← Тафсир

Тафсир · id 922

معاني القرآن وإعرابه للزجاج

الزجاج

Полный текст (2 149 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وبأن تُكْسَى، وبأن تُعْطى ما تُنفِقُه، أيَّ ذَلكَ فَعَلَ يُمَتعُ، فذلك جائز له على قدر إمكانه. وقوله : (مَتَاعاً بالْمَعْرُوفِ). أي بما تعرفون أنه القصد وقدر الإِمكان، ويجوز أن يكون نصب (متاعاً بالمعروف)، على قوله: ومتعوهن متاعا، يجوز أن يكون منصوباً على الخروج من قوله: على الموسع قدره متاعاً أي مُمَتِّعاً متاعاً. * * * وقوله : (حَقاً عَلَى المُحْسِنينَ). منصوب على حق ذلك عليهم حقاً، كما يقال حققت عليه القضاءَ وأحققته، أي أوجبته. * * * وقوله : (وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٧) أي فعليكم نصف ما فرضتم، ويجوز النصب - (فنصف ما فرضتم). المعنى فَأدُّوا نصفَ ما فرضتم، ولا أعلم أحداً قرأ بها فإِن لم تثبت بها رواية فلا تَقْرَأنَّ بها. * * * وقوله : (إِلًا أنْ يَعْفُونَ أوْ يَعْفُوَ الذي بِيَدِهِ عُقْدَة النِّكَاحِ). المعنى إلا أن يعفوَ النساءُ أو يعفوَ الذي بيده عقدة النكاح، وهو الزوج أو الولي إِذَا كان أباً. ومعنى عَفْو المرأة - أن تعفو عن النصف المواجب لها من المهر فتتركه للزوج، أو يعفو الزوج عن النصف فيعطيها الكل. وموضع (أن يعفون) نصب بأن، إِلا أن جماعة المؤَنث في الفعل المضارع تستوي في الرفع والنصب، والجزم، وقد بيَّنَّا ذلك فيما سلف من الكتاب. * * * وقوله : (وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ). ظاهر هذا الخطاب للرجال خاصة دون النساءِ، وهو محتمل أن يكون .

стр. 282

للفريقين لأن الخطاب إِذا وقع على مذكرين ومَؤنثين غلب التذكير لأن الأول أمكن. والأجود في قوله: (وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ) الضمُ. ويجوز ُ وَلاَ تَنْسَوْ الفضل بينكم) - وقد شَرَحْنَا العلة فيه. * * * وقوله : (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨) قالوا: (الصلاة الوسطى) العصر - وهو أكثر الرواية، وقيل إِنها الغداة وقيل إنها الظهر. واللَّه قَدْ أمر بالمحافظة على جميع الصلَوَاتِ إِلا أن هذه الواو إذا جاءَت مخصصَةً فهي دالة على الفضل للذي تُخَصصُه كما قال: : (مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ) فذكرا مخصوصين لفضلهما على الملائكة، وقال يونس النحوي في قوله : (فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ) إِنما خص النخل والرمان وقد ذكرت الفاكهة لفضلها على سائرها. * * * وقوله : (وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ). القانِت المُطيع والقَانِت - الذاكر اللَّه، كما قال : (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا) وقيل القانت العابد - وقالوا في قوله : (وكانت من القانتين) أي العابدين. والمشهور في اللغة والاستعمال أن القنوت: الدعَاءُ في القيام، وحقيقة القانت أنه القائم بأمر اللَّه، فالداعي إِذا كان قائماً خص بأن يقال له قانت،

стр. 283

لأنه ذاكر الله وهو قائم على رجليه. فحقيقة القنوت العبادَة والدعاءُ لله في حال القيام. ويجوز أن يقع في سائر الطاعة، لأنه إِنْ لم يكن قياماً بالرجْلين فهو قيام بالشيء بالنية. * * * ومعنى: (فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (٢٣٩) أي فصلوا ركباناً أو رجالاً، ورجَال جمع راجل ورجال، مثل صاحب وصِحَاب، أي إن لم يمكنكم أن تقوموا قَانتين أي عابدين مُوَفِّينَ الصَّلَاةَ حقَهَا لخوف ينالَكم، فصلوا رجالاً أو ركباناً. * * * وقوله : (فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ). أي فَإِذَا أمِنْتُم فَقُومُوا قانتين مُؤَدِّينَ للفرض. * * * وقوله : (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٤٠) (وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ) و (وصيةٌ لأزواجهم) يقرءَان جميعاً. فمن نصب أراد فلْيوصوا وَصِيةً لأزواجهم. ومن رفع فالمعنى فَعَلَيْهِم وصيةٌ لأزواجهم. (مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ) أي مَتَعُوهُنَّ مَتَاعاً إِلى الحَول، ولا تخرجوهن، وهذا منسوخ بإِجماع. نسخَهُ ما قبله وقد بَينَاه. وقيل إِنه نسخته آية المواريث وكلاهما - أعني ما أمر الله به من تربص أربعة أشهر وعشراً، وما جعل لهن من المواريث قد نسخه. * * * وقوله : (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢٤٢)

стр. 284

آياته علاماته ودلالاته على ما فرض عليكم، أي مثل هذا البيان يبين لكم ما هو فرض عليكم، وما فرض عليكم. ومعنى (لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) معنى يحتاج إِلى تفسير يبالغ فيه، لأن أهل اللغة والتفسير أخبروا في هذا بما هو ظاهر، وحقيقة هذا أن العاقل ههنا أهو، الذي يعمل بما افْتُرِضَ عليه، لأنه إِن فهم الفرض ولم يعمل به فهو جاهل ليس بعاقل، وحقيقة العقل هو استعمال الأشياءِ المستقيمة متى عُلمَت، ألا ترى إِلى قوله : (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ)، لو كان هُؤلاء جهالاً غيرَ مميزين ألبَتَّةَ لسقط عنهم التكليف، لأن الله لا يكلف من لا يميز، ويقال جهال وإِن كانوا مميزين. لأنهم آثروا هواهم على ما علموا أنه الحق. * * * وقوله : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٢٤٣) معنى (أَلَمْ تَرَ) ألم تعلم، أي ألم ينته علمك إلى خبر هؤُلاءِ وهذه الألف ألف التوقيف، و (تَرَ) متروكة الهمزة، وأصله ألم ترءَ إلى الذين. والعرب مجمعة على ترك الهمزة في هذا. ونصب (حَذَرَ الْمَوْتِ) على أنه مفعول له والمعنى خرجوا لحذر الموت، فلما سقطت اللام نصب على أنه مفعول له وجاز أن يكون نَصبه على المصدر، لأن خروجهم يدل على حذر الموت حذراً. وقيل في تفسير الآية: إِنهم كانوا ثمانية ألوف، أمروا في أيام بني إسرائيل

стр. 285

إِسرائيل أن يجاهدوا العَدُوَّ، فاعتلوا بأن الموضع الذي ندبوا إِليه ذو طاعون. (فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا). معناه فاماتهم اللَّه، ويقال إِنهم أمِيتوا ثمانية أيامٍ ثم أُحْيوا، وفي ذكر هذه الآية للنبي ﷺ احتجاج على مشركي العرب وعلى أهل الكتاب من إليهود والنصارى، أنه أنْبَأ أهلَ الكتاب بما لا يدفعون صِحَتَه، وهو لم يقرأ كتاباً ﷺ . فالذين تلا عليهم يعلمون إنَّه لمَ يقرأ كتاباً وأنه أمي، فلا يَعْلَم هذه الأقاصيصَ إِلا بوحي، إذْ كانَتْ لَمْ تعْلَم من كتاب فعلم مشركو العرب أن كل من قرأ الكتب يصدقه ﷺ في إخباره أنها كانت في كتبهم، ويعلم العرب الذين نشأ معهم مثل ذلك وأنه ما غاب غيبة يُعَلَّم في مثلها أقاصيصَ الأمم وأخبارَها على حقيقة وصحة، وفي هذه الآية أيضاً معنى الحث على الجهاد. وأن الموت لا يُدْفَعُ بالهَرَب منه. وقوله : (إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ). أي تفضل على هُؤلاءِ بأنْ أحياهم بعدَ مَوْتهم فأراهم البَصِيرَةَ التي لا غَايةَ بعدها. وقوله : يَعقِب هذه الآية: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٤٤) اى لا تهربوا من الموت كما هرب هؤُلاءِ الذين سمعتم خبرهم، فلا ينفعكم الهرب. ومعنى قوله مع ذكر القتال: (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ).

стр. 286

أي إن قلتم كما قال الذين تقدم ذكرهم بعلة الهرب من الموت سمع قولكم وعلم ما تريدون. * * * وقوله : (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٤٥) معنى القرض في اللغة البلاء اسيئ، والبلاء الحَسَن، والعرب تقول: لك عندي قرض حسن وقرض سيئ، وأصلهُ مَا يُعْطِيه الرجلُ أو يَعْملُه ليجازَى عليه، واللَّه : لا يَستَقْرض من عَوَز ولكنه يَبْلو الأخبار، فالقرض كما وصفنا، قال أميةُ بنُ أبي الصلت:. لا تَخْلِطَن خَبِيثاتِ بطيبةٍ. . . وأخلعْ ثيابَك منهَا وانجُ عُريَانَا كل امرىءِ سوف يُجْزَى قَرضَه حَسناً. . . أو سيئاً أو مَدِينَا كالذي دانا وقال الشاعر: وإذا جُوزِيتَ قرضا فاجزه. . . إِنَما يَجْزِي الفتى ليس الجمل فمعنى القرض ما ذكرنَاهُ. قأعلم اللَّه أن ما يعْمل وينفق يرادُ به الجزاءَ فاللَّه يضاعفه أضعافاً كثيرة. والقراءَة فيضاعفَه، و (قرأوا): فيضاعفُه، بالنَّصب والرفع فمن رفع عطف على يقرض، ومن عطف نصب على جواب الاستفهام وقد بَينا

стр. 287

الجَوابَ بالفاء - ولو كان قرضاً ههنا مصدراً لكان إقراضاً، ولكن قرضاً ههنا اسم لكل ما يلتمس عليه الجزاء. فأما قرضته أقرُضه قرضاً: فجاوزته، وأصل القرض في اللغة القطع. والقِرَاضُ من هذا أخِذ، فإنما أقرضته قطعت له قطعة يجازى عليها. * * * وقوله : (وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ). قيل في هذا غير قول: قال بعضهم: معناهُ يُقَترُ ويوسعُ، وقالَ بعضهم يَسْلُب قوماً مَا أنعَمَ علَيهِم ويوسع عَلَى آخَرين (وقيل معنى - يقبض) أي يقبض الصدقات ويخلفها، وإخلافها جائز أن يكون ما يعطي من الثواب في الآخرة، وجائز أن يكون مع الثواب أن يخلفها في الدنيا. * * * وقوله : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٢٤٦) الملأ أشراف القوم ووجوههمْ، ويروي أن النَبِي ﷺ سَمِعَ رجلًا من الأنصار وقد رجعوا من بدر يقول: ما قتلنا إلا عَجَائِزَ ضلْعاً، فقال ﷺ : أُولَئِكَ المَلَاءُ من قريش، لو حضرتَ فعالهم لاحتَقرْتَ فِعْلَك، والملأ في اللغة الخلُق، يقال أحْسِنوا مَلأكم، أي أخْلَاقَكمْ قال الشاعر: تَنَادَوْا يآل بهثَةَ إذ رأونَا. . . فقلنا أحسِني مَلًأ جُهَيْنَا أي خلقاً، ويقال: أحسني ممَالأةً أي معَاونَةً، ويقال رجل مَلِيء - مهموز - أي بَين المَلآء يا هذا - وأصِل هذا كله في اللغة من شيء واحد. فالمَلأ الرؤساء إِنما سمُّوا بذلك لأنهم ملءٌ بما يحتاج إليه منهم. والمَلأ الذي

стр. 288

في الخُلُق، إنما هو الخلق المليء بما يحتاج إليه، والملا: المُتسَعُ من الأرض غير مهموز، يكتب بالألِف - والياءِ في قول قوم - وأما البصريون فيكتبون بالألِف، قال الشاعر في الملا المقْصورِ الذي يدل على المتسَع من الأرض: ألَا غنيانِي وارفعا الصوتَ بالمَلا. . . فإن المَلَا عندي يزيد المَدَى بُعْدا * * * وقوله : (ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ). الجَزْمُ في (نُقَاتِلْ في سبيل اللَّه) الوجهُ على الجوابِ للْمسْألَة الَّتِي في لَفْظِ الأمْر، أي ابْعَثْ لَنَا - مَلِكاً نُقاتِلْ، أي إنْ تَبعث لنا مَلِكاً نُقَاتِلْ في سبيل الله، ومن قرأ " مَلِكاً يُقَاتِلُ " بالياءِ، فهو على صفة المَلِك ولكن نقاتلْ هو الوجهُ الذي عليه القراء، والرفع فيه بعيد، يجوز على معنى فَإنا نقاتل في سبيل الله، وكثيرٌ مِن النَّحوِّيينَ، لا يُجِيزُ الرفْعَ فِي نُقَاتِل. - وقوله : (قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا) أي لعَلكم أن تَجْبنُبوا عَنِ القتال، وقرأ بعضُهم: هل عَسِيتم بكسر السين إن كتب عليكم القتال، وهي قراءَة نافع، وأهل اللغة كلهم يقولون عَسَيْتُ أن أفْعَلَ ويختارونه، وموضع (ألَّا تُقَاتِلُوا) نَصْبٌ أعني موضع " أنْ " لأن (أنَّ) وما عملت فيه كالمصدر، إِذا قلت عسيت أن أفعل ذاك فكأنك قلت عسيت فعل ذَلِكَ. * * * وقوله : (قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ).

стр. 289

زعم - أبو الحسن الأخفش أنَ " أنْ " ههنا زائدة - قال: المعنى وما لنا لا نقاتل في سبيل اللَّه، وقال غيره، وَمَا لَنَا فِي ألا نُقاتل في سبيل اللَّه. وأسقط " في " وقَال بعْضُ النحويين إنما دخلت " أن" لأنَّ " ما " معناه ما يمنعنا فلذلك دخلت " أن " لأن الكلام ما لك تفعل كذا وكذا. والقول الصحيح عندي أنَّ " أن " لا تلغى ههنا، وأن المعنى وأي شي لنا في أنْ لا نقاتل في سبيلِ اللَّه، أي أي شيء لنا في ترك القتال. (وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا) ومعني (وَأَبْنَائِنَا)، أي سُبِيَتْ ذرارينا. ولَكِنَّ " في " سقطت مع " أن " لأن الفعلَ مُستَعمل مع أن دالا على وقت معلوم، فيجوز مع " أن " يحذف حرف الجر كما تقول: هربت أن أقول لك كذا وكذا، تريد هربت أن أقول لك كذا وكذا. وقوله ؛ (تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ). (قليلاً) منصموب على الاستثناءِ، فأما - من روى " تَولوْا إِلا قليلٌ منهم " فلا أعرف هذه القراءَة، ولا لها عندي وجه، لأن المصحف على النصب والنحو يوجبها، لأن الاستثناء - إِذا كان أولُ الكلام إِيجاباً - نحو قولك جاءَني القوم إلا زيداً - فليس في زيد المستثنى إِلا النصب - والمعنى تولوا أسْتَثْنِي قَليلاً مِنْهم - وإِنما ذكرت هذه لأن بعضهم روى " فشربوا منه إِلا قليلٌ منهم " وهذا عندي ما لا وجه له. * * * وقوله : (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٤٧)

стр. 290

أي قد أجابكم إلى ما سألتم. من بعث ملك يقاتل، وتقاتلون معه وطالُوت وجالُوت وداوُد. لا تنصرف لأنها أسماء أعجمية، وهي معارف فاجتمع فيها شيئان - التعريف والعجمة، وأما جاموس فلو سميت به رجلًا لانصرف، وإن كان عجمياً لأنه قدتمكن في العربية لأنك تدخل عليه الألف واللام، فتقول الجاموس والراقُودُ. فعلى هذا (قيَاسُ جميع) الباب. * * * وقوله : (أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا). أي من أي جهة يكون ذلك. (وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ) أي لم يؤت ما تَتَمَلَّكُ به الملوك. فأعلمهم اللَّه أنه (اصطفاه) ومعناه اختاره، وهو " افتعل " من الصفوة. والأصل اصتفاه فالتاءُ إذا وقعت بعد الصاد أبدلت طاء لأن التاء من مخرج الطاء، والطاء مطبقة، كما أن الصادَ مطبقة، فأبدلوا الطاء من التاء، ليسهل النطق بما بعد الصاد، وكذلك افتعل من الضرب: اضطرب، ومن الظلم اظطلم، ويجوز في اظطلم وجهان آخران، يجوز اطَّلم بطاء مشددة غير معجمة واظَّلم بظاء مشددة قال زهير: هو الجواد الذي يعطيك نائلَهُ. . . عفواً ويُظْلم أحياناً فيظطلم و" فيطَّلم " و " فيظَّلِم ". أعلمهم الله أنه اختاره، وأنه قد زِيدَ في العلم والجسم بسطة، وأعلمهم أن العلم أهو، الذي به يجب أن يقع الاختيار ليس أن اللَّه - جلَّ وعزَّ -:

стр. 291

لا يُمَلكَ إلا ذا مال، وأعلم أن الزيادة في الجسم مما يهب به العدو، وأعلمهم أنه يؤتِي مُلْكَه من يشاء، وهو جلَّ وعزَّ لا يشاء إلا ما هو الحكمة والعدل. * * * وقوله : (وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ). أي يوسع على منِ يشاء ويعلم أين ينبغي أن تكون السعة. * * * وقوله : (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٤٨) أي علامة تمليك اللَّه إياه (أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ). وموضع (أنْ) رَفْع المعنى: إن آية ملكه إتيانُ التابوت ائاكم. * * * وقوله : (فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ). أي فيه ما تسكنون به إذا أتاكم، وقيل في التفسير إن السكينة لها رأس كرأس الهِر من زبرجد أو ياقوت، ولها جناحان. * * * وقوله : (وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ). قيل في تفسيره: البقيةُ رضاض الألواح وأن التوراة فيه وكتاب آخر جمع التوراة وعصا موسى. فهذا ما رُوِيَ مما فيه، والظاهر، أن فيه (بقية) جائز أن يكون بقية من شيء من علامات الأنبياء، وجائز أن يكون البقية من العلم، وجائز أن يتضمنها جميعاً. والفائدة - كانت - في هذا التابوت أن الأنبياءَ - صلوات اللَّه عليهم - كانت تستفتح به في الحروب، فكان التابوت يكون بين أيديهم فإِذا سُمِعَ من جوفه أنين دف التابوت أي سار والجميع خلفه - واللَّه أعلم بحقيقة ذلك.

стр. 292

وروي في التفسير أنه كان من خشب الشمشار وكان قد غلب جالوت وأصحابُه عليه فنزلهم بسببه داء، قيل هو الناسور الذي يكون في العنب فعلموا أن الآفة بسببه نزلت، فوضعوه على ثورين فيما يقال، وقيل معنى تحمله الملائكة: إنها كانت تسوق الثورين وجائز أن يقال في اللغة تحمله الملائكة، وإنما كانت تسوق ما يحمله، كما تقول حَمَلْتَ متاعي إلى مكة، أي كنت سبباً لحمله إلى مكة. ومعنى (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ). أي في رجوع التابوت إليكم علامة أن الله ملك طالوت عليكم إذ أنبأكم في قصته بغيب. (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) أي إن كنتم مصدقين. * * * وقوله : (فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٢٤٩) (إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ) معناه مختبركم وممتحنكم بنهر، وهذا لا يجوز أن يقوله إلا نبي، لأن اللَّه قال: (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ) ومعنى الاختبار بهذا النهر كان ليعلم طالوت من له نيَّة القِتَال معه ومن ليسَتْ له نيَّة. فقال: (فمَنْ شَرِبَ منْه فَلَيْسَ مِني). أي ليس من أصحابي ولا مِمَن تبعني، ومن لم يطعَمْه. (وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإنَهُ مِنِّي) أي لم يتطعم به. (إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ)، غُرفة وغَرفَة قرئ بهما جميعاً فمن قال غَرفَة

стр. 293

كان معناه غرفة واحدة باليد. ومن قال غُرفة كان معناه مقدار ملء اليد. ومعنى (فَشَرِبُوا مِنْهُ إلا قَلِيلاً مِنْهُمْ) شربوا منه ليرجعوا عن الحرب، لأنه قد أعلمهم ذلك. وذكر في التفسير أن القليل الذين لم يشربوا كان عدتهم ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا كعدد أهل بدر. وقوله ؛ (فَلَمَّا جَاوَزَهُ). أي جاوز النهر هُوَ وَالَّذِينَ مَعَهُ. قيل لما رأوا قلتهم، قال بعضهم لبعض: (لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ). أي لا قوةَ، يقال أطقتُ الشيءَ إطاقةً وطَوْقاً، مثل أطعت طاعة وإطاعَة وطَوْعاً. * * * وقوله : (قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ). قيل فيه قولان: قال بعضهم وهو مذهب أهل اللغة - قال الذين يوقنُونُ أنهم مُلاقو اللَّه قالوا ولو كانوا شاكين لكانوا ضُلالاً كَافِرين وظننت في اللغة بمعنى أيقنت موجود. قال الشاعر - وهو دريد: فقلت لهم ظُنُّوا بألفَيْ مُدَجَّجٍ. . . سَرَاتُهُمُ في الفارسيِّ المُسَرَّدِ أي أيقنوا. وقال أهل التفسير: معنى (يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ) أي أنهم كانوا يتوهمون أنهم في هذه الموقعة يقتلون في سبيل الله لِقِلَّةِ عَدَدِهمْ، وعظم عددِ عدُوهم. وهم أصحاب جالوت.

стр. 294

وقوله : (كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ). أي كم من فرقة، وإنما قيل للفرقة فئة - من قولهم فأوت رأسه بالعصا. وفأيْتُ إذَا شَقِقْتُه، فالفِئَةُ الفِرقَةُ مِنْ هذَا. * * * وقوله : (وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ). (أي أن اللَّه ينْصُر الصَّابِرِينَ)، إذا صبروا على طاعته، وما يُزْلِفُ عنده. * * * وقوله : (وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٥٠) (رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا). أي أصْبُبْ علينا الصبرَ صبًّا، كما تقول: أفرغتُ الإنَاءَ إذا صببْتُ ما فيه. * * * وقوله : (فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (٢٥١) (فَهَزَمُوهُمْ بِإذْنِ اللَّهِ). معناه كسَروهم وردوهم، وأصل الهزم في اللغة كسر الشيء، وثنى بعضه على بعض، يقال سقاء مَهْزوم، إذا كان بعضه قد ثنى على بعض مع جفاف، وقَصب مُتَهزَِّم، ومهْزُوم، قد كسر وشقق، والعرب تقول هَزَمتُ على زيدٍ أي عطفتُ عليه. قال الشاعر: هِزمت عليك اليوم يا بنْتَ مَالكٍ. . . فجُودِي عليْنا بالنوالِ وأنْعِمِي ويقال: سمعت هَزْمةَ الرعْدِ قال الأصْمَعِي كأنهُ صوت فِيه تشقُق: وقوله : (وَآتَاهُ اللَّهُ المُلْكَ وَالحِكْمَةَ). أي آتى داود ﵇ الملك لأنه مَلَكَ بعد قتله جالوت وأوتي العلم. ومعنى (وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ). قيل ممَّا علَّمه عمَلُ الدرُوعِ، ومنْطِقُ الطيْر.

стр. 295

وقوله : (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ). أي لولا ما أمر الله به المسلمين من حرب الكافرين لفسدت الأرض وقيل أيضاً: لولا دفع اللَّه الكافرين بالمسلمين لكثر الكُفْر فنزلت بالناس السخطة واستؤصِل أهلُ الأرض. ويجوز (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ)، ولولا دِفاعُ اللَّه. ونُصِبَ (بَعْضَهُمْ) بدلاً من الناس، المعنى ولولا دفع اللَّه بعض الناس ببعض، و (دفعُ) مرفوع بالابْتِدَاءِ، وقد فسرنا هذا فيما مضى. * * * وقوله : (تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢٥٢) أي هذِه الآياتُ التي أنْبأت بها وَأنْبِئْتَ، آيات الله أي علاماته التي تدُل على توْحيدِه، وتَثْبيتِ رسالاتِ أنْبِيَائِه، إِذْ كان يعجز عن الِإتيان بمثلها المخلقون. وقوله : (وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ). أي وأنت من هؤلاءِ الذين قصصْتُ آياتهم، لأِنَك قدْ اعْطِيتَ مِنَ الآياتِ مثل الذي أعْطُوا وزدْتَ على مَا أعْطُوا. ونحنُ نبين ذلك في الآية التي تليها إِن شاءَ اللَّه. * * * وقوله : (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (٢٥٣) (الرُّسُلُ) صفة لتلك كقولك أولئِك الرسلُ فضلنا بعضهم على بعض إلا أنهُ قيل تِلْك للجماعة، وخبر الابتداءِ (فضلنا بعضهم على بعض). ومعنى: (مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ): أي من كلَّمَهُ اللَّهُ.

стр. 296

تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (٢٥٣) والهاء حُذقت منْ الصلة لطول الاسَم، وهو مُوسى ﷺ أسْمَعَه الله كلامه من غير وحي أتاه به عن اللَّه مَلَك. * * * وقوله : (وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ). أي أعطيناه. والبيناتُ الحُجَجُ التي تَدُل على إثبات نُبُوته ﷺ من إبراء الأكْمه والأبرص وإحياءِ المَوْتى والإنباءِ بما غاب عنه. * * * وقوله : (وَرَفعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ). جاءَ في التفسير أنه يُعْنَى به محمدٌ ﷺ أرْسِل إلى الناس كافة، وليس شيء من الآيات التي أعطيها الأنبياء إلا والذي أُعطى محمدٌ ﷺ أكثر مُنْه، لأنه ﷺ كلمتْه الشجرةُ، وأطْعَمَ " من كفِّ التمر خلقاً كثيراً، وأمرَّ يدَه على شاة أم معبد فدرت، وحلبت بعد جفاف، ومنها انشقاق القمر، فإِن النبي ﷺ رأى الآيات في الأرض ورآها في السماءِ، والذي جاءَ في آيات النبي كثير. فأما انشقاق القمر وصحته فقد روينا فيه أحاديث: حدثني إسماعيل بن إسحاق قال: (حدثنا محمد بن المُنْهَال، قال حدثنا يزيد ابن زُرَيْع عن سعيد عن قتادة عن أنس قال: سأل أهل مكة النبيَّ ﷺ آيةً فأراهم انشقاقَ القَمَرِ فِرْقَتَيْن. وحدثني مُسدّد يرْفعه إلى أنس أيضاً مثل ذلك. ونحن نذكر جميع ما روى في هذا الباب في مكانه إِن شاءَ الله، ولكنا ذكرنا ههنا جملة من الآيات لنُبين بها فضل النبيِّ ﷺ فيما أتى به من الآيات. ومن أعظم الآيات القرآنُ الذي أتى به العرب وهم أعلم قوم بالكلام. لهم الأشعار ولهم السجع والخَطَابةُ، وكل ذلك معروف في كلامها، فقيل لهم ائتوا بعشْر سُورٍ فعجزوا عَنْ ذلك، وقيل لهم ائتوا بسورِة ولم يشترط عليهم فيها

стр. 297

أن تكون كالبقرة وآل عمران وإنما قيل لهم ائتوا بسورة فعجزوا عن ذلك. فهذا معنى (وَرَفَعَ بَعْضَهُم دَرَجَات). * * * وقوله : (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ). يعني من بعد الرسل: (مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ). أي من بعد ما وضحت لهم البراهين، فلو شاءَ الله ما أمر بالقتال بعد وضوح الحجة، ويجوز أن يكون (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا) أي لو شاءَ اللَّه أن يضطرهم أن يكونوا مؤمنين غير مختلفين لفعل ذلك كمَاِ قال: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى). * * * وقوله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٥٤) أي أنفقوا في الجهاد وليُعِنْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً عليه. * * * وقوله : (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ). يعني يوم القيامة " والخُلَّةُ " الصداقة، ويجوز (لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ)، (لَا بَيْعَ فِيهِ وَلَا خُلَّةَ وَلَا شَفَاعَةَ)، على الرفع بتنوين والنصب (بغير تنوين)، ويجوز (لا بيعَ فيه ولا خلة ولا شفاعةَ) بنصب الأول بغير تنوين وعطف الثاني على موضع الأول، لأن موضعه نصب، إِلا أن التنوين حذف لعلة قد ذكرناها، ويكون دخول " لا " مع حروف العطف مؤَكداً، لأنك إِذا عطفت على موضع ما بعد " لا " عطفته بتنوين. تقول: لا رجلَ وغلاماً لك. قال الشاعر:

стр. 298

فلا أبَ وابناً مثل مروان وابنِه. . . إذا هُو بالمجد ارتدى أو تأَزَّرَا. ومعنى: (والكَافِرُون هُمُ الظَّالِمُونَ). أي هم الذين وضعوا الأمر غير موضعه وهذا أصل الظلم في اللغة. * * * وقوله : (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥) يروى عن ابن عباس رحمة الله عليه أنَّه قال: أشرف آية في القرآن آية الكرسي. وإعراب (لَا إلهَ إلا هُوَ) النصبُ بغير تنوين في (إِله). المعنى لا إله لكل مخلوق إلا هُو، وهو محمول على موضع الإبتداء المعنى ما إلهٌ للخلق إلا هو، وإن قلت في الكلام لا إِله إِلا الله جاز، أما القرآن فلا يقرأ فيه إلا بما قد قرأت القراءُ بِه، وثَبَتتْ به الرواية الصحيحة، ولو قيل في الكلام لا رجلَ عندك إلا زيداً جاز، ولا إله إلا اللَّهَ جاز ولكن الأجودَ ما في القرآن، وهو أجودُ أيضاً في الكلام. قال اللَّه : (إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥). فإذا نصبت بعد إلا فإنما نصبت على الاستثناء. * * * وقوله : (الْحَيُّ الْقَيُّومُ) معنى (الْحَيُّ) الدائم البقاء، ومعنى (الْقَيُّومُ) القائم بتدبير سائر أمر خلقه. ويجوز القائم، ومعناهما واحد. فهو الله قائم بتدبير أمر الخلق في إنْشائِهِم وَرزْقِهمْ وعلمه

стр. 299

بأمكنتهم وهو قوله : (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا). ومعنىِ: (لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ) أي لا يأخذه نعاس. (وَلَا نَوْمٌ). وتأويله أنه لا يغفل عن تدبير أمر الخلق. ومعنى: (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ). أي: لا يشفع عنده إلا بِمَا أمر به من دعاء بعض المسلمين لبعْض ومن تعظيم المسلمين أمْرَ الأنبياء والدعاء لهم، وما علمنا من شفاعة النبي ﷺ وإنما كان المشركون يزعمون أنَّ الأصنام تشفع لهم، والدليل على ذلك قولهم: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى) وذلك قولهم: (وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ)، فَأنْبأ اللَّهُ أن الشفاعة ليست إلا ما أعلَم من شَفاعة بَعْضِ المؤمنين لبعض في الدعاء وشفاعة النبي ﷺ . ومعنى: (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ). أي يعلم الغيب الذي تقدمهم والغيب الذي يأتي من بعدهم. ومعنى: (وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ). أي لا يعلمون الغيبَ لا مِما تقدمهُمْ ولا مما يكُونُ مِنْ بَعْدِهِمْ. ومعنى: (إِلَّا بِمَا شَاءَ): إلا بما أنبأ به ليكون دليلاً على تثبيت نبوتهم. * * * وقوله : (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ). قيل فيه غير قول، قال ابن عباس: كرسيُه علمه، ويروى عَنْ عطاء أنه

стр. 300

قال: ما السَّمَاوَات والأرض في الكرسي إِلا حَلْقَةٌ في فلاة، وهذا القول بين لأن الذي نعرفه من الكرسي في اللغة الشيءُ الذي يعتمد عليه ويجلس عليه. فهذا يدل أن الكرسي عظيم، عليه السَّمَاوَات والأرضُونَ، والكرسيُّ في اللغة والكراسة إِنما هو الشيءُ الذي ثبت ولزم بعضه بعضاً، والكرسي ما تَلَبَّد بعضُه على بعض في آذان الغنم ومعاطن الِإبل. وقال قوم: (كُرْسِيُّهُ) قدْرتُه التي بها يمسك السَّمَاوَات والأرض. قالوا: وهذا قولك اجعل لهذا الحائط كرسياً، أي اجعل له ما يعْمِدُه وُيمسكه، وهذا قريب من قول ابن عباس ﵀. لأن علمه الذي وسع السموات والأرض لا يخرج من هذا. واللَّه أعْلم بحقيقة الكرسي، إِلا أن جملته أنه أمر عظيم من أمره - جلَّ وعزَّ. ومعنى: (وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا). أي لا يُثقله، فجائز أن تكون الهاءُ للَّهِ ، وجائز أنْ تكون للكرسي، وإِذا كانت للكرسي فهو من أمر اللَّه. * * * وقوله : (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦) (إِكْرَاهَ) نصب بغيرتنوين، ويجوز الرفع " لَا إكْرَاهٌ " ولا يُقرا به إِلَا أن تَثْبت رواية صحيحةٌ وقالوا في (لَا إكْرَاهَ فِي الدِّينِ) ثلاثة أقوال: قال بعضهم إن هذه نسخها أمر الحرب في قوله جلَّ وعزَّ: (واقْتلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ) وقيل إِن هذه الآية نزلت بسبب أهل الكتاب في أنَّ لا يكرهوا بعد أن يؤدوا الجزية، فأما مشركو العرب فلا يقبل منهُم جزية وليس في أمرهم إِلا القَتْلُ أو الإسلام. وقيل معنى (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) أي لا تقولوا فيه لمن دخل بعد حرْبِ أنهُ دخَل مكرهاً، لأنه إِذا رضي بعد الحرب وصح إِسلامه فليس بمكره.

стр. 301

ومعنى: (فَمَنْ يَكْفُرْ بالطَّاغُوتِ). قيل الطاغوت مَرَدَةَ أهل الكتاب، وقيل إِن الطاغوت الشيطان، وجملته أن من يكفر به، وصدق باللَّهِ وما أمر به فقد استمسك بالعروة الوثقى، أي فقد عقد لنفسه عقداً وثيقاً لا تحله حجة. * * * وقوله : (لا انْفِصَام لَهَا): لا انقطاع لها. يقال فصمت الشيءَ أفْصُمُه فصماً أي قطعته. ومعنى: (وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ). أي يسمع ما يعقد على نفسه الإنسان من أمر الإِيمان، ويعلم نيته في ذلك. * * * وقوله جلَّ وعزَّ: (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥٧) يقال قد توليت فلاناً، ووليت فلاناً ولايةً، والوِلَايَةُ بالكسر اسم لكل ما يتولى، ومعنى وَلى على ضروب، فاللَّه - ولي المؤمنين في حِجَاجِهم وهدايتهم، وإقامةِ البرهان لهم لأنه يزيدهم بإِيمانهم هداية، كما قال : (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى). ووليهم أيضاً في نصرهم وإظهار دينهم على دين مخالفيهم، ووليهم أيضاً بتولي قولهم ومجازاتهم بحسن أعمالهم. * * * وقوله : (يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ). أي يخرجهم من ظلمات الجهالة إِلى نور الهدى لأن أمر الضلالة مظلم غير بين، وأمر الهدى واضح كبيان النور. وقد قال قوم (يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) يحكم لهم بأنهم خارجون من الظلمات إلى النُور، وهذا ليس قولَ أهل التفسير، ولا قول أكثر أهل اللغة. إِنما قاله الأخفش وحده.

стр. 302

والدليل على أنه يزيدهم هدى ما ذكرناه من الآية. وقوله : (فَأمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمُ إيمَاناً). ومعنى: (والَّذِينَ كَفَرُوا أوليَاؤُهُم الطاغُوتُ). أي الذين يتولون أمرهم هم الطاغوت. وقد فسرنا الطاغوت. و (الطاغوت) ههنا واحد في معنى جماعة، وهذا جائز في اللغة إذا كان في الكلام دليل على الجماعة. قال الشاعر: بها جِيَف الحَسْرى فأمَّا عِظامُها. . . فَبيضٌ وأَمَّا جِلْدُها فَصَلِيبُ جلدها في معنى جلودها. * * * وقوله : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٢٥٨) هذه كلمة يوقف بها المخاطب على أمر يعجب منه، ولفظها لفظ استفهام، تقول في الكلام: ألم تر إلى فلان صنع كذا وصنع كذا. وهذا مما أعْلِمَه النبي ﷺ حُجةً على أهل الكتاب ومشركي العرب لأنه نبأ لا يجوز أن يعلمه إلا من وقف عليه بقراءَة كتاب أو تعليم معلم، أو بوحي من اللَّه . فقد علمت العرب الذين نشأ بينهم رسول اللَّه ﷺ أنه أمِّيٌّ، وأنه لمْ يعَلمْ التوراة والإنجيلَ وأخبارَ من مضى من الأنبياءِ، فَلم يبق وجه تعلم منه هذه الأحاديث إلا الوحيُ. * * * وقوله : (أنْ آتَاهُ اللَّهُ المُلْكَ). أيْ آتى الكافرَ الملكَ، وهذا هو الذي عليه أهل التفسير وعليه يصح

стр. 303

المعنى، وقال قوم إن الذي آتاه - الله الملك إبراهيمَ ﵇ وقالوا: اللَّه لا يُمَلِكُ الكفَارَ. وإنما قالوا هذا لذكره : (آتاه الملك) واللَّه قال: (تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ). فتأويل إِيتاءِ الله الكافرَ الملكَ ضرب من امتحانه الذي يَمْتَحنُ الله به خلقه، وهو أعلم بوجه الحكمة فيه. والدليل على أن الكافر هو الذي كان مُلِّكَ إنَّه قال: (أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ) وأنه دعا برجلين فقتل أحدهما وأطلق الآخر، فلولا أنه كان ملكاً وإبراهيمُ ﵇ غيرَ ملك لم يتهيأ له أن يقتل وإبراهيم الملك، وهو النبي ﵇. وأمَّا معنى احتجاجه على إبراهيم بأنه يحيى ويميت، وترك إبراهيم مناقضته في الإحياءِ والإماتة، فمن أبلغ ما يقطع به الخصوم ترك الإطالة والاحتجاج بالحجة المُسْكِتةِ لأن إبراهيم لما قال له: (فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ) كان جوابه على حسب ما أجاب في المسألة الأولى أن يقول: فأنا أفعلُ ذلك فَتَبَيَّن عجزه وكان في هذا إِسكَات الكَافِرِ فقال اللَّهُ : (فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ) وتأويله انقطع وسَكتَ متحَيِّراً، يقال: بهِتَ الرجل يُبْهَتُ بهْتاً إِذا انقطع وتحير، ويقال بهذا المعنى " بَهِتَ الرجل يَيْهَتُ "، ويقال بَهَتُ الرجل أبْهَته بهْتاناً إِذا قابلتُه بكذبٍ.

стр. 304

وقوله : (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٥٩) هذا الكلام معطُوف على معنى الكلام الأول، والمعنى - واللَّه أعلم - أرأيت كالذي مرَّ على قَريةٍ، والقرية في اللغة سميت قرية لاجتماع الناس فيها، يقال قرَيْتُ المَاءَ في الحوضِ إِذَا جمعتُه. * * * وقوله : (وَهِيَ خَاوِية عَلَى عُرُوشِهَا). معنى (خاوية): خالية - و (عروشها) - قال أبو عبيدة: هي الخِيَام وهي بيوت الأعراب، وقال غير أبي عبيدة: معنى (وهي خاوية على عروشها) بَقِيَتْ حيطانُها لا سُقُوف لها. ويقال خَوتِ الدار والمدينة تخْوي خَواءً - ممدود - إِذا خلت من أهلها، ويقال فيها: " خَوِيَتْ " والكلام هو الأول - ويقال للمرأة إِذا خَلَا جوفُها بعدَ الولادةِ وللرجل إِذا خَلا جوفُه من الطًعامِ - قدْ خوِيَ ويخْوَى خَوًى - مقصور - وقد يقال فيه خَوَى يخْوِي - والأولُ فِي هَذَا أجود. * * * وقوله : (أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا). معناه منُ أيْنَ يُحيي هَذه اللَّهُ بعْدَ مَوْتِهَا. وقيل في التفسير إِنه كان مؤمناً وقد قيل إِنه كان كافراً، ولا ينكر أن يكون مُؤْمناً أحبَّ أن يزداد بصيرة في إِيمانه فيقول: ليت شعري كيف تُبْعَثُ الأموات كما قال إبراهيم ﵇: (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى). * * * وقوله : (فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ). معناه ثم أحياه لأنه لا يُبْعث ولا يتصرف إِلا وهو حي. * * * وقوله : (كَمْ لَبِثْتَ).

стр. 305

ْيقرأ بتبيين الثاءِ، وبإِدغام الثاءِ في التاءِ، وإِنما أدغمت لقرب المخرجين. ومعنى: (قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ) أنه كان أميت في صدر النهار ثم بعث بعد مائة سنة في آخر النهار، فظنُ أنَّ مقدار لبثه ما بين أول النهار وآخره، فأعلمه اللَّه أنه قد لبث مائة عام وأراه علامة ذلك ببلَى عظام حماره، وأراه طَعَامَه وشَرَابه غير متغير وأراه كيف ينْشِز العِظَامَ، وكيف تُكْتسَى اللحمَ. فقال: (فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ). يجوز بإِثبات الهاءِ وبإِسقاط الهاءِ في الكلام، ومعناه لم تغيره السنون، فمن قال في السنة سانهت فالهاء من أصل الكلمة، ومن قال في السَّنَة سَانَيت فالهاء زيدت لبيان الحركة، ووجه القراءَة على كل حال إثباتُها والوقوف عليها بغير وصل فمن جَعَلَهُ سانيت ووصلها إِن شاءَ أو وقفها على من جعله من سانهت، فأما من قال: إِنه من تغير من أسِنَ الطعام يأسَنُ فخطأٌ. وقد قال بعض النحويين إِنه جائز أن يكون من (التغيير) من قولك من حمإٍ مسنون وكان الأصل عنده " لم يتسنن " ولكنه أبدل من النون ياءً كما قال: تقضي البازي إِذا البازي كَشَرْ.

стр. 306

يريد تقضض، وهذا ليس من ذاك لأن " مسنون " إنما هو مَصْبُوب على سنة الطريق. * * * وقوله : (وانْظُرْ إِلى العِظامِ كيْف نُنْشِزُها). يقرأ (نُنْشِزُها) بالزاي، ونُنْشِرُها، ونَنْشُرُهَا بالراءِ، فمن قرأ (نُنْشِزُها) كان معناه نجعلها بعد بِلاها وهجودها ناشزه ينشز بعضها إِلى بعض، أي يرتفع. والنَشَزُ في اللغة ما ارتفع عن الأرض، ومن قرأ (نُنْشِرُها)، و (نَنْشُرُها)، فهُو من أنْشَر اللَّه الموتى ونشرهم - وقد يقال نَشَرهم اللَّه أي بعثهم، كما قال: (وَإِلَيْهِ النُّشُورُ). وقوله : (فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ). معناه: فلما تبين له كيف إِحياء الموتى. قال: (أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)، فإن كان كلما قيل أنه كان مؤمناً، فتأويل ذكره: (أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) ليس لأنه لم يكن يعلم قبل ما شاهد ولكن تأويله: أني قد علمت ما كنت أعلمه غيباً - مشاهدة، ومن قرأ (اعْلَمْ أن اللَّه على كل شي قدير) فتأويله إذا جزم أنه يُقْبل على نفِسه فيقول: " اعْلَمْ أيها الِإنسان أن اللَّه على كل شيءٍ قدير " - والرفع على الِإخبار. * * * وقوله : (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٦٠)

стр. 307

وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٦٠) موضع " إذ " نصب، المعنى اذكر هذه القصة - وقوله (رَبِّ أَرِنِي). أصله أرْإني، ولكن المجمع عليه في كلام العرب والقراءَة طرح الهمزةِ، ويجوز (أرْنِي). وقد فسرنا إلْقَاءَ هذه الكسرة فيما سلف من الكتاب. وموضع (كيف) نصب بقوله: (تُحْيِ الْمَوْتَى) أي بأي حال تُحْيِ الْمَوْتَى وإبراهيم ﵇ لم يكن شاكا ولكنه لمْ يكن شَاهَدَ إِحْياءَ ميّتٍ، ولا يعْلم كيف تجتمع العظام المتفرقةُ الباليةُ، المستحيلة، من أمكنة متباينة فأحب علم ذلك مشاهدة. ويروى في التفسير أنه كان مرَّ بجيفَةٍ على شاطئ البحر والحيتان تخرج من البحر فتنتف من لحم الجيفة، والطيرُ تَحُط عليها وتَنْسِرُ منها، ودوابُّ الأرض تأكلُ منها، ففكر كيف يجتمع ما تفرق من تلك الجيفة فحلَّ في حيتان البحر وطير السماءِ ودواب الأرض ثم يعود ذلك حياً، فسأل اللَّه ﵎ أن يريه كيف يحي الموتى، وأمره اللَّه أن يأخذ أربعة من الطير، وهو قوله : (فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ). وتقرأ فَصِرْهُنَّ إليك - بالضم والكسر -. قال أهل اللغة: معنى صُرْهُنَّ أملْهن إليك، وأجمعهن إِليك، قال ذلك أكثرُهم، وقال بعضهم: صرهن إليك اقْطَعْهن، فأما نظير صُرهُن أملهن وأجمعهن فقول الشاعر:

стр. 308

وجاءَت خِلْعةٌ دهسٌ صفايا. . . يصور عنوقَها أحْوى زَنيم المعنى أن هذه الغنم يعطف عنوقها هذا الكبش الأحوى. ومن قال صرت: قطعت، فالمعنى فخذ أربعة من الطير فصرهن أي قَطعْهُنَّ، ثم اجعل على كل جبل منهن جزءًا. المعنى اجعل على كل جبل من كل واحد منهن جزءًا. ففعل ذلك إِبراهيم ﵇ ثم دعاهن فنظر إِلى الريش يسعى بعضه إِلى بعض، وكذلك العظام واللحَم. * * * وقوله : (وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ). (عَزِيزٌ) أي لا يمتنع عليه ما يريد - حكيم فيما يدبر، لا يفعل إِلا ما فيه الحكمة. فشاهد إبراهيم ﵇ ما كان يعلمه غيباً رأْيَ عيْن، وعلم كيف يفعل اللَّه ذلك. فلما قَصً اللَّه ما فيه البرهانُ والدلالَةُ على أمر تَوْحيده. وما آتاه الرسل من البيِّنَات حثَّ على الجهاد، وأعلن أن من عانده بعد هذه البراهين فقد ركب من الضلال أمراً عظيما وأن من جاهد مَنْ كَفَر بعدَ هذا البرهَان فله - في جهاده ونفقته فيه - الثوابُ العظيم، وأن الله وعد في الجنَّة عشْرَ أمْثالِهَا من الجهَاد. ووعد في الجهاد أنْ يُضاعِفَ الواحد بسبع مائة مرة لما في إقامة الحق من التوحيد، وما في الكفر من عظم الفساد فقال: (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١)

стр. 309

أي جواد لا ينقصه ما يتفضَّل به من السعة، عليم حيث يضعه. * * * وقوله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٢٦٤) فالمن أن تمُنَّ بما أعطيت وتعْتَدَّ به كأنك إنما تقصد به الاعتداد والأذى أن تَوبخ المعطي. فأعلم الله أن المن والأذى يبطلان الصدقة كما تبطل نفقة المنافق الذي إِنما يعطي وهو لا يُريدُ بذَلك العَطاءِ ما عندَ اللَّه، إنما يعطي ليُوهِمَ أنه مؤمن، وقال : (فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ). والصفوان الحجر الأملس وكذلك الصفا. * * * وقوله : (عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌا). والوابل المطرُ العظيم القطْر - فإذا أصاب هذا المطرُ الحجرَ الذي عليه تراب لم يبْق عليه من التراب شيءٌ، وكذلك تبطل نفقة المنافق ونفقة المنَّان والمؤذِي. * * * وقوله : (واللَّه لاَ يَهْدِي القَوْمَ الكَافِرِينَ). أي لا يجعلهم بكفرهم مهتدين، وقيل لا يجعل جزاءَهم على الكفر أنْ يهديهم، ثم ضرب الله لمن ينفق يريد ما عند الله ولا يمن ولايؤذي مثلًا. فقال: (وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٦٥) أي ليطلب مرضاة الله وتثبيتاً من أنفسهم، أي ينفقونها مقرين أنها مما يثيب اللَّه عليها.

стр. 310

(كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ) بفتح الراءِ وبرُبوة. بالضم - وبرِبْوة - بالكسر - وبِرِباوة، وهذا وجه رابع. ْوالربوة ما ارتفع من الأرض، والجنة البستان، وكل ما نبت وكثف وكثر، وستر بعضه بعضاً فهو جنة - والموضع المرتفع إِذا كان له ما يرويه من الماءِ فهو أكثر ريْعاً من المستفِل، فأعلم اللَّه أن نفقة هُؤلاءِ المؤمنين تزْكو كما يزكو نبْتُ هذه الجنة التي هي في مكان مرتفع. (أصَابَها وَابلٌ) وهُو المطرُ العظيمُ القَطْر. (فَآتَتْ أُكُلَهَ): أي ثمرها، ويقرأ أكْلَهَا والمعنى واحد. (ضِعْفَينْ): أي مثلين. ْ (فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ). و (الطَّلُّ) المطر الدائمُ الصِّغَارِ القَطْرِ الذي لا يكاد يسيل منه المثاعب. ومعنى: (وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ). أي عليم، وإِذا علمه جازى عليه والذي ارتفع عليه (فَطَلٌّ) أنهُ على معنى فإن لم يصبها وابل فالذي يصيبها طَلٌّ. * * * وقوله جل ثَنَاؤُه: (أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢٦٦) هذا مثل ضَربهُ اللَّه لهم للآخرة وأعْلَمَهُم أن حاجتهم إلَى الأعمال الصالحة كحاجة هذا الكبير الذي له ذُرَية ضُعفاءُ، فإِن احترقت جنته وهو كبير وله ذرية ضعفاءُ انقطع به، وكذلك من لم يكن له في الآخرة عمل يوصله إلى

стр. 311

الجنة فَحسْرتُه في الآخرة - مع عظيم الحسْرة فيها - كَحَسْرة هذا الكبير المنقَطَعِ به في الدنيا. ومعنى: (فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ). الِإعصار الريح التي تهب، من الأرض كالْعَمُود إِلى نَحْو السماءِ وهي التي تسميها الناس الزَوْبَعةَ، وهي ريح شديدة، لا يقال إنها إعصار حَتَى تهبَّ بِشدةٍ، قال الشاعر: إنْ كنْتَ ريحاً فقد لاقيتَ إِعْصَارَا ومعنى: (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ). أي: كهذا البيان الذي قد تبين الصَّدَقَة والجهاد وقصة إِبراهيم - عليه السلام - والذي مرَّ على قرية، وجميع ما سلَف من الآيات أي كَمَثل بيان هذه الأقاصيص (يبين اللَّه لكم الآيات)، أي العَلاَمَات والدّلالات التي تَختَاجُون إِليها في أمْر توحيده، وإثْبَات رسالات رسله وثوابه وعقابه. (لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ). * * * وقوله تبارك اسمه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٢٦٧) فالمعنى أنفقوا من جَيِّد ما كسبتموه من تجارة، ومن وَرِقِ وعين، وكذلك من جَيِّد الثمار، ومعنى (أنفقوا): تصدقوا وكان قوم أتوا في الصدقة بردىءِ الثمار. ويروى عن النبي ﷺ أنه أمر السعاة إلا يُخَرصَ الجُعْرَورَ وَمِعَى الفارة

стр. 312

وذلك أنها من رديءِ النخل، فأمر ألا تخرص عليهم لئلا يعتلوا به في الصدقة. * * * وقوله : (وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ). أي لا تقصدوا إلى رديءِ المال، والثمار فتتصدقوا به، وأنتم (تعلمون أنكم) لا تأخذونه إلا بالِإغماض فيه. ومعنى: (وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ). يقول: أنتم لا تأخذونه إلا بوَكْس. فكيف تعطونه في الصدقة. * * * وقوله : (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ). أي لم يأمركم بأن تتصدقوا من عَوَزٍ. ولكنه لاختبَاركم. فهو حميد على ذلك وعلى جميع نعمه. يقال قد غَنِيَ زيد يغنى غِنى - مقصور - إِذا استغنى، وقد وقد غَنِيَ القومُ إِذا نَزَلوا في مكان يقيهم، والمكان الذي ينزلون فيه مَغْنى، وقد غَنَّى فلان غِنَاء إِذا بالغ في التطريب في الإنشاد حتى يستغنى الشعر أن يزاد في نغمته، وقد غنيت المرأة غُنْيَاناً. قال قيس بن الخطيم: أجَدَّ بعمرة غُنْيانُها. . . فتهجرَ أم شأننا شأنُها غُنْيَانها: غِنَاها. والغواني: النساءُ، قيل إنهن سمين غواني لأنهن غَنِين بجمالهن. وقيل بأزواجهن. وقوله جل وعلا: (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦٨)

стр. 313

يقال الفقْر والفَقَر جميعاً، والمعنى أنه يحملكم على أن تؤَدوا في الصدقة رديءِ المال يخوفكم الفقْرَ بإعطاءِ الجَيدِ - ومعنى (يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ): يعدكم بالفقر ولكن الباءَ حذفت. وأفْضىَ الفعل فنصب كما قال الشاعر: أَمَرْتُكَ الخير فافعلْ ما أُمِرْتَ به. . . فقد تَرَكْتُكَ ذا مال وذا نَشَبِ ويقال وعدته أعده وَعْداً وعِدة ومَوْعِداً ومَوْعِدَةً وموْعُوداً وموعودة. ومعنى: (وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ). أي بأن لا تَتَصَذقُوا فَتَتقاطَعوا. ومعنى: (وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا). أي يَعِدُكُمْ أن يُجازيكم على صَدقَتكم بالمغْفرةِ، ويَعِدُكم أن يُخْلِفَ عَلَيْكُمْ. ومعنى: (وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ). (واسع) يعطي من سعة، و (عَليمٌ) يعلَم حيث يضع ذَلك، ويعلم الغيبَ والشَهادَةِ. * * * وقوله : (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٦٩) معنى (يُؤْتِي) يعطي، و (الحكمة) فيها قولان: قال بعضهم هي النبوة. وُيرْوَى عن ابن مسعود أن الحكمة هي، القرآنُ، وكفى بالقرآن حِكْمةً، لأن الأمَّةَ بهِ صارت علماءَ بعد جهل، وهو وصلة إِلى كل علم يُقَرِّب منَ اللَّهِ : وذَريعة إِلى رحمته؛ لذلك قال الله تعالى: (وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا).

стр. 314

أي أعْطِيَ كل الجلم، وما يوصل إلى رحمة اللَّه، و " يُؤت " جزم بِمَن. ، والجواب (فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا) ومعنى (وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ). أي ما يفكر فكراً يذكر به ما قص من آيات القرآن إلا أولو الألباب، أي ذَوُو العُقول. وواحد الألبَاب لُب، يقال قَد لَبِبْتَ يا رجُل وأنت تَلَب، لَبَابَة ولُبًّا، وقرأتُ على مُحمد بن يزيدَ عن يونس: لَبُبْت لَبَابَةً. وليس في المضاعف على فَعُلْتُ غيرُ هذا، ولم يروه أحد إلا يونسَ، وسألت غير البصريين عنه فلم يَعْرفْهُ. * * * وقوله جلَّ وعزَّ: (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٢٧٠) أي ما تصدقتم به من فرض لأنه في ذكر صدقة الزكاة وهي الفرض والنذر: التطوع، وكل ما نوى الإنسانُ أن يتطوع به فهو نذر. (فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ): أى لا يخفى عليه فهو يجازي عليه، كما قال جلَّ ثَنَاؤه: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ). يقال نذرْت النذْرَ أنذِرُه وأنْذُرُه، والجميع النُّذُورُ، وأنْذَرْتُ القَومَ إذَا أعْلَمْتُهُمْ وخَوفْتُهمْ إنْذَاراً ونَذِيراً ونذراً. قال اللَّه : (فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ). وقال جل ثناؤه: (فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ). النذُر مثل النُّكُر، والنذِير مثل النكِير.

стр. 315

وقوله : (إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٧١) معنى (إنْ تُبْدوا): تُظْهِرُوا، يُقَال بَدَا الشيءُ يبدو إذَا ظَهرَ، وأبدَيتُه أنا إبْدَاءً، إذَا أظهرته، وبدا لي بُدَا " إذا تَغيَّر رأي عمَّا كان عليه. و (تُبْدوا) جُزمَ بـ (إنْ)، وقوله: (فَنِعِمَّا هِيَ) الجواب. وروى أبو عُبَيْدٍ أنَّ أبَا جَعْفَر وشَيْبَةَ ونافعاً وعاصماً وأبا عمرو بن العلاءِ قرأوا: (فَنِعِمَّا هِيَ) بكسر النون وجزم العين وتشديد الميم، وروى أن يحيى بن وثاب، والأشْمس وحمزة

стр. 316

والكسائِى قراوا: (فنَعِمَّا هي) - بفتح النون وكسر العين. وذكر أبو عُبَيْدٍ أنَّه رُويَ عن النبي ﷺ قوله لابن العاص: نعْمَّا بالمال الصَّالح للرجل الصَّالِح. فذكر أبو عبيدٍ أنه يَخْتَار هَذه القراءَة من أجل هذه الروَاية. ولا أحسب أصحابَ الحديث ضَبَطُوا هذَا، ولا هذه القراءَةَ عند البصريين النحويين جائزة ألبتَّة، لأن فيها الجمعَ بينَ ساكنين من غير حرف مَا ولين. فأما مَا قَرأنَاه من حرف عاصم ورواية أبي عمرو (فنِعِمَّا هِي)، بكسر النون والعين، فهذا جَيِّدٌ بَالغ لأن ههنا كسرَ العينِ والنونِ، وكذلك قراءَة أهلِ الكوفة (نَعِمَّا هي) جَيدة لأن الأصل في نِعْمَ نَعِمَ ونعِمَ. ونعْمَ فيها ثلاث لغاتٍ، ولا يجوز مع إدغام الميم نِعْمَّا هي. و " ما " في تأويل - الشيءِ زعم البصريون أن نِعِمَّا هي: نعْمَ الشيءُ هِيَ. وقد فسرنا هذا فيما مضى. ومعنى: (وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ). هذا كان على عهد رسول اللَّه ﷺ فكان الإخفاء في إِيتاءِ الزكاة أحْسَن، فأمَّا اليومَ فالناس يُسِيئون الظن، فإظهارُ الزكاة أحسنُ، فأمَّا التطوع فإخفاؤُه أحسن، لأنه أدل على أنه يريد اللَّهَ به وحده. يقال أخفَيْتُ الشيءَ إخفاءً إذا سَتَرتُهُ، وخَفِي خَفَاءً إذا اسْتَتَر، وخفَيْتُه أخْفِيه خَفْياً إِذا أظْهَرْتُه، وأهل المدينة يسمون النبَّاشَ: المُخْتَفِي. قال الشاعر في خفيته أظهرته:

стр. 317

فإِنْ تَدفِنُوا الداءَ لا نخْفِه. . .وإِن تَبْعَثُوا الحرْبَ لا نَقْعُدِ * * * وقوله : (لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (٢٧٢) معناه إِنما عليك الِإبلاغ كما قال - جلَّ وعزَّ - (وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ (١١٩). ومعنى: (وَلَكنَّ اللَّهَ يَهْدي مَنْ يَشَاءُ). أي يوفق من يشاءُ للهداية، وقال قوم: لَوْ شاءَ الله لهداهم أي لاضطرهم إِلى أن يهتدوا - كما قال: (إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ (٤). وكما قال (ولَوْ شَاءَ اللَّهُ لجَمَعهُم عَلَى الهُدى) وهذا ليس كذلك. هذا فيه: (وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ). فَلاَ مُهتديَ إِلا بتَوفيق الله - كما قال: (وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ باللَّه). ومعنى: (وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ). هذا خاص لِلْمُؤْمِنِينَ، أعْلمهم أنه قد عَلِم أنهم يريدون بِنَفقتهم ما عند اللَّه جلَّ وعزَّ، لأنه إِذا أعلمهم ذلك فقد علموا أنهم مثابون عليه، كما قال: (وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ). * * * وقوله : (فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ). الرفع في (يُكَفِّرُ) والجزمْ جائزان، ويقرأ - ونُكفر عنكم - بالنون والياءِ. وزعم سيبويه أنه يَخْتَار الرفعَ في وُيكَفَرُ، قال لأن ما بعد الفاءِ قد صار بمنزلتِه

стр. 318

في غير الجزاءِ، وأجاز الجزم على موضع فهو خير لكم لأن المعنى يكن خيراً لكم، وذكر أن بعضهم قرأ: (مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هَادِيَ لَهُ ويَذَرْهم) بجزم الراءِ، والاختيار عنده الرفع في قوله (ويذرهُم) وفي (ونُكَفِّر) قال: فأمَّا النصب فضعيف جداً، لا يجيزُ (ونُكَفِّرَ عَنْكم) إلا على جهة الاضطرار، وزعم أنه نحو قول الشاعر: سَأتركُ مَنزِلي لبَنِي تَمِيم. . . وألحقَ بالحجاز فأستريحَا إلا أن النصب أقوى قليلاً لأنه إنَّمَا يَجبُ به الشًيءُ بوجُوبِ غيره فضارع الاستفهامَ وما أشبَههُ. هذا قول جميع البصريين وهو بين واضح. * * * قوله : (لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢٧٣) فُقراء: جمع فقير مثل ظريف وظُرَفَاء وقالوا في (أُحْصِرُوا) قولين: قالوا أحْصَرهم فرضُ الجهاد فَمَنَعَهُم من التصرفِ. وقالوا أحصرهم عَدُوهُم لأنه شَغَلَهُمْ بِجِهادِهِ، ومعنى (أُحْصِرُوا) صاروا إلى أن حصروا أنفسهم للجهاد، كما تقول رَابَط في سبيل اللَّه. ومعنى: (لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ).

стр. 319

أي قد ألزموا أنفسهم أمر الجهادِ فمنعهم ذلك من التصرف وليس لأنهم لا يقدرون أن يتصرفوا. وهذا كقولك، أمرني المولى أن أقيمَ فما أقدرُ على أن أبرحَ، فالمعنى أني قد ألزَمْتُ نفسي طاعَتَهُ، ليْس أنه لا يقدر على الحَرَكةِ " وهو صحيح سَوِي، ويقال ضربتُ في الأرض ضرباً، وَضَرَبَ الفَحْلُ الناقَةَ إذا حَمَل عليها ضِراباً، والضرِيبُ الجليد الذي يسقط على الأرض، يقال ضَرَبَت الأرض وجُلِدت الأرض وَجَلِدَتْ الأرض. وروى الكسائي: ضَرِبَتْ الأرضُ وجَلِدتْ. والأكثر ضَرَبَتْ وجُلِدَات. ومعنى (يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ). أي يحسبهم الجاهل ويخالهم أغنياء من التعفف عن المسألة وإظهارِ التجمل. ومعنى: (لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا). روي عن النبي ﷺ أنَّه قال " من سأل وله أربعون درهماً فقد ألْحَفَ " ومعنى " ألحَفَ " أي اشتمل بالمسْألَة، وهو مستغن عنها، واللِّحَافُ من هذا اشتقاقه لأنه يشْمَل الإنْسَان في التغطية. والمَعْنَى أنه ليس منهم سؤَال فيكون منهم إلحاف. كما قال أمرؤ القيس " على لاحِبٍ لا يُهْتدى بمَنارهِ. . . إذا سافَه العَوْدُ النباطيُّ جَرْجَرا المعنى ليس به منار فيهتدى بها، وكذلك ليس من هُؤلاءِ سؤَال فيقع فيه إلحاف.

стр. 320

وقوله : (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤) (الذين) رفع بالإبتداء، وجاز أن يكون الخبر ما بعد الفاءِ، ولا يجوز في الكلام " زيد فمنطلق " لأن الفاءَ لا معنى لها -، وإنما صلح في الذين لأنها تأتي بمعنى الشرط والجزاءِ. * * * وقوله : (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧٥) المعنى الَّذين يأكلونَ الرِّبَا لا يقومون في الآخرة إلا كما يقومُ المَجْنُون. مِنْ حَالِ جُنُونه. زعم أهل التفسير أن ذلك عَلَمٌ لهُمْ في الموقف، يَعْرفُهُمْ به أهل المَوْقِف، يُعْلَمُ بِه أنَّهُمْ أكَلَةُ الربا في الدنيا يقال بِفُلان مَس، وهو ألْمَس وأوْلَق إذا كان به جنون. * * * وقوله : (فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى). جاز تذكير (جاءَه)، وقال: تعالى في موضع آخر (قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ) لأن كل تأنيث ليس بحقيقي فتذكيره جائز ألا ترى أن الوعظ والموعظة معبران عن معنى واحد. * * * وقوله : (فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ). أي قَد صُفِحَ لَه عَمَّا سَلَفَ (وأمْرُهُ إلَى اللَّه) أي اللَّه وليُّه. ومعنى: (وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ). أي من عاد إلى استحلال الربا فهو كافر، لأن من أحلَّ ما حرَّم اللَّه فهو
следующие страницы →