← Тафсир

Тафсир · id 922

معاني القرآن وإعرابه للزجاج

الزجاج

Полный текст (2 149 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

ذلك لأنه أسلم في الجاهلية قبل مبعث النبي ﷺ فمات موحداً فهذا أمة في وقته لانفراده، وبيت النابغة: حلفت فلم أترك لنفسك ريبة. . . وهل يأثمن ذو أمَّةٍ وهو طائع ويروى ذو أمَةَ، وذو إمة، ويحتمل ضربين من التفسير: ذو أمة: ذو دين وذو أمة: ذو نعمة أسْدَيَتْ إليه، ومعنى الأمة القامة: سائر مقصد الجسد. فليس يخرج شيء من هذا الباب عن معنى أممت أي قصدت، ويقال إِمامنا هذا حَسنُ الأمة أي يقوم بإمامتهِ بنَا في صلاته ويحسن ذلك. وقالوا في معنى الآية غيرَ قول: قالوا كان الناس فيما بين آدم ونوح ﵉ كُفاراً، فبعث الله النبيين يبشرون من أطاع بالجنة، وينذرون من عصي بالنار، وقال قوم: معنى كان الناس أمَّة واحدةً، كان كل من بعث إليه الأنبياءِ كفاراً: (فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ) ونصب (مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ) على الحال، فالمعنى أن أمم الأنبياءِ الذين بعث إليهم الأنبياءَ كانوا كفاراً - كما كانت هذه الأمة قبل مبعث النبي ﷺ . * * * وقوله : (لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ). أي ليفصل بينهم بالحكمة. * * * وقوله : (وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ). أي ما اختلف في أمر النبي ﷺ إلا الذين أعْطُوا علمَ حَقيقتِهِ. وقوله: (بَغْيًا بَيْنَهُمْ) نصب (بَغْيًا) على معنى مفعول له، المعنى لم يوقعوا الاختلاف إلا

стр. 247

للبغي، لأنهم عالمون حقيقة أمره في كتبهم. وقوله : (فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ). أي للحق الذي اختلف فيه أهل الزيغ. * * * وقوله : (بِإِذْنِهِ) أي بعلمه، أي من الحق الذي أمَرَ به. * * * وقوله : (يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ). أي إلى طريق الدين الواضح، ومعنى (يَهْدي من يشاءُ): يدله على طريق الهدى إذا طلبه غير متعنت ولا باغ. * * * وقوله : (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤) معناه: بل أحسبتم أن تدخلوا الجنة. * * * وقوله : (وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ). معنى (مثل الذين): أي صفة الذين، أي ولما يصبكم مثل الذي أصاب الذين خلوا من قبلكم، و (خلوا) - مضوا. (مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ) البأْساءُ والضراءُ: القتل والفقر. و (زُلزلوا) معنى (زلزلوا) - خُوِّفُوا وحُركُوا بما يُؤْذي، وأصل الزلزلة في اللغة من زَلً الشيءَ عن مكانه فإذا قلت زلزلة فتأويله كررت زلزلته من مكانه، وكل ما فيه ترجع كررت فيه فاءُ التفعيل، تقول أقل فلان الشيءَ إذا رفعه من مكانه فإِذا كرر رفعه ورده قيل قلقله، وكذا صل، وصَلْصَل وصَر وصَرْصَرَ، فعلى هذا قياس هذا الباب. فالمعنى أنه يكرر عليهم التحريك بالخوف. * * * وقوله : (حتى يقولَ الرسُولُ).

стр. 248

قرئت حتى يقولَ الرسولُ - بالنصب - ويقولُ - بالرفع. وإِذا نصبت بحتىٍ فقلت سرت حتى أدخلها. فزعم سيبويه والخليل وجميع أهل النحو الموثوق بعلمهم أن هذا ينتصب على وجهين. فأحد الوجهين أن يكون الدخول غاية السير، والسير والدخول قد نصبا جميعاً، فالمعنى: سرت إِلى دخولها، وقد مضى الدخول، فعلى هذا نصبت الآية: المعنى وزلزلوا إِلى أن يقول الرسول. وكأنه حتى قول الرسول. ووجهها الآخر في النصب أعني سرت حتى أدخلها أن يكون السير قد وقع والدخول لم يقع، ويكون المعنى سرت كي أدخلها - وليس هذا وَجْه نَصْب الآية. ورفع ما بعد حتى على وجهين، فأحد الوجهين هو وجه الرفع في الآية. والمعنى سرت حتى أدخلها، وقد مضى السير والدخول كأنَّه بمنزلة قولك سرت فأدخلها. بمنزلة: (سِرْتً) فدخلتها، وصارت حتى ههنا مما لا يَعْمَل في الفعل شيئاً، لأنها تلي الجمل، تقول سرت حتى أني دَاخل - وقول الشاعر: فيا عجبا حتى كليب تَسُبُّنِي. . . كَأنَّ أباها نهشَلٌ أو مُجَاشِع فعملها في الجمل في معناها لا في لفظها. والتأويل سرت حتى دخولها وعلى هذا وجه الآية. ويجوز أن يكون السير قد مضى والدخول واقع الآن وقد انقطع السير، تقول سرت حتى أدخلها الأن ما امْنَع فَهذه جملة باب حتى. . ومعنى الآية أن الجهد قد بلغ بالأمم التي قبل هذه الأمة حتى استبطأوا النصر، فقال الله : (أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ).

стр. 249

فأعلم أولياءَه أنَّه ناصرهم لا محالةَ، وأن ذلك قريب منهم كما قال: (فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (٥٦). * * * وقوله : (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢١٥) قيل إِنهم كانوا سألوا: عَلى مَنْ ينبغي أن يُفْضِلوا - فأعلم اللَّه أن أول مَن تُفُضِّلَ عليه الوالدان والأقربون، فقال: (قُلْ مَا أنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ) أي من مال: (فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ). أي يحصيه، وإِذا أحصاه جازى عليه، كما قال: (فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره). أي يرى المجازاة عليه، لأن رؤْية فعله الماضي لا فائدة فيه. ولا يرى لأنه قد مضى. ومعنى " مَاذَا " في اللغة على ضربين، فأحدهما أن يكون " ذا " في معنى الذي، ويكون ينفقون من صلته، المعنى يسألونك أي شيءٍ الذي ينفقون كأنه أي شيء وجه الذي ينفقون، لأنهم يعلمون ما المنفق ولكنهم أرادوا علم اللَّه وجهه. ومثل جعلهم " ذَا " في معنى الذي قول الشاعر:

стр. 250

عَدَسْ ما لعَبَّادٍ عليك إمارَةٌ. . . أَمِنْتِ وهذا تَحْملين طليقُ والمعنى والذي تحملينه طليق، فيكون ما رفعاً بالابتداءِ، ويكون ذا خبرها. وجائز أن يكون " مَا " " مع " " ذا " بمنزلة اسم واحد، ويكون المَوضِع نَصباً بـ (ينفقون). المعنى يسألونك أي شيءٍ ينفقون، وهذا إِجماع النحويين، وكذلك الوجه الأول إِجماعٌ أيضاً، ومثل جعلهم ذا بمنزلة اسم واحد، قول الشاعر: دَعِي ماذا علمت سأتقيه. . . ولكن بالمغيب فنبئيني كأنه بمنزلة: دعي الذي علمت. وجزم (وَمَا تَفْعَلوا) بالشرط، واسم الشرط " ما " والجواب (فَإنَّ اللَّه بِهِ عَلِيمٌ) وموضع " ما " نصب بقوله (تَفْعَلوا). * * * وقوله : (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦) معنى (كتب عليكم) فرض عليكم، والكره يقال فيه كرِهت الشيءَ كًرْهاً وكَرْهاً، وكَرَاهة، وكَرَاهِيَةً، وكل ما في كتاب الله من الكُرْهِ فالفتح جائز فيه، تقول الكُره والكَرْه اِلا أن هذا الحرف الذي في هذا الآية - ذكر أبو عبيدةَ - أن الناس مجمعونَ على ضَمهِ، كذلك قراءَة أهل الحجاز وأهل الكوفة جميعاً (وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ) فضموا هذا الحرف.

стр. 251

ارتفع (كُرْهٌ) لأنه خبر الابتداءِ - وتأويله ذو كره - ومعنى كراهتهم القتال أنهم إِنما كرهوه على جِنْس غِلَظَه عليهم ومشقًتِه، لاَ أن المؤمنين يكرهون فرض اللَّه لأن اللَّه لا يفعل إِلا ما فيه الحكمة والصلاح. وقوله: (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ). (وهو خير لكم) يعني به ههنا القتال، فمعنى الخير فيه، أن مَنْ قُتِلَ فهو شهيد وهذا غاية الخير، وهو إنْ قَتَل مُثاب (أيضاً) وهادِمٌ أمرَ الْكُفْر. وهو مع ذلك يغنم، وجائز أن يستدعِيَ دخولَ من يقاتله في الإسلام، لأن أَمر قتال أهل الإسلام كله كان من الدلالات التي تثبت أمر النبوة - والإسلَام، لأن الله أخبر أنَّه ينصر دينه، ثم أبان النصر بأن العدد القليل يغلبُ العددَ الكثيرَ فهذا ما في القتال من الخير الذي كانوا كرهوه. ومعنى: (وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ). أي عسى أن تحبوا القعود عن القتال فتحرموا ما وصص عن الخير الذي في القتال. * * * وقوله : (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧) (قتالٍ) مخْفُوضٌ على البدل من الشهر الحرام. المعنى يسألونك عن قتال في الشهر الحرام، وقد فسرنا ما في هذه الآية فيما مضى من الكتاب. ورفع (قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ) (قِتَالٌ) مرتفع بالابتداءِ، و (كَبِيرٌ) خبره.

стр. 252

ورفع (وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ) على الابتداءِ، وخبر هذه الأشياءُ (أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ) والمعنى وصد عن سبيل اللَّه، وكفر به، وإخراج أهلَ المسجد الحرام منه أكبر عند اللَّه أي أعظم إِثْماً. (وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ). أي والكفر أكبر من القتل، المعنى وهذه الأشياءُ كفر، والكفر أكبر من القتل. * * * وقوله : (وَمَنْ يَرتَدِدْ مِنكُمْ عنْ دِينه فيمُتْ وهوكَافِرٌ). يرتدد جزم بالشرط، والتضعيف يظهر مع الجزم، لسكون الحرف الثاني - وهو أكثر في اللغة - وقرئَ: (يَا أيَهَا الذين امنوا من يَرتَدَّ) بالإدغام والفتح وهي قراءَة الناسِ إِلا أهلَ المدينة فإِن في مصحفهم مَن يرتدد وكلاهما صواب، والذي في سورة البقرة لا يجوز فيه إلا من يرتَدِدْ لإطباق أهل الأمصار على إِظهار التضعيف وكذلك هو في مَصَاحفهم، والقراءَة سنَة لا تُخَالف، إِذا كان في كل المصحف الحرف على صورة لم تجز القراءَة بغيره. ويجوز أن تقولَ من يرتدَّ منكم فتكسر لالتقاءِ السَّاكنين إِلا أن الفتح أجود لانفتاحَ التاءِ، وإِطباق القراءِ عليه. * * * وقوله : (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢١٨) (الذين) نصب بأنَّ، و (أُولَئِكَ) رفع بالابتداءِ، و (يرجُونَ) خَبَرُ (أُولَئِكَ) و (أُولَئِكَ يَرْجُونَ) خبرُ (إِنَّ الذين) - وإِنما قيل في المؤمنين المجاهدين ههنا أنهم إِنما يرجون

стр. 253

رحمة اللَّه لأنهم عند أنفسهم غيرُ بالغين ما يَجب لِلَّهِ عليهم، ولا يعملون ما يختمون به أمرهم. وجملة ما أخْبَرَ الله به عن المؤمنين العاملين الصالحاتِ أنَّهم يجازَوْن بالجنة. قال الله : (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ). * * * وقوله : (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩) (الخمر) المجمع عليه، وقياس كل ما عمل عملها أن يقال له خمر. وأن يكون في التحريم بمنزلتها. وتأويل الخمر في اللغة أنه كل ما ستر العقل، يقال لكل ما ستر الِإنسان مق شجرٍ وغيره خمر، وما ستره من شجر خاصة ضَرَى، " مقصور "، ويقال دخل فلان في خِمَارٍ أي في الكثير الذي يستتر فيه وخِمار المرأة قناعها، وإِنما قيل له خِمار لأنه يغطي، والْخُمرَةُ التي يُسْجَد عليها إنما سميت بذلك لأنها تستر الوجه عن الأرض، وقيل للعجين قد اختمر لأن فطرته قد غطاها الخمر أعني الاختمار - يقال قد اختمر العَجينُ وخَمَرَته، وفَطَرْتُه وأفْطَرتُه. فهذا كله يدل على أن كل مسكر خمر وكل مسكر مخالط العقل ومغط عليه، وليس يقول أحد للشارب إِلا مخمور - من كل سكر - وبه خُمَار، فهذا بَيِّن واضح. وقد لُبِّس على ابي الأسود الدؤُلي فقيل له: إِن هذا المسكر الذي سموه بغير الخمر حلال فظن أن ذلك كما قيل له، ثم قاده طبعه إِلى أن حكم بأنهُمَا واحد، فقال: دع الْخَمْرَ يَشْربْها الغواةُ فإِنَني. . . رأيت أخَاها مجزياً لمكانها

стр. 254

فإلَاَ يكنها أوتكنه فإنه. . . أخوها غذَتْه أمها بلبانها وقال أهل التفسير في قوله : (قُلْ فيهمَا إِثم كَبِير) وقرئت " كثير " قالَ قوم زَهَّد فيها في هذا الموضع وبين تحريمها في سورة المائدة في قوله: (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١). ومعنى (فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) التًحْضِيضُ على الانتهاءِ والتفديد على ترك الانتهاءِ. وقال قوم: لا بل تحرم بما بين ههنا مما دل عليه الكتاب في موضع آخر. لأنه قال: (إِثْمٌ كبير) وقد حرم الله الإثم نصًّا فقال: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ). وإنما بينا تحريم الخمر وإن كان مجمعاً عليه ليعلم أن نص ذلك في الكتاب. فأما الِإثم الكبير الذي في الخمر فبين، لأنها توقع العداوة والبغضاءَ وتحول بَيْنَ المرءِ وعقله الذي يميز به ويعرف ما يجب لخالقه. والقِمَارُ يورث العداوة والبغضاء وإن مال الإنسان يصير إلى غيره بغير جزاء يؤخذ عليه، وأما المنافع للناس فيه فاللذة في الخمر والربْحُ فِي المُتَجَّرِ فيها، وكذلك المنفَعَةُ في

стр. 255

القمار، يصير الشيءِ إلى الإنسان بغير كد ولا تعب فأَعلم اللَّه أن الإثم فِيهِما (إثم) أكبر من نفعهما. * * * وقوله : (وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ). النصنب والرفع في (العفو) جميعاً، مَنْ " جعل (ماذا) اسماً واحداً رد العفو عليه ومن جعل " ما " اسماً و " إذا " خبرها وهي في معنى الذي رد العفو عليه فرفع، كأنه قال: ما الذي ينفقون؟ فقال: العفو، ويجوز أن ينصب العفو وإن كان ما وحدها اسماً فتحمل العفو علي ينفقون، كأنه قيل أنفقوا العفو. ويجوز أيضاً أن ترفع - وإن جعلت (ماذا) بمنزلة شيء واحد على "قل هًو العفوُ". والعفوُ في اللغة الفضل والكثرة، يقال عفا القومُ إذا كثروا. فَأمروا أَن ينفقوا الفضل إلى أن فرضت الزكاة، فكان أهل المكاسب يأخذ أحدهم من كسبه ما يكفيه ويتصدق بباقيه، ويأخذ أهل الذهب والفضة ما يكفيهم في عامهم وينفقون باقيه هذا قد روي في التفسير، والذي عليه الإجماع أن الزكاة في سائر الأشياء قد بينت ما يجب فيها. * * * وقوله : (كَذَلِكَ يُبين اللَّه لكُمُ الآياتِ). أي مثل هذا البيان في الخمر والميْسِرْ (يبين الله لكم الآيات): لأن خطاب النبي ﷺ مشتمل على خطاب أمته كما قال : (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ) ومثل هذا في القرآن كثير يحكي مخاطبة الِإجماع بذلك، وذلكم أكثر في

стр. 256

اللغة، وقد أتي في القرآن في غير " ذَلِك " للجماعة - قال اللَّه تعالى: (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠) - والأصل ذلكن، إلا أن الجماعة في معنى القبيل. * * * وقوله : لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩) فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ). يجوز أن يكون (تتفكرون في الدنيا والآخرة) من صلة تتفكرون المعنى لعلكم تتفكرون في أمر الدنيا وأمر الآخرة -، ويجوز أن يكون في الدنيا والآخرة من صلة كذلك يبين الله لكم الآيات). أي يبين لكم الآيات في أمر الدنيا وأمر الآخرة لعلكم تتفكرون. * * * وقوله : (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٠) هذا مما نحكم تفسيره في سورة النساءِ إنْ شاءَ الله، إلا أن جملته أنهم كانوا يظلمون اليتامى، فيتزوجون العشر ويأكلون أموالهم مع أموالهم، فَشُدِّدَ عليهم في أمر اليتامى تشديداً خافوا معه التزويج بنساءِ اليتامى ومخالطتهم، فأعلمهم اللَّه أن الإصلاح لهم هو خير الأشياء، وأن مخالطتهم في التزويج وغيره جائزة مع تحري الِإصلاح فقال: (وإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ) أي فهم إخوانكم. فالرفع على هذا. والنصب جائز " وإِنْ تخالطوهم فإِخوانَكم " أي فإِخوانَكم تخالطون، ولا أعلم أحداً قرأ بها، فلا تقرأَنَّ بها إِلا أن تثبت رواية صحيحة. وقوله : (ولَوْشَاءَ اللَّهُ لأعنَتَكُمْ). قال أبو عبيدة معناه لأهلككم، وحقيقته ولو شاءَ الله لكلفكم ما يشتد

стр. 257

عليكم فتعنتون، وأصل العنتْ في اللغة من قولهم: عنِتَ البعير يعنت إذا حدث في رجله كسر بعد جبر لا يمكنه معه تصريفها، ويقال اكمة غَنوتْ إِذا كان لا يمكن أن يُحازيها إلا بمشقة عنيفة. وقوله : (إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)). أي يفعل بعزته ما يحب لا يدفغه عنه دافع. (حَكِيمٌ) أي ذو حكمة فيما أمركم به من أمر اليتامى وغيره. * * * وقوله : (وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٢١) معنى (لَا تَنْكِحُوا) لا تتزوجوا المشركات، ولو قرئت ولا تُنكِحوا المشركات كان وجهاً، ولا أعلم أحداً قرأ بها، والمعنى في هذا ولا تتزوجوا المشركات حتى يؤمن، ومعنى المشركات ههنا لكل من كفر بالنبي ﷺ واللغة تطلق على كل كافر إنما يقال له مشرك - وكان التحريم قد نزل في سائر الكفار في تزويج نسائهم من المسلمين، ثم أحل تزويج نساءِ أهل الكتاب من بينهم. فقال اللَّه : (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ). فإِن قال قائل: من أين يقال لمن كفر بالنبي ﷺ مشرك وإِن قال إِن اللَّه واحد؟ فالجواب في ذلك أنه إذا كفر بالنبي ﷺ فقد زعم أن ما أتى به من القرآن من عند غير اللَّه - جل ثناؤًه - والقرآن إِنما هو من عند اللَّه لأنه يُعجِز المخلوقين أن يأتوا بمثله - فقد زعم أنه قد أتى غير الله بما لا يأتي به إِلا اللَّه فقد أشرك به غيره.

стр. 258

وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٢١) وقوله : (وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا)). أي لا تزوجوهم مُسْلِمَةً. وقوله: (وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ). معناه وإن اعجبكم، إلا أن " لو " تأتي فْتنوب عن أن في الفعل الماضي. ومعنى الكلام أن الكافر شر من المؤمن لكم وإن أعجبكم أي أعجبكم أمره في باب الدنيا، لان الكافر والكافرة يدعوان إلى النار أي يعملان بأعمال أهل النار - فكأن نَسْلَكُمْ يتربى مَعَ مَنْ هذه حاله. * * * وقوله : (وَاللَّهُ يَدْعُو إلى الْجَنة والْمَغْفِرَةِ بِإذْنِه). أي يدعوكم إلى مخالطة المؤمنين لأن ذلك أوصلُ لكم إلى الجنة ومعنى (بإِذنه) أي بعلمه الذي أعلم إنَّه وصلة لكم إليها. (وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ) أي علاماته، يقال آية وآيٌ، وآيات أكثر وعليها أتى القرآن الكريم. * * * وقوله : (لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ). معنى لعل ههنا الترجي لهم أي ليكونوا هم راجين - واللَّه أعلم أيتذكرون أم لا، ولكنهم خوطبوا على قدر لفظهم واستعمالهم. * * * وقوله : (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢) يقال حاضت المرأة تحيض حَيْضاً ومَحاضاً ومَحِيضاً، وعند النحويين أن المصدر في هذا الباب " الْمَفْعِل "، و " المفْعَل " جَيِّدٌ بَالِغٌ فيه يقال ما في بُرِّكَ " مَكال " أي كيل ويجوز ما فيه " مَكيل ".

стр. 259

قال الشاعر وهو الراعي: بُنِيَتْ مَرافِقُهُن فَوْق مَزلَّة. . . لا يستطيع بها القرادُ مقيلا أي قيلولة، ومعنى الآية أن العرب كانت تفعل في أمر الحائض ما كانت تفعل المجوس، فكانوا يجتنبون تَكْلِيفها عمل أي شيء وتُجْتَنَبُ في الجماع وسائر ما تُكَلَّفُه النساء، يريدون أنها نجَس، فأعلم اللَّه أن الذي ينبغي أن يجتنب منها بُضْع فقط، وأنها لا تُنَخسُ شيئاً، وأعلم أن المحيض أذى. أي مستقذر، ونهى أن تقرب المرأة حتى تتطهر من حيضها - بالماءِ بعد أن تطهر من الدم أي تنقى منه، فقال: (وَلَا تَقْربُوهُن حَتى يَطْهُرْنَ) - المعنى يتطهرن أي يغتسلن بالماءِ، بعد انقطاع الدم - وَقُرِئَتْ حتى يَطهَّرْنَ " ولكن (فَإِذَا تَطَهَّرْنَ) يدل على (وَلَا تَقْرَبُوهُن حَتى يَطهرْنَ) وكلاهما (يَطْهُرْن) ويطهَّرْن - وقرئ بهما - جيِّدان. ويقال طهَرَت وَطَهُرَتْ جمميعاً وطَهُرَتْ أكثر. * * * وقوله : (فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ). أي من الجهات التي يحل فيها أن تُقْرب المرأة، ولا تقربوهن مِنْ حيث لا يَجب، أعني ولا تقربوهن صاحباتٍ ولا عشيقاتٍ، وقد قيل في التفسير: (مِنْ حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ). في الفروج، ولا يجوز أن يُقْربن في الدبر، والذي يروى عن مالك ليس بصحيح لأن إِجماع المسلمين أن الوطءَ، حيث يُبْتَغَى

стр. 260

النًسْلُ، وأن أمر الدُّبُر فاحشة، وقد جاءَ الحديث أن مَحَاشَّ النساء حرام. ويكنى به عن الدبر. * * * وقوله : (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٢٢٣) زعم أبو عبيدة أنه كناية، والقول عندي فيه أن معناه أن نساءكمْ حرث لكم منهن تحرثون الولد واللذة. * * * وقوله : (فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ)). أي كيف شئتم، أي ائْتوا موضع حرثكم كيف شئتم، وإنما قيل لهم كيف شئتم، لأن إليهود كانت تقول: إِذا جامع الرجل المرأة من خلفٍ خرج الولد أحول، فأَعلم اللَّه أن الجماع إِذا كان في الفرج حلال على كل جهة. * * * وقوله : (وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ). أي اتقوا الله فيمَا حَدَّ لكمْ من الجِمَاع وامر الحيْض، (وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ) أي قدموا طاعته واتباعَ أمره، فمن اتَبَعَ ما أمر الله به فقد قَدَّمَ لنفسه خيراً. * * * وقوله : (وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٤) موضع " أنْ " نصب بمعنى عرضة المعنى لا تعرضوا باليمين باللَّهِ في أن تبروا - فلما سقطت " في " أفضى لمعنى الاعتراض، فنصب أن. وقال غير واحد من النحويين إن موضعها جائز أن يكون خفضاً وإن سقطت " في " لأن " أن " الحذف فعها مستعمل، تقول جئت لأن تضرب زيداً، وجئت أن تضرب زيداً، فحذفْتَ اللام مع " أن " ولو قلت جئت ضربَ زيد

стр. 261

تريد لضرب زيد لم يجز كما جاز مع " أن " لأن " أن " إذا وصلت - دل ما بعدها على الاستقبال. والمعنى: كما تقول: جئتك أن ضربت زيداً، وجئتك أن تضرب زيداً، فلذلك جاز حذف اللام. وإذا قلت: جئتك ضرب زيد لم يدل الضرب على معنى الاستقبال. والنصب في " أن " في هذا الموضع هو الاختيار عند جميع النحويين. ومعنى الآية أنهم كانوا يعتلون في البر بأنهم حلفوا، فأَعلم اللَّه أن الإثم إِنما هو في الإِقامة على ترك البر والتقوى، وإن اليمين إذا كفرت فالذنب فيها مغفور، فقال : (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٢٥) فقيل في معنى اللغو غير قول، قال بعضهم معناه: " لا واللَّه " و " بلى واللَّه " وقيل: إِن معنى اللغو الإِثم - فالمعنى لا يؤاخذكم اللَّه بالإِثم في الحلف إِذا كَفًرْتُمْ. وإِنَّمَا قيل له لغو لأن الإثم يسقط فيه إذا وقعت الكفارة. * * * وقوله : (وَلَكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ). أي بعَزْمكم على ألا تَبَروا وألا تتقوا، وأن تعتلوا في ذلك بأنكم قد حلفتم، ويقال: لغوت ألغو لغْواً، ولغوت ألْغَى لغواً، مثل محوت أمحو محواً، وأمْحَى، ويقال لغيت في الكلام ألغَى لَغًى، إِذا أتيْتَ بلَغْو، وكل ما لا خير فيه مما يؤثَمُ فيه أو يكون غير محتاج إليه في الكلام فهو لغو وَلَغِى. قال العجاج: عَنِ اللَّغا وَرَفَثِ التكلمِ. وجملة الحلف أنه على أرْبَعَة أوجه، فوجهان منها الفقهاءُ يجمعون أن

стр. 262

الكفارةَ فيهمَا واجبة، وهو قولك: واللَّه لا أفعل أو واللَّه لأفْعَلَنَّ، ففي هاتين الكفارة إِذا آثر أن يُخَالف ما حلف عليه، إذا رأى غيره خيراً منه فهذا فيه الكفارة لا محالة. ووجهان أكثر الفقهاءُ لا يرون فيهما الكفارة، وَهُمَا قَولك: " واللَّه ما قد فعلت "،. وقد فعل أو " واللَّه لقد فعلت " ولم يفعل. فهذا هو كذب أكَّدَهُ بيمين، فينبغي أن يستغفر اللَّه منه، فهذا جملة ما في اليمين. ويجوز أن يكون موضع " أن " رفعاً، فيكون المعنى: "ولا تجعلوا الله عرضة لأيْمَانِكُمْ، أنْ تَبروا وتَتَقُوا وتصلِحُوا أولَى، أي البر والتقى أولى، ويكون أولى محذوفاً كما جاءَ حذف أشياءَ في القرآن. لأن في الكلام دليلاً عليها، يشبه هذا منه: (طاعة وقول معروف) أي طاعة وقول معروف أمْثَل. والنصب في ان والجرُ مذهب النحويين ولا أعلم أحداً منهم ذكر هذا المذهب ونحن نختار ما قالوه لأنه جيد، ولأن الاتباع أحب وإِن كان غيره جائزاً. * * * وقوله : (وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ). معناه في هذا الموضع يسمع أيمانكم ويعلم ما تقصدون بها. * * * وقوله : (لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) معنى (يُؤْلُونَ) يحلفون، ومعناه في هذا الموضع أن الرجل كان لا يريد

стр. 263

المرأة فيحلف ألا يقربها أبداً، ولا يُحب أن يزوجها غيره، فكان يتركها لَا أيماً ولا ذاتَ زوج، كانوا يفعلون ذلك في الجاهلية والِإسلام، فجعل اللَّه الأجل الذي يعلم به ما عند الرجل في المرأة آخر مداه نهاية أربعة أشهر، فإذا تمت أربعة أشهر ثمً لَمْ يَفئ الرجُلُ إلى امْرَأتِهِ، أي لم يرجع إليها، فإِن امرأته بعد الأربعة - في قول بعضهم - قَد بَانَتْ مِنْهُ، ذكر الطلاق بلسانه أم لم يذكره. وقال قوْم يْؤخذ بعد الأربعة بأن يطلق أو يَفِيءَ. ويقال آليت أولي إِيلَاءً واليةً، والُوَّةَ، وإِلِوَّةً، و (إِيَلُ). " والكسر أقل اللغات، ومعنى التربص في اللغة الانتظار. وقال الذين احتجوا بأنه لا بد أن يذكر الطلاق بقوله : (وإِنْ عَزَمُوا الطلَاقَ فإِنَ اللَّه سَمِيعٌ عَلِيمٌ). وقالوا (سميع) يدل على أنه استماع الطلاق في هذا الموضع، وهذا في اللغة غير مُمْتَنِع، وجائز أن يكون إِنما ذكر (سميع) ههنا من أجل حلفه. أي اللَّه قد سمع حلفه وعلم ما أراده، وكلا الوجهين في اللغة محتمل. * * * وقوله : (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٨) يقال طَلَقَتِ المرأةُ طَلَاقاً فهي طَالِق، وقد حكوا طَلُقتْ وقد زَعم قَوم أن تاءَ التأنيثِ حُذِفَتْ من " طالِقَة " لأنه للمؤنثِ لاحظ للذكر فيه، وهذا ليس بشيء، لأن في الكلام شيئاً كثيراً يشترك فيه الْمُذَكَر والمؤَنثُ لا تثبت فيه الهاء في المؤَنث، نحو تولهم بعير ضامر، وناقَةٌ ضَامِر، وبعير ساعل وناقة

стр. 264

ساعل، وهذا أكثر من أن يحصى. وزعم سيبويه وأصحابه أن هذا وقع على لفظ التذكير صفة للمؤَنث لأن المعنى شيء طالق، وحقيقته عندهم أنه على جهة النسب نحو قولهم امراة مذكار ورجل مذكار، وامراة مئناث ورجل مئناث، وإِنما معناه ذات ذكران وذات إِناث، وكذلك مطفل ذات طفل. وكذلك طالق معناه ذات طلاق. فإِذا أجريته على الفعل قلت طالقة. قال الأعشى: أيَا جارتَا بينِي فإِنكِ طَالِقَةٍ. . . كذاكِ امور النَّاسِ غادٍ وَطَارقَة وأما (ثلاثة قروءٍ) فقد اخْتَلَفَ الفقهاءُ وأهل اللغة في تفسيرها وقد ذكرنا في هذا الكتاب جملة قول الفقهاء وجملة قول أهل اللغة: فأما أهل الكوفة فيقولون: الأقْرَاءُ الحَيض، وأما أهل الحجاز ومالك فيقولون الأقراء الطهر، وحجة أهل الكوفة في أن الأقراءَ و (القِراءَ) والقروء الحيض ما يروى عن أم سلمة إنها استفتت لفاطمة بنت أبي حبيش وكانت

стр. 265

مستحاضة فقال ﷺ تنتظر أيام أقرائها وتغتسل فيما سوى ذلك فهذا يعني أنَّها تحبس عن الصلاة أيام حيضها ثم تغتسل فيما سوى أيام الحيضَ، وفي خبر آخر أن فاطمة سألته فقال إِذا أتى قرؤُك فلا تصلي، فإِذا مر فَتَطَهَّرِي. وصلِّي ما بين القرءِ إلى القرءِ، فهذا مذهب الكوفيين، والذي يقويه من مذهب أهل اللغة أن الأصمعي كان يقول: القُرءُ الحيض، ويقال أقرأتِ المرأة إذا حاضت. وقال الكسائي والقراء جميعاً أقرأت المرأة إذا حاضت فهِي مقريءٌ، وقال القراءُ: أقرأت الحاجة إذا تأخرت. وأنشدوا في القرء الحيض وهو بالوقت أشبه: لَه قُروءٌ كقرُوُء الحائض فهذا؛ هو مذهب أهل الكوفة في الأقراء، وما احتج به أهل اللغة مما يقوي مذهبهم، وقال الأخفش أيضاً: أقرأت المرأة إِذا حاضت، وما قرأتْ حيضة ما ضمَّت رحمَها على حيْضة.

стр. 266

وقال أهل الحجاز: الأقراءُ والقرُوُء واحد، وأحدهما قَرءٌ، مثل قولك: فَرْعٌ، وهما الأطهار، واحتجوا في ذلك بما يروى عن عائشة أنها قالت الأقراءَ الأطهار، وهذا مذهب ابن عمرو ومالك، وفقهاءُ أهل المدينة، والذَي يقوي مذهب أهل المدينة في أن الأقراءَ الاطهار. قول الأعشى: مُورِّثَةً مالا وفي الأصل رفعة. . . لما ضاع فيها من قُروء نسائِكا فالذي ضاع هنا الأطهار لا الحيض. وفي هذا مذهب آخر، وهو أن القرءَ الطهر، والقرء الحيض. قال أبو عبيدة: إن القرءَ يصلح للحيض والطهر، قال وأظنهُ من أقْرأتِ النُجومْ إِذَا غابت، وأخبرني من أثق به يدفعه إلى يونس أن الِإقراءَ عنده يَصلح للحيض والطهر، وذكر أبو عمرو بن العلاءِ أن القرءَ - الوقت، وهو يصلح للحيض ويصلح للطهر، ويقال: " هذا قارئ الرِّياح ": لوقت هبوبها. وأنشد أهل اللغة: شَنِئث العُقْر عقر بني شلَيل. . . إِذا هبت لقاريها الرياحُ

стр. 267

أي لوقت هبوبها، وشدة بردها، ويقال " ما قرأت الناقة سلا قط! أي لم تضم رحمها على ولد، وقال عمرو بن كلثوم: نريكَ إذا دخلت على خلاءٍ. . . وقد أمنتْ عيونَ الكاشِحينا ذراعي عَيْطَلٍ أدماءَ بكر. . . هجينَ اللون لم تقرأ جنينا وأكثر أهل اللغة يذهب إلى أنها لم تجمع ولداً قط في رحمها وذكر قطرب هذا القول أيضاً، وزاد في لم تقرأ جنيناً أي لم تلقه مجموعاً. فهذا جميع ما قال الفقهاءُ وأهل اللغة في القرءِ. والذي عندي أن القرءَ في اللغة الجمع، " وأن قولهم قَرَيْتُ الماءَ في الحوض من هذا، وإن كان قد ألْزِمَ الماء - فهو جمعته، وقولك قرأت القرآن أي لفظت به مجموعاً، والقرد يُقْرئُ، أي يجمع ما يأكل في بيته، فإِنما القرءُ اجتماع الدم في البدن، وذلك إنما يكون في الطهر، وقد يكون اجتماعه في الرحم، وكلاهما حسن وليس بخارج عن مذاهب الفقهاءِ، بل هو تحقيق المذهبين، والمقرأة الحوضُ الذي يقرأ فيه الماءُ أي يجمع، والمَقرَأ الِإناءُ الذي يقرأ فيه الضيف. * * * وقوله : (وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ). قيل فيه لا يحل لهن أن يكتمن أمر الولد لأنهن إِن فعلن ذلك فإنما يقصدن إِلى إِلزامه غير أبيه. وقد قال قوم هو الحَيْض. وهو بالولد أشبه لأن ما خلق الله في أرحامهن أدل على الولد، لأن اللَّه جلَّ وعزَّ قال: (هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ)

стр. 268

وقال: (ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا) فوصف خلق الولد. " ومعْنى: (إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ). تأويله إِن كن يصدقن باللَّه وبما أرهب به وخوف من عذابه لأهل الكبائر فلا يكتمن، كما تقول لرجل يظلمُ إِن كنت مؤمناً فلا تظلم، لَا إنَّه يقول له هذا مطلِقاً الظلم لغير المؤمن. ولكن المعنى: إن كنت مؤمناً فينبغي أن يحجزك إِيمانك عن ظلمي. ْوقوله : (وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ). بعولة جمع بَعْل، مثل ذكر وذكورة، وعم وعمومة أشبه ببَعْلٍ وبعولة. ويقال في جمع ذكر ذِكارة وحجر حِجَارة. وإِنما هذه الهاءُ زيادة مؤَكدة معنى تأْنيث الجماعة، ولكنك لا تدخلها إِلا في الأمكنة التي رواها أهل اللغة، لا تقول في كعب كعوبة ولا في كلب كِلابة، لأن القياس في هذه الأشياءِ معلوم، وقد شرحنا كثيراً مما فيه فيما تقدم من الكتاب. ومعنى (فِي ذَلِكَ) أَي في الأجل الذي امِرْنَ أن يتربصن فيه، فأزواج قبل انقضاءِ القروءِ الثلاثة أحق بردهن إِن رَدُّوهُنَّ على جهة الِإصلاح، ألا ترى قوله: (إِنْ أرَادُوا إِصْلاَحاً). ومعنى قوله : (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ). أي للنساءِ مثل الذي عَليهنَّ بما أمر الله به من حق الرجل على المرأة. وهو معنى (بِالْمَعْرُوفِ).

стр. 269

وقوله : (وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ). معناه زيادة فيما للنساءِ عليهن كما قال تعالى: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ). والمعنى أن المرأة تنال من اللَّذة من الرجل كما ينال الرجل، وله الفضل بنفقته وقيامه بما يصلحها. * * * وقوله : (وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ). معناهُ مَلِكٌ يحكم بما أراد، ويمتحن بما أحب، إِلا أن ذلك لا يَكون إِلا بحكمة بالغة - فهو عزِيز حكيم فيما شرع لكم من ذلك. * * * وقوله : (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩) (الطلاقُ) رفع بالابتداءِ، و (مرتان) الخبر، والمعنى الطلاق الذي تمْلك فيه الرجعة مرتان، يدل عليه (فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ) المعنى فالواجب عليكم إِمساك بمعروف أو تسريح بإِحسان. ولو كان في الكلام فإِمساكاً بمعروف كان جائزاً. على فأمسكوهن إمساكاً بمعروف كما قال : (فأمسكوهن بمعروف أَو سرحوهن بمعروف)، ومعنى (بمعروف) بما يعرف من إِقامة الحق في إِمساك المرأة. * * * وقوله : (وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا). أي مما أعطيتموهن من مهر وغيره. * * * وقوله : (إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ). قرئت (يَخَافا)، ويُحافَا - بالفتح والضم - قال أبو عبيدة وغيره: معنى

стр. 270

(إِلَّا أَنْ يَخَافَا) إِلا أن يوقنا، وحقيقة قوله: (إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ) أن يكون الأغْلب عليهما وعندهما أنهما على ما ظهر منهما من أسباب التباعد الخوفُ في أن لا يقيما حدود اللَّه - ومعنى (حُدُودَ اللَّهِ) ما حدَّه الله جلَّ وعزَّ مما لا تجوز مجاوزته إِلى غيره، وأصل الحدِّ في اللغة المنع، يقال حَدَدْتُ الدار. وحددت حدود الدار، أي بنيت الأمكنة التي تمنع غيرها أن يدخل فيها. وَحَدَدْتُ الرجل أقمت عليه الحد، والحد هو الذي به منع الناس من أن يدخلوا فيما يجلب لهم الأذى والعقوبة، ويقال أحدت المرأة على زوجها وحدت فهي حَادٌّ وَمُحدٌّ، إِذا امتنعت عن الزينة، وأحددت إليه النظر إِذا منعت نظري من غيره وصرفته كله إِليه، وأحْدَدْتُ السكين إِحْدَاداً. قال الشاعر: إِن العبادي أحَدَّ فأسَه. . . فعاد حدُّ فأسه برأسه وَإِنَّمَا قيل للحديد حديد لأنه أمنع ما يمتنع به، والعرب تقول للحاجب والبواب وصاحب السجن: الحَدَّاد، وإِنما قيل له حداد لأنه يمنع من يدخل ومن يخرج، وقول الأعشى: فقمنَا ولمَّا يصحْ ديكُنَا. . . إِلى خمرة عند حَدَّادها أي عند ربها الذي منع منها إِلا بما يريد. ومعنى: (فلا تَعْتَدُوهَا): أي لَا تُجَاوِزُوهَا. * * * وقوله : (فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٢٣٠) أي فإِن طلقها الثالثة، لأن الثنتين قد جرى ذكرهما أيْ فلا تحل له حتى تتزوج زوجاً غيره، وفعل الله ذلك لعلمه بصعوبة تزوج المرأة على الرجل،

стр. 271

فحرم عليه التزوج بعذ الثلاث لئلا يعجلوا بالطلاق، وأن يَتَثَنتُوا. وقوله : (بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا) يدل على ما قلناه. * * * وقوله : (فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا) أي فإن طلقها الزوج الثاني فلا جناح عليها وعلى الزوج الأول أن يتراجعا، وموضع أن نصب، المعنى لا يَأثمان في أن يتراجعا. فلما سقطت " في " وصل معنى الفعل فنصب - ويجيز الخليل أن يكون موضع أن خفضا علىْ إِسقاط " في " ومعنى إرادتها في الكلام. وكذلك قال الكسائي. والذي قالاه صواب لأن " أن " يقع فيها الحذف، ويكون جعلها موصولة عوضاً مما حذف، ألا ترى أنك لو قلت لا جناح عليهما الرجوع لم يصلح. والحذف مع أن سائغ فلهذا أجاز الخليل وغيره أن يكون موضِع جر على إِرادة في. ومعنى. (إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ). أي إنْ كان الأغلب عليهما أن يقيما حدود اللَّه. * * * وقوله : (وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ). ويُقْرأ "نبينُهَا" بالياءِ والنون جميعاً. (لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) أي يعلمون أن وعد اللَّه حق وأن ما أتى به رسوله صدق. * * * وقوله : (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٣١) أي وقت انقضاءِ عدتهن. (فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ). أي اتركوهن حتى ينقضي تمام أجلهن ويكن أملك بأنفسهن. * * * وقوله : (وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا).

стр. 272

أي لا تمسكوهن وأنتم لا حاجة بكم إليهن، وقيل إنه كان الرجل يطلق المرأة ويتركها حتى يقرب انقضاءُ أجلها ثم يراجعها إضراراً بها، فنهاهم الله عن هذا الإضرار بهن. * * * وقوله : (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ). أي عَرَّضَها لعذاب اللَّه : لأن إتيانَ ما نهى اللَّه عنه تعرض لعذابه، وأصل الظلم وضع الشي - في غير موضعه وقد شرحنا ذلك. * * * وقوله : (وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا) أي ما قد بينه لكم من دلالاته، وعلاماته في أمر الطلاق وغيره. وقيل في هذا قولان: قال بعضهم: كان الرجل يُطَلِّقُ وُيعْتِقُ ويقول: كنت لاعباً، فأعلم الله أن فرائضه لا لعب فيها، وقال قوم: معنى (وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا)، أي لا تَتْركُوا العَمل بما حدَّد اللَّه لكم فتكونوا مقصرين لاعبين كما تقول للرجل الذي لا يقوم بما يكلفه، - ويتَوَانى فيه: إنما أنت لاعب. * * * وقوله : (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢٣٢) (فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ). هذا مخاطبة للأولياءِ، وفي هذا دليلُ أن أمر الأولياءِ بين. لأنَّ المطلَّقة التي تراجع إِنما هي مالِكة بُضْعها إلا أن الولي لا بُد منه، ومعنى (تَعْضُلوهُنَّ): تمنعوهُنَّ وتحبسوهنَّ، من أن ينْكِحن أزْواجَهُنَّ. والأصْل في هذَا فيما رُوي أن معقل بن يسَار طلق أختَه زوجُها،

стр. 273

فَأبى معقل بن يَسار أن يزَؤَجَها إيَّاه، ومَنَعَها بِحَقّ الولاَية منْ ذلك، فلما نزلت هذه الآية تلاها عليه رسول الله ﷺ فقال معقل: رَغِمَ أنْفِي لأمْر اللَّه. وأصل العَضْل من قولهم: عضلت الدجاجة، فهي مُعْضَل، إذا احتبس بيضها ونَشَبَ فلم يَخْرج، ويقَال عضلت الناقة أيضاً، فهي معْضَل إِذا احْتَبس ما في بَطْنِهَا. . . * * * وقوله : (ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ). أي بأمر الله الذي تلا عليكم، (يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ)، أي من صدق بأمر اللَّه ووعيده والبعث وأطاع اللَّه في هذه الحدود. وقال (ذلك يوعظ به) وهو يخاطب جميعاً، وقد شرحنا القول فيه فيما تقدم. وقال بعض أهل اللغة: إنه توُهِّمَ أنَّ ذَا مع الْمعَارف كلمة واحدة. ولا أدْري - منْ غَير قائل هذا - بهذا التوَهم. الله خاطب العرب بما يعقلونه وخاطبهم بأفصح اللغات، وليس في القرآن توهم، تعالى اللَّه - عن هذا، وإِنما حقيقة ذلك وذلكم مخاطبَة الجميع، فالجميع لفظه لفظ واحد، فالمعنى ذلكَ أيها القبيل يُوعظ به من كان منكم يؤمن باللَّه، وقوله بعد هذا. (ذَلُكُمْ أزْكَى لَكمْ وأطْهَرُ). يَدُل على أنَّ " ذلك " - و " ذلكم " مخاطبة للجماعة. ومعنى (واللَّهُ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ). أي الله يعلم ما لكم فيه الصلاح في العاجل والآجل، وأنتم غير عالمين إِلا بما أعلمكم. * * * وقوله : (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٣)

стр. 274

اللفظ لفظ الخبر والمعنى الأمر كما تقول: حسبك درهم فلفظه لفظ الخبر، ومعناه اكتف بدرهم، وكذلك معنى الآية لترضع الوالدات يقال أرضعت المرأة فهي مرضعة، (قولهم) امرأة مرضع بغير هاءٍ، معناه ذات إِرضاع، فإذا أردتم اسْمَ الفاعلَ عَلى أرضعَتْ قلتَ مرضعة لا غير. ويقال: رُضِعَ المولود يُرْضَع، وَرَضَعَ يرْضَع، والأولى أكثر وأوضح. ويقال: الرضَاعَةُ والرضَاعَةُ - بالفتح والكسر - والفتح أكثرُ الكلام وأصحه، وعليه القراءَة (لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ). وروى أبو الحسن الأخفش أن بعض بني تميم تقول الرضاعة بكسر الراءِ، وروى الكسرَ أيضاً غيره، ويقال: الرَّضاع والرضَاعَ ويقال: ما حمله على ذلك إِلا اللؤْم والرضَاعَة بالفتح لا غير ههنا. ويقال: ما حمله عليه إِلا اللؤْم والرضْع مثل. الحلْف والرضْعُ، يقالان جميعا. ومعنى (حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ) أربعة وعشرون شهراً، من يوم يولد إِلى يوم يفطم، وإِنما قيل: (كَامِلَيْنِ) لأن القائل يقُول: قد مضى لذلك عامان وسنتان فيجيز أن السنتين قد مضتا، ويكون أن تبقى منهما بقية، إِذا كان في الكلام دليل على إِرادة المتكلم فإِذا قال: (كَامِلَيْنِ) لم يجز أن تنقصا شيئاً، وتقرأ (لمن أراد أن تَتِمَ الرضاعةُ) و (لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ) وهذا هو الحقُّ في الرضاعة إِلا أن يتراضيا - أعني الوالدين - في الفطام بدون الحولين وُيشَاوَرَا في ذلك.

стр. 275

ومعنى (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ). - أي على الزوج رزْق المرأة المطلقة إذا أرضعت الولد وعليه الْكِسْوة. ومعنى بالمعروف، أي بما يعرفون أنه العدل على قدر الإمكان. ومعنى (لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا). أي لا تكلف إلا قدر إمكانها. وقوله : (لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا). قرئت على ضربين لا تضارُّ والدة برفع الراءِ على معنى: لا تكلف نفْس، على الخبر الذي فيه معنى الأمر، ومن قرأ: (لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ) بفتح الراءِ، فالموضع موضع جزم على النهي. الأصل: لا تُضَاررْ، فأدغمت الراءُ الأولى في الثانية وفتحت الثانية لالتقاءِ السَّاكنين، وهذا الاختيار في التضعيف إِذا كان قبله فتح أو ألف الاختيار عضَّ يا رجل، وضَارَّ زيداً يا رجل، ويجوز لَا تُضَار والدة بالكسر، ولا أعلم أحداً قرأ بها، فلا تقرأنَّ بها، وإِنما جاز الكسر لالتقاءِ السَّاكنين لأنه الأصل في تحْريك أحد السَّاكنين. ومعنى (لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا): لا تترك إِرضاع ولدها غيظاً على أبيه فَتضرَّ بهِ لأن الوالدة، أشفق على ولدها من الأجنبية. (وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ). أي لا يأخذْه من أمه للإضرار بها فيضُر بولَدِهِ. (وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ) أي عليه ترك الإِضرار. * * * وقوله : (فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ). أي فِطاماً وتراضياً بذلك بعد أن تشاورا وعلماً أن ذلك غير مدخل على الولد ضرراً.

стр. 276

(فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا). أي فلا إثم عليهما في الفصال على ما وصفنا. * * * وقوله : (وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ). معناه تسترضعوا لأولادكم غير الوالدةِ، فلا إثم عليكم. (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ). قيل فيه إذا سلمتم الأمر إلى المسترضَعةِ وقيل إذا أسلمتم ما أعطاه بعضكم لبعض من التراضي في ذلك. * * * وقوله : (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٣٤) هذا للمتوفى عنها زوجُهَا، عليها أن تنتظر بعد وفاته إِذا كانت غير ذاتِ حمْل أربعةَ أشْهُر وعشْراً لا تتزوج فيهن ولا تستعمل الزينة. وقال النحويون في خبر (الذين) غير قول: قال أبو الحسن الأخفش المعني يتربصن بعدهُمْ أو بعد موتهم، وقال غَيْرُه من البصريين أزوَاجُهُمْ يتربصن، وحذف أزواجهم لأن في الكلام دليلاً عليه، وهذا إطباق البصريين وهو صواب. وقال الكوفيون: وهذا القول قول الفراءِ وهو مذهبه أنَّ الأسماءَ إِذا

стр. 277

كانت مضافة إِلى شيءٍ، وكان الاعتماد في الخبر الثاني، أخبر عن الثاني وتُرِكَ " الإخبار عن الأول، وأغنى الإِخبارُ عن الثاني عن الإخبار عن الأول. قالوا: فالمعنى: وأزواج الذين يتوفون يتربصن. وأنْشَد الفَراءُ: لَعَلِّي إِنْ مالَتْ بي الرّيحُ ميْلَةً. . . على ابن أبي ذَبَّانَ أن يتقدما المعنى: لعل ابن أبي ذُبَّان أن يتقدم إِليَّ مالت بِي الريح ميلة عليه. وهذا القول غير جائز. لا يجوز أن يَبْدَأ اسم ولا يحدَّث عنه لأن الكلام إِنما وضع للفائدة، فما لا يفيد فليس بصحيح، وهو أيضاً من قولهم محال، لأن الاسم إنما يرفعه اسم إذا ابتدئ مثله أو ذكر عائد عليه، فهذا على قولهم باطل، لأنه لم يأت اسم يرفعه ولا ذكر عائد عليه. والذي هو الحق في هذه المسألة عندي أن ذكر (الذين) قد جرى ابتداءً وذكر الأزواج قد جرى متصلاً بصلة الذين، فصار الضمير الذي في (يَتَرَبَّصْنَ) يعود عَلَى الأزواجِ مضافاتٍ إِلى الَّذِينَ. . كأنك قلت: يتربَّصُ أزواجهم، ومثل

стр. 278

هذا من الكلام قولك الذي يموت ويُخلف ابنَتَينِ ترثان الثلثين، المعنى ترث ابنتاه الثلثين. ومعنى قوله : (وَعَشْرًا) يدخل فيها الأيام. زعم سيبويه أنك إِذا قلت " لخمس بَقِينَ " فقد علم المخاطب أن الأيام داخلة مع الليالي، وزعم غيره أن لفظ التأنيث مغلَّبٌ في هذا الباب. وحكى الفرَّاءُ صُمْنَا عَشْراً من شهر رمضان، فالصوم إنَّما يكون في الأيَّامِ ولكن التأنيث مغلَّبٌ في الليالي - لِإجْمَاعِ أهل اللغة " سرْنَا خَمْساً بيْنَ يوْمٍ وليلة " أنشد سيبوبه: فطافت ثلاثأ بيْنَ يوم وليلة. . . يكون النكير أنْ تَصيح وتَجْأرَا قال سيبوبه هذا باب المؤَنث الذي استعمل للتأنيث والتذكير، والتأنيث أصله، قال تقول: عندي ثلاث بطات ذكور وثلاث منَ الِإبل ذكور، قال لأنك تقول: هذه إبل، وكذلك ثلاث من الغنم ذكور. (قال) فإن قلت عندي ثلاثة ذكورٍ من الِإبل لم يكن إلا التَّذكير، لأنك إِنما ذكرت ذكوراً ثم جئت تقول من الإبل بعد أن مضى - الكلام على التذكير، وليس بين النحويين البصريين والكوفيين خلاف في الذي ذكرنا من باب تأنيث هذه الأشياءِ فإن قلت عندي خمسة بين رجل وامرأة غلبت التذكير لا غير. * * * وقوله : (فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ)

стр. 279

أي غَاية هذه الأشهر والعشر. (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ). أي لا جناح عليكم في أن تتركوهن - إذا انقضت هذه المدة - أن يتزوجن، وأن يتزين زينةً لا ينكر مثلها. وهذا معنى (بالمعروف). * * * وقوله َ: (وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٣٥) المعنى أنه لاجناح على الرجل أن يُعَرِّضَ للمرأة التي هي في عدَّةِ بالتزويجِ. والتعريض أن يقول إني فيك لراغب. وإِن قضى الله أمراً كان، وما أشبه هذا من القول. ولا يجوز أن يقطع أمر التزويج والمرأة لم تخرج من عدتها، ومعنى خِطْبَة كمعنى خَطْب، أما خطْبة فهو ماله أول وآخر نحو الرسالة، وحُكِيَ عن بعض العرب " اللهم ارفع عنا هذه الضُغْطَة " فالضغْطَة ضَغْطْ له أول وآخر متصل. ومعنى: (أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ). يقال في كل شيء تستره أكْننته وكَننَتْه، وأكْننته فيِما يَسْترهُ أكثر، وما صُنْتَه تقول فيه كننته فهو مكنون. قال اللَّه : (كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (٤٩). أي مَصون، وكل واحدة منْهما قَريبَة من الأخرى. وقوله : (وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا). قال أبو عبَيدَةَ: السِّر الإفْصَاح بالنكاح وأنشد: ويحْرم سرُّ جارَتهمْ عليْهمْ. . . ويأْكلُ جَارُهَمْ أنفَ القصَاع

стр. 280

وقال غيره: كَأن السِّرَ كناية عن الجماع - كما أن الغائطَ كناية عن الموضع وهذا القول عندي صحيح. * * * وقوله : (وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ). معناه: لا تَعْزموا على عَقْدِ النكاح، وحذف " عَلَى " استخفافاً كما تقول: ضرب زيد الظهر والبطن، معناه على الظهر والبطن، وقال سيبويه: إِن الحذف في هذه الأشياءِ لا يقاس. وقوله : (حَتَّى يَبْلُغَ الكتابُ أجَلَهُ). فعناه حتى يبلغ فرض الكتاب أجله، ويجوز أن يكون الكتاب نفسه في معنى الفرض، فيكون المعنى حتى يبلغ الفرضُ أجلَه - كما قال: : (كُتِبَ عَلَيْكُم الصِّيَامُ) أي فرض عليكم، وِإنَّمَا جَازَ أن يَقَعَ (كُتِبَ) في معنى فُرِضَ، لأن ما يكتب يقع في النفوس أنه ثَبَتَ، ومعنَى هذا الفرض الذي يبلغ أجله أيام عدة المطلقة والمتوفي عنها زوجها. * * * ْوقوله : (لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦) فقد أعلم الله في هذه الآية أن عقد التزويج بغير مهر جائز، وأنه لاَ إِثْم على من طلق من تزوج بها من غير مهر كما أنه لا إِثم على من طلق من تزوج بمهر، وأمر بأن تمتع المتزوج بها بغير مهر إذا طلقت ولم يدخل بها فقال اللَه : (ومَتعُوهُن على المُوسِع قَدَرُه وعلى المُقْتِر قَدَرُه). و (قَدرُهُ)، يُقْرآن جميعاً، فقالوا إِن التَمتُّعَ يَكونُ بأشياءَ بأنْ تَخدَم المرأة

стр. 281

وبأن تُكْسَى، وبأن تُعْطى ما تُنفِقُه، أيَّ ذَلكَ فَعَلَ يُمَتعُ، فذلك جائز له على قدر إمكانه. وقوله : (مَتَاعاً بالْمَعْرُوفِ). أي بما تعرفون أنه القصد وقدر الإِمكان، ويجوز أن يكون نصب (متاعاً بالمعروف)، على قوله: ومتعوهن متاعا، يجوز أن يكون منصوباً على الخروج من قوله: على الموسع قدره متاعاً أي مُمَتِّعاً متاعاً. * * * وقوله : (حَقاً عَلَى المُحْسِنينَ). منصوب على حق ذلك عليهم حقاً، كما يقال حققت عليه القضاءَ وأحققته، أي أوجبته. * * * وقوله : (وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٧) أي فعليكم نصف ما فرضتم، ويجوز النصب - (فنصف ما فرضتم). المعنى فَأدُّوا نصفَ ما فرضتم، ولا أعلم أحداً قرأ بها فإِن لم تثبت بها رواية فلا تَقْرَأنَّ بها. * * * وقوله : (إِلًا أنْ يَعْفُونَ أوْ يَعْفُوَ الذي بِيَدِهِ عُقْدَة النِّكَاحِ). المعنى إلا أن يعفوَ النساءُ أو يعفوَ الذي بيده عقدة النكاح، وهو الزوج أو الولي إِذَا كان أباً. ومعنى عَفْو المرأة - أن تعفو عن النصف المواجب لها من المهر فتتركه للزوج، أو يعفو الزوج عن النصف فيعطيها الكل. وموضع (أن يعفون) نصب بأن، إِلا أن جماعة المؤَنث في الفعل المضارع تستوي في الرفع والنصب، والجزم، وقد بيَّنَّا ذلك فيما سلف من الكتاب. * * * وقوله : (وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ). ظاهر هذا الخطاب للرجال خاصة دون النساءِ، وهو محتمل أن يكون .

стр. 282

للفريقين لأن الخطاب إِذا وقع على مذكرين ومَؤنثين غلب التذكير لأن الأول أمكن. والأجود في قوله: (وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ) الضمُ. ويجوز ُ وَلاَ تَنْسَوْ الفضل بينكم) - وقد شَرَحْنَا العلة فيه. * * * وقوله : (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨) قالوا: (الصلاة الوسطى) العصر - وهو أكثر الرواية، وقيل إِنها الغداة وقيل إنها الظهر. واللَّه قَدْ أمر بالمحافظة على جميع الصلَوَاتِ إِلا أن هذه الواو إذا جاءَت مخصصَةً فهي دالة على الفضل للذي تُخَصصُه كما قال: : (مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ) فذكرا مخصوصين لفضلهما على الملائكة، وقال يونس النحوي في قوله : (فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ) إِنما خص النخل والرمان وقد ذكرت الفاكهة لفضلها على سائرها. * * * وقوله : (وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ). القانِت المُطيع والقَانِت - الذاكر اللَّه، كما قال : (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا) وقيل القانت العابد - وقالوا في قوله : (وكانت من القانتين) أي العابدين. والمشهور في اللغة والاستعمال أن القنوت: الدعَاءُ في القيام، وحقيقة القانت أنه القائم بأمر اللَّه، فالداعي إِذا كان قائماً خص بأن يقال له قانت،

стр. 283

لأنه ذاكر الله وهو قائم على رجليه. فحقيقة القنوت العبادَة والدعاءُ لله في حال القيام. ويجوز أن يقع في سائر الطاعة، لأنه إِنْ لم يكن قياماً بالرجْلين فهو قيام بالشيء بالنية. * * * ومعنى: (فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (٢٣٩) أي فصلوا ركباناً أو رجالاً، ورجَال جمع راجل ورجال، مثل صاحب وصِحَاب، أي إن لم يمكنكم أن تقوموا قَانتين أي عابدين مُوَفِّينَ الصَّلَاةَ حقَهَا لخوف ينالَكم، فصلوا رجالاً أو ركباناً. * * * وقوله : (فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ). أي فَإِذَا أمِنْتُم فَقُومُوا قانتين مُؤَدِّينَ للفرض. * * * وقوله : (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٤٠) (وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ) و (وصيةٌ لأزواجهم) يقرءَان جميعاً. فمن نصب أراد فلْيوصوا وَصِيةً لأزواجهم. ومن رفع فالمعنى فَعَلَيْهِم وصيةٌ لأزواجهم. (مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ) أي مَتَعُوهُنَّ مَتَاعاً إِلى الحَول، ولا تخرجوهن، وهذا منسوخ بإِجماع. نسخَهُ ما قبله وقد بَينَاه. وقيل إِنه نسخته آية المواريث وكلاهما - أعني ما أمر الله به من تربص أربعة أشهر وعشراً، وما جعل لهن من المواريث قد نسخه. * * * وقوله : (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢٤٢)

стр. 284

آياته علاماته ودلالاته على ما فرض عليكم، أي مثل هذا البيان يبين لكم ما هو فرض عليكم، وما فرض عليكم. ومعنى (لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) معنى يحتاج إِلى تفسير يبالغ فيه، لأن أهل اللغة والتفسير أخبروا في هذا بما هو ظاهر، وحقيقة هذا أن العاقل ههنا أهو، الذي يعمل بما افْتُرِضَ عليه، لأنه إِن فهم الفرض ولم يعمل به فهو جاهل ليس بعاقل، وحقيقة العقل هو استعمال الأشياءِ المستقيمة متى عُلمَت، ألا ترى إِلى قوله : (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ)، لو كان هُؤلاء جهالاً غيرَ مميزين ألبَتَّةَ لسقط عنهم التكليف، لأن الله لا يكلف من لا يميز، ويقال جهال وإِن كانوا مميزين. لأنهم آثروا هواهم على ما علموا أنه الحق. * * * وقوله : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٢٤٣) معنى (أَلَمْ تَرَ) ألم تعلم، أي ألم ينته علمك إلى خبر هؤُلاءِ وهذه الألف ألف التوقيف، و (تَرَ) متروكة الهمزة، وأصله ألم ترءَ إلى الذين. والعرب مجمعة على ترك الهمزة في هذا. ونصب (حَذَرَ الْمَوْتِ) على أنه مفعول له والمعنى خرجوا لحذر الموت، فلما سقطت اللام نصب على أنه مفعول له وجاز أن يكون نَصبه على المصدر، لأن خروجهم يدل على حذر الموت حذراً. وقيل في تفسير الآية: إِنهم كانوا ثمانية ألوف، أمروا في أيام بني إسرائيل

стр. 285

إِسرائيل أن يجاهدوا العَدُوَّ، فاعتلوا بأن الموضع الذي ندبوا إِليه ذو طاعون. (فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا). معناه فاماتهم اللَّه، ويقال إِنهم أمِيتوا ثمانية أيامٍ ثم أُحْيوا، وفي ذكر هذه الآية للنبي ﷺ احتجاج على مشركي العرب وعلى أهل الكتاب من إليهود والنصارى، أنه أنْبَأ أهلَ الكتاب بما لا يدفعون صِحَتَه، وهو لم يقرأ كتاباً ﷺ . فالذين تلا عليهم يعلمون إنَّه لمَ يقرأ كتاباً وأنه أمي، فلا يَعْلَم هذه الأقاصيصَ إِلا بوحي، إذْ كانَتْ لَمْ تعْلَم من كتاب فعلم مشركو العرب أن كل من قرأ الكتب يصدقه ﷺ في إخباره أنها كانت في كتبهم، ويعلم العرب الذين نشأ معهم مثل ذلك وأنه ما غاب غيبة يُعَلَّم في مثلها أقاصيصَ الأمم وأخبارَها على حقيقة وصحة، وفي هذه الآية أيضاً معنى الحث على الجهاد. وأن الموت لا يُدْفَعُ بالهَرَب منه. وقوله : (إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ). أي تفضل على هُؤلاءِ بأنْ أحياهم بعدَ مَوْتهم فأراهم البَصِيرَةَ التي لا غَايةَ بعدها. وقوله : يَعقِب هذه الآية: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٤٤) اى لا تهربوا من الموت كما هرب هؤُلاءِ الذين سمعتم خبرهم، فلا ينفعكم الهرب. ومعنى قوله مع ذكر القتال: (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ).
следующие страницы →