Полный текст (2 149 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
والكسائِى قراوا: (فنَعِمَّا هي) - بفتح النون وكسر العين.
وذكر أبو عُبَيْدٍ أنَّه رُويَ عن النبي ﷺ قوله لابن العاص: نعْمَّا بالمال الصَّالح للرجل الصَّالِح.
فذكر أبو عبيدٍ أنه يَخْتَار هَذه القراءَة من أجل هذه
الروَاية.
ولا أحسب أصحابَ الحديث ضَبَطُوا هذَا، ولا هذه القراءَةَ عند
البصريين النحويين جائزة ألبتَّة، لأن فيها الجمعَ بينَ ساكنين من غير حرف مَا
ولين.
فأما مَا قَرأنَاه من حرف عاصم ورواية أبي عمرو (فنِعِمَّا هِي)، بكسر النون
والعين، فهذا جَيِّدٌ بَالغ لأن ههنا كسرَ العينِ والنونِ، وكذلك قراءَة أهلِ
الكوفة (نَعِمَّا هي) جَيدة لأن الأصل في نِعْمَ نَعِمَ ونعِمَ. ونعْمَ فيها ثلاث
لغاتٍ، ولا يجوز مع إدغام الميم نِعْمَّا هي. و " ما " في تأويل - الشيءِ زعم
البصريون أن نِعِمَّا هي: نعْمَ الشيءُ هِيَ. وقد فسرنا هذا فيما مضى.
ومعنى: (وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ).
هذا كان على عهد رسول اللَّه ﷺ فكان الإخفاء في إِيتاءِ الزكاة أحْسَن، فأمَّا اليومَ فالناس يُسِيئون الظن، فإظهارُ الزكاة أحسنُ، فأمَّا التطوع فإخفاؤُه أحسن، لأنه أدل على أنه يريد اللَّهَ به وحده.
يقال أخفَيْتُ الشيءَ إخفاءً إذا سَتَرتُهُ، وخَفِي خَفَاءً إذا اسْتَتَر، وخفَيْتُه أخْفِيه خَفْياً إِذا أظْهَرْتُه، وأهل المدينة يسمون النبَّاشَ: المُخْتَفِي.
قال الشاعر في خفيته أظهرته:
стр. 317
فإِنْ تَدفِنُوا الداءَ لا نخْفِه. . .وإِن تَبْعَثُوا الحرْبَ لا نَقْعُدِ
* * *
وقوله : (لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (٢٧٢)
معناه إِنما عليك الِإبلاغ كما قال - جلَّ وعزَّ - (وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ (١١٩).
ومعنى: (وَلَكنَّ اللَّهَ يَهْدي مَنْ يَشَاءُ).
أي يوفق من يشاءُ للهداية، وقال قوم: لَوْ شاءَ الله لهداهم أي
لاضطرهم إِلى أن يهتدوا - كما قال: (إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ (٤).
وكما قال (ولَوْ شَاءَ اللَّهُ لجَمَعهُم عَلَى الهُدى)
وهذا ليس كذلك. هذا فيه: (وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ).
فَلاَ مُهتديَ إِلا بتَوفيق الله - كما قال: (وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ باللَّه).
ومعنى: (وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ).
هذا خاص لِلْمُؤْمِنِينَ، أعْلمهم أنه قد عَلِم أنهم يريدون بِنَفقتهم ما عند
اللَّه جلَّ وعزَّ، لأنه إِذا أعلمهم ذلك فقد علموا أنهم مثابون عليه، كما قال: (وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ).
* * *
وقوله : (فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ).
الرفع في (يُكَفِّرُ) والجزمْ جائزان، ويقرأ - ونُكفر عنكم - بالنون والياءِ.
وزعم سيبويه أنه يَخْتَار الرفعَ في وُيكَفَرُ، قال لأن ما بعد الفاءِ قد صار بمنزلتِه
стр. 318
في غير الجزاءِ، وأجاز الجزم على موضع فهو خير لكم لأن المعنى يكن
خيراً لكم، وذكر أن بعضهم قرأ: (مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هَادِيَ لَهُ ويَذَرْهم) بجزم الراءِ، والاختيار عنده الرفع في قوله (ويذرهُم) وفي (ونُكَفِّر)
قال: فأمَّا النصب فضعيف جداً، لا يجيزُ (ونُكَفِّرَ عَنْكم) إلا على جهة الاضطرار، وزعم أنه نحو قول الشاعر:
سَأتركُ مَنزِلي لبَنِي تَمِيم. . . وألحقَ بالحجاز فأستريحَا
إلا أن النصب أقوى قليلاً لأنه إنَّمَا يَجبُ به الشًيءُ بوجُوبِ غيره فضارع
الاستفهامَ وما أشبَههُ.
هذا قول جميع البصريين وهو بين واضح.
* * *
قوله : (لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢٧٣)
فُقراء: جمع فقير مثل ظريف وظُرَفَاء وقالوا في (أُحْصِرُوا) قولين: قالوا
أحْصَرهم فرضُ الجهاد فَمَنَعَهُم من التصرفِ.
وقالوا أحصرهم عَدُوهُم لأنه شَغَلَهُمْ بِجِهادِهِ، ومعنى (أُحْصِرُوا) صاروا إلى أن حصروا أنفسهم للجهاد، كما تقول رَابَط في سبيل اللَّه.
ومعنى: (لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ).
стр. 319
أي قد ألزموا أنفسهم أمر الجهادِ فمنعهم ذلك من التصرف وليس لأنهم
لا يقدرون أن يتصرفوا. وهذا كقولك، أمرني المولى أن أقيمَ فما أقدرُ على أن أبرحَ، فالمعنى أني قد ألزَمْتُ نفسي طاعَتَهُ، ليْس أنه لا يقدر على الحَرَكةِ
" وهو صحيح سَوِي، ويقال ضربتُ في الأرض ضرباً، وَضَرَبَ الفَحْلُ الناقَةَ إذا حَمَل عليها ضِراباً، والضرِيبُ الجليد الذي يسقط على الأرض، يقال ضَرَبَت الأرض وجُلِدت الأرض وَجَلِدَتْ الأرض.
وروى الكسائي: ضَرِبَتْ الأرضُ وجَلِدتْ.
والأكثر ضَرَبَتْ وجُلِدَات.
ومعنى (يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ).
أي يحسبهم الجاهل ويخالهم أغنياء من التعفف عن المسألة وإظهارِ
التجمل.
ومعنى: (لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا).
روي عن النبي ﷺ أنَّه قال " من سأل وله أربعون درهماً فقد ألْحَفَ "
ومعنى " ألحَفَ " أي اشتمل بالمسْألَة، وهو مستغن عنها، واللِّحَافُ من هذا
اشتقاقه لأنه يشْمَل الإنْسَان في التغطية.
والمَعْنَى أنه ليس منهم سؤَال فيكون منهم إلحاف.
كما قال أمرؤ القيس "
على لاحِبٍ لا يُهْتدى بمَنارهِ. . . إذا سافَه العَوْدُ النباطيُّ جَرْجَرا
المعنى ليس به منار فيهتدى بها، وكذلك ليس من هُؤلاءِ سؤَال فيقع فيه
إلحاف.
стр. 320
وقوله : (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤)
(الذين) رفع بالإبتداء، وجاز أن يكون الخبر ما بعد الفاءِ، ولا يجوز في
الكلام " زيد فمنطلق " لأن الفاءَ لا معنى لها -، وإنما صلح في الذين لأنها تأتي بمعنى الشرط والجزاءِ.
* * *
وقوله : (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧٥)
المعنى الَّذين يأكلونَ الرِّبَا لا يقومون في الآخرة إلا كما يقومُ المَجْنُون.
مِنْ حَالِ جُنُونه.
زعم أهل التفسير أن ذلك عَلَمٌ لهُمْ في الموقف، يَعْرفُهُمْ به
أهل المَوْقِف، يُعْلَمُ بِه أنَّهُمْ أكَلَةُ الربا في الدنيا يقال بِفُلان مَس، وهو ألْمَس
وأوْلَق إذا كان به جنون.
* * *
وقوله : (فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى).
جاز تذكير (جاءَه)، وقال: تعالى في موضع آخر (قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ) لأن كل تأنيث ليس بحقيقي فتذكيره جائز ألا ترى أن الوعظ
والموعظة معبران عن معنى واحد.
* * *
وقوله : (فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ).
أي قَد صُفِحَ لَه عَمَّا سَلَفَ (وأمْرُهُ إلَى اللَّه) أي اللَّه وليُّه.
ومعنى: (وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ).
أي من عاد إلى استحلال الربا فهو كافر، لأن من أحلَّ ما حرَّم اللَّه فهو
стр. 321
كافر، وهؤُلاءِ قالوا: (إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا) ومن اعتقد هذا فهوكافر.
* * *
وقوله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨)
نزلت في قوم من أهل الطائف كانوا صُولحوا على أنْ وُضِعَ عَنهُمُ ما
كَانَ عَلَيْهِمْ مِنَ الربا، وَجُعلَ لهم أن يأخُذُوا مَا لَهُمْ مِنَ الربَا وكان لهم على
قوم مِنْ قُريْش مال فطالَبُوهُمْ عندَ المَحْل بالمال والربَا فقالتْ تلك الفرقة ما
بالنا مِنْ أشقى الناس يؤْخذ منا الربا الذي قد وضع عن سائر الناس، فأمر الله
بترك هذه البقية، وأعلم أن من كان مؤْمناً قَبلَ عن اللَّه أمرَه ومن أبى فهو حرْبٌ، أي كافر، فقال:
(فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩)
وقال بعضهم قآذِنُوا، فمن قال (فَأْذَنُوا): فالمعنى: أيقِنُوا ومن قال (قآذِنُوا)
كان معناه فأعلِمُوا كل مَنْ لمْ يترُكِ الربَا أنَّه حَرْب.
يقال قد آذنته بكذا وكذا، أوذنُه إيذَاناً إذا أعْلَمْتُه وقد أذِنَ له يأذنُ إذْناً إذا عَلِمَ بِه.
* * *
وقوله : (وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠)
أي: وإن وقعَ (ذُوعُسْرَةٍ)، ولو قرئت، وإن كان ذا عُسْرَةٍ لجاز أي
وإن كان المدين الذي عليه الدَّينُ ذَا عُسْرةٍ، ولكن لا يُخَالف المصحف
والرفع على أن، (إنْ كان) على معنى إنْ وقع ذو عسرة - ورفع (فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ) على فعلى الَّذِي تعاملونه نظرة أي تأخير، يقال بعته بيعاً بِنَظرةٍ.
ومن قال فناظرة إلى ميسرة ففاعالة من أسماءِ المَصَادِر نحو (لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ)
стр. 322
ونحو (تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ (٢٥).
وإنْ شئْتَ قُلتَ إلى مَيْسُرة
فأما منْ قَرأ (إلى مَيْسُرِهِ) على جهةِ الإضافة إلى الهاءِ فمخطئ، لأن "ميسُر"
مَفْعُل وليْس في الكلام مفعُل.
وزعم البصريون أنهم لا يعرفونَ مفْعُلاً إنما يَعْرِفُون مفْعُلَة.
فَأمرهم اللَّه بتأخيرِ رأس المال بعد إسقاط الربا، إذا كان المُطَالَبُ
مُعْسِراً، وأعلمهم أن الصدقة بِرأس المالِ عَلَيْهِ أفْضَلُ.
فقال: (وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ).
* * *
وقوله : (وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٨١)
هذا يوم القيامة، ويقال إنها آخر آية نزلت من كتاب اللَّه جلَّ وعزَّ.
كذا جاءَ في التفسير.
وقوله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٨٢)
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ)
يقال دَايَنْتُ الرجلَ إذا عاملته بدين، أخَذْتُ منه وأعطيتُه. وتَدايَنَّا على
دايَنْتُه، قال الشاعر:
- دايَنْتُ ليْلَى والدُّيُونُ تقضَى. . . فمطلت بعضاً وأدَّت بعضاً
ويقال دِنْت وأدَّنْتُ أي اقْترضْت، وأدَنْتُ إذا أقْرضْتُ.
قال الشاعر:
أدانَ وأنبِّأه الأولون. . . بأن المُدَان مَلِيء وفيُّ
стр. 323
فالمعنى إذا كان لبَعْضكم على بعْض ديْن إلى أجل مُسَمَّى فاَكتبوه فأمر
الله بكَتْب الدين، حِفظاً مِنْه للأمْوال، وكذلك الإشهاد فيها
وللناسِ من الظلْمِ لأَن صاحب الدَّيْنِ إذا كانت عليه الشهُودُ والبَينَةُ قَلَّ
تحديثُه نفسَه بالطمَع في إذْهَابِهِا.
فأمر اللَّه - جلَّ وعزَّ - بالإشهاد والكِتَابِ.
قال بعض أهل اللغة هذا أدب من اللَّه وليس بأمر حَتْم كما
قال : (وإِذَا حَلَلْتُم فاصْطادوا) - فليس يجب كُلماِ يحل من
الإحرام أن يصطاد، وكما قال: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ).
وهذا خلاف ما أمَرَ اللَّه به في كتاب الدين والإشهاد لأن هذين جميعاًْ
إباحة بعد تحريم - قال الله : (وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا) وقال: (لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ) ثم أباح لهم - إِذا زال
الإحرام - الصيدَ " وكذلك " قال: (إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ)
فَأبَاحَ لَهُمْ بَعْدَ انْقِضَاءِ الصًلاةِ الابتغاءَ منْ فضْلِهِ، والانتشارَ في الأرض لما أرادوا من بيع وغَيْره.
وليست آيةُ الدَّيْنِ كذلك، ولكن الذي رخص في ترك الإشهاد في قول قوم قوله: (فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ).
أيْ يكتَب بالحق، لا يكتب لصاحب الدين فضلًا على الذي عليه الدين
ولا يُنْقصُه مِنْ حقه - فهذا العدل.
стр. 324
ومعنى: (وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ).
أي لا يأب أنْ يكتب كما أمره اللَّه به من الحق.
وقيل (كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ)، أي كما فضله اللَّه بالكتاب فلا يَمْنَعَن المعْرُوفَ بكتَابِهِ.
وأبى يأبَى في اللغة منفرد لَم يَأتِ مِثْلُه إلا قَلَى يَقْلَى، والذي أتَى أبَى يأبى
لا غير - فَعَل يَفْعَل، وهذا غير معروف إلا أن يكون في موضع العين من الفعل أو اللام حرف من حروف الحلق، وقد بيَّناها، ولكن القول فيه أن الألف في أبى أشْبَهَت الهَمْزَة فَجاءَ يَفْعَل مفْتُوحاً لِهَذِه العِلة، وهذا القول لإسماعيل بن إسحاق ومثله قلى يلقى.
ومعنى قوله : (وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا) أي لاَيَنْقُصْ مِنْهُ شَيْئاً.
* * *
وقوله : (فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ).
السفيه الخفيف العقل، ومن هذا قيل تسفهت الريح الشيء إذا حركته.
واستخفته، قال الشاعر:
مَشَيْنَ كما اهتزَّتِ رماحٌ تسفَّهَتْ. . . أَعَالِيَها مَرُّ الرِّياحِ النَّواسِم
стр. 325
فالنساء والصبيان اللاتي لا يميزن تميزاً صحيحاً سفهاء، والضعيف
في عقله سفيه، والذي لا يقدر - على الإملاء العيي.
وجائز أن يكون الجهول سفيهاً كهؤُلاءِ.
ومعنى: (فليملل وليه بالعدل): أي الذي يقوم بأمره، لأن اللَّه أمر ألا
نْؤتي السفهاء الأموال. وأمر أن يقام لهم بها فقال:
(وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ).
فوليه الذي يقوم مقامه في ماله لو كان مميزاً.
وقال قوم: ولي الدَّيْنِ. وهذا بعيد: كيف يقبل قول المدعي، وما
حاجتنا إلى الكتاب والإشهاد والقول قوله:
(وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ).
معنى رجالكم من أهل ملتكم.
وقوله : (فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ).
أي فالذي يشهد - إن لم يكن - رجلان - رجل وامراتان ومعنى (ممن
ترضون من الشهداءِ)، أي ممن ترضون مذهبه، ودل بهذا القول أن في الشهود من ينبغي ألا يرضى.
(أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى).
مَنْ كسر (أنْ) فالكلامُ علي لَفظ الجَزَاءِ، ومعناه: المعنى في (إن تضِل)
إن تَنْسَى إحداهما، تذكرْهَا الذاكرةُ فَتَذْكر.
و (فَتُذَكِّرُ) رُفِعَ مع كسر (إنْ)
стр. 326
لا غير - ومن قرأ "أن تَضِلَ قتُذَكرَ " وهي قراءَة أكْثر الناس، فَزَعمَ بعضً أهل اللغة فيها أن الجزاء فيها مقدَّم أصله التاخير
وقال: المعنى: استشهدوا امراتين مكان الرجل كي تُذَكرَ الذاكرة - الناسِيَةَ. إن نَسِيَتْ. فلما تقدم الجزاءُ اتصلَ بأول الكلام وفُتِحَتْ أنْ وصارَ جوابهُ مردُوداً عليه.
ومثله إني لَيُعْجِبُني أن يسْأل السائلُْ فيعطى، قال - والمعنى إنما يُعجبُه الإعطاء إن سَأل السائِل وزعم أن هذا قول بين.
ولست أعرف لِمَ صار الجزَاءُ إدا تقدم - وهو في مكَانه أو في غير
مكانِه وجب أن يفتح (أن) معه.
وذكر سيبويه والخليل " وجميع النحويين الموثوق بعلمهم أن المعنى
استَشهدوا امراتين لأن تُذَكرَ إحداهما الأخري، ومِنْ أجْل أنْ تُذَكرَ إحداهما
الأخرى، قال سيبويه: فإن قال إنْسَانُ فلم جاز (أن تضل) وإنما أعد هذا
للإذْكار، فالجواب أن الإذكار لما كان سبَبُه الإضْلال جاءت أن يذكر
(أن تضل) لأنَّ الإضلال هو السبب الذي أوجب الإذكار.
قال ومثله: أعددت هذا الجذع أن يَمِيلَ الحائطُ، فأدعمَهَ، وإنَّما أعددته للدعم لا لِلْمَيل، ولكنْ الميلَ ذُكرَ لأنه سَبَبُ الدعم، كلما ذكر الإضْلال لأنه سبب الاذكار - فهذا هو البيِّن إن شاءَ الله.
* * *
وقوله : (وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا).
стр. 327
يروى عن الحسن أنه قال (وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا) لابتداء الشهادة.
أي ولا يأبوا إذا دُعُوا لإقامتها.
وهذا الذي قال الحسن هو الحق - واللَّه أعلم - لأن الشهداء إذا أبوا -
وكان ذلك لهم - أن يشْهدوا تَوِيتْ حقوقهم وبطلت معاملاتهم فيما يحتاجون
إلى التوثق فيه.
وقال غير الحسن: (وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا) - وكانت في أعناقهم
شهادة - أن يقيموها.
فأما إذا لم يكونوا شهداء فهم مخيرون في ابتداء
الشهادة، إن شاءُوا شهدوا وإن شاءُوا أبوا.
ويدل على توكيد أن الشاهد ينبغي له إذا ما دعي ابتداء أن يجيب.
قوله تعالى: (وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ).
أي لا تملوا أن تكتبوا ما أشْهَدتم عليه، فقد أمِرُوا بهذا، فهذا يَؤكد أن
أمر الشهادة في الابتداءِ واجب، وأنه لا ينبغي أن يُمَل ويقال سئمت أسأم
سآمة. سأماً.
قال الراجز:
لما رأيت أنه لا قامة. . .وأننِي سَاق على السآمَة
نزعتُ نزعاً زَعْزَع الدعَامَة
ومعنى: (إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً).
أكثر القراءِ على الرفع (تِجَارَةً حَاضِرَةً) على معنى: إلا أن تقَع تِجارةَ
стр. 328
حاضِرة. ومن نصب تجارة - وهي قراءَة عاصم فالمعنى إلا أن تَكونَ المُداينة
تجارةً حاضرةً.
والرفع أكثرُ وهي قراءَة الناس.
فرخص اللَّه في ترك كتابة ما يديرونه بينهم لكثرة ما تقع
المعاملة فيه، وأنه أكثر ما تقع المتاجرة بالشيءِ القليل، وإن وقع فيه الدين.
ووكدَ في الاشهاد في البيع فقال:
(وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ) وقد بيَّنَّا ما الذي رخص في ترك، الإشهاد.
ومعنى: (وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ).
قالوا فيه قولين: قال بعضهم: (لَا يُضَارَّ): لا يضارِرْ، فأدغمت الراءُ
في الراءِ، وفتحت لالتقاءِ الساكنين، ومعنى (لَا يُضَارَّ) لا يكتب الكاتب إلا
بالحق ولا يَشْهدُ الشاهد إلا بالحق.
وقال قوم: (وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ): لا يُدْعَى الكاتبُ وهو مشغول لا يمكنه ترك شغله إلا بضرر يدخل عليه، وكذلك
لا يُدْعى الشاهد ومجيئُه للشهادة يضُرُّ به والأول أبينُ
لقوله: (وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ)
فالفاسق أشبه بغير العدل وبمَنْ حرف الكتاب منه بالذي دعا شاهداً
ليشهد، ودعا كاتباً ليكتب، وهو مشغول فليسَ يسمَّى هذا فاسقاً ولكن يسمى من كذب في الشهادة ومن حرف الكتاب فاسقاً.
* * *
وقوله : (وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨٣)
قرأ الناس " فرُهُن مقبوضة " و " فَرِهان مقبُوضَة "
فأمَّا "رُهُنٌ" فهي قراءَة أبي عَمرو، وذكر فيه غير واحد أنها قرئت: " فَرُهُن " ليُفْصَل بين الرهَانِ في الخَيْل
стр. 329
وبين جَمْع رَهْن في غيرها، ورُهُن ورهان أكثر في اللغَةِ.
قالَ الفراء " رُهُن " جمعٍ رِهَانٍ، وقال غَيْرُه: رُهُن وررَهْن " مِثْل سُقُف وسَقْف.
وفَعْل وفُعُل قليل إلا إنَّه صحيح قد جاءَ؛ فأما في الصفة فكثير، يقال: فرَس وَرْد، وخيل وُرْد.
ورجل ثَط وقَوْم ثُط، والقراءَةُ على " رُهُن " أعجَب إِليَّ لأنها موافقة
للمصحف، وما وافق المصحف وصح معناه وقرأت به القراء فهو المُختار.
ورِهَان جَيِّد بَالغ.
يقال: رهنتُ الرهن وأرهَنْتُه، وأرْهَنْتُ أقلهما.
قال الشاعر في أرْهنت:
فَلَمَّا خَشِيتُ أظافِيرهُم. . . نَجَوْتُ وَأرْهَنْتهُمْ مَالِكاً
وقال في رَهَنْت: أنشده غيرُ واحد:
стр. 330
فَهَلْ من كاهِنٍ أوْ ذِي إله. . . إذا مَا حان من رَبي قُفول
يُرَاهِنُني فيَرهَنُني بَنِيه. . . وأرْهنه بَنِي بما أقولُ
لَمَا يَدْري الفقيرُ متى غِنَاه. . . ومَا يَدْري الغَنِيُّ متَى يُعِيلُ
* * *
وقوله : (لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤)
معناه هو خالقهما.
(وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ).
معناه إن تظهروا العمَل به أو تُسِرُّوه يُحاسبكم به اللَّه، وقد قيل إن هذا
منسوخ، روي عن النبي ﷺ أنه قال تُجَوِّزَ لهذه الأمة عن نسيانها وما حدَّثَتْ به أنْفُسَهَا.
ولما ذكر اللَّه - جلَّ وعزَّ - ْ فَرْضَ الصلاة والزكاة والطلاق والحيض
والإيلاءِ والجهاد وأقاصيص الأنبياءِ والدَّيْن والربا، ختم السورة بذكر تعظيمه وذكر تصديق نبيه ﷺ والمؤمنين بجميع ذلك فقال:
(آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥)
أي صدق الرسول بجميع هذه الأشياء التي جرى ذكرها وكذلك
المؤْمنون.
(كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ) أي صدق بالله وملائكته وكتبه.
- وقرأ ابن عباس - وكِتَابه وقرأتْه جماعة من القراءِ.
فأمَّا كُتُب فجمع كِتاب، مثل: َ مِثَال ومُثُل، وحمَار وحُمُر.
وقيل لابن عباس في قراءَته " وكتابه " فقال كتاب أكثر من كتب.
ذهب به إلى اسم الجِنْس
стр. 331
كما تقول: كثر الدرْهَم في أيدِي الناس.
ومعنى: (لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ).
أي لا نفعل كما فعل أهل الكتاب قبلنا. الذين آمنوا ببعض الرسل
وكفروا ببعض، نحو كفْر إليهود بعيسى، وكفْر النصارى بغيره فأخبر عن
المؤمنين أنهم يقولون (لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ).
* * *
وقوله : (وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا).
أي " سَمعْنَا " سَمْع قابِلينَ. و (أطَعْنَا): قِبِلْنَا ما سَمِعْنَا، لأن مَن سمع
فلم يعْمل قيل له أصم - كما قال جلَّ وعزَّ:
(صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ). ليس لأنهم لَا يسْمعون ولكنهم صاروا - في ترك القبول بمنزلة من لا يسمع
قال الشاعر:
أصَمُّ عمَّا سَاءَهُ سَمِيع
ومعنى: (غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ).
أي أغفر غُفْرانَك، وفُعْلاَن، من أسْمَاءِ الْمَصَادِر نحو السُّلوان والكُفْران.
ومعنى: (وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) أي نحن مقرون بالبعْثِ.
* * *
وقوله : (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٨٦)
(لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا)
أي إلا قدرَ طَاقَتها، لا يكلفها فَرضاً من فُروضهِ من صَوْم أوصَلاةٍ أو
صَدقَةٍ أو غير ذلك إلا بمقدار طاقتها.
ومعنى: (لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ).
أي لا يؤَاخذ أحداً - بذنب غيره - كما قال - جلَّ وعزَّ: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى).
стр. 332
ومعنى: (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا).
قيل فيه قولان: قال بَعضهم إِنَه على مَا جاءَ عن النبي ﷺ "عُفِيَ لِهَذِهِ الأمة عن نِسُيَانِهَا ومَا حَدَّثتْ بِهِ أنفُسَهَا"
وقيل: (إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) أي إن تَرَكْنَا.
و (أو أخْطَانَا): أيْ كَسَبْنَا خطيئةً واللَّه أعلم.
إلا أن هذا الدعاءَ أخبر اللَّه به عن النبي ﷺ والمؤْمنين وجعله في كتابه نيكون دعاءَ مَنْ يأتي بعد النبي ﷺ والصحابة ﵏.
وروى عن النبي ﷺ أن اللَّه - جلَّ وعزَّ - قال في كل فصل من هذا الدعاء فَعلتُ فعلتُ أي اسْتَجَبْتُ.
فَهوَ منَ الدعاء الذي ينبغي أن يحفظ وأن يدعى به كثيراً.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا).
كل عقد من قرابة أو عهد فَهُو إصْر، العرب تقول: مَا تأصِرُني على
فلان آصرة. أي ما تَعطفني عليه قرابة ولا مِنَة قال الحطيئة:
عَطفُوا عليَّ بغير آصرة. . . فقد عَظُمَ الأواصِر
أي عطفوا على بغير عهد قرابة، والْمَأصَرُ من هذا مأخوذ إنما هو
عقد ليحبس به، ويقال للشيء الذي تعْقَدُ به الأشياء الإصَار.
فالمعنى لَا تَحْمِلْ علينا أمْرا يثقُل كما حمَلتَه على الذين من قبلنا نحو ما
стр. 333
أمِرَ به بنو إسرائيل من قتل أنفسهم، أي لا تَمْتَحِنا بما يثقل. (أيضاً) نحو
قوله: (وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ).
والمعنى لا تمتحنا بمحنة تثقل.
ومعنى: (وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ).
أي ما يثقل علينا، فإِن قال قائل - فهل يجوز أن يُحَمِّلَ اللَّهُ أحداً ما لا
يطيق؟
قيل له: إدْ أردت ما ليس في قدرته ألبتَّة فهذا محال.
وإن أردت ما يثقلُ ويخسف فللَّهِ أن يفعل من ذلك ما أحب.
لأن الذي كلفه بني إسرائيل من قتل أنفسهم (يَثقل)، وهذا كقول القائل: ما
أطيقُ كلام فلان، فليس المعنى ليس في قُدرتِي أن ُكَلِّمَهُ ولكنْ معناه في اللغة أنه يثقل عليَّ.
ومعنى: (فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ).
أي أنْصُرنا عليهم في إقامة الحجة عليهم، وفي غلبنا إِياهم في حربهم
وسائر أمرهم، حتى تظهر ديننا على الدِّين كلِّه كما وعدتنا.
стр. 334
سورة آل عمران
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله : (الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢)
أجمعت القراءُ على فتح الميم وقد روي عن الرُّواسي " ألم اللَّه " بتسكين
الميم، وقد رَوَى هذه القراءَة بعضهم عن عاصم والمضبوط عن عاصم في رواية أبي بكر بن عَيَّاش وأبي عمرو فتحُ الميم، وفتحُ الميم إجماع.
وقد شرحنا معنى (الم).
واختلف النحويون في علة فتح الميم، فقال بعض البصريين: جائز أن
يكون الميمُ فتحتْ لالتقاء الساكنين، وجائِز أن يكون طرحت عليها فتحة الهمزة لأن نيةَ حروف الهجاءِ الوقف، وهذا أيضاً قول الكوفيين.
وذكر أبو الحسن الأخفش أن الميمَ لو كُسرتْ لالتقاءِ السَّاكنين فقيل
(الم اللَّه) لجازَ، وهذا غلط من أبي الحسن لأن قبل الميم ياءً مكسوراً ما قبلها فحقها الفتح لالتقاءِ السَّاكنين وذلك لثقل الكسرة مع الياءِ.
فَأما (الْقَيَّومُ) فقد روي عن عُمَرَ وابنِ مَسْعود جميعاً أنهُمَا قرءَا (القيَّام)
وقد رويت (الْقَيِّمُ)، والذي ينبغي أنْ يُقرأ ما عليه المصحف، وهو القيوم بالواو، والقيِّمُ أيضاً جيد بالغ كثيرَ في العربية، ولكن القراءَةَ بخلاف ما في المصحف
стр. 335
لا تجوز، لأن المصحفَ مجمع عليه، ولا يعارض الإجماع برواية لا يعلم كيف
صحتُها.
ومعنى (الْقَيُّومُ): القائمُ بِتَدْبير جميع ما خَلَقَ من إحياءٍ وإنشاءٍ ورَزْقٍ
ومَوْتٍ.
وأصل قيوم قَيْوُوم، إلا أن الياء إذا سَبَقت الواو بسُكونٍ قُلبَتْ لها الواو
وأدغمت الياء فيها وكذلك القيَّام أصله الْقَيْوَام، ومعنى الكتاب ما كتب يقال للقرآن كتاب لأنه يُكتَبُ، ومعنى يكتب في الَلغة يجمع بعضه إلى بعض، والكُتْبَةُ في اللغة الخَرْزة وجمعها كتب والكتيبة القطعة من الجيش العظيمة، إِنما سميت لاجتماع بعضها إلى بعض.
ومعنى (مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ) أي للكتب التي تقدمته والرسل التي أتَتْ بهَا.
* * *
وقوله : (وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ)
أيْ من قَبْل الْقُرآنِ.
وقد اخْتَلَفَ النَحْوُّيونَ في " تَوْرَاة " فَقَالَ الكوفِيُّونَ تَوْرَاة يصلُحُ أنْ يكونَ
" تَفْعَلَةَ " مِن وَرَيْتُ بِك زِنَادِي، فالأصل عندهم توْرَيَة إلا أن الياء قلبت
ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها. " وتفْعَلة " لا تكاد تُوجد في الكلام، إِنما قالوا في تتْفلَة " تتفَلَة.
وقال بعضهم يصلح أن يكون تَفْعِلة مثل تَوْصِيَة ولكن قلبت من تَفْعِلة
стр. 336
إلي تَفْعَلَة. وكأنَّه يجيز في تَوْصِية تَوْصَاةَ، وهذا رَديءَ ولم يَثْبُتْ في تَوفيَة توفاة، ولا في توقية توقاه.
وقال البصريون: أصلها فَوْعلَة، وفوعلة كثير في الكلَامَ مثل الحوقلة.
وَدَوْخَلة وما أشبه ذلك.
وكل ما قلت فيه فَوْعَلْتُ فمصْدرُهُ فَوْعلَة، فأصلها
عندهم " وَوْريَة " ولكن الواو الأولى قلبت تاء كما في " تَوْلَج " وإنما هو فَوْعَل من ولجت، وكما قلبت في تراث. الياءُ الأخيرة، قلبت أيضاً لتحركها وانفتاح ما قبلها بإجماع.
وَإنْجِيل: إفْعيل مِن النجْل وهو الأصلِ: هكذا يَقُول جميع أهل اللغة في
إنْجِيل.
ومعنى: (مِن قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ): أي من قبلِ القُرآن.
ومعنى (وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ). أي ما فُرق بِه بين الحَق والباطِل
ورُوي عَنْ بَعْض المفسرين أن كل كتاب للَّهِ فُرْقَان.
ومعنى: (وَاللَّهُ عَزِيز ذُو انتِقَام) أي قد ذل له كل شيءٍ بأثر صنعته فيه.
ومعنى (ذُو انْتِقَام) أي ذُو أنْقَامٍ ممن كَفر به، لأن ذكر الكافرين ههنا
جرى.
ومعنى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (٥)
أي هو ظاهر له، وهو جلَّ وعَزَّ أنشأه.
ومعنى (هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦)
стр. 337
أي على ما يشاءُ من عظم وصغر لون، وضعف وقوة.
وله - جلَّ وعزَّ - فِي ذلك حكمة كما قال: (لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧)
روي عن ابن عباس ﵄ إنَّه قال: الَمحكمات: الآيات في
آخر الأنعام. وهي قوله تعالى: (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ)
إِلى آخر هذه الآيات، والآيات المتشابهات (الم والمر) وما اشتبه على إليهود من هذه ونحوها.
وقال قوم: معنى (مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ)، أي أحكمت في الِإبانة فإِذا
سمعها السامع لم يحتج إِلى تأويلها لأنها ظاهرة بينة نحو ما أنبأ الله من أقاصيص
الأنبياءِ مما اعترف به أهل الكتاب وما أخبر الله به من إنشاءِ الخلق من قوله
: (ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ)
فهذا اعترف القوم به وأقروا بأن الله هو خالقهم، وما أخبر اللَّه به من خلقه من الماءِ كل شيءٍ حي وما خلق لهم من الثمار
وسخر لهم من الفلك والرياح وما أشبه ذلك.
فهذا ما لم ينكروه، وأنكروا ما احتاجوا فيه إلى النظر والتدبر من أن اللَّه يبعثهم بعد أن يصيروا تراباً فقال: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (٧) أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ).
(وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٤٧) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (٤٨).
стр. 338
فهذا الذي هو المتشابه عليهم، فأعلمهم اللَّه الوجه الذي ينبغي أن
يستدلوا به على أن هذا المتشابه عليهم كالظاهر إن تدبروه ونظروا فيه، فقال : (وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا).
وقال: (أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ) أي إذَا كنتم قد أقررتم بالإنسان والابتداءِ فما تنكرون من البعث
والنشور؛ وهذا قول كثير من الناس وهو بين واضح.
والقول الأول حسن أيضاً.
فأما (أُخَرُ) فغير مصروفة.
زعم سيبويه والخليل أن (أُخَرُ) فارقت أخواتها
والأصلَ الذي عليه بناءُ أخواتِها، لأنْ أخَرَ أصلها أن تكون صفة بالألف
واللام. كما تقول الصغرى والصُّغَر، والكبرى والكبَر فَلَما عدلت عن مجرى الألف واللام وَأصْلِ " أفْعَلُ مِنْك " وهي مما لا تكون إلا صفة - منعت
الصرف.
* * *
وقوله : (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ).
الزيغ: الجور والميل عن القصد، ويقال زاغ يزيغ إذا جار.
ومعنى (ابْتغَاءَ الْفِتْنَة). أي يفعلون ذلك لطلب الفتنة. ولطلب التأوِيل.
والفتنة في اللغَةِ على ضروبٍ: فالضرْب الذي ابتغاه هؤلاءِ هو فَسَادُ ذَاتِ الْبَين
стр. 339
في الدِّينِ والحرُوبِ، والفتنة في اللغة: الاسْتِهْتَار بالشيْءِ والغُلُو فيه.
يقال: فلان مفتون في طلب الدنيا، أي قد غلا في طلبها وتجاوز القُدْرة. والفتنة الاختبار كقوله : (وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ) أي اختبرنا، ومعنى ابتغائهم تأويله أنهم طلبوا تأويل بعثهم وإحيائهم، فأعلم الله أن تأويل ذلك ووقتَه لا يعلمه إلا الله.
والدليل على ذلك قوله : (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ)
أي يوم يرون ما وعدوا به من البعث والنشور والعذاب
(يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ) أي الذين تركوه وتركوا ما أنبأ به
النبي ﷺ عن اللَّه من بعثهم، ومُجَازاتِهم. وقوله : (قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ)
أي قد رأينا ما أنبأتنا به الرسل.
فالوقْفُ التام قوله: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ) أي لا يعلم أحد متى
البعث. (غير اللَّه).
ومعنى: (والراسِخُونَ فِي الْعِلْم) أي الثابتون.
يقال رسخ الشيءُ يَرْسَخُ رُسوخاً إذا ثبت أي: يقولون صدقنا بأنَّ اللَّه
يبعثنا، ويُؤمنون بأنَّ البعثَ حق كما أن الِإنشَاءَ حق، ويقولون:
(كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا).
стр. 340
ويدل على أن الأمر الذي اشتبه عليهم لم يتدبروه.
قوله : (وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ): أي ذوو العقول.
أي ما يتذكر القرآن وما أتى به الرسول ﷺ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ.
* * *
قوله : (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)
أي لا تمِلْها عن الهدى والقَصْد، أي لا تضلَّنَا بعد إذ هديتنا.
وقيل أيضاً: (لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا) لاَ تَتَعبَّدْنا بما يكون سبباً لزيغ قلوبنا وكلاهما جيد.
* * *
وقوله : (رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (٩)
يدل عَلَى تأويل قوله: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ) -
فقولهم: (إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ) إِقرار بالبعث ودليل أنهم خالفوا من يتبع المتشابه لأن الذين ابتغوا المتشابه هم الذين أنكروا البعث.
(لَا رَيْبَ فِيهِ) لا شك فيه. وقد شرح باستقصاءِ فيماتقدم من كتابنا.
* * *
وقوله : (إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ).
جائز أن يكون حكاية عن الموحدين، وجائز أن يكون إخباراً عن اللَّه
وجائز فتح " أن اللَّه لا يخلف الميعاد "، فيكون المعنى جامع الناس لأنك لا
تخلف الميعاد. أي قد أعلمتنا ذلك ونحن غير شَاكِّين فيه.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (١٠)
(وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ).
أي الكفار يعذبون وهم وقود أنفسهم، كلما نضجت جلودهما
وعظامهم بالاتقاد بدِّلُوا خلوداً غيرها. فعذبهم بجلودهم وعظامهم.
стр. 341
وقوله جلَّ وعزَّ: (كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١١)
أي كشأن آل فرعون، وكأمر آل فرعون، كذا قال أهل اللغة والقول
عندي فيه - واللَّه أعلم - إِن " دأب " ههنا أي اجتهادهم في كفرهم وتظاهرهم على النبي ﷺ كتظاهر آل فرعون على موسى ﵇.
وموضع الكاف رفع وهو في موضع خبر الابتداءِ، المعنى دأبهم مثلُ دَأبِ
آل فرعون، و (كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ).
يقال دأبتُ أدأب دَأباً ودُؤُوباً إِذا اجتهدت في الشيءِ.
ولا يصلح أن تكون الكاف في موضع نصب بـ (كفروا)
لأن كفروا في صلة الذين، لا يصلح أن الذين
كفروا ككفر آل فرعون لأن الكاف خارجة من الصلة ولا يعمل فيها ما في
الصلة.
* * *
وقوله: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٢)
وتقرأ (سَيُغْلَبُونَ)، فمن قرأ بالتاءِ فللحكاية والمخاطبة، أي قل لهم في
خطابك ستغلبون. ومن قال (سَيُغْلَبُونَ) فالمعنى بلغهم أنهم سيغلبون.
وهذا فيه أعظم آية للنبي ﷺ لأنه أنبأهم بما لم يكن وأنبأهم بغيب، ثم بانَ تصديق ما أنبأ به لأنه ﷺ غلبهم أجمعين كما أنبأهم. -
ومعنى (وَبِئْسَ المِهَادُ): بئس المثوى وبئس الفراش.
* * *
وقوله : (قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (١٣)
آية علامة من أعْلامِ النَبِى ﷺ التي تدل على تصديقه، والفئةُ في اللغة
стр. 342
الفِرقةِ، وهي مأخوذة من قولهم فَأوْتُ رأسَه بالسيْفِ وفأيتُه إذَا فلقته
ومعنى (فِئَتَيْنِ) فرقتين.
(فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ): الرفع والخفض جائزان جميعاً.
فأما من رفع فالمعنى: إحداهما تقاتِل في سبيل اللَّه والأخْرى كافرة، ومن خَفَضَ جعل فئةً تُقاتِل في سبيل الله وأخْرى كافرة بدلًا من فئتين:
المعنى: قد كان لكم آية في فئة تقاتل في سبيل اللَّه وفي أخرى كافرة.
وأنشدوا بيت كثير على جهتين:
وكنت كذي رجلين رجل صحيحة. . . ورجْل رمى فيها الزمان فَشَفت
وأنشدوا أيضاً: رجل صحيحةٍ، ورجل رمى فيها الزمان.
على البدل من الرجلين.
وقد اختلف أهل اللغة في قوله (يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ)
ونحن نبين ما قالوه إن شاءَ اللَّه وما هو الوجه. واللَّه أعلم.
زعم الفراءُ أن معنى (يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ) يرونهم ثلاثة أمثالهم قال لأنك إِذا
قلت: عندي ألف وأحتاج إلى مثلها فأنت تحتاج إلى ألفين فكأنك قلت أحتاج إلي مثليها - وإذا قلت عندي ألف وأحتاج إِلى مثليها فأنت تحتاج إلى ثلاثة آلا*ف، وهذا باب الغلط فيه غلط بَيِّن في جميع المقاييس وجميع الأشياءِ، لأنا إِنما نعقل مثل الشيءِ ما هو مساو له، ونعقل مثليه ما يساويه مرتين، فإِذا جهلنا المثل فقد بطل التميز، وإنما قال هذا لأن أصحاب النبي ﷺ كانوا ثلاثمائة وأربعة
стр. 343
عشر رجلاً وكان المشركون تسعَمائةٍ وخمسين رجلاً فالذي قال يبطل في اللفظ ويبطل في معنى الدلالة على الآية التي تُعْجِز، لأنهم إذا رأوهم على هَيْئَتِهِمْ فليس هذا آيَة، فإنْ زَعم أن الآيةَ في هذا غلبةُ القليل على الكثير فقد أبْطَلَ أيضاً لأن القليل يغلب الكثيرَ. موجود ذلك أبداً.
فهذا الذي قال يبطل في اللغة وَفِي المَعْنَى وإنَّما الآيةُ في هذا أنَّ المشركين
كانوا تسعمائة وخمسين وكان المسلمون ثلاثَمائةٍ وأربعةَ عشرَ فأرى اللَّه
- جلَّ وعزَّ - المشركين أنَّ المسلمين أقَل من ثلاثمائة واللَّه قد أعلم المسلمين أن المائة تغلب المائتين فأراهم المشركين على قدر ما أعلمهم أنهم يغلبونهم لِيُقَوِّيَ قلوبهم، وأرى المشركين المسلمين أقل - من عدد المسلمين، ثم ألقَى مع ذلك في قلوبهم الرعب فجعلوا يرون عدداً قليلاً مع رعب شديد حتى غُلِبُوا.
والدليل على صحة هذا القول قول اللَّه : (وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا).
فهذا هو الذي فيه آية أن يُرَى الشيء بخلاف صورته - واللَّه أعلم -.
ويجوز نصب (فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ).
ولا أعلم أحداً قرأ بها.
ونصبها من وجهين - أحدهما الحال المعنى التقتا مؤْمنة وكافرة
ويجوز نصبها على أعني فِئَةً تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ).
* * *
وقوله : (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤)
стр. 344
قيل في (زُيِّنَ) قولان: قال بعضهم اللَّه زينها مِحْنَةً كما قال:
(إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٧).
وقال بعضهم: الشيطان زينها لأن اللَّه قد زهد فيها وأعلم أنَّها متاع
الغرور.
والقَوْلُ الأول أجودُ لأن جَعْلَهَا زينةً محبوبة موجودٌ واللَّه قد زهَّد فيها بأن
أعلم وأرى زوالها، ومعنى (القناطير) عند العرب الشيءُ الكثير من المال وهو جمْع قنطار.
فأما أهل التفسير فقالوا أقوالًا غير خارجة من مذهب العرب: قال
بعضهم القنطار ملءُ مَسْكِ ثَوْرٍ ذهباً أو فضة وقال بعضهم القنطار ثمانون
ألفَ دِرهم. وقال بعضهم: القنطار ألفُ دينار، وقال بعضهم ألف، رطل
ذهباً أو فضةً.
فهذه جملة ما قال الناس في القنطار.
والذي بخرج في اللغة أن القنطار مأخوذ من عقد الشيءِ وأحكامه والقنطرة
مأخوذة من ذلك، قكأن القنطار هُوَ الجملة من المال التي تكُون عقدة وثيقة منه.
فأمَّا من قال من أهل التفسير إنَّه شيء من الذهب موف، فأقوى منه عندي ما ذكر من إنَّه من الذهب والفضة، لأن اللَّه - جلَّ وعزَّ - ذكر القناطير فيهما، فلا يستقيم أن يكون القنطار في إحداهما دون الأخرى.
ومعنى (وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ) في اللغة - الخيل عليها السًيمَاءُ والسُّومَة وهي
стр. 345
العلامة، ويجوز - وهو حسن - أن يكون المسومة السائمة، وأسِيمَت أرْعِيَتْ.
(وَالْأَنْعَامِ) المواشي واحدها نَعَم، أكثر استعمالها في الإبل، (والحرث) الزرع، وهذا كله محبَّب إلى الناس كما قال اللَّه ، ثم زهد الله في جميعه.
وتأويل التزهيد فيه ليس الامتناع من أنْ يَزْرع الناس، ولا من أن يَكْسِبُوا
الشيءَ من جهة، وإنما وجه التزهيد فيه الحث على الصدقة وسلوك سُبل البِرِّ التي أمرَ بِها في ترك الاستكثار من المال وغيره، فهذا وجه التزهيد.
فقال جلَّ وعزَّ: (ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) أي ما يتمتع به فيها.
(وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ):
والمآب في اللغة المرجع، يقال آب الرجل يؤُوب أوْبا وإياباً ومآباً.
وأعلم اللَّه - جلَّ وعزَّ - أن خيراً من جميع ما في الدنيا ما أعده لأوليائه
فقال:
(قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (١٥)
الرفع في (جَنَّاتٌ) القراءَْة، والخفض جائز على أنْ تكون (جَنَّاتٌ) بدلاً من
خير المعنى أؤنبئكم بجنات تجري من تحتها الأنهار ويكون، (للذين اتقوا عند
ربهم) من تمام الكلام الأول.
ومعنى (وأزواج مطهرة) أي مطهرة من الأدناس ومطهرة مما يحتاج إليه نساءُ
أهل الدنيا من الحيض وغيره.
(وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ).
أكثر القراءَة كسر الراءِ.
وروى أبو بكر بن عياش عن عاصم
стр. 346
" وَرُضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ " بضم الراءِ في كل القرآن، ويقال رَضِيت الشيءَ أرضاه رضا ومرضاة ورِضوا ناًورُضواناً.
وموضع (الذين يقولون) خفض صفة (للذين اتقوا)
المعنى للمتقين القائلين. (الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٦)
وكذلك (الصابرين والصادقين) ولو كانت رفعاً على الاستئناف لجاز ذلك ولكن القراءَة لا تجاوز.
ومعنى القانتين أي القائمين بعبادة اللَّه، وقد فسرنا القنوت فيما
مضى. ومعنى المنفقين المتصدقين، وجميع ما في سبيل اللَّه.
(وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ).
السحر الوقت الذي قبل طلوع الفجر.
العرب تقول جئتك بأعلى السحر تريد في أول السحر، وهو أول إدبار الليل إلى طلوع الفجر الظاهر البين.
فَاللَّه وصفَ هؤُلاءِ بالتَصْدِيقِ والِإنْفَاقِ في سَبِيلِهِ والقيامِ
بِعِبَادَتِهِ، ثُمَّ وَصَفَهمُ بِأنهمْ مَعَ ذَلِكَ لِشِدَّةِ خَوْفهِمْ وَوَجَلِهِمْ يستغفرون
بالأسحار.
* * *
وقوله : (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)
قال أبو عبيدة معنى (شهد الله). قضى اللَّه، وحقيقته أنه عَلِمَ وبين
اللَّه، لأن الشاهد هو العالم الذي يبين ما علمه، فاللَّه قد دل على تَوْحيدِه بجميع مَا خَلق فَبَيَّن أنَّه لَا يقدِرُ أحدٌ أنْ يُنْشِئَ شَيْئاً واحداً مما أنْشَأ،
стр. 347
وشهدت الملائكة لما علمت من قدرته وشهد أولو العلم بما ثبت عندهم
وتبين من خلقه الذي لا يقدرعليه غيره.
وأكثر القراءَة (أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) بفتح الألف في (أنهُ) وقد رُوَيت بالكسر
عن ابن عباس، وروى (أنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ) بفتح الألف " والأكثر
فتح (أَنَّهُ) وكسر (إِنَّ الدِّينَ).
ومن قرأ (إنهُ) بالكسر فالمعنى شَهِد اللَّه أن الدين عند اللَّه الإسلام. وأنَّهُ لاَ إِلَهَ إلا هُوَ.
والأجْوَدُ الْفَتْحُ كما وصَفْنَا في الأول، لأن الكلام والتوحيد
والنداءَ بالأذان (أشهد أن لا إله إلا الله) وأكثر ما وقع أشْهَد على ذِكر
التوحيد وجائز أن يفتح أن الأولى وأن الثانية. فيكون فتح الثانية على
جهتين على شهد اللَّه أن لا إله إلا هو وشهد أن الدين عنده الإسلام.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩)
لك في (جَاءَهم) الفتح والتفخيم، ولك الإمالة نحو الكسر فأما الفتح فلغة
أهل الحجاز، وهي اللغة العليا القدمى وأما جاءَهم " بالكسر " فلغة تميم.
وكثير من العرب وهي جيدة فصيحة أيضاً.
فالذي يميل إلى الكسر يدل على
стр. 348
أن الفعل من ذوات الياءِ والذي يفتح فلأن الياء قد انقلبت صورتها إلى الألف
وفي الألف حظها من الفتح. وكل مصيب.
ونصب (بَغْياً) بقوله: (اختلفوا) والمعنى اختلفوا بغياً، أي للبغي، لم
يختلفوا لأنهم رأوا البصيرة والبرهان.
قال الأخفش: المعنى " وما اختلف الذين أوتوا الكتاب بغياً بينهم إلا من
بعد ما جاءَهم العلم "، والذي هو الأجود أن يكون بغياً منصوباً بما دل عليه
(وما اختلف) فيكون المعنى اختلفوا بغياً بينهم.
(ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب) أي سريع الحساب له.
والجزم هو الوجه في (ومن يكفر) وهي القراءَةُ ولو قرئت بالرفع لكان له وجه
من القياس ولكن الجزم أجود وأفصح في المعنى.
ومعنى (سريع الحساب) أي سريع المجازاة له كما قال:
(وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ) وقالوا: جائز أن يكون (سريع الحساب) سريع التعريف للعامل عمله - لأنه جل ثناؤُه - عالم بجميع ما عملوا لا يحتاج إِلى إثبات شيءٍ وتذاكر شيء.
ونصب (قائماً بالقسط) حال مَؤكدة لأن الحال المَؤكدة تقع مع الأسماءِ
стр. 349
في غير الإشارة، تقول إنه زيد معروفاً وهو الحق مصدقاً ولا إله إلا هو قائما
بالقسط.
والقسط في اللغة العدل: قال اللَّه - (وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ) أي
بالعدل، ويقال أقسط الرجل إذا عدل وقسط إذا جار والعادل مقسط والجَائِر قَاسِط - ْ قال اللَّه: (وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) أي اعدلوا إن اللَّه يحب العادلين.
وقال: (وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا).
فإن قال قائل: فمن أين جاءَ من لفظ القسط ما معناه الجور وأصله
العدل؟
فإِنما ذلك كقولك عدل الرجل على القوم يعدل عدلا ومعْدِلة.
وَمَعْدَلَةً، إذا هو أنصفهم، وَعَدَلَ عَن الحق عدْلاً إِذَا جَارَ، فكذلك جاءَ من
لفْظ القَسْطِ ما مَعْناه الجور كما جاءَ ما معناه العَدْلُ.
* * *
وقوله : (فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (٢٠)
إنْ شِئْتَ أسكنت الياء (من وَجْهِيَ) وإِنْ شِئْتَ فتحتها فقلت أسلمت
وَجْهِيَ للَّهِ، وقد فسَّرْنَا أمر هذه الياء فيما سلف، والمعنى أن اللَّه .
أمر النبي ﷺ أن يحتج على أهل الكتاب والمشركين بأنه اتبع أمر اللَّه الذي هم أجمعون مقرون بأنه خَالِقَهُم، فَدعَاهُم إلى ما أقرُوا به، وأراهم الدلاَلاَتِ والآيَاتِ التي قَد شَرَحْنَا ذكرها بأنه رسولُه ﷺ .
ومعنى (أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ) أي قصدت بعبادتي إلى اللَّه جل ثناؤُه
وأقررت أنه لَا إِلَه غَيرهُ، وكذلك (مَنِ اتَّبَعَنِ) ويجوز في اللغة أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ
أي، أسلمت نفسي - قال اللَّه (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ)
стр. 350
وقال: (ويبقى وَجْهُ رَبِّكَ) المعنى ويبقى ربك والمعنى كل شيءٍ هالك
إلا اللَّه .
(ومن اتبعنِ) لك حذف الياءِ وإثباتها، والأحبّ إليَّ في هذا
اتباع المُصْحف لأن اتباعه سنة ومخالفته بدعة، وما حذفَ من هذه الياءات
نحو (ومن اتبعن) (لئن أخرتن إلى يوم القيامة) ونحو فيقول (ربي أكرمن)
فيقول: (ربي أهانن) فهو على ضربين مع النون، فإذا كان رأس آية فأهل اللغة يسمون أواخر الآي الفواصل فيجيزون حذف الياءات، كما يجيزونَهُ في قوافي الشعر، كما قال الأعشى:
ومن شانئ كاسف وجهه. . . إذا ما انتسبتْ له أنكرن
وهل يمنعني ارتيادي البلاد. . . من حذر الموت أن يأتين
المعنى أن يأتيني وأنكرني، فإذا لم يكن آخر قافية أو آخر آية فالأكثر
إثبات الياء، وحذفها جَيِّد بالغ أيضاً بخاصة مع النونات، إلا أن أصل اتبعني
" اتبعي " ولكن النون زيدت لتسلم فتحة العين، فالكسرة مع النون تنوب عن الياءِ، فإذا لم تكن النون نحو غلامي وصاحبي فالأجود إثباتها، وحذفها مع غير النون أقل منه مع النون إلا أنه جائز، نقول هذا غلام قد جاء والأجودِ هذا غلامي قد جاءَ، وغلاميَ قد جاءَ، بفتح الياءِ وإسكانها. وحذفها جائز لأنَّ الكسرة دالة عليها.
стр. 351
وقوله تبارك اسمه: (وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ).
الذين أوتوا الكتاب ": إليهود والنصارى، والأميون مشركو العرب لأنهم
إنما نسبُوا إلى ما عليه الأمة في الخلقة، لأن الإنسان يخلق غير كاتب، فهذا
معنى الأمِّيين، وقال بعض النحويين معنى أأسلمتم الأمر، معناه عندهم
اسلمو@ - وحقيقة هذا الكلام أنه لفظ استفهام معناه التوقيف والتهديد، كما تقول للرجل بعد أن تأمره وتؤَكد عليه " أقْبِلْتَ. . وإلا فأنت أعلم ". فأنت إنما تسْأله متوعداً في مسألتك، لعمري هذا دليل أنك تَأمره بأن يفعل.
ومعنى.: (وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ).
أي ليس عليك هداهم - إنما عليك إقامةُ البُرهانِ لهمْ فإذا بَلغْتَ فقد
أدَّيْتَ ما عليك.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ) أي بصير بما يقطع عذرهم فيما
دلهم به على وحدانيته وتثبيت رسله.
وقال في " إثر هذه الآية:
(إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢١)
أي: أعلام اللَّه التي أتيْتَهُمْ بِهَا.
(وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ):
وقرئت ويُقَاتِلُون، ومعنى (وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ) ههنا قيل فيه قولان:
، قيل رضاهم بقتل من سلف منهم النبيين نحو قتل يحيى ﵇.
وهذا يحتمل - واللَّه أعلم - وقيل ويقتلون النبيين لأنهم قاتلوا النبي ﷺ وهموا بقتله قال اللَّه - جلَّ وعزَّ، (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ).
стр. 352
فهذا معنى: (ويقتلون النبيين) واللَّه أعلم.
وجاز دخول الفاء في خبر إن، ولا يجوز أن زيداً فقائم وجاز ههنا. .
(فبشرهم بعذاب أليم)، لأن (الذي) يوفي فتكون صلته بمنزلة الشرط للجزاءِ
فيجاب بالفاءِ. ولا يصلح ليت الذي يقوم فيكرمك لأن (إن) كأنها لم تذكر
في الكلام فدخول الجواب بالفاءِ، عليها كدخولها على الابتداءِ والتمني داخل فزيل معنى الابتداءُ والشرط.
* * *
وقوله : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)
معناه حظَاً وافراً منه.
و (يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ).
أي يدعون إلى كتاب الله الذي هم به مقرون، وفيه ذكر النبي ﷺ والإنباء برسالته.
(ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ).
أي جمع كثير وإنما أعرضوا إلا إنَّه لا حجة لهم إلا الجحد بشيءٍ قد
أقر به جماعة من علمائهم أنه في كتابهم.
ثم أنْبَأ اللَّه بما حملهم على ذلك وخبَّر بما غرهم.
فقال : (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤)
стр. 353
فموضع (ذلك) رفع المعنى شأنهم ذلك وأمرهم ذلك بقولهم وبظنهم
أنهم لا يعذبون إلا أياماً مَعْدُودَات.
جاءَ في التفسير أنهم قالوا إنما نعذب أربعين يوماً عبد آباؤُنا فيها
العجل، فأعلمَ اللَّهُ ﵎ أن ذلك فرية منهم، وأنه هو الذي غرهم.
* * *
وقوله : (فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٥)
المعنى - واللَّه أعلم - فكيف يكون حالهم في ذلك الوقت.
وهذا الحرف مستعمل في الكلام، تقول أنا أكرمك وأنت لم تزرني، فكيف إذا زرتني.
قوله : (لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ):
أي لحساب يوم لا شك فيه.
* * *
وقوله جل شأنه: (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)
امر اللَّهُ النبيَّ ﷺ بتقديمه وذكر ما يدل على توحيده، ومعنى (مَالِكَ الْمُلْكِ) أن اللَّه يملك العباد ويملك ما ملكوا.
ومعنى: (تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ).
فيه قولان: - تؤتي الملك الذي هو المال والعبيد والحضرة من تشاءُ
وتنزعه ممن تشاءُ، وقيل تؤتي الملك من تشاءُ من جهة الغلبة بالدِّين
والطاعة، فجعل اللَّه كل ما في ملكه ملك غير مسلم للمسلمين
стр. 354
ملكاً غنيمة، وجعلهم أحق بالأملاك كلها منَ كل أهل لمن خالفوا دين
الإسلام.
وقيل في التفسير إن اللَّه أمر النبي ﷺ في هذه الآيات أن يسأله نقل عزَّ فارس إلى العرب وذل العرب إلى فارس - واللَّه أعلم بحقيقة ذلك.
فأما إعراب (اللَّهُمَّ) فضم الهاء وفتح الميم، لا اختلاف فى اللفظ به بين
النحويين، فأما العلة فقد اختلف فيها النحويون فقال بعضهم: معنى الكلام يا الله أم بخير، وهذا إقدام عظيم لأن كل ما كان من هذا الهمز الذي طرح
فأكثر الكلام الإتيان به، يقال ويل أمه، وويلُ امه، والأكثر إثبات الهمز.
ولو كان كما يقول لجاز اومم، واللَّه أم، وكان يجب أن تلزمه ياءُ النداءِ لأن
العرب تقول يا اللَّه اغفر لنا، ولم يقل أحد من العرب إلا اللهم، ولم يقل
أحد يا اللهم.
قال اللَّه : (وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ).
وقال: (قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ).
فهذا القول يبطل من جهات: أحدها أن " يا " ليست في الكلام وأخرى
أن هذا المحذوف لم يتكلم به على أصله كما نتكلم بمثله وأنه لا يقدم أمام
الدعاءِ هذا الذي ذكره، وزعم أن الصفة التي في الهاءِ ضمة الهمزة التي
كانت في أم، وهذا محال أن يترك الضم الذي هو دليل على النداءِ للمفرد.
وأن يجعل في اللَّه ضمَة (أم). هذا الحاد في اسم اللَّه .
стр. 355
وزَعمَ أن قولَنا هلم مثل ذلك أن أصلها: هلْ ام - وإنما هِي لُم.
والهاءُ للتنبيه، وقال المحتج بهذا القول: أن " يا " قد يقال مع: (اللهم) فيقال: يَا اللَّهُم، ولا يروي أحد عن العرب هذا غيره - زعم أن بعضهم أنشده:
ومَا عَليك أن تقولي كلما. . . صليتِ أوْسبَّحتِ يا اللهم مَا
اردد علينا شيخنا مسلما
وليس يُعارَض الإجماع وما أتى به كتاب اللَّه تعالى ووجد في جميع
ديوان العرب بقول قائل أنشدني بعضهم، وليس ذلك البعض بمعروف ولا
بمسمى.
وقال الخليل وسيبويه وجميع النحويين الموثوقُ بعلمهم: أن " اللهم "
بمعنى - يا اللَّه، وأن الميم المشددة عوض من " يا " لأنهم لم يجدوا ياءً مع هذه
الميم في كلمة، ووجدوا اسم اللَّه جلَّ وعزَّ مستعملاً بـ (يا) إذا لم يذكر الميم.
فعلموا أن الميم من آخر الكلمة بمنزلة يا في أولها، والضمة التي في أولها
ضمة الاسم المنادى في المفرد، والميم مفتوحة لسكونها وسكون الميم التي
قبلها. -
وزعم سيبويه أن هذا الاسم لا يوصف لأنه قد ضمت إِليه الميم، فقال
في قوله جلَّ وعزَّ: (قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)
أن (فاطرَ) منصوب على النداءِ، وكذلك (مَالِكَ الملْكِ)
ولكن لم يذكره في كتابه.
والقول عندي أن (مَالِكَ الملْكِ) صفةٌ اللَّه، وأن (فاطر السَّمَاوَاتِ
والأرضِ) كذلك - وذلك أن الاسم ومعه الميم بمنزلته ومعه " يا " فلا تمنع
الصفة مع الميم كما لاتمنع " مع " يا ".
следующие страницы →