وقوله تبارك اسمه: (وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ).
الذين أوتوا الكتاب ": إليهود والنصارى، والأميون مشركو العرب لأنهم
إنما نسبُوا إلى ما عليه الأمة في الخلقة، لأن الإنسان يخلق غير كاتب، فهذا
معنى الأمِّيين، وقال بعض النحويين معنى أأسلمتم الأمر، معناه عندهم
اسلمو@ - وحقيقة هذا الكلام أنه لفظ استفهام معناه التوقيف والتهديد، كما تقول للرجل بعد أن تأمره وتؤَكد عليه " أقْبِلْتَ. . وإلا فأنت أعلم ". فأنت إنما تسْأله متوعداً في مسألتك، لعمري هذا دليل أنك تَأمره بأن يفعل.
ومعنى.: (وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ).
أي ليس عليك هداهم - إنما عليك إقامةُ البُرهانِ لهمْ فإذا بَلغْتَ فقد
أدَّيْتَ ما عليك.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ) أي بصير بما يقطع عذرهم فيما
دلهم به على وحدانيته وتثبيت رسله.
وقال في " إثر هذه الآية:
(إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢١)
أي: أعلام اللَّه التي أتيْتَهُمْ بِهَا.
(وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ):
وقرئت ويُقَاتِلُون، ومعنى (وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ) ههنا قيل فيه قولان:
، قيل رضاهم بقتل من سلف منهم النبيين نحو قتل يحيى ﵇.
وهذا يحتمل - واللَّه أعلم - وقيل ويقتلون النبيين لأنهم قاتلوا النبي ﷺ وهموا بقتله قال اللَّه - جلَّ وعزَّ، (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ).
стр. 352
فهذا معنى: (ويقتلون النبيين) واللَّه أعلم.
وجاز دخول الفاء في خبر إن، ولا يجوز أن زيداً فقائم وجاز ههنا. .
(فبشرهم بعذاب أليم)، لأن (الذي) يوفي فتكون صلته بمنزلة الشرط للجزاءِ
فيجاب بالفاءِ. ولا يصلح ليت الذي يقوم فيكرمك لأن (إن) كأنها لم تذكر
في الكلام فدخول الجواب بالفاءِ، عليها كدخولها على الابتداءِ والتمني داخل فزيل معنى الابتداءُ والشرط.
* * *
وقوله : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)
معناه حظَاً وافراً منه.
و (يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ).
أي يدعون إلى كتاب الله الذي هم به مقرون، وفيه ذكر النبي ﷺ والإنباء برسالته.
(ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ).
أي جمع كثير وإنما أعرضوا إلا إنَّه لا حجة لهم إلا الجحد بشيءٍ قد
أقر به جماعة من علمائهم أنه في كتابهم.
ثم أنْبَأ اللَّه بما حملهم على ذلك وخبَّر بما غرهم.
فقال : (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤)
стр. 353
فموضع (ذلك) رفع المعنى شأنهم ذلك وأمرهم ذلك بقولهم وبظنهم
أنهم لا يعذبون إلا أياماً مَعْدُودَات.
جاءَ في التفسير أنهم قالوا إنما نعذب أربعين يوماً عبد آباؤُنا فيها
العجل، فأعلمَ اللَّهُ ﵎ أن ذلك فرية منهم، وأنه هو الذي غرهم.
* * *
وقوله : (فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٥)
المعنى - واللَّه أعلم - فكيف يكون حالهم في ذلك الوقت.
وهذا الحرف مستعمل في الكلام، تقول أنا أكرمك وأنت لم تزرني، فكيف إذا زرتني.
قوله : (لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ):
أي لحساب يوم لا شك فيه.
* * *
وقوله جل شأنه: (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)
امر اللَّهُ النبيَّ ﷺ بتقديمه وذكر ما يدل على توحيده، ومعنى (مَالِكَ الْمُلْكِ) أن اللَّه يملك العباد ويملك ما ملكوا.
ومعنى: (تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ).
فيه قولان: - تؤتي الملك الذي هو المال والعبيد والحضرة من تشاءُ
وتنزعه ممن تشاءُ، وقيل تؤتي الملك من تشاءُ من جهة الغلبة بالدِّين
والطاعة، فجعل اللَّه كل ما في ملكه ملك غير مسلم للمسلمين
стр. 354
ملكاً غنيمة، وجعلهم أحق بالأملاك كلها منَ كل أهل لمن خالفوا دين
الإسلام.
وقيل في التفسير إن اللَّه أمر النبي ﷺ في هذه الآيات أن يسأله نقل عزَّ فارس إلى العرب وذل العرب إلى فارس - واللَّه أعلم بحقيقة ذلك.
فأما إعراب (اللَّهُمَّ) فضم الهاء وفتح الميم، لا اختلاف فى اللفظ به بين
النحويين، فأما العلة فقد اختلف فيها النحويون فقال بعضهم: معنى الكلام يا الله أم بخير، وهذا إقدام عظيم لأن كل ما كان من هذا الهمز الذي طرح
فأكثر الكلام الإتيان به، يقال ويل أمه، وويلُ امه، والأكثر إثبات الهمز.
ولو كان كما يقول لجاز اومم، واللَّه أم، وكان يجب أن تلزمه ياءُ النداءِ لأن
العرب تقول يا اللَّه اغفر لنا، ولم يقل أحد من العرب إلا اللهم، ولم يقل
أحد يا اللهم.
قال اللَّه : (وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ).
وقال: (قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ).
فهذا القول يبطل من جهات: أحدها أن " يا " ليست في الكلام وأخرى
أن هذا المحذوف لم يتكلم به على أصله كما نتكلم بمثله وأنه لا يقدم أمام
الدعاءِ هذا الذي ذكره، وزعم أن الصفة التي في الهاءِ ضمة الهمزة التي
كانت في أم، وهذا محال أن يترك الضم الذي هو دليل على النداءِ للمفرد.
وأن يجعل في اللَّه ضمَة (أم). هذا الحاد في اسم اللَّه .
стр. 355
وزَعمَ أن قولَنا هلم مثل ذلك أن أصلها: هلْ ام - وإنما هِي لُم.
والهاءُ للتنبيه، وقال المحتج بهذا القول: أن " يا " قد يقال مع: (اللهم) فيقال: يَا اللَّهُم، ولا يروي أحد عن العرب هذا غيره - زعم أن بعضهم أنشده:
ومَا عَليك أن تقولي كلما. . . صليتِ أوْسبَّحتِ يا اللهم مَا
اردد علينا شيخنا مسلما
وليس يُعارَض الإجماع وما أتى به كتاب اللَّه تعالى ووجد في جميع
ديوان العرب بقول قائل أنشدني بعضهم، وليس ذلك البعض بمعروف ولا
بمسمى.
وقال الخليل وسيبويه وجميع النحويين الموثوقُ بعلمهم: أن " اللهم "
بمعنى - يا اللَّه، وأن الميم المشددة عوض من " يا " لأنهم لم يجدوا ياءً مع هذه
الميم في كلمة، ووجدوا اسم اللَّه جلَّ وعزَّ مستعملاً بـ (يا) إذا لم يذكر الميم.
فعلموا أن الميم من آخر الكلمة بمنزلة يا في أولها، والضمة التي في أولها
ضمة الاسم المنادى في المفرد، والميم مفتوحة لسكونها وسكون الميم التي
قبلها. -
وزعم سيبويه أن هذا الاسم لا يوصف لأنه قد ضمت إِليه الميم، فقال
في قوله جلَّ وعزَّ: (قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)
أن (فاطرَ) منصوب على النداءِ، وكذلك (مَالِكَ الملْكِ)
ولكن لم يذكره في كتابه.
والقول عندي أن (مَالِكَ الملْكِ) صفةٌ اللَّه، وأن (فاطر السَّمَاوَاتِ
والأرضِ) كذلك - وذلك أن الاسم ومعه الميم بمنزلته ومعه " يا " فلا تمنع
الصفة مع الميم كما لاتمنع " مع " يا ".
стр. 356
فهذا جملة تفسير وإعراب (اللَّهُمَّ).
ومعنى: (وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ) على ما ذَكَرْنا في (تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ).
ومعنى: (بِيَدِكَ الْخَيْرُ).
أي بِيَدِكَ الْخَيْرُ كله، خيرُ الدنيا وخيرُ الآخرة.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢٧)
المعنى: تدخل أحدهما في الآخر يقال: ولج الشيءُ إذا دخل يلج
وُلُوجاً وَوَلْجَة، وَالْوَلْج والوَلْجَةُ شيء يكون بين يدي فناء.
فمعنى: (تولج الليل في النهار) أي تنقص من الليل فتدخل ذلك
النقصان زيادة في النهار، وتنقص من النهار فتدخل ذلك النقصان زيادة في
الليل.
(وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ).
أي تخرج الإنسان من النطْفَةِ، والطائِر من البَيضةِ، وتخرج للناس
الحب الذي يعيشون به من الأرض الميتة.
(وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ).
أي تخرج النطفة من الإنسان، والبيضة من الطائر.
ومعنى (وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ).
أي بغير تقتير، وهذا مستعمل في اللغة، يقال للذي ينفق موسعا: فلان
ينفق بغير حساب، أي يوسع على نفسه، وكأنه لا يحسب ما أنفقه إنفاقاً.
وذكر الله جلَّ وعزَّ بعد هذا التقديس والتعظيم أمر المنافقين فقال:
(لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٢٨)
القراءة بالجزم، وكسر الذال لالتقاءِ السَّاكنين، ولو رفعت لكان وجهاً
стр. 357
فقلت: (لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ).
المعنى: أنه من كان مؤمناً فلا ينبغي أن يتخذ الكافر ولياً لأن ولي الكافر راض بكفره، فهو كافر.
قال الله جلَّ وعزَّ: (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ).
وقال: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ).
ومعنى: (مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) أي لا يجعل ولاية لمن هو غير مؤمن، أي
لا يتناول الولاية من مكان دون مكان المؤمنين، وهذا كلام جرى على المثل
في المكان كما تقول زيد دونك فلست تريد أنه في موضع مستقل وأنك في
موضع مرتفع، ولكنك جعلتَ الشرفَ بمنزلةِ الارتفاعِ - في المكان، وجعلت
الخِسَّة كالاستقبال في المكان.
فالمعنى: أن المكان المرتفع في الولاية مكان المؤْمنين.
فهذا بيان قوله: (مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ).
ومعنى: (ومَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيءٍ).
أي من يَتَول غيرَ المؤمنين فاللَّهُ بَرِيءٌ منه.
(إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً).
و (تَقِيَّةً) قُرئَا جَمِيعاً. فأباح الله جلَّ وعزَّ الكفر مع القصة.
والتَقِيَّةُ خوفُ القتل، إِلا أن هذه الِإباحة لا تكون إِلا مع سلامة النية وخوف القتل.
(وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ).
стр. 358
معنى: (نَفْسَهُ) إيَّاها إلا أن النفس يستغنى بها هنا عن " إياه " وهو
الكلام، وأما قوله : (تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ) فمِمَّا بِه خوطب العباد على قدر علمهم، ومعناه تعلم ما
عندي وما في حقيقتي ولا أعلم ما عندك لا ما في حقيقتك.
وفي قوله: (تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ) أي تْؤتي الملك من تشاءُ أن تْؤتيهُ، وكذلك (وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ) أن تنزعه منه إِلا أنه حذف لأن فى الكلام ما يدل عليه.
* * *
يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٣٠)
ونصب: (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ) بقوله: (وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ): كأنه قال
ويحذركم اللَّه نفسه في ذلك اليوم، ويجوز أن يكون نصب على قوله:
(وِإلى اللَّهِ الْمَصِيْر يَوْمَ تَجِدُ كُل نَفْسٍ، والقول الأول أجود.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١)
القراءَة بضم التاء، ويجوز في اللغة: (تَحُبُّون). ولكن الأكثر (تُحِبُّونَ)
لأن حببت قليلة في اللغة وزعم الكسائي أنها لغة قد ماتت فيما يحسب.
ومعنى: (تُحِبُّونَ اللَّهَ) أي تقصدون طاعته وترضون بشرائعه والمحبة
على ضروب، فالمحبة من جهة الملاذ في المطعم والمشرب والنساءِ.
والمحبة من اللَّه لخلقه عفوه عنهم وإِنعامه عليهم برحمته ومغفرته وحسن الثناءِ
عليهم، ومحبة الإنسان للَّهِ ولرسوله طاعته لهما ورضاه بما أمر اللَّه به، وأتى به رسول اللَّه ﷺ .
стр. 359
وقوله جلَّ وعزَّ: (يَغْفِر لَكمْ ذُنُوْبَكُمْ).
القراءَة بإظهار الراءِ مع اللام، وزعم بعض النحويين: أن الراءَ تدغم مع
اللام فيجوز. . ويغفر لكم. . وهذا خطأ فاحش ولا أعلم أحداً قرأ به غير أبي عمرو بن العلاء، وأحسب الذين رووا عن أبي عمرو إدغام الراء في اللاَم
غالطين.
وهو خطأ في العربية لأن اللام تدغم في الراءِ، والنون تدغم في الراء
نحو: (قولك) هل رأيت، ومن رأيت. ولا تدغم الراءُ في اللام إذا
قلت: مر لي بشيءِ. لأن الراءَ حرف مكرر فلو أدغمت في اللام ذهب
التكرير.
وهذا إجماع النحويين الموثوق بعلمهم.
* * *
وقوله : (قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (٣٢)
أي: أظهروا محبَّتكم للَّهِ إن كنتم تحبُّونه بطاعته واتباع رسوله ومعنى:
(فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ).
أي فإن اللَّه لا يحبهم، لأن من تولى عن النبي ﷺ فقد تولى عن الله.
ومعنى: (لا يحب الكافرين). لا يغفر لهم ولا يثني عليهم خيراً.
وقوله : (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٣)
стр. 360
معنى اصطفاهم في اللغة: اختارهم أي جعلهم صفوة خلقه، وهذا
تمثيل بما يُرى، لأن العرب تمثل المعلوم بالشيءِ المرئي، وإذا سمع
السامع ذلك المعلوم كان عنده بمنزلة ما يشاهده عِياناً، فنحن نعين الشيء
الصافي أنه النقى من الكدر، فكذلك صفوة اللَّه من خلقه، وفيه ثلاث لغات: صَفْوة وصِفْوة وصُفوة وهم من لا دنس فيهم من جهة من الجهات في الدِّين
والخيريَّة. وقيل في معنى اصطفاهم قولان
قال قوم: اصطفى دينهم أي اختاره على سائر الأديان. لأن دين هؤُلاء
الجماعة الإسلام، وقال اللَّه : (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ).
وقال قوم: اصطفى آدمَ بالرسالة إلَى الملاتكة وإلى ولده.
واصطفى نوحاً وإبراهيم وآله بالرِّسالة.
ألَا ترى قوله : (يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ).
فأمره اللَّه تعالى أن ينَبِئَ عنه ملائكته، وآل عمران هم آلُ إبراهيم.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٣٤)
المعنى: اصطفى ذرية بعضها من بعض - فيكون نصب (ذُرِّيَّةً) على
البدل، وجائزاً أن ينصب على الحال المعنى: واصطفاهم في حال كون
بعضهم من بعض. و (ذُرِّيَّةً) قال النحويون: هي فُعْلِيَّة من الذر، لأن اللَّه،
стр. 361
أخرج الخلق من صلب آدم كالذر، (وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى).
وقال بعض النحويين: (ذُرِّيَّةً) أصلها ذروَرة على وزن فُعولة ولكن
التضعيف لمَّا كثر أبدل من الراءِ الأخيرة فصارت ذُرويَة ثم أدْغِمَت الواو في
الياءِ فصارت ذُرِّيَّةً.
والقول الأول أقيس وأجود عند النحويين.
* * *
وقوله : (إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٥)
قال أبو عبيدة: معناه قالت امرأة عمران و " إذ " لغو وكذلك: (وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ) قال معناه: وقالت: ولم يصنع أبو عبيدة في هذا شيئاً.
قال جميع النحويين: إن (إِذ) يدل على ما مضى من الوقت فكيف يكون الدليل على ما مضى من الوقت لغواً، وهي اسم مع ما بعدها.
وقال غير أبي عبيدة منهم أبو الحسن الأخفش، وأبو العباس محمد بن
يزيد: المعنى اذكروا إِذ قالت امراة عمران.
والمعنى عندي - واللَّه أعلم - غير ما ذهبت إِليه هذه الجماعة وإِنما
العامل في (إِذ قالت) معنى الاصطفاءِ - المعنى - واللَّه أعلم - واصطفى آل
عمران (إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا).
واصطفاهم (إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ). فذكر اصطلفاك يدل على ماوصفنا ومعنى نذرت: يدل على ما وصفنا.
стр. 362
ومعنى (نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا).
أي: جعلته خادماً يخدم في متعَبَّداتِنا، وكان ذلك جائزاً لهم، وكان على أولادهم فرضاً أن يطيعوهم في نذرهم، فكان الرجل ينذر في ولده أن يكون خادماً في متعبَّده ولعبَّادهم، ولم يكن ذلك النذر في النّساءِ إِنما كان ذلك في الذكورة، فلمَّا ولدت امراة عمران مريم قالت: (رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى) وليست الأنثى مما يصلح للنذر، فجعل الله من الآيات في مريم - لِمَا أراده اللَّه من أمر عيسى - أن جعلها متقبَّلة في النذر فقال : (فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٧)
الأصل في العربية: بتقبُّل حسن، ولكن قبول محمول على قوله قَبِلَهَا
قَبُولاً حسناً، يقال: قَبِلْتُ الشيءَ قَبولاً حَسَناً، (ويجوز قُبُولا) إذا رَضِيتَهُ.
وقَبِلَتْ الريح قَبُولاً وهي تَقْبُل، وقَبِلْت بالرجل أقْبَلُ قبالةْ، أي كفلت به، وقد روى قَبِلْتُ بالرَجل في معنى كفلت به على مثال فَعِلت، ويقال: سقى فلان إبله قَبَلاً. أي صب الماءَ في الحوض وهي تشرب منه فأصابها، وكل ما
عاينت قلت فيه أتَاني قُبُلا، أي معاينة، وكل ما استقبلك فهو قبل (بالفتح).
وتقول لا أكملك إِلى عشر من ذي قِبَل وقَبَل، المعنى قَبَل إلى عشر مما
نشاهده من هذه الأيام، ومعنى " قَبِل " عشر نَسْتَقْبلها، ويقال: قَبلت العين تقبل قبلا إذا أقبل النظر على الأنف.
وقوله : (أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا (٥٥).
وقِبَلا وقَبَلا: كله جائز، فمن قرأ (قُبُلا) فهو جمع قَبِيلٍ وقُبُل مثل رَغيفَ
стр. 363
ورُغُف، المعنى: أو يأتيها العذاب ضُروباً ومن قرأ " قِبَلا " بالكسر فالمعنى:
أو يأتيهم العذاب معاينة، ومن قرأ (قَبَلًا) بالفتح فالمعنى: (أو يأتيهم
العذاب مقابلا، والقَبْلة: جمع قَبْل شبيهة بالفَلْكةِ، أي بفلكة المِغزل تكون
في القلادة.
ومعنى: (وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا) أي جعل نشوءَها نشوءًا حسناً، وجاءَ " نباتا "
على غير لفظ أنبت، على معنى نبت نباتاً حسناً.
* * *
وقوله : (وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا).
في هذا غير وجه، يجوز: (وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّاءُ) - بالمدّ -، " كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّاءُ "، (وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا) - بالقصر " كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا " بالقصر.
وفي (زَكَرِيَّا) ثلاث لغات هي المشهورة المعروفة - زكرياءُ بالمد
وزكريا - بالقصر غير منون في الجهتين جميعاً، وزكريّ بحذف الألف معرب
منون. فإما ترك صرفه فلأن في آخره ألفى التأنيث في المد. وألف التأنيث
في القصر، وقال بعض النحويين: إنه لَم يُصرف لأنَّه أعجميّ، وما كانت فيه ألف التأنيث فهو سواء في العربية والعجمية. لأن ما كان أعجميا فهو
يتصرف في النكرة، ولا يجوز أن تصرف الأسماءُ التي فيها ألف التأنيث في
معرفة ولا نكرة لأن فيها علامةَ التأنيث وأنها مصوغة مع الاسم صيغة
واحدة، فقد فارقت هاءَ التأنيث فلذلك لم تصرف في النكرة.
ويجوز (كفلها زكرياءَ) بنصب زكرياء، ويجوز في هذا الموضوع زكريا بالقصر، فمن قرأ (كَفَّلَهَا زَكَرِيَّاءُ) رفعه بفعله،
стр. 364
فالمعنى فيما ذكر أبو عبيدة ضمنها، ومعناه في هذا
ضمن القيام بأمرها.
ومن قرأ (كفلها زكرياءَ) بالنصب - فالمعنى: وكفلها اللَّهُ
زكرياءَ، وأما اللغة الثالثة فلا تجوز في القرآن لأنها مخالفة المصحف، وهي
كثيرة في كلام العرب.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ).
القصر والمد في زكريا. والقراءَة بهما كثيرة كما وصفنا
و (المحراب): أشرف المجالس والمقدم فيها، وقد قيل إن مساجدهُمْ كانت تسمى المحاريب، والمحراب في اللغة الموضع العالي الشريف.
قال الشاعر:
ربَّة محراب إذا جئتها. . . لم ألقها أوأرتقى سلما
ومنه قوله عزَّ ونجل: (وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (٢١)
ونصب (كُلَّمَا بقوله: (وجد) أي يجد عندها الرزق في كل وقت يدخل عليها
المحراب - فيكون ما مع دخل بمنزلة الدخول - أي كل وقت دخول.
وقوله (قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ).
أي من أين لك هذا.
(هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ).
стр. 365
وإِنما سأل زكريا عن الرزق لأنه خاف أن يأتيها - من غير جهته فتبين عنده
أنه من عند اللَّه، وذلك من آيات مريم، قال اللَّه ﵎:
(وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ) فمن آياتها أنها أول امرأة قُبلت في نذر في المتعبد.
ومنها أن اللَّه أنشأ فيها عيسى ﵇ من كلمة ألقاها إليها، ومنها أن اللَّه غذاها برزق من عنده لم يجْرِهِ على يد عبد من عبيده، وقد قيل في التفسير أنَّها لم تُلْقَمْ ثدياً قط.
ومعنى (إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ).
أي بغير تقتير، و (حساب). إِن شئت فتحت الأَلف وألزمتها جهة الفتح، وإن شئت أملتها إِلى الكسر، لانكسار الحاءِ، وذلك كثير في لغة العرب.
* * *
وقوله : (هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٨)
(زكريا) - بالمدّ والقصر على ما وصفنا. المعنى عند ذلك دعا زكريا ربَّه، أي عندما صادف منِ أمر مريم، ثئم سأل اللَّه أن يرزقه ذرية طيبة.
و (هنالك) في موضع نصب لأنه ظرف يقع من المكان والأحوال - أحوال الزَّمان.
والمعنى في ذلك المكان من الزمان ومن الحال - دعا زكريا ربه كما تقول من
هنا قلت كذا وكذا، ومن هنالك قلت كذا وكذا أي من ذلك الوجه وتلك
الجهَة، وهذا في غير المكان على المثل جرى. وَكَسْرُ لام (هنالك) وقع لالتقاءِ السَاكنين لأنَّ هنالك إشارة إلى مكان متراخ، أو حال من أحوال الزمان نسبتها إِلى المكان وقال: (طيبة) للفظ ذرية.
و (هنالك) لا يجب أن يعرف في رفع ولا جر لأنه في الإشارة إِلى المكان
بمنزلة الإشارة في هذا وهذاك إِلى سائر الأشياءِ.
فهو مضارع للحروف التي جاءَت لمعنى.
стр. 366
وقوله : (فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣٩)
(فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ) و (فناداه الملائكةُ).
الوجهان جميعاً جائزان، لأن الجماعة يلحقها اسم التأنيث، لأن معناها معنى جماعة، ويجوز أن يعبر عنها بلفظ التذكير. كما يقال جمع الملائكة.
ويجوز أن تقول نادته الملائكة وِإنما ناداه جبرائيل وحده لأن المعنى
أتاه النداءُ من هذا الجنس، كما نقول ركب فلان في السفن، وإنما ركب سفينة واحدة، تريد بذلك جعل ركوبه في هذا الجنس.
ويجوز (أن اللَّه يُبَشَرك) (إِن اللَّهَ يُبَشِرُكَ) بفتح إن وكسرها فمن فتح
فالمعنى نادته بأن اللَّه يبشرك أي نادته بالبشارة، ومن كسر أراد قالت الملائكة: إن اللَّه يبشرك. و (إنَّ) بعد القول أبداً مكسورة.
وفي (يبشرك) ثلاث لغات: (إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ) بفتح الباءِ وتشديد الشين
وهي قراءَة كثيرة جدا، ويبْشُرُكِ - بإسكان الباءِ وضم الشَين، وقرأ حميد.
وحده " يُبْشِرُكِ " - بضم الياءِ وإسكان الباءِ وكسر الشين، فمعنى يُبَشرك.
وَيبْشرك: البشارة، ومعنى يُبشرك يسزك ويفرحك. يقال بشرت الرجل أبشره وأبشُرُه إذا افرَحته، ويقال بَشُرَ الرجل يَبْشرُ.
وأنشد الأخفش والكسائي وجماعة من النحوين:
وإذا لقيت الباهشين إلى النَدا. . . غبراً أكفُّهُمْ بقاع مُمْحِل
стр. 367
فأعنهم وابْشُر بمَا بَشروا به. . . وإذا هم نزلوا بضنك فانزل
فهذا على بشر يبشُر إذا فرح، وأصل هذا كله من أنَّ بشرة الإنسان تنبسط
عند السرور، ومن هذا قولهم فلان يلقاني بِبشْرٍ، أي بوجه منبسط.
ويحيى اسم سماه الله تعالى. تولى هو ذلك ولم يسم أحد قَبْل
يحيى بيحيى، ويحيى لا يتصرف عربيا كان أو أعجميًّا، لأنَّه إن كان أعجميا فقد اجتمع فيه العجمة والتعريف ولو كان عربياً لم ينصرف لشبهه بالفعل وأنه معرفة علم.
ونصب (مصدقاً) على الحال.
ومعنى (مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ) أي يُصَدِّق بأمْر عيسى لأن يحيى فُرِضَ
عليه - وإن كان يحيى أسن من عيسى - اتباعُ عيسى.
ومعنى (سَيِّدًا وَحَصُورًا).
السيِّد الذي يفوق في الخير قومه، ومعنى (حصوراً) أي لا يأتي النَساءَ، وإنما
قيل للذي لا يأتي النَساءَ حصور لأنه حُبِسَ عما يكون من الرجال، كما يقال في الذي لا يتيسر له الكلام قد حُصِرَ في منطقه، والحصور الذي لا ينفق على
النَّدامى، وهو ممن يُفْضِلْونَ عليه
قال الشاعر:
стр. 368
وشاربٍ مُربح بالكاس نادمني. . . لا بالحَصُور ولا فيها بسوار
ويروى ولا فيها بسَئار، أني نادمني وهو كريم منفق على الندامي، والسؤار
المُعَرْبِد يُساوِر نديمهْ أيَ يَثبُ عليه، والسار الذي يُفْضِل في إنائه إذا شرب.
والحصور الذي يكتم السر، أي يحبس السر في نفسه
قال جرير.
ولقد تسقطني الوشاة فصادفوا. . . حَصِراً بسرك يا أميمَ ضنينا
والحصير هذا المرمُول الذي يُجلس عليه، إنما سمي حصيراً لأنه
دوخل بعضه في بعض في النسيج أي حبس بعضه على بعض.
ويقال للسجْن الحصير لأنَّ الناس يُحصرون فيه، ويقال حصرت الرجلَ إذا حبسته، وأحصره المرض إِذا منعه من السير، (والحصير الملك)
وقول اللَّه - جل وعلا: (وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا) أي حبسا.
ويقال أصاب فلاناً حَصَرٌ.
إِذا احتبس عليه بطنه، ويقال في البول أصابه أسر إذا احتبس عليه بوله.
ومعنى (مِنَ الصَّالِحِينَ) الصالح الذي يؤَدي إِلى اللَّه ما عليه ويؤَدي إلى
الناس حقوقهم.
* * *
وقوله جل وعلا: (قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (٤٠)
أي كيف يكون لي غلام.
قال الكميت:
أنَّى وَمن أين آبك الطَرب من. . . حيث لا صبوة ولا لعب
стр. 369
أي: كيف ومن أين آبك الطرب.
ويقال كلام بين الغلوميَّة والغلاميَّة والغلومة.
وقوله جلّ وعلا: (وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ).
بمعنى قد بلغت الكبر وفي موضع آخر (وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا).
وكل شيءٍ صادفته وبلغته فقد صادفك وبلغك.
ومعنى (كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ).
أي مثل ذلك يفعل اللَّه الَّذِي يشاؤه. وإِنَّما سأل زكريا لأنَّه أحبَّ أن يعلم
أيأتِيه الولد وامراته عاقر وهو مسِنٌّ، أم يجعله الله على هيئة من يولَدُ له ويجعل
امرأته كذلك، أم يأتيها الولد وهما على الهيئةِ التي لَا يكون معها ولد، فأعلمهما اللَّه أنَّ ذلك هيِّن عليه كما أنشأهما ولم يكونا شيئاً، وأنه يعطيهما الولد وهما في هذا السن.
ويقال في (عاقر) قد عقرَتْ المرأة وعَقَرَتْ، وهي عاقر، وهذا دليل أنَّ
عاقراً وقع على جهة النَسب، لأنَّ فَعلتْ أسماءُ الفاعلين فيه على فعيلة.
نحو ظَرفت فهي ظريفة، وإِنما عاقر له ذات عقر، ويقال قد عقر الرجل يعقر
عقراً: إِذَا انقطع عليه الكلام من تعب وكلال.
والعَقار كل مال له أصل.
وقد قيل إِن النخل خاصّة يقال له عَقَار. وعُقْر دار قوم أصل - مُقَامِهِمْ الذي عليه مُعَوَّلهم، وإِذا انتقلوا عنه لنُجعةٍ فرجوعهم إليه.
ويروى عن علي إنَّه قال: " ما
стр. 370
غزي قوم في عُقْرِ دارهم إلا ذُلُّوا "، أي ما غُزُوا في المكان الذي هو أصل
لمقامهم.
* * *
قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٤١)
ومعنى (رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً).
أي علامة أعلم بها الوقت الذي تهب له فيه الغلام.
(قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا).
أي علامة ذلك أن يُمْسَكَ لسانُك عن الكلام وأنت صحيح سَوِي
وقال في موضوع آخر: (آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا)
أي وأنت سَوِي.
ومعنى الرمز تحريك الشفتين باللفظ من غير إِبانة بصوت إنما هو إشارة
بالشفتين، وقد قيل أن الرمز هو إشارة بالعينين، أو الحاجبين والفم، والرمز في اللغة كل ما أشرت به إِلى بيان بلفظ، أي بأي شيء أشرت، أبفم أم بيد أم بعينين والرّمز والترمز في اللغة الحركة والتحرك.
* * *
وقوله : (وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ).
قيل سبَّح: صل، ويقال فرغت من سبحتي من صلاتي، وإنما سميت
الصلاة تسبيحاً لأن التسبيح تعظيم الله وتبرئته من السوءِ فالصَّلاة يوحَّد الله
فيها ويحمد، ويوصف بكل ما يبرئه من السوءِ فلذلك سُمَّيت الصلاة السَّبحة.
والإبكار يقال فيه أبكر الرجل يُبْكِر إبْكاراً، وبَكَر يُبَكَر تبكيراً وبَكَر يبكر
في كل شيء يتقذَم فيه، وقول الناس فيما تقدم من الثمار: " قد هَرِفَ " خطأ، إنما هي كلمة تبطئة، وإنما تقول العرب في مثل ذلك: قد بكَّر، ويُسمَّى ما يكون منه الباكورة.
стр. 371
وقوله : (وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (٤٢)
معنى (اصطفاك): اختارك، وقالوا في طَهَّرَكِ- طَهَّرَكِ من الحيضِ والنفاس -
ومعنى طَهَّرَكِ - " واللَّه أعلم - أي جعلك طاهرة من سائر الأدناس إلا أنَّ الأول قد جاءَ في التفسير.
وقيل إن معنى (اصطفاك على نساءِ العالمين)
أي على نساءِ أهل دهرها. وجائز أن يكون على نساءِ العالمين كلهم، أي اختارك لعيسى على نساءِ العالمين كلهم، فلم يجعل مثل عيسى من امرأة من نساءِ العالمين.
* * *
يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)
ومعنى (اقْنُتِي لِرَبِّكِ) أيْ اعبديه بالقول والعمل.
(واسجدي واركعي): معنى الركوع قيل السُّجود
المعنى اركعي واسجدي، إلا أن الواو إذا ذكرت فمعناها الاجتماع، وليس فيها دليل أن أحد الشَيئين قبل الآخر. لأنها تْؤذن بالاجتماع، والعمل، والحال تدل على تقدم المتقدِّم من الإثنين. .
* * *
وقوله : (ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤)
أي الأخبار التي قصصناها عليك في زكريا ويحيى ومريم وعيسى من أنباء
الغيب، أي من أخبار ما غاب عنك، وفي هذا دليل على تثبيت نبوة النَبي ﷺ لأنه أنبأ بما لا يعلم إلا من كتاب أو وحي وقد أجمعوا أن النبي ﷺ كان أمياً.
فإنباؤه إياهم بالأخبار التي في كتبهم علي حقيقتها من غير قراءَة الكتب دليل على أنه نبى وأن اللَّه أوحى إليه بها.
ومعنى (إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ).
أي هذا أيضاً مما لم تحضره ومعنى (الأقلام) ههنا القِدَاحُ وهي قداح جعلوا
стр. 372
عليها علامات يعرلون بها أيهم يكفل مريم على جهة القرعة - وإنما قيل للسهم القلم لأنه يقْلَمَ أي يبْرَى، وكل ما قطعت منه شيئاً بعد شيء فقد قَلَمْتَه، من ذلك القلم الذي يكتب به، إنما سمي لأنه قلم مرة بعد مرة، ومن هذا قلمت أظافري.
ومعنى (أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ).
أي لينظروا أئهم تجب له كفالة مريم، وهو الضمان للقيام بأمرها، ومعنى
(لديهم) عندهم وبحضرتهم.
(ءذ يَخْتَصِمُونَ ":
إذ نصب بقوله (مَا كُنتَ لَدَيْهمْ) و (إِذ) الثانية معلقة بـ (يختصمون) أي إذ
يختصمون إذ قالت الملائكة، فإذ منصوبة بـ (يختصمون).
ويكون المعنى أنهم اختصموا بسبب مريم وعيسى، وجائز أن يكون نصب
إِذ على (وما كنت لديهم).
(إِذْ قَالَتِ المَلائِكة). هذا أيضاً مما لم يشاهده.
* * *
(إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥)
سمّى اللَّه عيسى المسيح، وسمّاه عيسى، وسمي ابتداء أمره
كَلِمَةً (منه) فهو ﷺ كلمة من اللَّه ألقاها إلى مريم، ثم كوَّن تلك الكلمة بشراً.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (اسْمُهُ) وإنما جرى ذكر الكلمة لأن معنى الكلمة معنى
стр. 373
الولد، المعنى أن اللَّه يبشرك بهذا الولد، (وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ).
(وَجِيهًا) منصوب على الحال، والوجيه الذي له المنزلة الرفيعة عند ذوي
القَدْر والمعرفة، ويقال قد وَجُهَ الرجلُ يَوْجُه وَجَاهة، ولفلان جَاهٌ عند الناس
ووجاهة عند الناس، أي منزلة رفيعة.
وقال بعضُ النحوييِن: (وَجِيهًا) منصوب
على القطع من عيسى، وقطع ههنا كلمة محال، لأنه إنما بُشَر به في هذه الحال، أي في حال فضله فكيف يكون قطعها منه، ولم يقل لم نصب هذا القطع، فإن كان القطع إنما هو معنى، فليس ذلك المعنى موجوداً في هذا اللفظ، وإن كان القطع هو العامل فما بَينَّ ما هو، وإن كان أراد أن الألف واللام قُطِعَا منه فهذا محال لأنَّ جميع الأحوال نكرات والألف واللام لمعهود، فكيف يقطع من الشيء ما لم يكن فيه قَط.
* * *
وقوله : (وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (٤٦)
معطوف على (وجيهاً)، المعنى يبشرك به وجيهاً ومكلماً الناس في المهد.
وجائز أن يعطف يفعل على فاعل، لمضارعه بفعل فاعل.
قال الشاعر:
بات يعيشها بغضب باتر. . . يقصد في أسواقها وجائر
(وَكَهْلاً)
أي ويكلم الناس كهلا، أعلمها اللَّه أن عيسى يبقى إلى حال الكهولة.
وقيل إن كهلا، أي ينزل من السماءِ لقتل الرجال وهو كهل - واللَّه أعلم.
* * *
قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٧)
ومعنى (كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ).
стр. 374
أي يخلق الله ما يشاءُ مثل ذلك.
(وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٤٨)
أي يعلمه ذلك وحياً وإلهاماً.
* * *
وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٤٩)
ونصب (وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ) على وجهين -
أحدهما ويجعله رسولا إلى بني إسرائيل، والاختيار عندي - واللَّه أعلم -
ويكلم الناس رسولًا إلى بني إسرائيل والدليل على ذلك أنَّه قال:
(أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ).
فالمعنى - واللَّه أعلم - ويكلمهم رسولا بأني قد جئتكم بآية من ربكم، ولو
قرئت إني قد جئتكم - بالكسر - كان صواباً، المعنى إِني قد جئتكم بآية من ربكم - أي بعلامة تثبت رسالتي.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ).
يصلح أن يكون خفضاً ورفعاً، - فالخفض على البدل من (آية) المعنى
جئتكم بأَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ، وجائز أن يكون "إنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ"
يخبرهم بهذه الآية ما هي أي أقول لكم أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كهيئة الطير.
يقال إنَّه صنع؛ كهيئة الخفاش ونفخ فيه فصار طيراً، وجاز أن يكون فأنفخ
فيه للفظ الطين، وقال في موضع آخر (فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي)
للفظ الهيئة.
(وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ).
стр. 375
(الْأَكْمَهَ) الذي يولد أعمى.
قال الراجز
هرجت فارتد ارتداد الأكمه
* * *
وقوله : (وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ).
أي اخبركم بمأكولكم، فجائز أن تكون (ما) ههنا في موضع الذي.
والمعنى أنبئكم بالذي تأكلونه وتدخرونه، ويجوز أن يكون " ما " وما وقع بعدها بمنزلة المصدر.
المعنى أنبئكم بأكلكم وادخاركم والأول أجود.
ومعنى تدخرون: جاءَ في التفسير: ما تأكلون في غدوكم.
وتدخرون بالدال والذال.
وقال بعض النحوين إِنما اختير تدخرون لأن التاءَ تدغم في الذال نحو تَذَكرُونَ، فكرهوا تذخرون لأنه لا يشبه ذلك، فطلبوا حرفاً بين التاء والذال فكان ذلك الحرف الدال.
وهذا يحتاج صاحبه إلى أن يعرف الحروف المجهورة والمهموسة:
وهي فيما زعم الخليل ضربان: فالمَهْجُورةُ حرْف أشْبع الاعتماد عليه في
موضعه، ومنع النفس أن يجري معه، والمهمُوسُ حرف أضعف الاعتماد
عليه في موضعه وجرى معه النفس.
وإنما قيل (تَدَّخِرُونَ) وَأصْله تذخرون: أي يفتعلون من الذخْر، لأن الذال
حرف مجهور لا يمكن النفس أن يجري معه لشدة اعتماده في مكانه والتاء
مهموسة، فأبدل من مخرج التاءِ حرف مجهور يشبه الذال في جَهْرِها وهو الدال.
فصار تَذْدَخِرُون. ثم أدْغِمَتْ الذال في الدال، وهذا أصل الإدغام أن تُدغِم
الأول في الثاني، وتذخِرون جائز - فأما ما قال في الملبس فليس تذخرون ملبساً بشيءٍ.
стр. 376
وقوله : (وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠)
نُصِبَ (مُصَدِّقًا) على الحال، المعنى وجئتكم مصدقاً لما بين يدي أي
للكتاب الذي أنزِل قبلي فهو أمري أن تتبعوني.
(وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ)
أي لم احل لكم شيئاً بغير برهان، فهو حق عليكم اتباعي لأني أنَبئكُمْ
ببرهان، وتحليل طيبات كانت حرمت عليكم.
(فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ): أي اتبعوني.
قال أبو عبيدة معنى: (وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ).
قال معناه: كل الذي حرم عليكم، وهذا مستحيل في اللغة وفي التفسير
وما عليه العمل. فَأمَّا اسْتِحَالته في اللغَةِ فإن البعض والجزءَ لا يُكونُ الكُل
وَأنْشَدَ في ذلك أبُو عُبيدةَ بيتاً غلط في معناه وهو قولُ لبيد:
تَراك مَنْزِلَةٍ إذَا لمْ أرْضَهَا. . . أو يَعْتَلِقْ بَعْضَ النفوس حِمَامُها
قال: المعنى " أو يَعْتَلِقْ كل النفوس حمامها"
وهذا كلام تستعمله الناس، يقول القائل: بعضنا يعرفك يريد أنا أعرفك، فهذا إنما هو تبعيض صحيح.
وإنما جاءَهم عيسى بتحليل ما كان حراماً عليهم.
قال اللَّه : (فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ) وهي نحو الشحوم وما يتبعها في التحريم، فأما أن يكون أحَل لهم القتل والسرِقَةَ والزَنَا فمحال.
стр. 377
ومعنى: (إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٥١)
(هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ)
أي هذا طريق الدين مستوياً.
* * *
وقوله : (فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٥٢)
معنى أحسَّ فى اللغةَ علمَ وَوَجَدَ، ويقال هل أحَسْتَ في معنى هل
أحْسَسْتَ ويقال حَسَيْت بالشيء إذا عَلِمْته وعرفتُه "
وأنشد الأصمعي:
سِوى أنَّ العِتاقَ من المطايا. . . أَحَسْنَ به فَهُنَّ إليه شُوسُ
ويقال حَسَّم القائِد، أي قَتَلَهمْ.
ومعنى: (مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ).
جاءَ في التفسير من أنْصاري مع اللَّه، و (إلى) ههنا إنما قاربت (مع)
معنى بأن صار اللفظ لو عبر عنه بـ " مع " أفاد مثل هذا المعنى، لا أنَ (إلى)
في معنى " مع " لو قلت ذهب زيد إلى عمرو لم يجز ذهب زيد مع عمرو، لأن
(إلى) غاية و " مع " تضم الشيءَ إلى الشيءِ فالمعنى: يضيف نصرته إياي إلى
نصرة اللَّه.
وقولهم إنَّ، (إلى) في معنى (معَ) ليس بِشيءٍ. والحروف قد تقاربت في
الفائدة.
فَيَظن الضعيف العِلم باللغة أن معناهما واحد.
стр. 378
من ذلك قوله جلَّ وعزَّ: (وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ) ولوكانت (على)
ههنا. لأدَّت هذه الفائدة، لأنك لو قلت لأصلبنكم على جذوع النخل كان
مستقيماً.
وأصل (في) إنما هو للوعاءِ، وأصل " على " لِمَا مع الشيء.
كقولك: التمر في الجراب. ولو قلت التمر على الجراب لم يصلح في هذا
المعنى، ولكن جازَ (وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ) لأن الجذْعَ يشتمل
على المَصْلوب، لأنه قد أخذه من أقطاره. ولو قلت زيد على الجبل وفي
الجبل يصلح، لأن الجبل قد اشتمل على زيد، فعلى هذا مجاز هذه
الحروف.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ).
قال الحذاق باللغة: (الحواريون): صفوة الأنبياءِ ﵈ الذين
خلصوا وأخلصوا في التصديق بهم ونصرتهم فسماهم الله جلَّ وعزَّ: (الحواريون) وقد قيل أنهم كانوا قَصارين فسموا الحواريين لتبييضهم الثياب، ثم صار هذا الاسم يستعمل فيمن أشبههم من المصدقين تشبيهاً بهم.
وقيل إِنهم كانوا ملوكاً وقيل كانوا صيادين، والذي عليه أهل اللغة أنهم الصفوة كما أخبرتك.
ويروى عن النبي ﷺ إنَّه قال: الزبير ابن عمتي وحَوَارِيِّي من أمتي.
ويقال لنساءِ الأنصار حَوارياتٌ، لأنهن تباعدن عن قشف الأعرابيات بنظافتهن.
وأنشد أبو عبيدة وغيره لأبي جلدة اليشكري
стр. 379
فقل للحواريات يبكين غيرنا. . . ولا تبكنا إلا الكلاب النوابح
وقال أهل اللغة في المحور وهو العود الذي تدور عليه البكرة قولين.
قال بعضهم: إِنما قيل له محور للدوران لأنه يرجع إلى المكان الذي زال منه، - وقيل إِنما قيل له محور لأنه بدورانه ينصقل حتى يصير أبيض، ويقال دقيق
حُوَّارَى من هذا أي قد أخذ لبابه وكذلك عجين مُحَوَّرٌ للذي يمسح وجهه
بالماءِ حتى يصفو، ويقال عين حوراءَ إِذا اشتد بياضها وخلص واشتد سوادها، ولا يقال امرأة حوراءَ إِلا أن تكون مع حور عينها بيضاءَ، وما روي، في
الحديث: " نعوذ باللَّه من الحَوَرِ بعد الكوَرِ "
معناه نعوذ باللَّه من الرجوع والخروج عن الجماعة بعد الكوَرِ.
أي بعد أن كنا في الكور، أي في الجماعة يقال كارَ الرجل عمامة إِذا لفَّها على رأسه، وحار عمامَتَهُ إذا نقضها، وقد قيل: " بعد الكون " ومعناه بعد أن كنا على استقامة، إلا أن مع الكون محذوفاً في الكلام
دليلاً علبه.
* * *
رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٥٣)
وأما معنى قوله: (فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ)
أي اكتبنا مع الذين شهدوا للأنبياءِ بالتصديق، وحقيقة الشاهد أنه الذي
يبين تصحيح دعوى المدعي، فالمعنى صدقنا باللَّه واعترفنا بصحة ما جاءَ به
النبي ﷺ وثَبَتْنَا، فاكتبنا مع من فعل فعلنا.
* * *
وقوله : (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٥٤)
стр. 380
الْمَكْرُ مِنَ الخلائق خِبٌّ وخداع، والمكر من اللَّه المجازاة على ذلك
فسمي باسم ذلك لأنه مجازاة عليه كما قال :
(اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ). فجعل مُجازَاتِهِمْ على الاستِهْزَاء بالْعذَابِ، لفظُه لفظُ الاستهزاءَ.
وكما قَالَ جَل وعز: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا) فالأولى سيئة والمجازاة
عليها سُمِّيَتْ باسْمِهَا، وليست في الحقيقة سَيئَةً.
وجائز أنْ يكونَ مَكْرُ اللَّهِ اسْتِدْرَاجُهُمْ من حيث لا يعلمون لأن الله سلَّطَ
عليهم فَارسَ فغلبتْهم وَقَتَلَتْهمْ، والدليل على ذلك قوله :
(الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ).
وقيل في التفسير أيضاً إن مكر اللَّه بهم كان فِي أمْرِ عيسى أنه ﷺ كان في بيت فيه كوة فدخل رجل ليقتله، ورفع عيسى من البيتِ وخرج الرجل في شَبَهِهِ يخبرهم أنهُ ليْس في البيت فقتلوه.
وجملة المكر من اللَّه مجازاتُهم على ما فعلوا.
* * *
وقوله : (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٥٥)
(عِيْسَى) اسم أعْجَمِي عدل عن لفظ الأعجميةِ إِلى هذا البناءِ، وهو غير
مصروف في المعرفة لاجتماع العجمية والتعريف فيه. ومثال اشتقاقه من كلام
العَربِ أنَّ عِيسى: فِعْلىَ،. فالألف يصلح أنْ تكون للتأنِيث، فلا تتصرف في معرفة ولا نكرة، ويكون اشْتِقاقه مِنْ شيئين، أحَدُهمَا العَيَس، وهو بياضٌ
стр. 381
الإبل، والآخر من العَوْس والعيَاسةِ إلا أنه قلبت الواو يا لانكسار ما قبلها.
فأمَّا عيسى ﵇ فَمَعْدول من يَشوع - كذا يقول أهل السريانية.
وقال النحويون في معنى قوله : (إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ).
التقديم والتأخير - المعنى إني رافعك ومطهرك ومتوفيك (١).
وقال بعضهم: المعنى على هذا اللفظ كقوله (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا)
فالمعنى على مذْهب هؤُلاءِ - أن الكلام على هذا اللفظ.
ومعنى (وَجَاعِلُ الذِينَ اتَبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا).
القِرَاءة: بطرح التنوين، والتنوين جائز، ولكن لا تقرأ به إلا أن تكون
ثبتت بذلك رواية.
ومعنى: (فَوْقَ الًذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ).
فيه قولان: أحدهما أنهم فوقهم في الحجة وإقامة البرهان والآخر أنهم
فوقهم في اليد والبسطة والغلبة، ويكون (الذين اتبعوك) محمداً ﷺ ومن اتبعه فهم منصورون عَالون.
* * *
وقوله : (فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٥٦)
العذاب في الدنيا القتل الذي نالهم وينالهم، وسبي الذاري وأخذ
الجزية، وعذاب الآخرة ما أعده اللَّه لهم من النار.
стр. 382
(وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ).
أي ما لهم من يمنعهم في الدنيا لأن اللَّه قد أظهر الإسلام
على دينهم وجعل الغَلَبة لأهله، ولا أحد ينصرهم في الآخرة من عذاب اللَّه.
* * *
وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٥٧)
ومعنى: (وَاللَّهُ لَا يُحِب الظَّالِمِينَ).
أي لا يرحمهم، ويعذبهم ولا يثني عليهم خيراً، هذا معنى البغض من
الله، ومعنى المحبة منه الرحمة والمغفرة والثناءَ والجميل.
* * *
وقوله : (ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (٥٨)
أي القصيص الذي جرى نتلوه عليك.
(مِنَ الآياتِ).
أي من العلامات البينات الدلالات على تثبيت رسالتك إِذ كانت أخباراً
لا يعلمها إلا قارئُ كتاب أو مُعلَّم أو من أوْحيت إليه
وقد علم أن النبي ﷺ كان أمِّيًّا لا يكتب ولا يقرأ الكتب على جهله النظر فيها والفائدة منها. فإنه ﷺ لم يعلمه أحد من الناس فلم يبق إلا الوحي، والإخبار
بهذه الأخبار التي يجتمع أهل الكتاب على الموافقة بالإخبار بها - من الآيات
المعجزات.
ومعنى (وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ): أي ذو الحكمة في تأليفه ونظمه وإبانة الفوائد
فيه ويصلح أن تكون (ذلك) في معنى الذي ويكون (نتلوه) صلة، فيكون المعنى
стр. 383
الذي نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم فيكون ذلك ابتداء والخبر من
الآيات.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩)
(آدم) قد بيَّنَّا أنه لاينصرف وأن اِسمه مأخوذ من أديم الأرض وهو وجهها.
ولذا يقال لذي اللون الذي يشبه لون الأرض آدم.
و (خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ) ليست بمتصلة بآدم، إنما هو مبين قصة آدم ولا يجوز في الكلام أن تقول مررت بزيد قام، لأن زيداً معرفة لا يتصل به قام ولا يوصل به ولا يكون حالًا، لأن الماضي لا يكون حالاً أتت فيها، ولكنك تقول: مثلك مثل زيد، تريد أنك تشبهه في فعله.
ثم تخبر بقصة زيد فتقول: فعل كذا وكذا.
وإنما قيل إن مثله كمثل آدم لأن اللَّه أنشأ آدم من غير أب، خلقه من تراب، فكما خلق آدم من غير أب كذلك خلق عيسى ﵇.
ويروى في التفسير أن قوماً من نصارى نجران صاروا إلى النَبِى ﷺ فقالوا له: إِنك دسبَبْتَ صاحبنا، قال ومن صاحبكم؟
قالوا: عيسى. قال: وما قلت فيه؟
قالوا: قلت إنه عبد. فقال ﷺ : ما ذلك بعار على أخي ولا نقيصة، هو عبد وأنا عبد، قالوا: فأرنا مثله فأنزل اللَّه ﵎: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ) إلى آخر الآية.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠)
(الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ)
مرفوع على أنه، خَبرُ ابْتِدَاءَ مَحْذوف.
المعنى الذي أنْبَانَاك به في قِصة عيسى ﵇ هو الحق من ربك.
(فَلَا تَكُنْ مِنَ المُمْتَرِينَ): أي من الشكاكين، والخطاب للنبي ﷺ خِطَاب
стр. 384
للخلق، لأن النبي ﷺ لم يشكك في قصة عيسى، ومعنى (مِنْ رَبِّكَ) أي أتَاك من عِنْدَ ربك.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (٦١)
(فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ)
أي في عيسى.
(مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ).
قيل له هذا بعد أن أوحِيَتْ إِليه البراهين والحجَجُ الْقَاطِعَة في تَثْبِيتِ أمرِ
عيسى إنَّه عبد، فأمِرَ بالمُبَاهَلَةِ بعد إقامة الحجة، لأن الحجة قد بلغت النهاية
في البيان فأمر اللَّه أن يجتمع هو والنساء والأبناء من المؤمنين، وأن يدعوهم إلى أن يتجمعوا هم وآباؤهم ونساؤُهم، ثم يبتهلون ومعنى الابتهال في اللغة المبالغة في الدعاءِ، وأصله الالتعان ويقال بَهَلَهُ الله أي لَعَنَهُ اللَّه، ومعنى لَعَنَة الله باعَدَهُ اللَّه من رحمته، يقال: ناقة بَاهل وباهلة إذا لم يكن عليها صِرَار، وقد أبهل الرجل ناقته إذا تركها بغير صرار ورجل باهل إذا لم يكن معه عصا. فتأويل الْبَهْل في اللغة المباعدة والمفارقة للشيء.
فدعاهم رسول الله ﷺ إلى المباهلة لأمرين كلاهما فيه بيان أن علماءَهم قد وقفوا على أن أمر النبي ﷺ حق لأنهم إذْا أبوا أن يلاعنوا دل إِباؤُهم على أنهم قد
علموا أنهم إن باهلوه نزل بهم مكروه، وأنهم إِذا تركوا المبالهة دل ذلك ضَعَفَهمْ.
ومن لا علم عنده أن فرارهم من المباهلة دليل على أنهم كاذبون، وأن النبي ﷺ صادق، وقيل إِن بعضهم قال لبعض: إن باهلتموه اضطرم الوادي عليكم ناراً ولم يبق نصراني ولا نصرانية إلى يوم القيامة.
ويروى عن النبي ﷺ أنَّه قال:
" لو باهلوني لاضطرم الوادي عليهم ناراً، وما بقي نصراني ولا نصرانية إلى يوم القيامة ".
стр. 385
وهذا مكان ينبغي أن يُنْعَمَ النظر فيه، ويعلم المؤمنون بيان ما هو عليه.
وما عليه من الضلال مَنْ خالفهم، لأنهم لم يَروِ أحَدٌ أنهم باهلوا النبي ﷺ ولا أجابوا إلى ذلك.
* * *
ومعنى قوله : (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٢)
أي إن هذا الذي أوحينا إليك من هذه البينات والحجج التي آتيناك لهو
القصص الحق، ويصلح أن تكون (هو) ههنا فصلًا، وهو الذي يسميه الكوفيون عماداً، ويكون القصص خبر أن، ويصلح أن يكون (هو) ابتداء، والقصص خبره، وهما جميعاً خبر (إنَّ).
ومعنى (وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ) من دخلت توكيداَ. ودليلاً على نفي جميع من
ادعى المشركون أنهم آلهة. أي إن عيسى ليس بإله، لأنهم زعموا إنَّه إله، فأعلم الله أن لا إله إلا هو، وأن من آتاه اللَّه آيات يعجز عنها المخلوقون فذلك غير مخرج له من العبودية للَّه، وتسميته إلهاً كفر باللَّه.
ومعنى (الْعَزِيزُ): هو الذي لا يعجزه شيء.
و (الْحَكِيمُ): ذو الْحكمة الذي لا يأتي إِلا ما هو حكمة.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (٦٣)
أي فإن أعرضوا عما أتيت به من البيان فإِن الله يعلم من يفسد من خلقه فيجازيَهُ على إِفساده.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤)
معنى (سواءٍ) معنى عدل، ومعنى كلمة كلام فيه شرح قصة وإن طال.
وكذلك يقول العرب للقصيدة كلمة.
يروى أن حسان بن ثابت الأنصاري كان إِذا قيل له أنشد قال للقائل:
стр. 386
هل أنْشِدَتْ كلمة الحويدرة، يعني قصيدته التي أولها:
بكرت سمية بكرة فتمتعي
ويقال للعدل سواء وسَوَى وسُوًى.
قال زهير بن أبي سلمى:
أروني خطة لا ضيم فيها. . . يسوي بيننا فيها السواءُ
فإن تُرِك السَّوَاءُ فليس بيني. . . وبينكم بني حِصنٍ بناءُ
يريد بالسواءِ العدل كذا يقول أهل اللغة، وهو الحق.
- وهو من استواء الشيءِ، ولو كان في غير القرآن لجاز: سواءً بيننا وبينكم، فمن قاك سواءٍ جعله نعتاً للكلمة يريد ذات سواءٍ، ومن قال سواءً جعله مصدراً في معنى استواءً، كأن قال: استوت استواءً.
وموضع (أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ).
موضع " أن " خفض على البدل من كلمة.
المعنى تعالوا إلى أن لا نعبد إلا اللَّه، وجائز أن تكون أن في موضع رفع، كأن
قائلًا قال: ما الكلمة؟
فأجيب فقيل هي ألا نعبد إلا اللَّه، ولو كان أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ ولا نشركُ به شيئاً لجاز على أن يكون تفسيراً للقصة في تأويل أي كأنهم
стр. 387
قالوا: أي لا نعبد إلا الله - كما قال : (وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا) وقَال قَومٌ معنى أن ههنا معنى يقولون امشوا، والمعنى واحد لأن
القول ههنا تفسير لما قصدوا له وكذلك " أي يفسَّر بها، ولوكان
(أَلَّا نَعْبُدْ إِلَّا اللَّهَ) بالجزم لجاز على أن يكون " أن " كما فَسَّرنا في تأويل أي"، ويكون (أَلَّا نَعْبُدْ) على جهَةِ النهْي، والمنْهِي هو الناهِي في الحقيقة
كأنَّهم نهَوْا أنفُسُهُمْ.
ومعنى (وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ).
أي نرْجعُ إلى أن معبودنا اللَّه، وأن عيسى بشر، كما أننا بشر فلا نَتخِذْهُ
ومعنى (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ).
أي مُقِرونَ بالئوحيد مستسلمون لما أتتْنَا بِهِ الأنْبياءُ من قِبل اللَّهِ .
* * *
وقوله : (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٥)
في هذا يبين حجة على إليهود والنصارى جميعاً، لأن إليهود تدعي أن
إبْرَاهِيمَ كان يهودياً والنصارى تدعي أنَّه كان نصرانياً، وتدفع إليهود عن
دعواهم، وليْسَ يَدفَعُونَ اسمَ صفتِهِ أنهُ كان مُسْلِماً، وأنه لم يَكنِ اسْمُهُ يَهُودِيا ولا نصرانيا ولا مُشْركاً، والتوراةُ والإنجيلُ أنزلَا مِنْ بعْدهِ؛ وليس فيهما اسمه بواحد من أديان إليهود والنصارى والمشركين، واسم الإسلام له في كل الكتب؛ فَدَفْعُ بعضِهِم بعضاً أن يكون مُسمَّى بالاسْماء التي هي غيْر الإسْلام دليل بَينٌ
стр. 388
على نقض قولهم، وبرهان بَين في تبرئة إبراهيم من سائر الأديَان إلا دين
الإسلام.
* * *
(مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧)
ومعنى (حنِيفاً مُسْلِماً).
معنى الحنف في اللغة إقبال صُدُور القَدميْن كل واحدة على أختها إقبالاً
يكون خلقةً لا رجوع فيه أبداً، فمعنى الحنيفية في الإسلام الميل إليه والإقامة على ذلك العقد.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (٦٨)
أي فهم الذين ينبغي لهم أن يقولوا إنا على دين إبراهيم
ولهم ولاية.
(وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ). أي يتولى نصرهم لأن حزبهم هم الغالبون، ويتولى
مجازاتهم بالْحُسْنى.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٧٠)
أي وأنتم تشهدون أنها آياتُ اللَّه لأنكم كُنْتُمْ تُخْبرُونَ بأمْر النبي ﷺ قبل مَبْعَثِه، وأصْل (لِمَ تَكْفُرُونَ)، لِمَا تكفرون والمعنى لأي شيءٍ تكفُرون.
وكذلك (لم تَقولونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ) وكذلك (عم يتساءَلون)
و (فبم تبشرون) فإِذا وقفت على هذه الحروف وقفت بالهاءِ، فقلت لمهْ، وبمه، لأن الألف حذفت في هذه الأسماءِ التي للاستفهام خاصة فجوز ذلك، ولا يجوز
стр. 389
ذلك في الموصلة لأن الألف فيهن ليست آخر الأسماءِ إنما الألف وسط
وحذفها لأن حروف الجر عوض منها، فحذفت استخفافاً، لأن الفتحة دالة
عليها، ولا يجوز إسكان هذه الحروف.
وزعم الكسائي أن الأصل كان في "كم" كما، قال: وكنت أشتهي أن تكون
مفتوحة لالتقاءِ السَّاكنين في قولهم: " كم المال " - بالكسر -. وهذا غلط من أبي الحسن، ولو كان كما - يقول لكان " كَمَ مالك " كما أنك تقول: (لِمَ فَعَلْتَ).
وليس هذا القول مما يعرج عليه.
* * *
وقوله : (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٧١)
أي لم تغطون - الحق بباطلكم وأنتم تعلمون أنه الحق؛ يقال: لبست عليهم
الأمر ألبسه.
قال الله تعالى: (وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبَسُونَ).
ويقال: لَبِسْتُ الثوب ألْبَسُهُ، وقال الله : (وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا).
ولو قيل: (وتكتموا الحق) لجاز، على قولك: لم تجمعون هذا وذاك.
ولكن الذي في القرآن أجود في الإعراب.
стр. 390
وقوله : (وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٧٢)
الطائفة الجماعة، وهم إليهود.
(آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ).
أي أولَهُ.
قال الشاعر:
مَنْ كَانَ مَسْروراً بمَقْتَل مالكٍ. . . فليأتِ نِسْوتَنَا بوجْه نَهَارِ
يجد النساءَ قَوائماً يَنْدُبْنَه. . . قد جِئنَ قبْل تَبَلُّج الأسْحارِ
أي في أول النهار. -
وقد قيل في تفسير هذا غير قول، قال بعضهم: معناه، آمنوا بصلاتهم إلى
بيت " المقدس وأكفروا بصلاتهم إلى البيت.
وقيل: إن علماءِ إليهود قال بعضهم لبعض: قد كنا نخبر أصحابنا بأشياء
قد أتى بها محمد ﷺ فإن نحن كفرنا بها كلها اتهمنا أصحابنا ولكن نؤمن ببعض ونكفر ببعض لنوهمهم أننا نصدقه فما يصدق فيه، ونريهم أنا نكذبه فيما ليس عندنا.