حال هيئة الصلاة.
* * *
قوله: (قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤)
فالمعنى - واللَّه أعلم - أن (نصفه) بدل من (الليل) كما تقول: ضربت زيداً
رَأْسَهُ فإنما ذكرت زيداً لتؤكد الكلام، وهو أوكد من قولك ضربت رأس زيداً فالمعنى قم نصف الليل إلا قليلاً أو انقص من النصف أو زد على النصف، وذكَر (أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا) بمعنى إلا قليلاً ولكنه ذُكِرَ مَع الزِيادة، فالمعنى قم نصف الليل أو انقص من نصف الليل أو زد على نصف.
وهذا - واللَّه أعلم - قبل أن يقع فرض الصلوات الخمس (١).
ومعنى: (وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤)
стр. 2022
بينْه تبييناً، والتبيين لا يتم بأن يعجل في القرآن، إنما يتم بأن تبين
جميع الحروف وتوفي حَقَها في الإشباع.
* * *
قوله : (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥)
جاء في التفسير أنه يثقل العمل به، لأن الحلال والحرام والصلاةَ
والصيَامَ وجميع ما أمر اللَّه به أن يعمل، ونهى عنه، لا يؤديه أحد إلا بتكلف
ما يثقل عليه.
ويجوز على مذهب أهل اللغة أن يكون معناه أنه قول له وَزْن في صِحتِه
وبيانه ونفعه، كما تقول: هذا كلام رَصِينٌ، وهذا قول له وَزْن، إذا كنت
تستجيدُه وتعلم أنه قد وقع موقع الحكمة والبيانِ.
* * *
قوله : (إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (٦)
(وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا)
وتقرأ: (وِطْاءً وَأَقْوَمُ قِيلًا).
(نَاشِئَةَ اللَّيْلِ) ساعات الليل كلها، كلما نَشَأ منه، أي كل مأ حدث منه
فهو ناشئة، ومعنى هي أَشَدُّ وَطْئًا أي أشد مواطأة لتقلب السمع.
ومَنْ قَرَأَ (وَطْئًا) - بفتح الواو - فمعناه هي أبلغ في القيامِ وأبين في القول، ويجوز أن يكون أشد وطأ أغلظ على الإنسانِ من القيام بالنهار، لأن الليل جُعِلَ لِيُسْكنَ فيه.
وقيل أشد وَطئًا أي أبلغ في الثواب، لأن كل مجتهد فثوابه عَلَى قَدْرِ اجتهاده.
* * *
قوله: (إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا (٧)
معناه فراغاً طويلاً ومتصرفاً طويلاً.
* * *
(وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (٨)
أي إن فاتك شيء من الليل فلك في النهار فراغ.
стр. 2023
وقرئت (سَبْخاً) بالخاء معجمة، والقراءة بالحاء غيرمعجمة، ومعنى
(سبخاً) صحيح في اللغة، يقال للقطعة من القطن سبخة، ويقال سبخت
القطن بمعنى نفشته، ومعنى نَفشتُه وسَعتُه، فالمعنى على ذلك أن لك في
النهار توسُّعاً طويلا، وَمَعْناه قريب من معنى السبح (١).
(وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا)
المعنى واذكر اسم ربك بالنهار، ومعنى (وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ) انقَطِعِ إليه في العِبَادَةِ
ومن هذا قيل لمريم ﵍ البتول لأنها انقطعت إلى اللَه جل ثناؤه في
العبادة، وكذلك صدقة بتلة منقطعة من مال المصدق وخارجة إلى سُبُل اللَّه.
والأصل في المصدر في تبتل تَبتَّلْتُ تَبْتِيلًا، وبَتلْتُ تبتيلًا، فتبتيلاً محمول
على معنى تَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا.
* * *
قوله: (رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (٩)
أي اتخذه كفيلاً بما وعدك.
* * *
وقوله: (وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا (١٠)
هذا يدل - واللَّه أعلم - قبل أن يؤمر المسلمون بالقتال.
* * *
(وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا (١١)
ومثله: (ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١).
فإن قال قائل ما مجاز ذَرْني؟ واللَّه يفعل ما يشاء، لا يحول
بينه وبينٍ إرادته حائل؟
فالجواب في ذلك أن العرب إذا أرادت أن تَأْمُرَ الإنسان بأَن له همة بأمْرٍ أو بإنْسَانٍ تقول: دعني وزيداً، ليس أنه حال بينه وبَيْنَ
زَيدٍ أَحَدٌ، ولكن تأويله لا تَهْتَمَّ بزيدٍ فإني أكفيكه.
* * *
وقوله: (إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا (١٢)
الأنكال واحدها نِكْل.
وجاء في التفسير أنه ههنا قُيُودٌ مِنْ نَارٍ.
стр. 2024
(وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا (١٣)
طعامهم الضريع كما قال : (لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (٦).
وهو الشبْرَقُ، وهو شوك كالعَوْسَج.
* * *
وقوله: (يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا (١٤)
(يَوْمَ) منصوب معلق بقوله (إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا)، أي ينكل [بالكافرين]
ويُعَذَبهم (يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ)، وترجف تزلزل وتحرك أغلظ حركة.
(وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا).
والكثيب جمعه الكثبان، وهي القِطَع العظام من الرمل.
ومعنى (مَهِيلًا) سَائِلا قد سيلَ، وَأَصْل مَهيل مَهْيُول، يقال تراب مهيل وتراب مهيول أي مَصْبُوب فسَئل، والأكثر مهيل، وإنما حذفت الواو لأن الياء تحذف منها الضمة في مَهْيُول فتسكن هي والواو وتحذف الواو لالتقاء السَّاكنين وقد شرحنا هذا في مثلَ هذا الموضع أكثر من هذا الشرح، واختصرنا على ما سلف لاختلاف النحويين فيه، وأنه يطولُ شرحُه في هذا الكتاب.
* * *
وقونه: (فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا (١٦)
الوبيل الثقيل الغليظ جدًّا، ومن هذا قيل للمطر الغليظ العظيم وابل.
* * *
وقوله: (فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا (١٧)
المعنى فكيف تتقون يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا إن كفرتم، أي بأي شيء
[تتحصَّنون] من عذاب اللَّه في يومٍ مِنْ هَولِه يشيب فيه الصَّغَير من غير كِبَر.
وتذهل فيه كل مرضعة عمَّا أَرْضَعَت، وَتَرَى النَّاسَ سَكرَى وَما همْ بِسَكرَى
ولَكِنَ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ، ثم وصف مِن هَوْل ذلك اليَوْمِ أن قَالَ:
* * *
(السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا (١٨)
стр. 2025
أي السماء تنشق به كما قال: (إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ).
وقيل في التفسير: (السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ) أي السماء مثقلة باللَّهِ (١).
* * *
وقوله: (إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٠)
(إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ).
فمن قرأ (نِصْفَهُ) بالنًصْبِ (وَثُلُثَهُ) فهو بيِّنٌ حَسَن.
وهو تفسير مقدار قيامه لأنه لمَّا قال (أدنى من ثلثي الليل) كان نصفه مبيناً لذلك الأدْنَى، وَمن قرأ و (نِصْفِهُ) و (ثُلُثِهُ)، فالمعنى وَتَقُوم أدنى من نصفه وَمِنْ ثُلُثِه.
* * *
وقوله: (مُنْفَطِرٌ بِهِ).
ولم يقل منفطرة، ومنفطرة جائز وعليه جاء: (إذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ).
ولا يجوز أن يقرأ في هذا الموضع السماء منفطرة؛ لخلاف المصحف.
والتذكير على ضربين:
أحدهما على معنى السماء معناه السقف، قال اللَّه :
(وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا).
والوجه الثاني على قوله: امرأة مرضع، أي عَلَى جِهَةِ النَسَبِ.
المعنى السماء ذات انفطار، كما تقول امرأة مرضع أَيْ ذات رَضَاعٍ.
* * *
وقوله: (أُولِي النَّعْمَةِ).
النعمة التنعم، والنِّعْمَةِ اليَدُ الجميلة عِنْدَ الِإنسان والصنع من اللَّه
تعالى ولو قرئت أولي النِّعْمَةِ لكان وَجْهاً، لأن المنعم عليهم يكونون مؤمنين
وغير مؤمنين، قال اللَّه جل ثناؤه: (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ).
стр. 2026
وقوله - جَل وَعَزَّ -: (وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا).
معناه خيراً لكم من متاع الدنيا.
و (خَيْرًا) منصوب مفعول ثانٍ لـ (تَجِدُوهُ)
ودخلت " هو " فصلاً.
وقد فسرنا ذلك فيما سلف من الكتاب، ولو كان في غير القرآن لجاز تجدوه هو خير. فكنت ترفع بـ هُوَ، ولكن النصب أجود في العربية.
ولا يجوز في القرآن غيره.
стр. 2027
سُورَةُ الْمُدَّثِّر
(مَكِّيَّة)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله : (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)
القراءة بتشديد، والأصلُ المُتَدَثِّر، والعلة فيها كالعلَّةِ فِي المُتَزمِّل.
وتفسيرها كتفسير المزَمِّل. وقد رويت المُتَدَثر - بالتاء -
* * *
وقوله : (وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣)
أي صفه بالتعظيم وأنه أكَبرَ، ودخلت الفاء على معنى جواب الجزاء.
المعنى قم فأنذر أي قم فكبر رَبَّكَ.
(وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)
مثلها، وتأويل (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) أي لا تكن غادِراً.
يقال للغادر دَنَس الثياب، ويكون (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) أي نَفْسَك فطهر.
وقيل (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) أي ثيابك فقصر لأن تَقْصِيرَ الثَوبِ أَبعدُ مِنَ النجاسة وأنه إذا انجر على الأرض لم يؤمن أن يُصِيبَه ما ينجسه.
* * *
(وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥)
(وَالرِّجْزَ)
بكسر الراء، وقرئت بضم الراء، ومعناهما واحد.
وَتَأْوِيلُهما اهجر عبادة الأوثان.
والرجز في اللغة العذاب، قال اللَّه تعالى: (وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ).
فالتأويل على هذا ما يؤدي إلى عذاب الله فاهجره.
* * *
(وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦)
أي لا تعط شيئاً مقَدِّراً أن تأخذ بدله ما هو أكثر منه، وتستكثر حال
стр. 2028
مُتَوَقعَة وهذا للنبي ﷺ خاصة وليس على الإنسان إثم أن يهدي هديَّةً يرجو بها ما هو أكثر منها، والنبي ﷺ أدَّبَّه الله بأشرف الآداب وأجل الأخلاق.
* * *
وقوله: (فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩)
الناقور الصُّورُ، وقيل في التفسير إنه يعني به النفخة الأولى.
و (يَوْمٌ عَسِيرٌ) يرتفع بقوله: (فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ).
المعنى فذلك يَوْمٌ عَسِيرٌ يوم ينفخ في الصور
و" يَوْمَئِذٍ: يجوز أَنْ يكونَ رَفْعاً، ويجوز أن يكون نَصْباً.
فإذا كان رفعاً فإنما بني على الفتح لإضافته إلى (إذ) لأن (إذ) غير متمكنة، وإذا كان نصباً فهو على معنى فذلك يوم عَسِيرٌ في يوم ينفخ في الصور.
* * *
وقوله: (ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١)
قد فسرنا معنى (ذَرْنِي) في المزمل.
و (وَحِيدًا) مَنْصُوبٌ على الحال، وهو على وجهين:
أحدهما أن يكون وحيداً من صفة اللَّه المعنى ذَرْنِي
ومن خلقته وَحْدي لم يشركني في خلقه أحَدٌ، وَيكونُ (وَحِيدًا) من صفة
المخلوق، ويكون المعنى، ذرني ومن خلقته وحده لا مالَ له ولا ولَد.
* * *
(وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (١٢) وَبَنِينَ شُهُودًا (١٣)
تقديره مال غير منقطع عنه، وقيل ألف دينار، وبنين شهُوداً، أي شهودٌ
معه لا يحتاجون إلى أن يتصرفوا ويغيبوا عنه.
وهذا قيل يعنى به الوليد بن المُغِيرَة، كان له بنون عشرة وكان مُوسِراً
* * *
وقوله: (سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (١٧)
أي سأحمله على مَشَقَّةٍ مِنَ العَذَاب.
* * *
قوله: (إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩)
معنى - (قُتِلَ) ههنا لُعِنَ، ومثله: (قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (١٠).
стр. 2029
وكان الوليد بن المغيرة قال لرؤساء أهل مكة، قد رأيتم هذا الرجل - يعني
النبي ﷺ وعلمتم ما فشا من أمره، فإن سألكم الناس عنه ما أنتم قائلون.
قالوا نقول: هو مجنون، قال: إذن يخاطبوه فيعلموا أنه غير مجنون.
قالوا فنقول: إنه شاعر، قال: هم العرب، يعلمون الشعر ويعْلَمُونَ أَنَ ما أتى به لَيْسَ بِشِعْرٍ.
قالوا: فنقول إنه كاهن، قال الكهنة لا تقول إنه يكون كذا وكذا إن
شاء اللَّه وهو يقول إن شاء الله، فقالوا قَدْ صَبَأَ الوليد.
وجاء أبو جَهْل ابن أخيه، فقالوا: إن القوم يقولون إنك قد صبوت.
وقد عَزَمُوا على أن يجمعوا لك مالًا فيكون عِوَضاً مِما تقدر أنْ
تَأخُذَ من أصحاب محمد، فقال: واللَّه ما يَشْبَعُونَ، فكيف أقْدِرُ أن
آخذَ منهم مَالًا وإني لَمِنْ أَيْسَر الناس، ومر به جماعة فذكروا له ما أتى به
النبي ﷺ ففكر وعَبَس وجهه وَبَسَر، أي نظر بكراهة شَدِيدَةٍ.
فقال: ما هذا الذي أتى به محمد إلَّا سِحرٌ يأثره عن مسَيْلمة وعن أهل بابل.
* * *
(إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥)
أي ما هذا إلا قول البشر.
* * *
(سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦)
(سَقَر) لا ينصرف لأنها معرفة، وهي مؤنثة، وسَقَر اسم من أسماء
جهنم.
ثم أعلم اللَّه تعالى شأن سقر في العذاب فقال:
* * *
(وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (٢٧)
تأويله وما أعلمك أي شيء سقر فقال:
(لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (٢٨) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (٢٩)
البشر جمع بَشَرةٍ، أي تحرق الجلْدَ حَتَّى يَسْودَّ.
* * *
(عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠)(١)
стр. 2030
أي على سقر تِسْعَةَ عَشَرَ مَلَكاً، وَوَصَفَهُم اللَّه في موضع آخر فقال:
(عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦).
الذي حكاه البَصْرِيون تسعَةَ عَشر بفتح العين في عَشَر.
وقد قرئت بتسكين العَيْنِ، والقراءة بفتحها، وإنما أسكنها من أسكنها لكثرة الحركات، وذلك أَنَهمَا اسمَانِ جُعِلاَ اسماً وَاحِداً، ولذلك بُنِيَا على الفتح، وقرأ بَعْضهم تسعَةُ عَشَر فأعربت على الأصل، وذلك قليل في النحو، والأجود تِسعةَ عَشَر على البناء على الفتح، وفيها وجة آخر
" تِسْعَة أعْشرٍ "، وهي شاذَّة، كأنَّها على
جمع فعيل وأَفْغل، مثل يَمِين وأَيْمُن (١).
* * *
وقوله تعالى: (وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ (٣١)
(وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا).
أَيْ مِحْنَةً، لأن بعضهم قال بعضنا يكفي هؤلاء.
وقوله: (لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ).
أي يعلمون أن ما أَتى به النبي ﵇ موَافِقَاً لما في كتبهم.
(وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا).
لأنهم كلَّمَا صَدقوا بما يَأتي في كتاب اللَّه زاد إيمانهم.
(وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ)
أيْ لَا يَشكونَ.
وقوله: (وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ).
جاء في التفسير أن النار في الدنيا تذكر بالنار في الآخرة.
* * *
وقوله: (وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (٣٣)
ويقرأ (إِذْ دَبَرَ)، وكلاهما جَيِّدٌ في العربية.
يقال: دبر الليل وَأدْبَرَ، وكذلك قَبَل الليل وَأقْبَلَ.
وقد قرئت أيضاً (إِذَا أَدْبَرَ) (وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ).
بإثبات الألف فيهما.
стр. 2031
وقوله: (إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ (٣٥) نَذِيرًا لِلْبَشَرِ (٣٦)
هذه الهاء كناية عَنِ النَّارِ، أَي إنَّها لكبيرة في حَالِ الِإنذار.
وَنَصْب (نَذِيرًا) على الحال، وذَكَّر (نَذِيرًا) لأنَّ مَعْنَاهُ معنى العَذَابِ.
ويجوز أن يكون التذكير على قولهم امرأة طاهر وطالق، أي ذات طلاقٍ وكذلك نذير ذات إنْذَارٍ.
ويجوز أَنْ يَكُونَ (نَذِيرًا) مَنْصُوباً مُعَلَّقا بأولِ السورَةِ على معنى قم نذيراً
للبشرِ.
* * *
وقوله: (لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (٣٧)
أي أن يتقدم فيما أمر به أو يتأخر، فقد أنذرتم.
* * *
قوله : (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩)
قيل أصحابُ اليمين الأطْفَالُ لأنهم لا يسألون، تفضل اللَّه عليهم بأن أعطاهم
الجنَّةَ، وكل نفْس رَهِينة بِعَمَلِهَا إما خَلَّصَهَا وإما أوبَقَها.
والتخليص مع عملها بتفضل اللَّه.
* * *
وقوله : (وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥)
أي نَتًبعُ الغاوِينَ.
* * *
وقوله: (فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨)
يعني الكفار وفي هذا دليل أن المؤمنين تنفعهم شفاعة بعضهم لِبَعْض.
* * *
وقوله: (فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩)
منصوب على الحال.
* * *
(كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠)
وقرئت مُسْتَنْفَرَة.
قال الشاعر:
стр. 2032
أمْسِكْ حِمَارَك إنَّه مُسْتَنْفِرُ. . . في إثْرِ أَحْمِرَةٍ عَمَدْنَ لِغُرَّبِ
(١)
* * *
وقوله: (فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (٥١)
القسورةُ الأسَدُ، وقيل أيْضاً القَسورَةُ الرَّمَاة الذين يَتَصَيدُونَها.
* * *
وقوله: (بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً (٥٢)
قيل كانوا يقولون: كان مَن أذنب من بني إسْرَائِيلَ يجد ذنبه مكتوباً من
غَدٍ عَلَى بَابِه فما بالنا لا نكون كذلك.
وَقَدْ جَاءَ في القرآنِ تفْسِيرُ طَلَبِهِمْ في سورة بني إسرائيل في قوله:
(وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ).
* * *
وقوله: (هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (٥٦)
أَي هو أهل أَنْ يُتقَى عِقَابُه، وأهل أَنْ يُعمل بما يؤدي إلى مغفرته.
стр. 2033
سُورَةُ القِيَامَةِ
(مَكِّيَّة)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله : (لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (٢)
لا اختلاف بين الناس أن معناه أقسِم بيوم القيامَةِ.
واختلفوا في تفسير " لاَ "، فقال بعضهم " لا " لَغوٌ وإن كانت في أول السورة، لأن القرآن كله كالسورَةِ الوَاحِدَةِ، لأنه متَصِلٌ بَعْضه بِبَعْضٍ فجعلت " لا " ههنا بمنزلتها في قوله: (لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ).
وقال بعض النحوبين: " لاَ " رَد لِكَلاَمِهِمْ.
كَأنهم أنكروا البعث فقيل لا ليس الأمر كما ذَكَرْتُمْ أقسم بيوم القيامة
وقوله: (إنكم مَبْعوثونَ) دَلَّ على الجواب (١).
* * *
قوله: (بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ (٤)
المعنى: بلى لَنَجْمَعَنكمْ قَادِرِين، المعنى أقسم بيوم القيامة والنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ لَنَجْمَعنَّها قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ.
وجاء في التفسير بلى نقدر على أن نجعله كخفِّ البَعِيرِ. والذي هو
أشكل بجمع العِظَامِ بلى نَجْمَعها قَادِرِين، عَلَى تَسْوِيَةِ بَنَانِه على ما كانت، وإن قَلَّ عِظَامهَا وَصَغرت وبلغ مِنها البِلَى.
والنفس اللوامة تفسيرها أن كل نفسٍ تلوم صاحبها في الآخِرَةِ إن كان
عَمِلَ شرًّا لَامَتْهُ نفسه وأن كان عمل خَيراً لَامَتْهُ على ترك الاستكثار منه.
стр. 2034
وقوله: (بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ (٥)
معناه أَنَه يُسوِّفُ بالتوبة، وُيقَدِّم الأعمال السيئَةَ.
ويجوز - واللَّه أعلم - أن يكون معناه ليكفرَ بِمَا قُدَّامَهُ. ودليل ذلك قوله: (يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ).
فيفجر أمامه على هذا - واللَّه أعلم - يُكَذِّبُ بما قُدَّامَه مِنَ البَعْثِ.
* * *
وقوله: (فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧)
ويقرأ (بَرَقَ البَصَرُ).
فمن قرأ (بَرِقَ) فمعناه فَزِعَ وَتَحَيَّرَ.
وَمَن قَرأ (بَرَقَ) فهو من بَرَقَ يَبْرُقُ. مِنْ بَرِيق العَيْنَيْنِ.
* * *
وقوله: (وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨)
أي ذَهَبَ ضَوْءُ القَمَرِ.
* * *
(وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩)
أي جمِعَا فِي ذَهَابِ نُورِهما.
* * *
(يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (١٠)
وَيُقْرَأُ (أَيْنَ الْمَفِرُّ) - بكسر الفاء -
فمن فتح فهو بمعنى أين الفِرَارُ.
ومن كسر فعلى معنى أين مكان الفِرار.
والمَفْعَلُ مِن مِثْل جَلَسْتُ بفتح العَيْنِ، وكذلك المصدر، تقول: جَلَسْتُ مَجْلَساً - بفتح اللام - بمعنى جُلُوساً.
فإذا قلت جَلَسْتُ مَجْلِساً، فأنت تريد المكان.
ثم أعلم تعالى أنه لَا حِرْزَ لَهُم ولا مَحِيصَ. فقال:
* * *
(كَلَّا لَا وَزَرَ (١١)
الوَزَرُ في كلام العَرَبِ الجَبَلُ الَّذِي يُلجأ إليه: هذا أصله، وَكُل ما
التجأت إليه وَتَخَلَّصْتَ به فَهُوَ وَزَز.
* * *
وقوله: (بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (١٥)
معناه بل الِإنسان تشهد عليه جوارحه، قال اللَّه :
(يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤).
وقال في موضع آخر
стр. 2035
(حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٠).
فأَعلم اللَّه أن هذه الجوارح التي يتصرفون بها شواهد عليهم.
* * *
قوله: (وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (١٥)
ولو أدلى بكل حُجةٍ عِنْدَهُ.
وجاء في التفسير المعاذير السُتُور، وَاحِدُها مِعذار.
* * *
وقوله: (لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦)
كان جبريل ﵇ إذا نزل بالوحي على النبي ﷺ تلاه النبي ﵇ عليه كراهة أَنْ يَنْفَلِتَ مِنْهُ، فأَعلم اللَّه أنه لا ينسيه إيَّاهُ وَأَنَّه يجمعه في قلبه فقال:
* * *
(إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧)
أَي إِنَّ عَلَيْنَاأن نُقرِئَكَ فَلَا تَنْسَى، وعلينا تلاوته عليك.
* * *
(فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨)
أي لا تعجل بالتلاوة إلى أن تقرأ عليك مَا يُنْزَلُ فِي وَقْتِهِ.
* * *
(ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)
أي علينا أن ننزِّله قرآناً عربياً غير ذي عوج، فيه بيان للناس.
* * *
قوله: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)
نُضِّرَت بِنَعِيمِ الجَنَّةِ والنَّظَرِ إلى رَبِّهَا.
قال اللَّه : (تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤) .
* * *
(وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (٢٤) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ (٢٥)
(بَاسِرَةٌ) كريهة مقطبة، قد أيقنت بأن العذاب نازل بها.
ومعنى: (تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ).