← Тафсир

Тафсир · id 922

معاني القرآن وإعرابه للزجاج

الزجاج

Полный текст (2 149 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

وقوله: (إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ (٣٥) نَذِيرًا لِلْبَشَرِ (٣٦) هذه الهاء كناية عَنِ النَّارِ، أَي إنَّها لكبيرة في حَالِ الِإنذار. وَنَصْب (نَذِيرًا) على الحال، وذَكَّر (نَذِيرًا) لأنَّ مَعْنَاهُ معنى العَذَابِ. ويجوز أن يكون التذكير على قولهم امرأة طاهر وطالق، أي ذات طلاقٍ وكذلك نذير ذات إنْذَارٍ. ويجوز أَنْ يَكُونَ (نَذِيرًا) مَنْصُوباً مُعَلَّقا بأولِ السورَةِ على معنى قم نذيراً للبشرِ. * * * وقوله: (لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (٣٧) أي أن يتقدم فيما أمر به أو يتأخر، فقد أنذرتم. * * * قوله : (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩) قيل أصحابُ اليمين الأطْفَالُ لأنهم لا يسألون، تفضل اللَّه عليهم بأن أعطاهم الجنَّةَ، وكل نفْس رَهِينة بِعَمَلِهَا إما خَلَّصَهَا وإما أوبَقَها. والتخليص مع عملها بتفضل اللَّه. * * * وقوله : (وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) أي نَتًبعُ الغاوِينَ. * * * وقوله: (فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨) يعني الكفار وفي هذا دليل أن المؤمنين تنفعهم شفاعة بعضهم لِبَعْض. * * * وقوله: (فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩) منصوب على الحال. * * * (كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) وقرئت مُسْتَنْفَرَة. قال الشاعر:

стр. 2032

أمْسِكْ حِمَارَك إنَّه مُسْتَنْفِرُ. . . في إثْرِ أَحْمِرَةٍ عَمَدْنَ لِغُرَّبِ (١) * * * وقوله: (فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (٥١) القسورةُ الأسَدُ، وقيل أيْضاً القَسورَةُ الرَّمَاة الذين يَتَصَيدُونَها. * * * وقوله: (بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً (٥٢) قيل كانوا يقولون: كان مَن أذنب من بني إسْرَائِيلَ يجد ذنبه مكتوباً من غَدٍ عَلَى بَابِه فما بالنا لا نكون كذلك. وَقَدْ جَاءَ في القرآنِ تفْسِيرُ طَلَبِهِمْ في سورة بني إسرائيل في قوله: (وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ). * * * وقوله: (هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (٥٦) أَي هو أهل أَنْ يُتقَى عِقَابُه، وأهل أَنْ يُعمل بما يؤدي إلى مغفرته.

стр. 2033

سُورَةُ القِيَامَةِ (مَكِّيَّة) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله : (لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (٢) لا اختلاف بين الناس أن معناه أقسِم بيوم القيامَةِ. واختلفوا في تفسير " لاَ "، فقال بعضهم " لا " لَغوٌ وإن كانت في أول السورة، لأن القرآن كله كالسورَةِ الوَاحِدَةِ، لأنه متَصِلٌ بَعْضه بِبَعْضٍ فجعلت " لا " ههنا بمنزلتها في قوله: (لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ). وقال بعض النحوبين: " لاَ " رَد لِكَلاَمِهِمْ. كَأنهم أنكروا البعث فقيل لا ليس الأمر كما ذَكَرْتُمْ أقسم بيوم القيامة وقوله: (إنكم مَبْعوثونَ) دَلَّ على الجواب (١). * * * قوله: (بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ (٤) المعنى: بلى لَنَجْمَعَنكمْ قَادِرِين، المعنى أقسم بيوم القيامة والنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ لَنَجْمَعنَّها قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ. وجاء في التفسير بلى نقدر على أن نجعله كخفِّ البَعِيرِ. والذي هو أشكل بجمع العِظَامِ بلى نَجْمَعها قَادِرِين، عَلَى تَسْوِيَةِ بَنَانِه على ما كانت، وإن قَلَّ عِظَامهَا وَصَغرت وبلغ مِنها البِلَى. والنفس اللوامة تفسيرها أن كل نفسٍ تلوم صاحبها في الآخِرَةِ إن كان عَمِلَ شرًّا لَامَتْهُ نفسه وأن كان عمل خَيراً لَامَتْهُ على ترك الاستكثار منه.

стр. 2034

وقوله: (بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ (٥) معناه أَنَه يُسوِّفُ بالتوبة، وُيقَدِّم الأعمال السيئَةَ. ويجوز - واللَّه أعلم - أن يكون معناه ليكفرَ بِمَا قُدَّامَهُ. ودليل ذلك قوله: (يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ). فيفجر أمامه على هذا - واللَّه أعلم - يُكَذِّبُ بما قُدَّامَه مِنَ البَعْثِ. * * * وقوله: (فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧) ويقرأ (بَرَقَ البَصَرُ). فمن قرأ (بَرِقَ) فمعناه فَزِعَ وَتَحَيَّرَ. وَمَن قَرأ (بَرَقَ) فهو من بَرَقَ يَبْرُقُ. مِنْ بَرِيق العَيْنَيْنِ. * * * وقوله: (وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨) أي ذَهَبَ ضَوْءُ القَمَرِ. * * * (وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩) أي جمِعَا فِي ذَهَابِ نُورِهما. * * * (يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (١٠) وَيُقْرَأُ (أَيْنَ الْمَفِرُّ) - بكسر الفاء - فمن فتح فهو بمعنى أين الفِرَارُ. ومن كسر فعلى معنى أين مكان الفِرار. والمَفْعَلُ مِن مِثْل جَلَسْتُ بفتح العَيْنِ، وكذلك المصدر، تقول: جَلَسْتُ مَجْلَساً - بفتح اللام - بمعنى جُلُوساً. فإذا قلت جَلَسْتُ مَجْلِساً، فأنت تريد المكان. ثم أعلم تعالى أنه لَا حِرْزَ لَهُم ولا مَحِيصَ. فقال: * * * (كَلَّا لَا وَزَرَ (١١) الوَزَرُ في كلام العَرَبِ الجَبَلُ الَّذِي يُلجأ إليه: هذا أصله، وَكُل ما التجأت إليه وَتَخَلَّصْتَ به فَهُوَ وَزَز. * * * وقوله: (بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (١٥) معناه بل الِإنسان تشهد عليه جوارحه، قال اللَّه : (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤). وقال في موضع آخر

стр. 2035

(حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٠). فأَعلم اللَّه أن هذه الجوارح التي يتصرفون بها شواهد عليهم. * * * قوله: (وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (١٥) ولو أدلى بكل حُجةٍ عِنْدَهُ. وجاء في التفسير المعاذير السُتُور، وَاحِدُها مِعذار. * * * وقوله: (لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) كان جبريل ﵇ إذا نزل بالوحي على النبي ﷺ تلاه النبي ﵇ عليه كراهة أَنْ يَنْفَلِتَ مِنْهُ، فأَعلم اللَّه أنه لا ينسيه إيَّاهُ وَأَنَّه يجمعه في قلبه فقال: * * * (إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) أَي إِنَّ عَلَيْنَاأن نُقرِئَكَ فَلَا تَنْسَى، وعلينا تلاوته عليك. * * * (فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) أي لا تعجل بالتلاوة إلى أن تقرأ عليك مَا يُنْزَلُ فِي وَقْتِهِ. * * * (ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩) أي علينا أن ننزِّله قرآناً عربياً غير ذي عوج، فيه بيان للناس. * * * قوله: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣) نُضِّرَت بِنَعِيمِ الجَنَّةِ والنَّظَرِ إلى رَبِّهَا. قال اللَّه : (تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤) . * * * (وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (٢٤) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ (٢٥) (بَاسِرَةٌ) كريهة مقطبة، قد أيقنت بأن العذاب نازل بها. ومعنى: (تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ).

стр. 2036

توقن أن يفعل بها داهية من العذاب. * * * وقوله: (كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (٢٦) (كَلَّا) رَدْعٌ وتنبيه، ومعناه ارْتَدِعُوا عما يؤدي إلى العذاب. * * * وقوله جلَّ وعزَّ: (إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ). ذكرهم الله بصعوبة أول أيام الآخرة عند بلوغ النَّفْس التَّرْقوَةِ. * * * (وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ (٢٧) أي من يشفي من هذه الحال، وهذا - واللَّه أعلم - يقوله القائل عِنْدَ البأْسِ، أي من يَقْدِرَ أَنْ يَرْقِيَ مِنَ الموْتِ. وقيل في التفسير: (مَنْ رَاقٍ) مَن يَرْقَى بِروحِه أمَلَائكة الرحمة أم ملائكة العذاب. * * * (وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ (٢٨) أَيْ وَأَيْقَنَ الذي تَبلغ روحه إلى تراقيه أنه مفارق للدنيا. * * * (وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (٢٩) عند الموت تلتصق السَّاق بالسَّاقِ قيل والتفت آخر شدة الدنيا بأول شِدَّةِ الآخرة. * * * وقوله: (فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١) يعنى به أبو جهل بن هشام. وجاء في التفسير إنَّ لكل أُمَّةٍ فِرعَوْناً، وإنَّ فِرْعَونَ هذه الأمَّةِ أَبو جَهْلٍ بن هشام. * * * (ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى (٣٣) معناه بتبختر، مأخوذ من المَطَا وهو الظهر. * * * وقوله: (أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) معناه - واللَّه أعلم - وَلِيَكَ المكروه يا أبا جهل، والعرب تقول أولى لفلان إذا دعت عليه بالمكروه.

стр. 2037

(أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦) أي أن يترك غير مَأمورٍ وغير مَنْهِيٍّ، ثم دلهم على البعث بالقدرة على الابتداء فقال: * * * (أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (٣٧) وقرئت (تُمْنَى) فمن قرأ (تُمْنَى) فللفظ النطفة. ومَنْ قرأ (يُمْنَى) فللفظ (مَنِيٍّ). * * * (ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (٣٨) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣٩) ثم قررهم فقال: * * * (أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (٤٠)

стр. 2038

سُورَةُ الإِنْسَانِ (مَكِّيَّة) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله : (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (١) المعنى ألم يأت عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ، - وقد كان شيئاً إلَّا أَنَّهُ كَانَ تُرَاباً وَطِيناً إلى أن نفخ فيه الروح فلم يكن قبل نفخ الروح فيه شيئاً مَذْكُوراً، ويجوز أن يكون يعنى به جميع الناس، ويكون المعنى أنهم كانوا نُطَفاً ثم عَلَقاً ثم مُضَغاً إلى أن صاروا شيئاً مَذْكُوراً. ومعنى (هَلْ أتى) قد أتى على الإنسان، أي ألم يأت على الِإنْسَانِ حين من الدهر (١). * * * وقوله: (إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) (أَمْشَاجٍ) أخلاط مَنَيٍّ ودم، ثم ينقل مِنْ حَالٍ إلى حَالٍ. وَوَاحِدُ الأمشاج [مَشِيجٌ]، ومعنى نبتليه نختبره يدل عليه: (فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً). أي جعلناه كذلك لنختبره. * * * قوله: (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣) معناه هديناه الطريق إما لِشَقوةٍ وإما لِسَعَادَةٍ.

стр. 2039

وقوله: (إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا (٤) الأجود في العربية ألا يُصْرَف سَلَاسِلَ، ولكن لما جُعِلَتْ رَأْسَ آيَةٍ صرفت ليكون آخر الآي على لفظٍ وَاحدٍ (١). * * * قوله: (إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (٥) الأبرار واحدهم بَرٌّ. (يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا). يجوز " في اللغة أن يكونَ طَعْمُ الطيب فيها والكَافورِ، وجائز أن يمزج بالكافور فلا يكون في ذلك ضرر لأن أهل الجنة لا يمسهم فيما يأكلون ويشربون ضَررٌ ولا نَصَبٌ. والكأس في اللغة الِإناء إذا كان فيه الشرَابُ. فإذا لم يكن فيه الشراب لم يسم كأساً. قال الشاعر: صَبَنْتِ الكأْسَ عَنَّا أُمَّ عمروٍ وكانَ الكأْسُ مَجْراها اليَمِينا * * * وقوله: (عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (٦) (عيناً) جائز أن يكون من صفة الكأس. والأجود أن يكون المعنى من عَيْنٍ. قوله: (يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا). معناه تجري لهم تلك العين كما يحِبُّون. * * * قوله: (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧) معناه يبلغ أقصى المبالغ فيه. * * * قوله: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨)

стр. 2040

هذه الهاء تعود على الطعام، المعنى يطعمون الطعام أشد ما تكون حاجتهم إليه للمسكين، وَوَصَفُهُم الله بالأثرة عَلَى أنْفُسِهِم. (وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا). الأسير قيل كان في ذلك الوقت من الكُفَّار، وقَدْ مُدِحَ من يطعم الأسير وهو كافرٌ، فكيف بأسَارَى المسلمين. وهذا يدل عَلَى أَنَ في إطعام أهل الحبوس ثواباً جزيلا، وأَهْل الحبوس أُسَرَاء. * * * وقوله: (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (٩) المعنى يقولون إنما نطعمكم لوجه اللَّه، أي لطلب ثواب اللَّه وجائر أن يكونوا يطعمون ولا ينطقونَ هذا القول ولكن معناهم في أطعَامِهمِ هذا، فَتُرْجِمَ مَا في قُلُوبِهِم، وكذلك: * * * (إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (١٠) العبوس الذي يُعَبِّسُ الوُجُوهَ، وهذا مثل قوله: (وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ). وقَمْطَرِيراً، يقال يوم قمطرير ويؤْم قُماطر إذا كان شَديداً غليظاً، وجاء في التفسير أن قمطريرا معناه تَعْبسُ فَيجمعُ مَا بينَ العينين وهذا سائغ في اللغة. يقال اقمَطَرتْ النَّاقَةُ إذا رفعت ذنبها وجمعت قطريها وَرمَتْ بأنفها. * * * وقوله (مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا (١٣) واحدتها أريكة، وجاء في التفسير أَنَهَا من الحِجَالُ فيها الفرش وفيها الأسِرَّةُ. وفي اللغة أن كل متكأ عليه فَهُوَ أريكَة. ونصب (مُتَّكِئِينَ) على الحال المعنى وجزاهم جنَّة في حَالِ اتكائهم فيها. وكذلك: (وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا (١٤) وجائز أن يكون دانية نعتاً للجنة. المعنى وجزاهم جنة دانية عَليْهِمْ ظِلَالُهَا (١) * * * (وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا).

стр. 2041

هذا كقوله تعالى: (قطوفها دانية). وقيل كلما أرادوا أنْ يَقْطَعُوا شيئاً منها ذُلِّلَ لَهُمْ، ودنا منهم قُعُوداً كانوا أَوْ مُضْطَجِعينَ أَوْ قِيَاماً. * * * (وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا (١٥) قَوَارِيرَ) قرئت غير مصروفة، وهذا الاختيار عند النحويين البصريين لأنَّ كل جمع يأتي بعد ألفه حرفان لا ينصرف. وقد فسرنا ذلك فيما سلف من الكتاب. ومَن قرأ (قواريراً) فصرف الأول فلأنَّهُ رأسُ آية، وترك صرف الثاني لأنه ليس بآخر آية، ومن صرف الثاني أتبْعَ اللَّفْظَ اللفظ، لأن العرب رُبَّما قَلَبَتْ إعراب الشيء ليتبع اللفظ اللفظ، فيقولون: هذا حُجْر ضَبِّ خَرِبٍ، وإنما الخرب من نعت الحُجْرِ، فكيف بما يترك صرفه، وجميع ماَ يترك صرفه يجوز صرفه في الشِعْرِ. * * * ومعنى (قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا (١٦) أصل القوارير التي في الدنيا من الرمل، فأعلم اللَّهُ أن فضل تلك القوارير أن أَصْلَها مِنْ فِضةٍ يرى من خارجها مَا فِي دَاخِلها ومعنى: (قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا). أَي جُعِلَت بكون الِإناء عَلى قَدْرِ ما يحتاجون إليه وُيرِيدُونَهُ. وَقُرِئَتْ (قُدِّرُوها تَقْدِيراً). أي جعلت لهم على قدر إرادتهم (١). * * * (وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا (١٧) أي يجمع طعم الزنجبيل، والعرب تصف الزنجبيل، وهو مستطاب عندها جدًّا قال الشاعر: كأَنَّ القَرنْفُلَ والزَّنْجَبِيلَ. . . باتا بِفيها وأَرْياً مَشُورا فجائز أن يكون طعم الزنجبيل فيها، وجائز أن يكون مزاجها وَلَا غائِلَةَ لَهُ كما قلنا في الكافور.

стр. 2042

وقوله: (عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا (١٨) المعنى يسقون عيناً، وسَلْسَبِيل اسم العَيْن إلا أنه صرف لأنه رأس آية. وسَلْسَبيل في اللغَةِ صفَة لما كان في غاية السلاسة، فكأنَّ العيق - واللَّه أعلم - سميت بصفتها (١). * * * (وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا (١٩) أي يخدمهم وصفاء مُخَلَّدُونَ، وتأويل (مُخَلَّدُونَ) أي لا يجوز واحد منهم حَدَّ الوَصَافة أَبداً هو وصيف، والعرب تقول للرجل الذي لا يشيب: هو مُخَلَّدٌ. ويقال مُخَلَّدُونَ محلَّون عليهم الحلَى، ويقال لجماعة الحلى الخَلَدَة. * * * وقوله: (حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا). أي هم في حسن ألوأنهم وصفائها كاللؤلؤ المنثور. * * * قوله: (وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (٢٠) جاء في التفسير أنه " ملكا كبيراً " أنهم تسلم عليهم الملائكة. وجَاء أَيضاً تستأذن عليهم الملائكة، وَ (ثَمَّ) يعنَى به الجنة، والعامل في (ثَمَّ) مَعْنَى رَأيْتَ. المعنى وَإذَا رأيت ببصرك (ثَمَّ). وقيل المعنى وإذا رأيت مَا (ثَمَّ) رَأَيتَ نَعِيماً وهذا غَلَطٌ لأن ما موصولة بقوله (ثَمَّ) على هذا التفسير - ولا يجوز إسقاط الموصول وترك الصلة، ولكن " رأيت " يتعدى في المعنَى إلى (ثَمَّ). * * * وقوله: (عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا (٢١) (عَالِيْهُمْ) بإسكان الياء، وَقرِئَتَ (عَالِيَهُمْ) - بفتح الياء - وقرئت عَلَيْهم - بغير ألف (ثِيَابُ سُنْدُسٍ). وهذه الثلاثة توافق المصحف وكلها حسن في العربية، وقرئ على وجهين غير هذه الثلاثة. قرئت (عَالِيَتُهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ) - بالرفع والتأنيث - وَ (عَالِيَتَهُمْ) بالنَّصْبِ - وهذا الوجهان جَيِّدان في العربية إلا أَنَهمَا يخالفان

стр. 2043

المصحف، ولا أرى القراءة بهما، وقرَّاء الأمصار ليس يَقْرَأُونَ بِهِمَا (١). فأما تفسير إسكان (عَالِيهِمْ) بإسكان الياء، فيكون رفعه بالابتداء، ويكون خبره (ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ). ومن نَصَبَ فقال: (عَالِيَهُمْ) بفتح الياء، فقال بعض النحويين إنه ينصبه على الظرْفِ، كما تقول فوقَهُم ثياب، وهذا لا نعرفه في الظروف، ولو كان ظرفاً لم يَجُزْ إسكان الياء. ولكن نصبه على الحال من شيئين: أحدهما من الهاء والميم، المعنى يطوف على الأبرار وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ عَالِياً الأبْرَارَ ثيابُ سندسٍ لأنه وقدْ وصف أحوالهم في الجنَّةِ، فيكون المعنى يطوف عليهم في هذه الحال هؤلاء. ويجوز أن يكون حالا من الولدان. المعنى إذا رَأَيْتَهُمْ حسبتهم لُؤلُؤاً منثوراً في حال علو الثياب إياهم. فالنصب على هذا بين. فأما " عَلَيْهم ثيابُ سُنْدُسٍ " فرفع كقولك عليك مَالٌ فترفعُهُ بالابتداء، ويكون المعنى وثياب سندس عليهم. وتفسير نصب عاليتهم ورفعها كتفسير عاليهم. والسندس الحرير. وقد قرئت خُضرٌ وخُضْرٍ. فمن قرأ (خضرٌ) فهو أحسن لأنه يكون نعتاً للثياب، فلفظ الثياب لفظ الجميع، وخُضْرٌ لفظها لفظ الجمع. ومن قرأ خُضْرٍ فهو من نعت السندس، والسُّندُسُ في المعنى راجع إلى الثياب. وقرئت (وَإِسْتَبْرَقٌ) وهو الدِّيبَاج الصَّفِيق الغليظ الخشن. وقرئت بالرفع والجر. فمن رفع فهو عطف على ثياب المعنى عليهم إستبرق. ومن جر عطف على السندس. ويكون المعنى: عليهم ثياب من هذين النوعين ثياب سندس وإستبرق. وقرئت (وَإِسْتَبْرَقَ) على وجهين غير هذين الوجهين، كلاهما ضَعِيف في العربية جدًّا، قرئت (وَإِسْتَبْرَقَ) وَحُلُّوا - بنصب (إِسْتَبْرَقَ) - وهو في موضع الجر ولم يصرف، قرأها ابن مُحْيصِن، وزعموا أنه لم يصرفه لأن (وَإِسْتَبْرَق) اسم أعجمى، وأصله بالفارسية استبره، فلما حول إلى العربية لم يصرف وهذا غلط لأنه نكرة ألا ترى أن الألف واللام يدخلانه، تقول: السندس والإستبرق. والوجه الثاني، واستبرَق وَحُلُّوا - بطرح الألف - جعل الألف ألف

стр. 2044

وصل، وجعله مُسمًّى بالفعل من البريق، وهذا خطأ لأن الإستبرق معروف معلوم أنه اسم نُقِل من العجمية إلى العربية كما سمي الديباج وهو منقول من الفارسية. * * * قوله : (وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا) جاء في التفسير أنهم إذا شربوه ضمِرَت بُطُونُهم وَرَشَحَتْ جُلُودَهم عرقاً كرائحة المسك، وقيل إنه طهور ليس برجس كخمر الدنيا. * * * قوله: (وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا (٢٤) أو ههنا أوكد من الواو، لأن الواو إذَا قُلتَ: لا تطع زيداً وعَمراً فأطاع أحدهما كان غير عاص، لأنه أمره ألا يطيع الاثنين. فإذا قالَ (وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا) " أو " قد دلت على أنَّ كل واحد منهما أهل لأن يعصى، وكما أنك إذا قلت: لا تخالف الحسن أو ابن سيرين، أو: اتبع الحسن أو ابن سيرين، فقد قلت: هذان أهل أن يُتبَعَا، وكل واحد منهما أهل وقد فسرنا مثل هذا التفسير في غَيْرِ هذا الحرف في أول سورة البقرةِ في قوله تعالى: (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا) إلى آخر الآية - وَبَعْدَ ذلك (أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ) وتأويله مِثْلُهُم لأنك إنْ جَعَلْتَ مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً، أو مَثلَّتَهُم بالصَّيِّبٍ أوْ بِهِمَا جميعاً فأنت مُصِيبٌ. * * * ْوقوله : (وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٢٥) الأصيلُ العَشِى، يقال: قَدْ أَصَلْنَا إذا دخلوا في الأصيل، وهو العشِي. * * * قوله: (نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا (٢٨) (أَسْرَهُمْ) خلقهم جاء في التفسير أيضاً مَفَاصِلُهُمْ. -

стр. 2045

وقوله (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠) أي لستم تشاءون إلا بمشيئة اللَّه. * * * (وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٣١) نصب (الظالمين) لأن قبله مَنْصُوباً. المعنى يدخل من يشاء في رحمته ويعذبُ الظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا، ويكون (أَعَدَّ لَهُمْ) تفسيراً لهذَا المضمر. وقرئت (والظالمون) ولا أرى القراءة بها، من وجهين: أحدهما خلاف المصحف. والآخر إن كانت تجوز في العربية على أن يرفع الظالمين بالابتداء. والذي بعد الظالمين خبر الابتداء، فإن الاختيار عند النحويين البصريين النصب، يقول النحْوِيُونَ أعطيت زيداً وعَمْراً أَعَدَدْتُ له بُرا. فيختارون النصب على معنى وَبَرَرْتُ عَمراً وَأَبر عَمراً أعددت له بُرا، فلا يختارون للقرآن إلا أَجْوَد الوجوه، وهذا مع موافقة المصحف.

стр. 2046

سُورَةُ الْمُرْسَلَاتِ (مَكِّيَّة) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قال أبو إسحاق: قوله : (وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (١) جاء في التفسير أنها الريَاح أرسلت كعرف الفرس، وكذلك: (فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا (٢) وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا (٣). الرياح تأتي بالمطر كما قال : (وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ) (١). * * * وقوله: (فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا (٤) يعنى به الملائكة جاءت بما يفرق بين الحق والبَاطلِ، وكذلك * * * (فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا (٥) يعنى الملائكة. وقيل في تفسير (والمرسلات) أنها الملائكة أرسلت بالمعروف. وقيل إنها لعرف الفرس. وقيل - (فالعَاصِفَاتِ عَصْفاً) الملائكة تعصف بروح الكافِر؛ والباقي إلى آخر الآيات يعنى به الملائكة أيضاً. وفيه وجه ثالث، (وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا) يعني به الرسل. (فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا) الرياح، (فالناشرات نشراً) الرياح. (فالفارقات فرقاً) على هذا - التفسير الرسل أيضاً. وكذلك (فالملقيات ذِكراً). وهذه كلها مجرورة على جهة القسم، وجواب القسم (إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ (٧)

стр. 2047

وقال بعض أهل اللغة: المعنى وربِّ المرسلات، وهذه الأشياء كما قال: (فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ). وقرئت عَرْفاً وَعُرفاً والمعنى واحد في العرف والعرف. * * * وقوله: (عُذْرًا أَوْ نُذْرًا (٦) وقرئت عُذُراً أَو نُذُراً. فمعناهما المصدَرُ، والعذْرُ والعُذارُ بمعنى وَاحِدٍ. ونصب (عُذْرًا أَوْ نُذْرًا) على ضربين: أحدهما مفعول على البدل من قوله ذِكراً. المعنى فالملقيات عذراً أو نُذْراً، ويكون نصباً بِذِكراً، فالمعنى فالملقيات أن ذكرت عذراً ونذراً. ويجوز أن يكون نصب عُذْراً أَو نُذْراً على المفعول له، فيكون المعنى فالملقيات ذكراً للإعذار والإنذار. * * * وقوله: (فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (٨) معناه أُذْهِبَتْ وغُطيَتْ. * * * (وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ (٩) معناه شقَّت كما قال : (إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ). * * * (وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ (١٠) ذهب بها كلها بسرعة، يقال انتسفت الشيء إذَا أَخذته كله بسرعة. * * * (وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ (١١) وقرئت (وُقِّتَتْ) بالواو، والمعنى واحد، فمن قرأ (أُقِّتَتْ) بالهمز فإنه أبدل الهمزة من الواو لانضمام الواو، فكل واو انضمت وكانت ضمتها لازمةً جاز أن تبدل منها همزة، ومعنى (وُقِّتَتْ) جعل لها وقت وأجل. * * * قوله: (لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (١٢)

стр. 2048

ثم بَينَ فقال: (لِيَوْمِ الْفَصْلِ (١٣) أي أجلت القضاء فيما بينها وبين الأمم ليوم الفصل. * * * قوله: (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٥) (ويلٌ) مرفوع بالابتداء. و (لِلْمُكَذِّبِينَ) الخبر، ويجوز في العربية (وَيْلاً يَوْمَئِذٍ) ولا يجيزه القراء لمخالفة المصحف * * * قوله : (أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (١٦) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ (١٧) على الاستئناف، ويقرأ ثم نتبعْهم - بالجزم عطف على نهلك، ويكون المعنى أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ أي أَولًا وَآخِراً. ومن رفع فعلى معنى ثم نُتبع الأول الآخر من كل مجرم. * * * قوله : (كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (١٨) موضع الكاف نصب، المعنى مثل ذلك نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ * * * قوله: (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (٢٦) (كفاتاً) ذات جمع، المعنى تضمهم أَحْيَاءً على ظُهُورِها، وأمواتاً في بطنها، و (أحياء) منصوب بقوله (كِفَاتَاً)، يقال كفت الشيء أكفته إذا جمعته وضممته. (وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا (٢٧) أي جبالاً ثوابت، يقال رسا الشيء يَرْسُو إذا ثبت (شَامِخَاتٍ) مرتفعات. (وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا) أَي عَذْبأ. * * * قوله: (انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٩) يعنى النار لأنهم كذَبوا بالبعث والنشور والنار (انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ (٣٠)

стр. 2049

يعنى بالظل ههنا دُخَانُ جَهَنَّمَ، ثم أعلم أنه ليس بظليل ولا يدفع من لهب النار شيئاً فقال: (لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ (٣١) إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (٣٢) جاء في التفسير أنه القصرُ مِنْ هذِه القُصُورِ، وقيل القصر جمع قَصَرة. وهو الغليظ من الشجر، وقرئت كالقَصَرِ - بفتح الصاد - جمع قَصَرَةُ أي كأنَّها أعناق الإبِلَ. * * * وقوله: (كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ (٣٣) يقرأ (جِمَالاتٌ) وجُمَالاتٌ، - بضم الجيم وكسرها - يُعْنَى أن الشرر كالجمال السُّودِ، يقال للإبل التي هي سود تضرب إلى الصُّفْرَةِ: إبل صُفْر. فمن قرأ (جِمَالاتٌ) بالكسر فهو جمع جِمَال، كما تقول بُيُوت وبيوتات وهو جمع الجمع، ومن قرأ (جُمَالاتٌ) بالضم فهو جمع جمالة. وهو القَلْسُ من قلوس سفن البحر، ويقال كالقَلْسِ من قلوس الجسر. ويجوز أن يكون جمع جَمَل وجمالٍ وجمالات، كما قيل رجال جمع رجل، وقرئت (جِمَالَة صُفْر) على جمع جمل وجمالة كما قيل حجر وحجارة، وَذَكَر وذِكارة، وقُرئت (جُمالة صُفْر) على ما فسَّرنا في جُمَالَات (١). * * * وقوله: (هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦) يوم القيامة له مواطن ومواقيتُ، فهذا من المواقيت التي لا يتكلمون فيها. * * * وقوله: (هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ (٣٨) أي هذا يوم يفصل فيه بين أهل الجنة والنار وأهل الحق والبَاطِلِ. * * * وقوله: (كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣)

стр. 2050

ههنا إضمار القول، المعنى (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ (٤١) وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٤٢) يقال لهم: (كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ). * * * قوله: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ (٤٨) إذا أمروا بالصلَاةِ لَمْ يُصَلُّوا. * * * وقوله: (فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (٥٠) أي: فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بعد القرآن الذي أتاهم فيه البيان وأَنَهُ مُعْجِزَة وهو آية قائمة، دليلة على الإسلام مما جاء به النبي ﵇.

стр. 2051

سُورَةُ النَّبَأ (مَكِّيَّة) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله : (عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١) أصله عن ما يتساءلون. فأدْغمت النون في الميم، لأن الميم تشرك النُونَ في الغُنَّةِ في الأنف، وقد فسرنا لم حذفت الألف فيما مضى من الكتاب، والمعنى عن أي شيء يتساءلون، فاللفظ لفظ الاستفهام، والمعنى تفخيم القصة كماتقول: أي شيء زَيْدٌ. ثم بين فقال: * * * (عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (٢) قيل هو القرآنَ، وقيل عن البعث، وقيل عن أمر النبي ﷺ . والذي يدل عليه قوله: (إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا) يدل على أنهم كانوا يَتساءلون عن البعث. * * * وقوله: (كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٤) وقرئتْ: (كلا ستعلمون) بالتاء. والذىَ عليه القراء: (كَلَّا سَيَعْلَمُونَ) بالياء. وهو أجود، والتاء تروى عَنِ الحَسنِ. * * * وقوله: (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (٦) وقرئت (مَهْداً)، وأكثر القراء يقرأونها (مِهَادًا). والمعنى واحد وتأويله إنا ذللناها لهم حتى سكنوها وساروا في مناكبها.

стр. 2052

وقوله: (وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا (٨) خلق الذكَر والأنثى، وقيل أزواجاً أي ألواناً. * * * (وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (٩) والسُّبَاتُ أن ينْقطع عن الحركة والروحُ في بدنه، أي جعلنا نومكم راحة لكم. * * * (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠) أي تسكنون فيه وهو مشتمل عليكم * * * (وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (١٢) أي سبعَ سمواتٍ. * * * (وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا (١٣) أي جعلنا فيها الشمس سراجاً. وتأويل (وَهَّاجًا) وَقًاداً. . * * * (وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (١٤) المعصرات: السحائب لأنها تعصر الماء وقيل المعصرات كما يقال: قد أَجَزَّ الزرْعُ فهو مُجَزّ إذا صار إلى أن يمطر. فقد أَعْصَر (١) ومعنى ثجاج صباب. * * * (لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (١٥) كل ما حصد فهو حَبٌّ، وكل ما أكلته الماشية من الكلأ فهو نَبَات. * * * (وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا (١٦) أي وبساتين ملتفة، فأعلم اللَّه ما خلق وأنه قادِرٌ على البعث فقال: * * * (إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا (١٧) * * * (يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا (١٨) بدل من يوم الفصل، إن شئت كان مُفسَراً ليوم الفصلِ. وقد فسرنا الصور فيما مضى. (فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا) أي تأتي كل أمة مع إمَامِهِم.

стр. 2053

(وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا (١٩) أي تشققت كما قال : (إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ) (إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ). * * * وقوله: (إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (٢١) لِلطَّاغِينَ مَآبًا (٢٢) أي يَرْصُدُ أَهلَ الكفر ومن حق عليه العذاب. تكاد تميز من الغيظ، فلا يجاوزها من حقت عليه كلمة العذاب. ومعنى (مَآبًا) إليها يرجعون. * * * وقوله: (لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (٢٣) وَلَبِثينَ، يقال: لبث الرجل فهو لابث، ويقال: هو لبث بمكان كذا أي صار اللبث شَأنَهُ. والأحقاب واحدها حُقْب، والحقب ثمانون سنة، كل سنة اثنا عشر شهراً، وكل شهر ثلاثون يوماً، وكل يوم مقداره ألف سنة من سني الدنيا، والمعنى أنهم يلبثون أحقاباً لاَ يَذُوقُون في الأحقاب برداً ولا شراباً، وهم خالدون في النار أبداً كما قال : (خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا) (١). * * * ومعنى: (لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (٢٤) قيل نوماً، وجائز أن يكون لَا يَذُفقُونَ فِيهَا بَرْدَ رِيح وَلاَ ظِلٍّ وَلاَ نَوْم. * * * (إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (٢٥) أي لا يذوقون فيها إلَّا حميماً وهو في غاية الحرارة.

стр. 2054

والغَسَّاقُ: قيل ما يَغْسِقُ من جُلُودهم، أي يسيل. وقيل: الغسَّاق الشديد البَرْدِ. * * * (جَزَاءً وِفَاقًا (٢٦) أي جُوزُوا وِفْق أعمالهم. * * * (إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا (٢٧) أي لا يؤمنون بالبعث وَلَا بأنهمْ يُحَاسَبُونَ، ويرجون ثواب حساب. * * * (وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا (٢٨) هذا أكثر القراءة، وَقَدْ قُرِئَتْ (كِذَابًا) بالتخفيف. و (كِذَّابًا) بالتَشْدِيدِ أكثر. وهو في مصادر فعَّلْتُ أجود من فِعَال. قال الشاعر: لَقَدْ طَالَ مَا ثَبَّطَتني عن صَحَابَتي. . . وَعَنْ حوَجٍ قِضَّاؤها من شِفَائِيَا من قضيت قضَاء. ومثل كِذَاباً - بالتخفيف قول الشاعر: فَصَدَقْتُها وكَذَبْتُها. . . وَالمَرْءُ يَنْفَعُهُ كِذَابُهْ * * * وقوله: (وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا (٢٩) (وَكُلَّ) منصوبٌ، بفعل مُضْمَر تفسيره أَحْصَيْنَاهُ كتاباً. المعنى وأَحصينا كلَّ شيء أحْصَيْناه. وقوله (كِتاباً) توكيد لقوله (أحْصَيْنَاهُ) لأن معنى أحْصَيْنَاه وكتبناه فيما يحصل ويثبت واحد؛ فالمعنى كتبناه كتاباً. * * * وقوله - جلَّ وعزَّ: - (وَكَأْسًا دِهَاقًا (٣٤) أي تقدير الآية لا يرجون ثواب حساب - فهناك مضاف محذوف.

стр. 2055

قال أبو إسحاق: الكأس كل إناء فيه شرابٌ فهو كاس، فإذا لم يكن فيه شراب. فليس بكأس، وكذلك المائدة: ما كان عليها من الأخونة طعام فهو مائدة، ومعنى دهاقاً مليء، وجاء في التفسير أَيْضاً أنها صافية، قال الشاعر: يَلَذُّه بكَأْسِه الدِّهاق * * * وقوله: (جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا (٣٦) منصوب بمعنى (إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا)، المعنى جازاهم بذلك جزاء. وكذلك (عَطَاءً حِسَابًا)، لأن معنى أعطاهم وجزاهم وَاحِد. و (حِسَابًا) معناه ما يكفيهم، أي فيه ما يشتهون. يقال: أَحْسَبَنِي كذا وكذا بمعنى كفاني. * * * وقوله: (رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا (٣٧) قرئت بالجر على الصفة من قوله: " مِنْ رَبِّكَ " رَبِّ. وقرئت " ربُّ " على معنى هو رَبُّ السَّمَاواتِ والأرْضِ. وكذلك قرئَت (الرَّحْمَنُ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا) - بالجرِّ والرفع. وتفسيرها تفسير (رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ). * * * وقوله: (يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا (٣٨) (الرُّوحُ) خلق كالإنس، وليس هو إنس. وقيل: الروح جبريل ﵇. * * * وقوله: (فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا (٣٩) أي مرْجعاً. * * * وقوله: (وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا (٤٠) جاء في التفسير أنه إذا كان يوم القيامة اقتُصَّ للجَمَّاءِ مِنَ القَرْناء. والجمَّاء

стр. 2056

التي لا قرن لها. ثم يجعل اللَّه تعالى الجميع تراباً، وذَلِك التُرابً هو القَتَرَة التي تَرْهَقُ وجوهَ الكفار وتعلو وجوههم، فيتمنى الكافر أن يكون ترَاباً. وقد قيل: إن معنى (يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا). أي ليتني لم أبعث، كما قال: (يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (٢٥).

стр. 2057

سُورَةُ النَّازِعَاتِ (مَكِّيَّة) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله : (وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا (١) وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا (٢) قيل في التفسير يعنى به الملائكة تنزِع روحَ الكَافِرِ وتنشطها فيشتد عليه أمر خروج نَفْسِه. * * * وقوله: (وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا (٣) فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا (٤) أرواح المؤمنين تخرج بسهولةٍ. وقيل: (وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا) القسِي، (وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا) الأَوْهاق (وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا) السُّفن، (فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا) الخيل. * * * (فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (٥) (فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا) الملائِكَة، جبريل وميكائيل وإسرافيل وملَك الموْتِ فجبريل بالوحي والتنزيل وميكائيل بالقطر والنبات، وإسرافيل للصورِ وملك الموت لقبض الأرْوَاحِ. وقيل: (وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا): النجوم تنزع من مَكَانٍ إلى مكانٍ وكذلك (وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا) النجوم تسبح في الفلك كما قال: (وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ).

стр. 2058

وكذلك (فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا) فأما (المدبرات أمراً) فالملائكةً، وقيل ((فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا) الملائكة تسبق الشياطينَ بالوَحْي إلى الأنبياء كل هذا جاء في التفسير واللَّه أعلم بحقيقة ذلك. * * * وقوله: (يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧) ترجف تتحرك حركة شديدة، وقيل: الراجفة النفخة الأولى التي تموت معها جميع الخلق. * * * وَقَوْلَهُ: (تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧) قيل النفخة الثانية التي تبعث معها الخلق، وهو كقوله تعالى: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨). و (يَوْمَ) منصوب على معنى قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ. ومعنى واجفة شديدة الاضطراب. * * * (أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ (٩) ذليلة. وجواب والنازعات - واللَّه أعلم - محذوفٌ، والمعنى كأنَّه أَقْسَمَ فقال: وهَذِه الأشْياء لَتُبْعثنَّ، والدلِيلُ عَلَى ذَلكَ قوله: * * * (يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ (١٠) أي إنا نرد في الحياة بعد الموت إذا كنا عظاماً نَخِرة، أي نُردُّ ونبعث. ويقال: رجع فلان في حافرته إذا رجع في الطريق الذي جاء فيه. (أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً (١١) وقرئت (نَخِرَةً) (١)، و (نَاخِرَةً) أكثر في القراءة وأجود لشبه آخِرِ الآي بعضها ببعض، الحافرة

стр. 2059

وناخرة وخاسرة. ونخرة جَيدة أيضاً، يقال: نخر العظم يَنْخَر فهو نخِر مثل عفِنَ الشيءُ يعْفنُ فهو عَفِن. وَنَاخِرة على معنى عظاماً فارغة يصير فيها من هبوب الريح كالنخير، ويجوز ناخرة كما تقول: بَلِي الشيء وبليت العظام فهي بَالِية. * * * (قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ (١٢) أي هذه الكرة كرة خُسْران. والمعنى أهلها خاسرونَ. ثم أَعْلَمَ سهولة البعث عليه فقال: * * * (فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤) والساهرة وجه الأرض. * * * وقوله: (إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٦) أي المبارك. وقرئت " طُوَى اذْهَبْ " - غَيْرَ مَصْرُوفَةٍ - وطًوًى منوَّنَةً. وقرئت طِوَى بكسر الطاء. وطُوَى اسم الوادي الذي كلم الله عليه موسى. فمن صرفه فهو بمنزلة نُغَر (١) وَصُرَدِ إذا سميت به مذكراً، ومن لم يصرفه فهو على ضربين: أحدهما أَنْ يكون اسمَ البقعة التي هي مشتملة على الوادي، كما قال: (فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ) وَقِيلَ إنَه مُنِعَ الصرْف لأنه معدول نحو عُمَر، فكان طوى عُدِلَ عَنْ طاوٍ كما أن عًمرَ عُدِلَ عَنْ عَامِر. ومن قال طِوى بالكسر فعلى معنى المقدَّس مرةً بعد مَرةٍ. كما قال طرفة بن العَبْد: أَعاذِل إِنَّ اللَّوْمَ في غيرِ كُنْهِه عليَّ طُِوىً من غَيِّك المُتَرَدِّد أي إن اللوْمَ المكرُورَ عَلَيَّ. * * * وقوله: (فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى (٢٠)

стр. 2060

يعنى أنه اليدُ التي أخرجها تتلألأ من غير سوء. * * * قوله : (فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (٢٥) (نَكَالَ) منصوب مصدر مؤكد لأن معنى أخذه اللَّه نَكَّلَ بِهِ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى أي أغرقه في الدنيا ويعذبه في الآخرة. وجاء في التفسير أن (نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى) نكال قوله: (مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي). وقوله: (أنا رَبُّكُمُ الأعْلَى). فنكل اللَّه به نكال هاتين الكلمتين (١). * * * قوله: (أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) قال بعض النحويين: (بناها) من صلة السَّمَاءِ، المعنى أم التي بناها. وقال قوم: السماء ليس مِما يوصل، ولكن المعنى أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ أَشَدُّ خَلْقًا. ثم بين كيف خلقها فقال: * * * (بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩) أي أظْلَمَ لَيْلَها. * * * (وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا): أظهر نورها بالشمس. * * * وقوله: (وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) القراءة على نصب (الْأَرْضَ)، على معنى: ودحا الأرضَ بعد ذلك، وفسر هذا المضمر فقال (دَحَاهَا)، كما تقول: ضربت زيدا وعمرا أكرمته. وقد قرئت (وَالْأَرْضُ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا) على الرفع بالابتداء. والنصب أجودُ، لأنك تعطف بفعل على فعل أحسن، فيكون على معنى بناها. وفعَل وفَعَل ودَحَا الأرض بعد ذلك. * * * قوله: (وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (٣٢)

стр. 2061

تفسير نصب الجبال كتفسير نصب الأرض، وكذلك يجوز الرفع، وقد قرئ به في الجبال على تفسير والأرض. ومعنى (أَرْسَاهَا) أثبتَهَا. * * * وقوله: (مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٣) نصب (مَتَاعًا لَكُمْ) بمعنى قوله أخْرَجَ مِنْهَا مَاَءَهَا ومَرْعَاهَا للِإمتاع لكم. لأن معنى أخرج منها ماءها ومرعاها أمتع بذلك. * * * وقوله: (فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (٣٤) إذا جاءت الصيحة التي تَطُم كلَّ شيء، الصيْحة التي يقع معها البعث والحساب والعقاب والعذاب والرحمة. * * * وقوله: (فَأَمَّا مَنْ طَغَى (٣٧) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (٣٩) هذا جواب فإذا جاءت الطامة الكبرى، فإن الأمر كذلك، ومعنى هي الْمَأْوَى أي هي الْمَأْوَى له، وقال قوم: الألف واللام بَدَل من الهاء، المعنى فهي مأواه لأن الألف واللام بدل من الهاء، وهذا كما تقول للإنسان: غُضِ الطرفَ يا هَذَا. فلابس الألف واللام بدلا من الكاف وأن كان المعنى غضَ طَرْفَك لأن المخاطب يعلم أنك لا تأمره بغض طرف غيره. قال الشاعر: فغضَّ الطرفَ إنَّك من نُمَيْرٍ. . . فلا كعباً بلغتَ ولا كِلَابا وكذلك معنى (فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى) على ذلك التفسير. * * * وقوله: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (٤٢) معناه متى وقوعها وقيامها. ومعنى (إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا (٤٤) أي منتهى علمها.

стр. 2062

وقوله: (إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا (٤٥) وقرئت (مُنْذِرٌ) بالتنوين على معنى إنما أنت في حال إنذار من يخشاها وتنذر أيضاً فيما يستقبل من يخشاها، ومُفعِل وفاعِل إذا كان واحد منهما ومما كان في معناهما لما يستقبل وللحال نوَّنته لأنه يكون بَدَلاً من الفعل، والفعل لا يكون إلا نكرة. وقد يجوز حذف التنوين على الاستئفاف، والمعنى معنى ثبوته يعني ثبوت التنوين، فإذا كان لما مضى فهو غير مُنَوَّنٍ ألبتَّةَ، تقول: أنت منذر زيداً، أي - أنت أنذرت زيداً. * * * وقوله: (إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا (٤٦) هذه الألف والهاء عائدة على (عَشِيَّةً)، المعنى إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا. أو ضحى العشية، فأضفت الضحى إلى العشية، والغداة والعَشِي والضحوة والضحى لليوم الذي يكون فيه، فإذا قلت أتيتك صباحاً ومساءه، أو مساء وصَباحَه، فالمبنى أتيتك صباحاً ومساء يلي الصباح، وأتيتك مساء وصَبَاحاً يلي المساء.

стр. 2063

سُورَةُ عَبَسَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله: (عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) (أَنْ) في موضع نصب مفعول له، المعنى لأن جاءه الأعمى. وهذه الآيات وما بعدها إلى قوله (فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى) نزلت في عبد اللَّه ابن أمِّ مكتوم. كان صار إلى النبي ﷺ والنبي يدعو بعض أشراف قريش إلى الإسلام رجاء أن يسلم بإسلامه غيره، فتشَاغَل ﵇ بدعائه عن الإقبال على عبد الله بن أم مكتوم، فأمره الله ألا يتشاغَلَ عن الإقبالِ على أَحَدٍ من المسلمين بغيره، فقال: (عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (٤) (فَتَنْفَعُهُ الذِّكْرَى) وُيقْرَأُ (فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى). فمن نصب فعلى جواب (لَعَلَّ) ومن رفع فعلى العطف على (يَزَّكَّى) * * * وقوله: (أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) أي أنت تقبل عليه، ويقرأ (تَصَّدَّى)، فمن قرأ (تَصَدَّى) - بتخفيفِ الصاد - فالأصل تَتصَدَّى، ولكن حذفت التاء الثانية لاجتماع تاءين، ومن قرأ (تَصَّدَّى)

стр. 2064

بإدغام التاء، فالمعنى أيضا تتَصَدَّى، إلا أن التاء أدغمت في الصاد لقرب المخرجين - مخرج التاء مِنَ الصادِ. * * * وقوله: (وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (٧) أي أي شيء عليك أن لا يسلم من تَدْعُوه إلى الإسلام. * * * وقوله: (فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (١٠) معناه تَتَشَاغَلُ، يقال: لَهيت عن الشيء ألهى عنه إذا تشاغلت عنه. * * * وقوله: (كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) يعنى به هذه الموعظة التي وعظ الله بها النبي ﵇. * * * (فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) ذُكِرَ لأن الموعظة والوعظ واحد، والمعنى راجع إلى حَمَلَةِ القُرآن المعنى فمن شاء أن يذكره ذكره. ثم أخبر جلَّ وعزَّ أن الكتابَ في اللوح المحفوظ عنده، فقال: (فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) والسَّفَرَةُ الكتبة، يعني به الملائكة، واحدهم سَافِر وَسَفَرة مثل كاتب وكتبة، وكافر وكفرة، وَإنما قيل للكتاب سَفَرة، وللكاتب سافِر، لأن مَعْنَاه أنه يبَيِّن الشيءَ وُيوَضحُه، يقال أَسْفَرَ الصُّبْحُ إذَا أضاء، وسفرت المرأة إذا كشفت النقاب عن وَجْهِهَا، ومنه: سَفَرت بين القوم أي كشفت قلب هذا وقلب هذا لأصلح بينهم. * * * وقوله: (كِرَامٍ بَرَرَةٍ (١٦) جمع بارٍّ. * * * وقوله: (قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (١٧) يكون على جهة لفظ التعجُب، ويكون التَعَجب مِمَّا يؤمَرُ بِهِ الآدَمِيُّونَ

стр. 2065

ويكون المعنى كقوله: (فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ) أي اعْجَبُوا أنتم من كُفْرِ الإنْسَان، ويجوز على معنى التوبيخ ولفظه لفظ الاستفهام. أيْ أيُّ شيء أكفَرَهُ. ثم بَيَّن مِن أَمْره ما كان ينبغي أن يُعْلَمَ مَعَهُ أن الله خَالِقُه، وأنه وَاحِد فقال: * * * (مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) على لفظ الاستفهام، ومعناه التقرير ثم بيَّن فقال: * * * (مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩) المعنى فَقَدَّرَهُ على الاستواء كما قال : (أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (٣٧). * * * وقوله: (ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠) أي هداه السبيل (إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا). * * * وقوله: (ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١) معنى أقبره جعل له قَبراً يوارى فيه، يقال أَقْبَرْتُ فُلَاناً، جعلت له قبراً. وقبرت فلاناً دفنته فأنا قابِرُهُ. قال الشاعر: لَوْ أَسْنَدَتْ مَيْتاً إلى نَحْرِهَا. . . عَاشَ ولم يُنْقَلْ إلَى قَابِرِ * * * وقوله : (ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢) معناه بعثه، يقال: أنشر اللَّهُ المَوْتَى، فَنُشِرُوا، فالواحد نَاشِر قال الشاعر: حَتَّى يَقُولَ النَّاسُ مَمَّا رَأَوْا. . . يَا عَجَبَاً لِلْمَيِّتِ النَّاشِرِ

стр. 2066

وقوله: (فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أي فلينظر الإنسان كيف خلق الله طعامه وطعام جميع الحيوان الذي جعله الله سبباً لحياتِهِمْ. * * * (أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥) (إِنَّا صَبَبْنَا) ويقرأ (أَنَّا صَبَبْنَا)، فمن قرأ (إِنَّا) فعلى الابتداء والاستئناف ومن قرأ (أَنَّا) فعلى البدل من الطعَام، ويكون (إِنَّا) في موضع جرٍّ، المعنى فلينظر الإنسان إلى إِنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (١). * * * (ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) أي بالنبات. * * * (فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) والحبُ كل ما حُصِدَ، كالحنطة والشعير وكل ما يتغَذى به من ذي حَبٍّ. والقضب الرطْبة. * * * (وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) حدائق واحدتها حديقة، وهي البساتين، والشجر الملتف، قوله (غُلْبًا) معناه مُتَكاثِفَة عِظام. * * * (وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) الأب جميع الكلأ الذي تعتلفه الماشيةُ، وذكر اللَّه من آياته ما يدل على وحدانيته في إنشاء ما يغذو جميع الحيوان. * * * وقوله: (مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٢) منصوب، مصدر مؤكد لقوله (فَأَنْبَتْنَا فِيهَا) الأشياء التي ذكرت، لأن إنباته هذه الأشياء قد أمتع بها الخلق من الناس وجميع الحيوان. * * * وقوله. (فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ (٣٣)

стр. 2067

التي تكون عليها القيامةُ، تصِخُّ الأسماع أي تُصِمُّها فلا يسمع إلا ما يدعى فيه لإحيائها. . ثم فسَّرَ في أي وقت تجيء فقال: (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧) (يُغْنِيهِ) بالغين معجمة، وقد قرئت (شَأْنٌ يُعْنِيهِ)، أي شأن لا يهمه معه غيرُه وكذلك (يُغْنِيهِ) لَا يَقْدِرَ مع الاهتمام به على الاهتمام بغيره. ثم بَينَ أَحْوَالَ المُؤْمِنِينَ والكَافِرِينَ فوصف أحوال المؤمنين فقال: * * * (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩) (مُسْفِرَةٌ) مضيئة قد علمت ما لها من الفوز والنعيم. ووصف الكفار وأهل النار فقال: * * * (وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (٤١) أي غَبَرَةٌ يعلوها سواد كالدخَانِ، ثم بَينَ مَنْ أَهْل هَذِه الحالِ فقال: (أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (٤٢).

стр. 2068

سُورَةُ التَّكْوير (مَكِّيَّة) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله: (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) معنى (كُوِّرَتْ) جمع ضوءها ولُفَّتْ كما تلف العمامة، يقال: كرتُ العِمَامَةَ على رأسِي أكوِّرُها، وكوَّرْتُها أكوِّرهاَ إذا لَفَفْتَها. * * * (وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢) انكدرت: تهافتت وتناثرت. * * * (وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (٣) صارتْ سَرَاباً. * * * (وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (٤) (الْعِشَارُ) النوق الحوامل التي في بطونها أولاها، والواحِدَةُ عُشَراء، وإنما قيل لها عشار لأنها إذَا أتت عليها عَشَرةُ أَشهُرٍ - وهي تضع إذا وضعت لِتَمام في سنة - فَهِيَ عُشَراء، أحسن ما يكون في الحملُ، فليس يعطلها أهلها إلا في حال القيامة. وخوطبت العرب بأمر العِشار لأن مالها وَعَيْشَها أكثرهُ من الِإبل (١). * * * (وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥) قيل تحشر الوحوش كلها حَتَّى الذُّبَابُ يُحْشَرُ للقصاص.

стр. 2069

(وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (٦) بالتثقيل، ويقرأ (سُجِرَتْ) بالتخفيف. ومعنى سُجِّرَتْ قيل إنه في معنى فُجِّرتْ، وقيل سُجِّرَتْ مُلِئَتْ، وِمنه البحر المسْجُورِ المَمْلُوء. وقيل معنى سُجِرَت جُعَلِتْ مياهها نيراناً بها يعذَب أهل النَّارِ. * * * (وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧) قُرِنَتْ كل شيعةٍ بمن شَايَعَتْ، وقيل قُرِنَتْ بأعمَالِها، وقيل قُرِنَت الأجسام بالأرواح. * * * (وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩) ويقرأ (وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سَأَلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ) والْمَوْءُودَةُ: التي كانت العرب تَئِدُهَا، كانُوا إذَا وُلدَ لأحَدِهم بنت دَفَنَها حيَّة، فمعنى سؤالها ب (بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ) تبكيتُ قَاتِلِها في القيامة لأن جَوَابَهَا قُتِلَتُ بغير ذنب. ومثل هذا التبكيت قول الله تعالى: (يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ) فإنما سؤاله وجوابه تبكيت لمَنِ ادَّعى هذا عليه. يقال: وَأَدْتُ أَئِدُ وأْداً، إذا دفنت المولود حيًّا، والفاعل وَائدٌ، والفاعلة وائدة، والفاعلات وائدات. قال الفرزدق: وَمِنَّا الَّذِي مَنَعَ الوَائِدَا. . . تِ فَأَحْيَا الوَئِيدَ وَلَمْ يُوأَدِ وكذلك من قرأ: سَأَلَتْ بأي ذنب قُتِلَتْ، سؤالها تبكيت لقاتلها (١). * * * (وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (١٠)

стр. 2070

وَنَشَرَتْ. نشرت الصحف وأعطى كل إنسان كتابه بيمينه أو بشماله على قدر عمله. * * * (وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ (١١) وقرئت (قُشِطَتْ) بالْقَافِ، ومعناهما قُلِعَت كما يُقْلَع السَّقْفُ. يقال: كَشَطْتُ السقفَ وقشطت السقف بمعنى واحد. والقاف والكاف تُبْدَلُ إحداهما من الأخرى كثيراً. وَمِثلُ ذَلِكَ لبكت الشيء ولبقته إذَا خَلطته. * * * (وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (١٢) (سُعِرَتْ) وَ (سُعِّرَتْ) بالتشديد والتخفيف، ومعناه أُوقدت، وكَذَلِكَ (سُعِّرَتْ). إلا أن (سُعِّرَتْ) أوقدت مرة بعد مرة. * * * (وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (١٣) أي قربت من المتقين، وجواب هذه الأشياء قوله: * * * (عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ (١٤) أي إذا كانت هذه الأشياء التي هي في يوم القيامة، علمت في ذلك الوقت كل نفس ما أَحْضَرَتْ، أَي مِنْ عَمَل، فأثيبت عَلَى قَدْرِ عَمَلِها. * * * وقوله: (فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (١٦) الخُنَس جمع خَانِسٍ، والجواري جمع جَارِيَةٍ، من جَرَى يَجْرِي. والخنس جمع خانس وخانسةٍ، وكذلك الْكُنَّسِ جمعُ كانِس وكانسةٍ. والمعنى فأقسم، و " لَا " مؤكدة. والخنس ههنا أكثر التفسير يعنى بها النجوم، لأنها تَخْنِس أَيْ تَغِيبُ لأن مَعَنى (وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨)). وَمَعَنَى (الخُنَس). و (الكُنْس) في
следующие страницы →