Полный текст (2 149 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
(وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ).
لأنهم إِنما جحدوا براهين الله جلَّ وعزَّ وجائز أن يكون فإِنَّهم لا
يُكذبونك، أي أنت عندهم صادق، لأنه ﷺ كان يُسمَّى فيهم الأمين قبل الرسالة، ولكنهم جحدوا بألسنتهم ما تشهد قلوبهم يكذبهم فيه.
ثم عَزَّى الله نبيه وصَبرهُ بأن أخبره أن الرسلَ قبلَه قد كَذبتهم أمم فقال:
(وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (٣٤)
أي إِذ قال الله لرسوله: (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ)، وإِذ قال:
(لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ) فَلا مبدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ أي لا يخلف الله وعده ولا
يغلب أولياءَه أحَدٌ.
ثم أعلم الله رسُوله أنه يأتي من الآيات بما أحب، وأنه ﷺ بشر لا يقدر على الِإتيان بآية إلا بما شاءَ الله من الآيات فقال:
(وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٥)
أي إِن كان عَظمَ عليك أن أعْرضوا إِذ طَلبوا منك أنْ تُنزِّلَ عليهم ملَكاً.
لأنهم قالوا: (لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَك) ثم أعلم اللَّه جلَّ وعزَّ أنهم لو نزلتْ
عليهم الملائِكة وأتاهم عظيم من الآيات ما آمَنُوا.
وقوله: (فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ).
стр. 702
والنفق الطريق النافذ في الأرض، والنافقاءُ ممدود أحَدُ جِحَرَةِ اليَرْبُوع
يَخْرِقُهُ من باطن الأرْض إلى جلدَة الأرض فإِذا بَلَغَ الجلدة أرَقها حتى إن
رابَة دَبِيب رفع برأسه هذا المكان وخرج منه. ومن هذا سُمِّيَ المنافق
منافقاً، لأنه أبطن غير ما أظهر، كالنافقاءِ الذي ظاهرهُ غَيْرُ بَينٍ، وباطنه حَفْر
في الأرْض.
وقوله: (أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ).
والسُّلَّم مشتق من السَّلامَةِ، وهو الشيءُ الذي يسلمك إِلى مصعدك.
المعنى فإِن استطعت هذا فافعل، وليس في القرآن فَافعَل لأنه قد يحذف ما
في الكلام دليل عليه، ومثل ذلك قولك: إن رأيت أن تمضي معنا إلى فلان.
ولا تذكر فافعل.
فأعلمَ اللَّهُ نبيه ﷺ أنَّه لا يستطيع أن يأْتي بآية إلا بإِذن اللَّه. وإِعلامه النبي هذا هو إِعْلام الخلق أنهم إنما اقترحوا هم الآيات وأعلم الله جلَّ وعزَّ أنَّه قادر على أن يُنزلَ آية آية، وأنَّه لو أُنزلت الملائكة وكلمهم
الموتى ما كانوا ليُؤمنوا إلا أن يشاء اللَّه.
وقوله: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى).
فيه غير قوْل، فأحدُها أنه لو شاءَ الله أن يَطْبَعَهُم عَلى الهدى لفعل
ذلك، وقول آخر: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى)
أي: لو شاءَ لأنْزَل عليهم آية تَضْطرهم إِلى الِإيمان كقوله جلَّ وعزَّ: (إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ (٤).
стр. 703
فإِنما أنْزَل الله الآيات التي يُفكر الناس مَعها، فيْؤجَرُ ذو البَصَر، ويثاب على الِإيمان بالآيات، ولو كانَتْ نَارٌ تنزل على من يكفر أو يُرْمَى بحَجَرِ من السَّماءِ لانَ كل واحد.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٣٦)
أي الذين يسمعون سَماعَ قَابِلِينَ، وجَعَلَ من لم يَقْبَل بِمَنْزلَة الأصم.
قال الشاعر:
أصَمَّ عَمَّا سَاءَه سَميعُ
(والمَوتَى يَبعَثُهم اللَّهُ).
أي يحييهم (ثم إِليه يُرْجَعُون).
* * *
وقوله: (وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٧)
(قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً)
أي آية تجمعهم على الهُدَى.
* * *
وقوله: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (٣٨)
يجوز ولا طائر بالرفع على العطف على موضع دابَّة.
التأْويل وما دابَّة في الأرض ولا طائر، والجر أجود وأكبر على معنى وما من دابة وَلاَ طَائرٍ.
وقال (يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ) على جهة التوكيد لأنك قد تقول للرجل: طِرْ في حاجتي أي أسرع، وجميع ما خلق اللَّه فليس يخلو من هاتين المنزلتين، إِما أنْ يَدِبَّ أَو يَطيرَ.
(إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ).
أَي: في الخلق والموت والبعث.
стр. 704
وقوله: (قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٠)
الساعة اسم للوقت الذي يُصْعَقُ فيه العباد، واسم للوقت الذي يُبْعَثُ
فيه العباد، والمعنى إن أتتكم الساعة التي وُعِدْتُم فيها بالبَعْثِ والفناءِ، لأنَّ
قبلَ البعث موتَ الخلق كله.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (أغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ).
أي أتدعون هذه الأصنَام والحجارةَ التي عبدتموها من دون اللَّه، فاحتج
اللَّه عليهم بما لا يَدْفَعُونَه، لأنهم كانوا إذا مَسَّهُمُ الضر دعوا اللَّه.
وقال النحويون في هذه الكاف التي في قوله: (أَرَأَيْتَكُمْ) غَيرَ قَولٍ:
قال الفراء لفظها لفظ نصبٍ، وتأويلها تأْويل رفع، قال: ومثلها الكاف
في قوله: دُونَك زيداً، قال: الكاف في موضع خفض، وتأويلها تأْويل الرفع، لأن المعنى خذ زيداً.
وهذا لم يقله من تقدَّم من النحويين، وهو خطأٌ لأن قولك أرأيتكَ زيداً
ما شأنُه! تصير " أرأيت " قد تعدت إلى الكاف وإِلى زيد.
فيصير لـ " رأيتَ " اسمان، فيصير المعنى أرأيت نفسك زيداً ما حاله.
وهذا محال.
والذي يذهب إِليه النحويون الموثوقُ بعلمهم أن الكاف لا موضع لها.
وإنما المعنى أرأيت زيداً ما حاله. وإِنما الكاف زيادة في بيان الخطاب.
وهي المعتمد عليها في الخطاب، اعلم أنك تقول إِذا كانت الكاف زائدة
للخطاب، للواحد الذكر: أرأيتكَ زيداً ما حَالُه بفتح التاءِ والكاف، وتقول
للمؤَنث أرَأيتَكِ زيداً ما حاله يا امرأة، وتفتح على أصل خِطابِ الذكر، وتكسر الكاف لأنها قد صارت آخر ما في الكلمة والمبيّنة عن الخطاب، وتقول
стр. 705
للاثنين أرأيتَكُما زيداً مَا حَالُه وأرأيتَكُم زيداً ما حاله - للجماعة، فَتُوحد التاءُ، فكما وجب أن توحدَها في الشية والجمع وجب أن تذكرها مع المؤنث، فإذا سَألْتَ النسوة قلت أرَأيتَكُن زيداً ما حَالُه.
وتثنية المؤنث كتثنية المذكر في كل شيء، فإنْ عديتَ الفاعِل إلى المفعول في هذا الباب، صارت الكاف مَفْعُولَه، تَقُولُ: رَأيتُنِي عالماً بِفُلاَنٍ، فإذا سألت عن هذا الشرطِ قُلْتَ للرجل:
أرأيتَكَ عَالِماً بِفُلَانٍ، وتقول للاثنين على هذا: أرأيتاكما عالمين بفلانٍ.
وللجميع أرأَيتموكم عَالِمينَ بفلان، لأن هذا في تأويل أرأيتم أنفُسَكم. وتقول للمرأة: أرأيتكِ عالمة بفلَانٍ - بكسر التاءِ والكاف - وتقول للاثنين أرأيتُما كما عالمين بفلان وللجماعة أرأيْتَكُن عالمات بفلان فعلى هذا قياس هذين البابين.
* * *
وقوله: (بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ (٤١)
(بل) استدراك، وإيجاب بَعد نفي، تقول: مَا جَاءَ زَيدٌ بل عَمْرو فأعلمهم
الله جلَّ وعزَّ أنهم لا يدعون في حال الشدائد إلا إياهُ، وفي ذلك أعظم الحجة
عليهم، لأنهم قد عبدوا الأصنام.
وقوله: (فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ).
المعنى فيكشف الضر الذي من أجله دَعَوْتُمْ، وهذا على اتساع الكلام.
مثل سَل القَريَةَ: المعنى سَلْ أهْلَ القرية.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ).
" وتنسون " ههنا على ضربين: جائز أن يكون تَنْسَوْنَ تَتْرُكُونَ، وجائز أن
يكون المعنى إنكم في ترككم دعاءَهم بمنزلة من يَسْهُونَ.
стр. 706
وقوله: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (٤٢)
قِيلَ الباسَا " الجوع، والضراءُ النقص في الأموال والأنفس.
والمعنى أن اللَّه جلَّ ثناؤه أعلم نبيَه ﷺ أنَّه قد أرْسَل الرسلَ قبله إلى قوم بلغوا من القسوة إلى أن أخِذوا
بالشدة في أنْفسِهم وأمْوَالِهم ليخضعوا ويَذِلوا لأمْرِ اللَّه، لأنَّ القُلوبَ تخْشع.
والنفوسَ تضْرَع عند ما يكون من أمر الله في البأساءِ والضراءِ.
فَلَمْ تخْشَعْ ولم تَضْرَعْ.
وقال: (لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ).
ومعنى لعل ترج، وهذا الترجي للعباد، أخَذَهم اللَّه بذلك ليكونَ ما
يَرجوه العباد منه بالتضرع، كما قال في قصة فرعون:
(لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى)
قال سيبويه: المعنَى اذهبا على رجائكما، واللَّه عالم بما يكون
وراءَ ذلك.
* * *
وقوله: (فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٤٣)
المعنى فهَلَّا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا.
(وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ) أي أقاموا على كفرهم.
* * *
وقوله: (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤)
أي فتحنا عليهم أبْوَابَ كل شَيْءٍ كان مغلقاً عليهم من الخير.
(حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا).
أي حتى إذا ظَنُّوا أنَّ كل مَا نَزلَ بهم لم يكن انْتِقَاماً مِنَ اللَّه جلَّ وعزَّ.
وأنهم لَمَّا فُتحَ عليهم ظَنوا أن ذلك باسْتِحْقَاقِهِمْ (أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً).
أي فاجأهم عذابُنَا من حيث لا يَشعرون.
стр. 707
وقوله جلَّ وعزَّ: (فإذا هم مُبْلِسُونَ).
" المبلس " الشديد الحسرة، واليائس الحزين.
* * *
وقوله: (فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥)
حَمِد الله نفسه على أن قطع دَابِرَهُم، واسْتَأصل شأْفَتَهمْ.
لأنه جلَّ وعزَّ أرسل إليهم الرسُلَ، وأنْظرَهمْ بَعْدَ كُفْرِهِم، وَأخَذَهُمْ بِالْبَأسَاءِ
والضراء فبالغ جلَّ وعزَّ في إنْذَارِهِمْ وإمْهَالِهِمْ، فحَمِدَ نفْسَهُ، لأنه محمودٌ في
إمْهَالِهِ مَنْ كفَرَ بِهِ وانتظارِه تَوْبَتَه.
* * *
وقوله: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ (٤٦)
أي بسمعكم، ويكون ما عطف على السمع داخلًا في القصة إِذ كان
معطوفاً على السمع.
وقوله: (انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ).
أي " يُعْرِضُونَ ". أعلم الله جلَّ وعزَّ أنَّه يُصَرفُ لهم الآيات، وهي العلامات
التي تدل على توحيده، وصحة نبوة نَبِيهِ ﷺ ثم هم يُعْرضون عما وضح لهم وظهر عندهم.
* * *
وقوله: (قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ (٤٧)
الْبَغْتَةُ الْمفَاجَأة، والجهر أو يَأتِيَهِمْ وَهمْ يَرَوْنَه.
(هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ).
стр. 708
أي هَلْ يُهْلَك اِلَأ أنْتُمْ ومَن أشبَهَكُمْ، لأنكم كفرتم مُعَانِدين، فقد
علمتم أَنكم ظالمون.
* * *
وقوله: (وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٤٨)
أي ليس إِرْسَالُهم بأن يأتوا الناس بما يَقْتَرِحُون عليهم من الآيات وإنَّمَا
يأتون من الآيات بما يبَين الله به براهينهم، وإِنما قصدُهم التبشيرُ
والِإنذارُ.
* * *
وقوله: (قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ (٥٠)
هذا متصل بقوله: (لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ). فأعلمهم النبي ﷺ أنه لا يملك خزائِنَ الله التِي بِهَا يَرزُق وُيعْطِي، وأنه لا يعلم الْغَيْبَ فيخبِرَهُمْ بِمَا غَابَ عَنْه مِمَّا مضَى، وما سَيَكُونُ إلا بِوَحْيٍ من اللَّهِ جلَّ وعزَّ.
(وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ).
أي الْملَك يشاهِد من أمورِ الله ما لا يشَاهِدهُ الْبشر، فأعْلَمهمْ
أنه يتبعُ الوحْي فقال: (إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ).
أي ما أنْبأتكم به مِنْ غيبِ فيما مضى، وفيما سيكُون فهو بوحي من
اللَّه، فَأمَّا الِإنْباءُ بِما مَضَى، فإخَبار بقصصٍ الأمَمِ السالِفةِ، والإخبَارُ بما
سيكون كقوله: (غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ).
فوجد من ذلك ما أنبأ به، ونحو قوله: (واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِن النَّاسِ)
стр. 709
فاجتهدوا في قَتْله، فلم يَصِلُوا إِلَى ذلك.
وقوله: (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ)
وما يُرْوى مِن الأخبَار عنه بما يَكُون أكثرُ من أن يُحْصَى.
* * *
وقوله: (وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٥١)
قوله: (وَأَنْذِرْ بِهِ)، أي بالقُرْآن، وإِنما ذكر الذين يخافون الحشر، دُونَ
غَيْرهم وهو ﷺ منذر جميع الْخلْقِ، لأن الًذِين يَخافُونَ الْحَشرَ الحجةُ عليهم أوجبُ، لأنهم أفهمُ بِالْميعاد.
فهم أحَدُ رَجُلَيْنِ، إِمًا رَجلٌ مُسْلِم فيؤَدي حق اللَّهِ في إِسْلاَمِهِ، وإِما رَجُلُ مِنْ أهلِ الْكِتَابِ، فأهلُ الْكِتَابِ أجمعُونَ مُعْتَرِفُونَ
بأن اللَّه جَل ثَنَاوه خَالِقهمْ، وَأنَّهمْ مَبْعوثون.
وقوله: (لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ).
لأن النصارى، واليهود ذكرت أنَّها أبناءُ اللَّه وأحِباؤُه، فأعلمَ اللَّهُ أنَّه لا
ولي له إِلَّا المؤمنون، وأنَّ أهلَ الكُفْر ليسَ لهم عنْ دُون اللَّهِ ولي وَلَا شَفِيع.
* * *
وقوله: (وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (٥٢)
كان قوم من المشركين أرادوا الحيلة على النبي ﷺ فقالوا لوْ باعَدْت عَنك
هَؤُلاءِ السفْلة والْعَبِيدَ لجَلَسَ إِليك الكبراءُ والأشْرَافُ.
وكانوا عَنَوْا بالذين قَدرُوا أن يباعِدَهم النبي ﷺ صُهَيْباً وخَبَّاباً، وعمَّار بنَ يَاسرٍ وسلمانَ الفارِسي وبلالاً.
فأَعلم اللَّه ، أن أمْرَ الدِّين هو المقَدَّم، ونهاه أنْ يُبَاعِدَ هَؤُلَاءِ، وَأَعْلَمَهُ أنهم يُرِيدُون ما عند الله فَشهِدَ لهم بصحة النيات وأنهم مُخْلِصُونَ في ذلك للهِ، فقال: (يُرِيدُونَ وَجْههُ)، أي يُرِيدُونَ اللَّهَ ويقْصِدُونَ الطُرقَ التي أمرهم بقصدها وإِنما قَدرُوا بهذا أن يُبَاعِدَهُم فتكونَ لهم حُجة عَلَيْهِ.
واللَّه قد أعلم
стр. 710
في قصة نوح إنَّه اتَبَعَ نُوحاً مَنْ كانَ عندهم مِن أرَاذِلهم، فقال: (قَالُوا أنومِنُ
لَك واتبَعَكَ الأرْذَلُونَ)، وقالوا: (مَا نَرَاك اتبَعَكَ إلا الَّذِينَ هُمْ أرَاذِلُنَا).
وقوله : (فتَكُونَْ مِنَ الظَّالِمِينَ).
جوابُ (ولا تَطْردُ)، وقوله " فتطردَهم " جواب (مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ).
* * *
ومعنى: (وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣)
أي اخْتَبَرْنا وَابْتَلَيْنا، (لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا).
أَي ليكُونَ ذَلك آيةً أنَّهم اتبَعُوا الرسُولُ وصَبَرُوا عَلى الشدة، وهم في
حال شديدة.
* * *
وقوله: (وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٤)
أي الذين يُصَدقُون بِحُجَجِنا، وبراهينَنَا (فَقُلْ سَلَام عَلَيْكُمْ).
خلا سمعت أبا العباس محمد بن يزيد يذكر أن السلام في اللغة أربعة أشياء
فمنها سَلَّمْتُ سَلاماً - مصدر سَلَّمْتُ، ومنها السلام جمع سلامة، ومنها
السلام اسم من أسماءِ الله تعالى، ومنها السلامُ شجر، ومنه قوله:
إِلَّا سلامٌ وَحَرْمَلُ.
ومعنى السلام الذي هو مصدر سَلَّمْتُ، إنَّه دعاء للإِنْسَانِ أن يَسْلَم من
стр. 711
الآفات " في دينه ونفسه، وتأويلُه التخَلص.
و"السلَامُ " اسمٌ من أسْمَاءِ اللَّه "
تأويله - واللَّه واعلم - ذُو السلَامِ أي هو الذي يملك السلام الذي هو تخليص من المكروه، فأما السلامُ الشجَر فهو شَجَر عِظَامٌ قوِي أحْسَبُه سُميَ بِذلك لسلَامَتِهِ مِنَ الآفاتِ.
والسِّلام الْحِجَارَةُ الصلْبَةُ سميت بذلك لسلامتها من الرخاوة، والصلْح
يُسَمَّى السِّلْمَ والسَّلْم والسَّلَمَ، سمي بهذا لأن معناه السلامة مِنَ الشَر. والسَّلْم دَلْوٌ لَهَا عُرْوَة وَاحِدَة نحو دَلْوِ السَّقَائِينَ، سُميتْ الذَلْوُ سَلْماً لأنها أقَل عُرًى من سائر الدِّلاء فهِى أسلَمُهَا من الآفاتِ والسُّلَّمُ الذي يرتقى عليه سُمِّي بهذا لأنه يُسَلِّمُك إِلى حَيْث تريدُ، والسُّلَّمُ السبَبُ إلى الشَيءِ، سُمِّي بهذا لأنهُ يؤدي إِلَى غَيْرِهِ، كما يُؤَدي السُّلَّمُ الذي يُرْتَقَى عَلَيْهِ.
* * *
وقوله: (كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ).
بفتحهما جميعاً، ويجوز أن يكونَ " إنَّه - فإِنَّه " بكسرهما جميعاً ويجوز
فتح الأولى وكسر الثانية، ويجوز كسر الأولى وفتح الثانية.
فأما فتح الأولى والثانية فعلى أن موضع أن الأولى نصب.
المعنى: كتب ربكم على نفسه الْمَغْفِرَةَ، وهي بَدَل مِنَ الرحْمَةِ.
كأنَّه قال: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ وهي المغفرة للمذْنِبِينَ التائبين، لأن معنى إنَّه (غفورٌ رحيم) المغفرة منه.
ويجوز أن تكون الثانية وقعت مَؤكدة للأولى، لأن المعنى: كتب ربكم أنه (غَفُورٌ رحيم) فلما طال الكلام أعيد ذكر إِنَّ.
فأما كسرهما جميعاً فعلى مذهب الحكاية، كأنَّه لما قال
(كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ) قال: (أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) بالكسر.
стр. 712
وجعلت الفاءُ جواباً للجزاءِ وكُسِرَتْ إِنَّ دخلت على ابتداءٍ وخبر، كأنك
قلت فهو غفُورٌ رَحِيمٌ. إِلا أن الكلام بـ إِنَّ أوكدُ. وَمَنْ كسرَ الأولَى فعل ما ذكرنا من الحكاية، وَإِذا فتح الثانية مع كسر الأولى. لأن مَعناها المصدَرُ، والخبرُ محذُوفٌ.
المعنى إِنه مَن عَمِل كذا وَكذا فمغفرةُ اللَّه له.
ومن فتح الأولى وكسرَ الثانِيةَ فالمعنى رَاجعٌ إلى المَصْدَرِ.
وكأنَكَ لَم تَذْكُر إن الثانية، المعنى كتب ربكم على نفسه أنه غفورٌ رَحِيمْ.
ومعنى (كتب) أوجَبَ ذَلِكَ إيجاباً مَؤكَداً، وجائز أن يكون كتب ذلك في
اللوح المحفوظ، وإِنما خوطب الخلقُ بما يعقلون، فهم يعقلون أن توكيد
الشيء المؤَخر إِنما يحفظ بالكِتَابِ، ونحن نشرح ذلك في موضعه شرحاً أوكد
من هذا إنْ شَاءَ اللَّهُ.
ومعنى: يعملون السوءَ بجهالة، أي ليس بأنهم يجهلون أنه سُوء.
لو أتى المسلم ما يجهل أنَّه سوءٌ لكان كمن لم يتعمد سوءاً، ولَم يُوقع سوءاً.
وقولك عمل فلان كذا وكذا بجهالة يحتمل أمرين، فأحدُهما أنَّه عمله
وهو جاهل بالمكروه فيه، أي لم يعرف أن فيه مكروهاً، والآخر أقدم عليه على بصيرة، وَعَلِمَ أن عاقبته مكروهة، قآثر العَاجِلَ فجعل جاهلًا، فإِنه آثر القليل على الراحة الكثيرة والعافية الدائمة.
فهذا معنى: (مَنْ عَمِلَ مِنْكُم سُوءًا بِجَهَالَةٍ).
* * *
وقوله : (وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (٥٥)
يقرأ بالتاءِ والياءِ، فمن قرأ بالتاءِ فلان السبيل الطريق، وَهُو يُذكر
ويَؤنْثُ، ويجوز وجه ثالث: ولتَستَبينَ سبيلَ المُجرِمِينَ - بنصب السبيل -، لأن المعنى ولتستبين أنت يا محمد سبيلَ المجرمين.
فإِن قال قائل أفلم يكن النبي ﷺ مُستبيناً
سبِيلَ المجرمين؟
فالجواب في هذا أن جميع ما يخاطب به
стр. 713
المؤْمنون يخاطب به النبي ﷺ .
فكأنَّه قال ولتستبينوا المجرمين، أي لتَزْدَادُوا استِبَانَةً لها، ولم يحتج أن يَقُولَ ولتَستبين سبيل المؤْمنين مع ذكر سبيل المجرمين، لأن سبيل المجرمين إذا استبانت فقد بانت معها سبيل المؤمنين.
وجائز أن يكون المعنى: ولتستبين سبيلُ المجرمين ولتستبين سبيلُ
المؤْمنين. إلا أن الذكر والخطاب ههنا في ذكر المجرمين فَذُكِرُوا وتُرِكَ
ذِكر سبيل المؤْمنين، لأن في الكلام دَليلاً عليها
كما قال : (سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ) ولم يقُلْ تقيكم البردَ، لأن الساترَ يَستُر منَ الحَرِ والبَردِ.
ولكن جرى ذكر الحرِّ لأنهم كانوا في مكانهم أكثرَ مُعَانَاةً له مِن البرد.
* * *
وقوله: (قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (٥٦)
كانوا يعبدون الأصنام، وقالوا (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى).
فأعلم اللَّه أنه لا يُعبَدُ غَيرُه.
وقوله: (قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ).
أَي إنما عَبَدْتموهَا عَلى طَريقِ الهَوَى لا على طريق البيِّنَةِ والبُرهان.
وقوله: (قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا).
معنى إِذَن معنى الشرط، المعنى قَدْ ضَلَلتُ إِنْ عَبَدْتُها.
وقوله: (وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ).
أي وما أنا من النبيين الذين سلكوا طريق الهدى
* * *
وقوله: (قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ (٥٧)
стр. 714
أي على أمرٍ بين، لا مُتبع هوًى.
(وَكَذبتُمْ بِهِ) هذه الهاءُ كناية عن البيان، أي وكذبتم بالبيان، لأن
البينة والبيان في معنى وَاحدٍ، ويكون " وكذبتم به " أي بما أتَيْتُكُمْ به.
لأنه هو البيان.
وقوله. (مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ).
والذي استعجلوا به الآيات التي اقْتَرَحُوهَا عَلَيه. فأعلم ﷺ أن ذلك عند الله، فقال:
(إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ).
هذه كتبت ههنا بغير ياء على اللفظ، لأن الياء أسقطت لالتقاء السَّاكنين
كما كتبوا. . (سَنَدْعُ الزَّبَانِيَة) بغير واو.
وقرئت: (يَقْضِ الْحَقَّ)، وقرأ ابن عباس (يقضي بالحق)، إلا أنَّ القُراءَ لا يقرأون (يقضي بالحق) لمخالفة المصحف.
و (يقضي الحق) فيه وجهان: جائز أن يكون الحق صفة للمصدر، المعنى
يَقْضِي القَضَاءَ الحق، ويجوز أن يكون يقضي الحق يَصنَع الحق، أي كل ما
صنَعَه فهو حق وحِكمة، إلا أن (وَهُوَخَير الفَاصِلين) يدل على معنى
القضاءِ الذي هو الحكم، فأما قضى في معِنى صنع فمثله قول الهُذَلي.
وعليهما مسرودتان قضاهما. . . داودُ أو صَنَع السَّوابغَ تبَّع
стр. 715
أي صنعهما داود، ومن قرأ (يَقُصُّ الْحَقَّ) فمعناه أن جميع ما أنبأ به وأمر
به فهو من أقاصيص الحق.
* * *
وقوله: (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)
معنى مفاتح الغيب، أي عنده الوصلةُ إلى علمِ الغَيْبِ، وكل مَا لاَ يُعْلمَ
إذا اسْتُعلِمَ يقال فيه افتَحْ عَلى.
قوله: (وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا).
المعنى: أنه يَعْلَمُها سَاقِطَة وثَابتَةً، وأنْتَ تَقُول: مَا يجيئك أحد إلا وأنَا
أعْرِفه، فليس معناه إلا وأنا أعرفه في حال مَجيئه فقط.
ويجوز (وَلَا حَبَّةٍ) ويجوز (وَلَا حَبَّةٌ). فمن رفع فعلى ضربين، جائز أنْ
يكونَ على معنى ما تسقط ورقَةٌ وَلاَ حبة في ظلماتِ الأرضِ ولا رَطب وَلَا
يَابس (إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ).
و (فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) هنا على معنيين يَتَصَرف، ويجوز أن يكون معنى
(فِي كِتَاب مُبين) أن يكون اللَّه أثبت ذلك فى كتاب من قبل أن يُخْلَقَ كما
قال: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا)، فأعلم أنه قد أثبت ما خلق من قبل خلقه.
* * *
وقوله : (وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٦٠)
أي يُنيمُكَمْ فيتوَفى نفوسَكم التي بها تميزون كما قال :
(اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا).
ومعنى: (يَبْعَثكُمْ فِيه).
стр. 716
أي ينبهكم من نومكم فيه في النهار.
(لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى).
أي يَبْعَثكُمْ من نومكم إلى أنْ تَبلُغُوا أجَالكمْ.
* * *
وقوله: (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١)
الحفظة الملائكة، واحِدهم حَافِظَ والجمع حَفَظَةَ. مثل كاتِبِ وَكَتَبَة.
وفَاعِل وفَعَلَة.
وقوله: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَاا).
أي هؤلاءِ الحَفَظَةُ لِأنه قال: (وُيرْسِل عليكمْ حَفَظَةً).
(وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ).
أي لا يَغْفُلون ولا يَتَوانَوْنَ، ومعنى التفْريطِ في اللغَةِ، تقدمة العجز.
فالمعنى أنهم لا يعجزون.
* * *
وقوله: (قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٣)
يجوز في القراءَة يُنْجِيكم بالتخفيف.
لقوله: (لَئِنْ أنْجيتنَا). و (لئن أنْجَانا)
والأجود (يُنَجِّيكُمْ) بالتشْدِيد للكَثْرةِ.
ومعنى (ظُلُماتِ البَر والبَحَرِ) شَدَائِد البَر والبَحْرِ، والعَرَبُ تَقول لِليومِ
الذيْ تلقى فيه شِدةً يَوْم مُظْلِم، حتى إنهم يقولون يوم ذُو كواكب أي قد
اشْتَدتْ ظُلْمَتُه حتى صَارَ كالليل.
قِال الشاعر.
стр. 717
بني أسدٍ هل تعلمون بلاءَنا. . . إذا كان يوم ذو كواكب أشْهب
وأنشدوا:
فِدًى لبني ذُهْلِ بنِ شيبان ناقتي. . . إذا كان يوماً ذا كواكب أشنعَا
فمعنء: (ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) شدائدهما.
وقوله: (تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً).
بالضم والكسر في (خُفُية)، والمعنى تدعونه مُظْهِرين الضراعةَ، وهي شدة
الفَقْر إلى الشيءِ والحَاجة، وتدعُونَه خُفية أي تدعونه في أنفسكم تُضْمِرُون في
فقركم وحاجاتكم إليه كما تضمرون.
وقوله: (لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ).
أي في أي شدة وقَعتَم قُلْتُم: لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ.
فأمَر اللَّه أنْ يسألهم على جهة التوبيخ لهم والتقرير بأنه
ينجيهم ثُمَّ هُمْ يُشركُون مَعه الأصنَامَ التي عَلِمُوا أنهَا مِن صَنْعَتِهِم، أنَّها لا تنفع ولا تضر، وأنه قادر على تعذيبهم فقال: (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (٦٥)
نحو الحجارة التي أمْطَرَهَا على قومِ لُوط، ونحو الطوفان الذي غرقَ به
قَومَ فِرعَوْن.
(أوْ مِنْ تَحْتِ أرْجُلِكُم).
стр. 718
نحو الخسف الذي نال قارُون ومَن خسِف بِهِ.
(أو يَلبِسَكُم شِيعَاً).
معنى (يَلبِسَكم) يخلط أمرَكم خَلْطَ اضطراب، لا خلط اتفاق يقال لبَسْتُ
الأمر ألْبِسُه لم أبينه، وخلطت بعضه بِبَعض ويقال: لبِستُ الثوبَ ألْبَسُه.
ومعنى (شِيعاً) أي يجْعَلكم فِرَقاً، لا تكونون شيعة وَاحدةً فإِذا كنتم
مختلفين قاتل بعضكم بعضاً، وهو معنى قوله (وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ).
ويروى أن النبي ﷺ سأل اللَّه جلَّ وعزَّ ألَّا يَبْتَلِيَ هذه الأمة بعذاب يَستأصِلُها به، وَألَّا يُذيق بعضها بأسَ بَعض، فأجابَه في صرف العذاب، ولم يُجِبْهُ في ألا يذيق بعضها بأسَ بعض وأن لا تختلف.
* * *
(وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (٦٦)
أي إِنما أدعوكم إلى. اللَّه وإِلى شريعته، ولم أومَر بحربكم ولا أخذكم
بالِإيمان كما يؤخذ الموكل بالشيءِ يُلزمُ بُلُوغ آخره.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٦٧)
أي لأخذكم بالإيمان على جهةِ الحَرْب، واضْطِرَارِكم إِليهِ ومُقَاتلتكم
عَليه، مُسْتقر، أي وَقْت.
(وَسَوْفَ تَعْلَمُون).
جائز أن يكون وعدهم بعذاب الآخرة، وجائز أن يكون وعدهم
بالحربِ، وأخذهم بالإِيمان شاءُوا أو أبَوْا، إِلا أنْ يُعْطِيَ أهْل الكِتاب
الجزية.
стр. 719
وقوله: (وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٦٩)
أي وما عليك أيها النبي وعلى المؤمنين من حسابهم أي من كفرهم.
ومُخالفتِهم أمرَ اللَّهِ.
(وَلَكِنْ ذِكْرَى).
أي ولكن عليكم أن تُذكرُوهم.
و (ذِكْرَى) يجوز أن يكون في موضع رفع ونصب، فمن نصب فالمعنى
ولكن ذكرُوهم ذِكْرَى، ومن رفع فعلى وجهين، أحدُهما ولكن عليكم أن
تُذَكرُوهم، كما قال: (إنْ عَلَيْكَ إلاَّ البلاغ). وجائز أن يكون: ولكن
الذين تأمرون به ذكرى.
(لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ).
أيْ لِتُرجَى مِنْهم التقْوى.
* * *
وقوله: (وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠)
معنى تبْسل - بِعَمَلِهَا تكون غير قادرة على التخلص، والمسْتَبْسِلُ
المُسْتَسْلِمُ الذي يعلم أَنه لاَ يقدرُ عَلى التخلص.
قال الشاعر:
وَإبْسَالي بَنِيّ بغير جُرْم. . . بَعَونَاهُ وَلا بِدَم مُراقِ
أي إسلامي إياهُم، وقيل (أَنْ تُبْسَل) تَرْهَنَ، والمعنى واحد ويقال أسدُ
стр. 720
باسِل، وشُجَاعٌ بَاسِل، وتأويلُه أن معه من الإقْدامِ ما يستبسل له قِرنُه.
ويُقَالُ هذا بَسْل عَلَيْكَ أي حَرام عَليك فجائز أن يكون أسَدٌ بَاسِل من هذا، أي لا يُقْدَرُ عَلَيه، ويقال أعط الرافِيَ بسلَتَه، أي أجرَتَهُ، وإنما تأويله أنه عمل الشيءَ الذي قد استبسل صَاحِبُه مَعه.
* * *
وقوله: (قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٧١)
(وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ)
أي نرجع إلى الكفر، ويقال لكل من أدبَرَ قَدْ رَجَعَ إلى خلف ورَجَعَ
القَهْقَرى.
وقوله: (كالذِي استهْوَتْه الشيَاطِينُ فِي الأرضِ).
أي كالذي زَينَتْ له الشياطِين هواه.
وقوله (حَيرَانَ).
منصوب على الحال، أي كالذي استهوته فِي حَالِ حَيرتِه.
وقوله: (لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى).
قيل في التفْسِيرِ يُعنى بهذا عبد الرحمن بن أبي بكر، (ائْتِنَا) أي تابِعنا في
إيماننا.
(وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ).
أي يدعونه ويقولون له (أُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ).
العرب تقول أمَرْتُك بأنْ تفعل، وأمَرتُك لِتفْعَل، وَأمَرْتُك بأنْ تَفْعَلَ، فمن قال أمَرتُك بأن تفعَل فالباءُ للإلصاق، المعنى وقع الأمر بهذا الفِعلِ.
ومن قال أمَرتُك أنْ تفعل فعلى حذف الباءِ.
ومن قال أمرتك لتفعَل فقد أخبر بالعِلَّةِ التي لها وقع الأمر.
المعنى أمِرْنا للإسلام.
стр. 721
وقوله جلَّ وعزَّ: (وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٢)
فيه وجهان أحدهما أن تكون أمرنا لأن نسلم ولأنْ نُقيم الصلاة ويجوز
أن يكون محمولًا على المعنى، لأن المعنى أُمِرنا بالإسْلَامِ. وبإقامة الصلاة.
ومَوضِع أن نصب، لأن الباء لما سقطت أَفْضى الفعل فنصب.
وفيه وجه آخر، يجوز أن يكون محمولًاعلى قوله:
(يَدْعُونه إلى الهُدى ائتِنا) (وأن أقيموالصلاة).
أي ويدعونه أن أقيموا الصلاة.
* * *
وقوله : (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (٧٣)
(وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ).
نصب " يومَ " على وَجهين، أحدهما على معنى واتقُوهُ وَيوْمَ يَقُولُ فيكون
نسقاً على الهاءِ، كما قال : (وَاتقُوا يوْماً لا تجزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْس
شَيْئاً) والأجوَد أن يكون على معنى واذكر يقول كن فيكون، لأن بعده. .
(وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ).
وفيه وجه ثالث وهو العطف على السَّمَاوَات والأرض.
المعنى وهو الذي خلق السَّمَاوَات والأرض بالحق وخلق يوم يقول
كن فيكون.
فإن قال قائل: إن يوْم القِيَامَةِ لم يَأتِ بَعْدُ. فإن مَا أنبأنا اللَّه بكونه
فحقيقته واقع لا محالة.
وقوله: (كُنْ فَيكون).
قال بعضهم: المخاطبة ههنا للصورِ المعنى ويوم يقول للصور كن
فيكون، وما ذكر من الصور يدل عليه.
وقيل إن قولُه (كُنْ) فيه أسماءُ جميع ما يخلق في ذلك الوقت المعنى:
стр. 722
" ويوْمَ يَقُولُ للشَيءِ كُن فيكونُ "
وهذا ذكِرَ ليَدل على سرعة أمر البَعْثِ والساعة.
كأنه قال: ويوم يقول للخلق مُوتوا فيموتُون وانْتُشِرُوا فينْتشِرُون.
كأنه يَأمُر الحيَاة فتكون فيهم، والموت فيحلْ أولاً يفنى جميع الخلْقِ.
وقيل (ويوم يقولُ كُنْ فَيَكُون) (قَوْلُهُ) أي يأمر فيقع أمْرُه، و (الْحَقُّ) من
نعتِ (قَوْلُهُ) كما تقول: قد قلت فكانَ قولك، فالمعنى ليس أنك قلت فكان
الكلام، إنما المعنى أنه كان ما دلَّ عليه القول.
وعلى القول الأول قد رُفِعَ (قَوْلُهُ) بالابتداءِ و (الْحَقُّ) خبر الابتداءِ.
وقوله: (يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ).
يجوز أن يكون نصب (يومَ) على (وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ) مُبَيناً
عن قوله: (وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ)، ويجوز أن يكون منصوباً بقوله (الحق).
المعنى. و " قَوْله الحق يَوْمَ يُنفخُ في الصورِ ".
فإِن قال قائل: للَّهِ الملك في كل وقت.
فلم خُصَّ يَوْمُ القِيامة، وَيوم ينفخُ في الصورِ؟
فالجواب في هذا أنه في اليوم الذي لا يظهر فيه من أحدٍ نفع لأحدٍ ولا ضَر. كما قال: (والأمر يَوْمَئِذٍ للَّهِ) والأمر في كل وقت للَّهِ جلَّ وعزَّ.
وقالوا في الصورِ قَولَيْن: قيل في التفسير: إن الصورَ اسم لقَرْنٍ يُنفخُ فِيهِ
وقيل: الصور جمع صورة، وكلاهما جائز، وأثبتُها في الحديث والرواية أن
الصور قرنٌ، والصور جمع صورة: أهل اللغة على هذا.
стр. 723
وقوله: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٧٤)
(وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ)
بالنصب والضم، فمن قرأ بالضم فعلى النداءِ، المعنى يا آزَر أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا. وليس بين النسَّابِيَنِ خِلاف أن اسم أبي إِبراهيم " تارِح " والذي
في القرآن يَدُل على أن: اسمه آزرُ، وقيل آزرُ عندهم ذَمٌّ في لُغتِهم، كأنه:
وَإذ قال إبراهيم لأبيهِ يا مخطئ أتتَخِذُ أصناماً.
وَإذا كان كذلك فالاختيار الرفعُ. وجائز أن يكون وصفاً له، كأنه قال: وإذ قال إِبراهيمُ لأبِيهِ المخطئ.
وقيل آزرُ اسمُ صنم، فإذا كان اسم صَنمٍ فموضعُه نصبٌ على إِضمار الفِعْلِ
كأنه قال وإذ قال إبراهيم لأبيه أتتخِذُ آزرَ إلهاً؟ أتتخذ أصناماً آلهة؟.
* * *
وقوله : (وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥)
أي وَمِثلُ مَا وصَفْنا من قِصةِ إِبراهيم من قوله لأبيه ما قال نُرِيه ملكوت
السَّمَاوَاتِ والأرضِ، أي القدرة التي تقوى بها دلالته على توحيد اللَّه
جلَّ وعزَّ.
وتقول في الكلام لِمن فعل بك خيراً أو شرا كذلك أجزيك.
ومعنى قوله: (وَلِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ).
أي نريه ملكوت السَّمَاوَات والأرض لما فعل، وليَثبُت على اليقين.
والملكُوت بمنزلة الملك، إِلا أن الملكوت أبلغ في اللغة من الملك، لأن
الواو والتاءَ تزادان للمبالغة، ومثل الملكوت الرغبُوت، والرهَبُوت.
وَوَزْنه من الفعل فَعَلُوت وفي المثل رَهَبُوتي خَيْرْ مِنْ رَغبُوتي، وهذا كقولهم، أو فرقاً خيراً من حُبَّ، وَمن روَى رَهَبُوتي خيرٌ من رحموتي فمعنى صحيح. يحقق من اللسان أن تكون له هيبة ترهب بها خير من أن يُرْحَم.
стр. 724
وقوله جلَّ وعزَّ: (فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦)
يقال جَنَّ عليه الليلُ وأجَنَّهِ الليلُ إِذا أظلمَ حَتى يَستتِر بظلمته ويقال لكل
ما سَتَر قَدْ جَنَّ، وقد أجَن، ويقال جَنَّه الليلُ، ولكن الاختيار جَنَّ عليه الليل وأجَنَّه الليلُ.
وقيل إِنَّ قومَ إبراهيم كانوا يعبدون الأصنامَ والشمسَ والقمرَ
والكواكِبَ، فلما بلغ إبراهيم المبلغ الذي يجب معه النظر، وتجب به على
العبد الحجة، نظر في الأشياءِ التي كان يَعبُدُها قومُه فلما رأى الكوكب
الذي كانوا يعبدونه، قال لهم هَذَا رَبِّي أي فى زعمكم، كما قال الله
جلَّ وعزَّ: (أيْنَ شركائي الذين كنتم تزعمون) فأضافهم إلى نفسه حكاية
لقولهم.
(فَلَمَّا أَفَلَ).
أي فلما غاب، يقال أفَلَ النجمُ يأفِل وبَأفُلُ أُفُولًا، إذا غَابَ:
(قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ).
أي لا أحب من كانت حالته أن يطلع وَيسِير على هيئةٍ يُتبين معها أنه
محدَث منتقل من مكان إلى مكان، كما يَفْعَلُ سائرُ الأشياءِ التي أجمعتم معي
على أنها ليست بآلهة، أي لا أتخِذُ ما هذه حالُه إلهاً، كما أنكم لا تتخذون
كل ما جرى مجرى هذا من سائر الأشياءِ آلِهة، ليس أنه جعل الحجة عليهم
أنَّ ما غاب ليس بإِله، لأن السماءَ والأرض ظاهرتان غيرُ غائِبَتَيْنِ وليس يُدعَى فيهما هذه الدعْوَى.
وإِنما أرادَ التبيِين لهم القريب، لأن غَيْبُوَبتهُ أقْربُ ما
стр. 725
الَناظرون به فيما يظهر لهم، كما قال: (فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ.
وقد قيل إنه قال هذا وهو ينظر لِنفْسِه، فكأنه على هذا القول بمنزلة
قوله: - (وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى).
وإبراهيم قد أنبأ اللَّهُ عنه بقوله.
(إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ)، فلا شك أنه سلِيمٌ من أن يكون
الشك دَخَلُه في أمر اللَّه. واللَّه أعلم.
وجائز أن يكون على إضمار القول، كأنه قال: (فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي)، كأنه قال: تَقُولُون هذا ربي، أى أنتم تقولون هذا رَبي، كما قال جلَّ وعزَّ: (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا).
المعنى يقولان تقبل منا. واللَّه أعلم بحقيقة هذا.
والذي عندي في هذا القول أنه قال لهم: تقُولونَ هذا رَبي، أي هذا
يُدَبرني، لأنه فيما يُرْوَى أنهم كانوا أصحاب نجوم، فاحتج عليهم بأن الذي
تزعمون أنه مُدَبِّرٌ إنما يرى فيه أثر مُدَبَّر لا غير.
* * *
وقوله : (فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨)
(فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً). . (فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا).
يقال قد بَزَغَ القمرُ إذا ابتدأ في الطلوع، وكذلك الشمس.
والحجة في الشمس والقمر كالحجة في الكوكب.
стр. 726
واحتج الذين قالوا إنَّه قال (هَذَا رَبِّي) على وجه الظن والتفكُر بقوله:
(لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ).
وهذا لا يوجب ذلك. لأن الأنبياءَ تسأل اللَّه أن يثَبتَهَا على الهدى وتعلم
أنه لولا هداية اللَّه ما اهتَدَتْ.
وإبراهيم يقول: (وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ).
* * *
وقوله: (إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩)
(إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا)
أي مَائِلاً إلى الإسلام ميلاً لا رجوع مَعَهُ، والحنف أن يكون في القدم ميل، وهو أن تميل إِبهام القدم إِلى إِبهام القدم، فتقبل هذه القدم على هذِه القَدم، ويكون ذلك خِلْقَةً. والحنيف الصحيح الميل إلى الإسلام الثابت فيه.
ومعنى (وَجَّهْتُ وَجْهِيَ) أي جعلت قصدي بعبادتي توحيدي اللَّه
.
* * *
وقوله جل وعلا: (وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (٨٠)
المعنى حَاجوه في اللَّه، فقال: (أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ).
ومحاجَتهم إِياه كانت - واللَّه أعلم - فيما عبَدوا مع اللَّه من
الكواكب والشمس والقمر والأصنام، فقال: (أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ).
أي في توحيد اللَّه.
(وَقدْ هَدَانِي).
وقد بين لي ما به اهتديت.
(وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ).
أي هذه الأشياء التي تعبدُونها لا تَضر ولا تنفع، ولا أخافها.
(إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا).
стр. 727
إلا أن يشاءَ أن يعذبني بذَنْبٍ إن كان مني. وموضعُ (أنْ) نَصْبٌ، أي لا
أخاف إلا مشيئة اللَّه.
* * *
(وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨١)
أيٍ ولا تخافون أنتم شِرْكَكُمْ باللَّهِ ما لم يُنرلْ بِهِ عليكم سلطاناً، أي
حُجة بَينَة.
(فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ).
أيْ أحَق بأن يأمَنَ من العذاب، المُوحِّد أمِ المُشْرك
* * *
وقوله: (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)
قالوا جائز أن يكون هذا قول اللَّه (أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ) غير حكاية عن
إِبراهيم، وجائز أن يكون إبراهيم قال ذلك.
* * *
وقوله: وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤)
داود وصليمان نسق على نوح، كأنه قال: وهدينا داود وسليمان وجائز أن
يكون من ذرية نوح، وجائز أن يكون من ذرية إبرَاهيمَ، لأن ذِكْرَهُما جميعاً قد جرى.، وأسماء الأنبياء التي جاءَت بعد قوله: (وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ) نسق على نوح، إلا أن الْيَسَع يُقَال فيه اللَّيْسَع واليَسعَ، بتشديد اللام وتخفيفها.
* * *
وقوله: (وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٨٧)
أي هدينا هُؤلاءِ، وهدينا بعض آبَائهم وَإِخْوَانِهمْ.
ومعنى قوله: (وَاجْتَبَيْناهُمْ).
مثل اخترناهم، وهو مأخوذ من جبيت الماءَ في الحوْضِ إذا جمعته.
стр. 728
وقوله: (أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (٨٩)
(فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ).
أي: الذين قد كفَروا، ويكفرون، مِمن أرسلت إِليه.
(فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ).
أي قد وَكَلْنا بالإيمان بها، وَقِيلَ في هذه ثلاثة أقْوال.
قيل يعني بذلك الأنبياءَ الذين جرى ذكرهم آمنوا بما أتى به النبي ﷺ في وقت مَبعثِهم، وقيل يعني به الملائكة.
وقيل أيضاً يعني به مَنْ آمَنَ مِنْ أصحاب النبي وأتباعه.
وهو واللَّه أعلم يعني به الأنبياءَ الذين تقدموا لقوله ﵎:
(أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (٩٠)
أي الأنبياء الذين ذكرناهُمُ الذين هدى اللَّه فبهداهم اقتده
أي اصْبِرْ كَمَا صَبَرُوا، فإن قومهم قد كذبوهم فصبروا على ما كذبوا وَأُوذُوا، فاقْتَدِ بِهِمْ.
وهذه الهاء التي في " اقتَدِهْ " إنما تثبت في الوقف، تبين بها كسرة
الدال، فإن وَصَلْتَ قلتَ " اقتدِ "
(قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ).
قال أبو إسحاق: والذي أختار من أثِق بعلمه أن يُوقَف عند هذه الهاء.
وكذلك في قوله (فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (١٩) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (٢٠).
وكذلك (لَمْ يَتَسَنَّهْ) وكذلك (وما أدْراكَ ما هيهْ)
وقد بيَّنَّا ما في " يَتَسَنَّهْ " في سورة البقرة.
وقوله: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (٩١)
стр. 729
معناه ما عظَّموا اللَّه حق عَظَمَته إِذ جحدوا تنزيله، وذلك أن جماعة من
اليهود - من منافقيهم - جاءُوا وهم يعاندون النبي ﷺ يجادلونه ويصُدُّون عنه.
وكان سِمَتُهم سِمَةَ الأحْبَارِ، وكانوا يتنعَّمُونَ ولا يتعبدونَ، فأعلمهم النبي ﷺ أن - في التوراة أن الله جلَّ وعزَّ لا يحب الحَبْرَ السَّمِين، فجحدوا التوراة، وقالوا: (مَا أنزَلَ اللَّه عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ)، فقال الله : (قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا).
يُظهرون ما يُحبون من ذلك ويُخفون كثيراً.
(وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا).
أي عُلِّمْتُمْ على لسان محمد ﷺ (مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ).
يقال لكل من كان في عمل لا يجدي إِنما أنت لاعب.
* * *
وقوله: (وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩٢)
(وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا).
تقرأ بالتاء والياء جميعاً في لِتُنْذِرَ المعنى أنزلناه للبركة والإنذار.
ومعنى أم القرى أي أهل أم القرى، و (مَنْ حَوْلَهَا) عطف عليهم.
وأُمّ الْقُرَى مكة سميت أُمَّ الْقُرَى لأنها كانت أعظم القرى شأناً.
* * *
وقوله: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (٩٣)
جاءَ في التفسير أنه يعني به مسيلمة، وَصَاحِبَ صَنْعَاءَ، لأنهما ادعيا
النبوة.
стр. 730
(وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ).
موضع " من " جر.
المعنى: ومن أظلم ممن افترى ومن قال سَأنزِلُ مثل ما
أنزل اللَّه، وهذا جواب لقولهم: لو نشاءُ لقلنا مِثلَ هَذَا.
وقوله: (ولوْ ترىَ إِذْ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ المَوْتِ).
جواب " لو " محذوف، المعنى: ولو ترى إذ الظالمون فِي غَمَرات المَوْتِ
لرأيت عذاباً عظيماً، ويقال لكل من كان في شي كثير: قد غَمرَ فُلاناً ذلك، ويقال قد غمر فلَاناً الدَّيْن، تأويله: قد كثر فصار فيما يعلم بمنزلة ما يُبْصَر قَدْ غَمَرَ وَغطى من كثرتِه.
* * *
وقوله : (وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ).
(أي) عليهم بالعذاب.
ومعنى (أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ).
فيه وجهان - الله أَعلم -.
يقولون (أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ) فجائز أن يكون كما تقول للذي تعذبهُ لأزْهقَنَّ
نفسك، ولأخرجَنَّ نَفْسك - فهم يقولون - واللَّه أعلم.
(أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ) على هذا المعنى.
وجائز أن يكون المعنى خلِّصُوا أنفسكم. أي لستم تقدرون على
الخلاص.
(الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ).
أي العذاب الذي يقع به العذاب الشديد.
стр. 731
وقوله تعالى: (وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٩٤)
أمَّا معنى (فُرَادَى) فكل وَاحدٍ مُنْفَرِدٌ مِن شريكه في الغَيِّ وشَقِيقهِ.
ومعنى: (كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ).
جاءَ في التَفْسِير: عُرَاةً غُرْلًا، والغُرْلُ هُمُ الغُلْف. والذي تحتمله
اللغة أيضاً. كما بدأناكم أول مَرةٍ، أي كان بعثكم كخلقكم.
وقوله: (لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ).
الرفع أجود، ومعناه لقد تقطع وَصْلُكُم. والنصب جائز.
المعنى: لقد تقطع ماكنتم فيه من الشركة بينكم.
* * *
وقوله: (إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٩٥)
أي يشق الحبة اليابسة الميتة والنواة اليابسة فيُخْرِجُ مِنها ورقاً أخضَر.
وهو معنى، (يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ).
أي يخرج النبات الغض الطرِيَّ الخَضِرَ من الحب اليابس.
(وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ).
ويخرج الحب اليابس من النَبات الحى النامي.
احتج اللَّه جل ثناؤُه عليهم بما يُشَاهدُونَ من خَلْقِه لأنَّهم أنكرُوا البعث
فأعلمهم أنه الذي خلق هذه الأشياءَ وأنه قادر على بعثهم.
وقوله: (فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ).
أي فمن أين تصرفونَ عن الحق.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّْ: (فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٩٦)
стр. 732
مَعنى الإصباح والصبح وأحد، جائز أن يكون خالِقُ الإصباح وجائز أن
يكون معناه شاق الصبح، وهو راجع إلى معنى خالق الصبع.
وقوله: (وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا).
النصب في الشمس والقَمر هي القراءَة. والجر جائز على معنى وجاعل
(الشمس والقمر حسباناً)، لأن في جاعل معنى جَعَلَ.
وبه نصبتَ (سكناً) ولا يجوز جَاعِلُ الليلُ سكناً، لأن أسماءَ الفاعلين إذا كان الفعل قد رفع أضيفت إلى ما بعدها لَا غَيْر تقول هذا ضارِبَ زَيْدٍ أمْسِ.
فإجماع النحويين أنه لا يجوز في زيد النصْب، وعلى ذلك أكثر
الكوفيين، وبعض الكوفيين يجيز النصْبَ. فإذا قلت هذا مُعْطِي زَيْدٍ درهماً
فنصب الدرْهَمَ محمول على أعطى.
* * *
وقوله: (وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (٩٨)
الأكثر في القراءَة (مُسْتَقَرٌّ) بفتح القاف، وقد قرئت بكسرها
و (مُسْتَوْدَعٌ) بالفتح لا غير.
وأما رفع مستقر ومستودع فعلى معنى لكم مستقَرٌّ ولكم مستودعٌ.
ومن قرأ بالكسر، فمستقر ومُسْتَوْدَع فعلى معنى فمنكم مستقر
ومنكم مستودَع.
وتأويل مستقر أي مستقر في الرحم ومستودَع أي منكم
مستودع في أصلاب الرجال، وعلى هذا أيضاً فمستَقَر بفتح القاف، ومستودَعٌ.
أي فلهم مستَقَر ولكم في الأصلاب مستودعٌ وجائز أن يكون فمستقِر -
بالكسر - ومستودعَ أي: فمنكم مستقر في الأحياءِ ومنكم مستودعَ أي مستقر في الدنيا موجود، ومستودَع في الأصلاب لم يخلق بعْدُ.
وجائز أن يكون
стр. 733
فمستقِرٌّ بالكسر، ومستودع فمنكم مستقر في الأحياءِ ومنكم مستودع في
الثرى.
وهذه الأقوال كلها قد قيلت واللَّه أعلم بحقيقة ذلك
* * *
وقوله: (وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٩٩)
قال أهل اللغة أصل كلمة ماء ماه إلا أن الهمزة أبدلت من الهاءِ
لِخفَاءِ الهاءِ، والدليل على ذلك قولهم أمواه في جمعه، ومياه، ويصَغر مُويه.
قال الشاعر:
سَقى اللهُ أَمْواهاً عَرَفْتُ مَكانَها. . . جُراباً وَمَلْكوماً وبَذَّرَ والْغَمْرا
وقوله: (فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا)
معنى خَضِر كمعنى أخْضَر، يقال اخْضر فهو
أخضر وخضِر، مِثل أعوز فهو أعْوَر وعَوِر.
وقوله: (وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ).
(قِنْوَانٌ) جمع قِنْو مثل صِنْو وصِنْوَان، وإذا ثَنيتَ القِنْو فهما قِنْوانِ يا هذا
بكسر النون، والقنْوُ العِذْق بكسر العين وهي الكباسة، والعَذْق النخلة.
و (دَانِيَةٌ) أي قريبة المتناوَل، ولم يقل ومنها قنوان بعيدةٌ.
لأن في الكلام دليلاً أن البعيدة السحيقة من النخل قد كانت غير سحيقة، واجتزِئ بذكر القريبة عن ذكر البعيدة، كما قال :
(سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ) ولم يقل وسرابيل تقيكم البرد.
لأن في الكلام دليلاً على أنها تقي البرد لأن ما يستر من الحر يستر من
البرد.
стр. 734
وقوله: (وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ).
عطف على قوله (خضِراً) أي فأخرجنا من الماءِ خَضراً وجَناب من أعناب
والجنة البستان، وإنما سمي البستان جنة، وكل نبت متكاثف يستر بعضه بعضاً فهو جنة، وهو مشتق من جننت الشيءَ إذا سترته.
ومن هذا قيل للترس مِجَن لأنه يستر.
وقولى: (وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ).
أي في الطعم وفيه مايشبه طعمُ بعضِه طعْمَ بَعْض.
وَقرَنَ الزيتُونَ بالرمان لأنهما شجرتان تعرف العرب أن ورقهما يشتمل
على الغصن من أوله إلى آخره.
قال الشاعر:
بورك الميت الغريب كما. . . بورك نَضْرُ الرمَّانِ والزيتون
ومعناه أن البركة في ورقه واشتماله على عوده كله.
وقوله: (انظُرُوا إلَى ثَمَرهِ).
يقال ثمرة وثَمَرٌ وثمَارٌ، وثُمُر جمع ثِمارٍ، فمن قرأ إلى ثُمُره بالضم أراد
جَمْعَ الجَمْعِ، وإن شئت قُلْت إلى ثمْره فخففت لثقل الضمةِ.
(وَيَنْعِهِ).
الينعُ النضْجُ، يقال يَنعَ الشجرُ وأينع إذا أدرك.
قال الشاعر:
стр. 735
في قباب حول دَسْكَرَةٍ. . . حوْلَها الزيتون قدْ يَنعَا
قال أبو عبيدة البيت ليزيد بن معاوية أو للأحوص.
احتج اللَّه عليهم بتصريف ما خلق ونقْلِه من حال إلى حال، بما يعلمون
أنه لا يقدر عليه المخلوقونَ، وأنه كذلك يبعثهم لأنهم كانوا يُنكِرُونَ البَعْثَ
فقال لهم: (إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ).
فأعلمهم أن فيما قص دليلاً لمن صَدَّق.
* * *
وقوله: (وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ (١٠٠)
المعنى أنهم أطاعوا الجنَ فيما سولت لهم من شِرْكِهِمْ.
فَجَعَلُوهم شركاءَ للَّهِ وكان بعضهم ينسب إلى الجن الأفعال التي لا تكونُ إلا لله فقال: (وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ).
فالهاء والميم إن شئت كانت عائدة عليهم، أي فجعلوا للَّهِ الذي خلقهم
شركاءَ لا يخلقون. وجائز إن تكون الهاءَ والميم تعودان على الجن، فيكون
المعنى: وجعلوا للَّهِ شركاءَ الجن واللَّه خلق الجن.
وكيف يكون الشريك لله المحدَثَ الذي لم يكُنْ ثُمَّ كَانَ.
فأما نصب الجن فمن وجهين أحدهما أن يَكون الجن مفعولاً فيكون
المعنى وجعلوا للَّهِ الجن شركاءَ، ويكون الشركاء مفعولًا ثانياً كما قال:
(وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا).
وجائز أن يكون الجن بَدَلًا من (شرَكَاءَ) ومفسراً للشركاءَ.
وقوله: (وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ).
стр. 736
معنى خرقوا اختلقوا وَكَذَبوا، وذلك لأنهم زعموا أن الملائكة بنات
الله، وزعمت النصارى أن المسيح ابنُ اللَّه، وذكرت إليهود أن عزيرَ ابنُ اللَّه، فأعلم جل ثناؤه أنهم اختلقوا ذلك بغير علم، أي لم يَذكُرُوه عَنْ عِلْم.
وإنما ذكروه تَكذباً.
وقوله: .
أي: براءَته من السوءِ، ومعنى سبحانه التبْرِئَة عَنْ كُل سُوءٍ، لا اختلاف
بين أهل اللغة في معنى التسبيح أن التبرئة للَّهِ جلَّ وعزَّ.
* * *
وقوله: (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٠١)
أي هو خالق السَّمَاوَات والأرض.
(أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ).
أي من أين يكون له وَلَدٌ، والولد لا يكون إلا من صَاحِبَةٌ.
(وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ).
فاحتج جلَّ وعزَّ في نَفْيِ الْوَلَد بأنه خَالق كُل شيء، فليس كمثله شيء.
وكيف يكونُ الولدُ لمن لَا مِثْلَ لَه، فإِذا نسب إليه الولَدُ فَقَدْ جُعِلَ لَهُ مِثل.
* * *
وقوله : (لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)
أعلم أنَّه يُدْرِك الأبصارَ، وفي هذا الإعْلَام دَليلُ أن خَلْقَهُ لا
يُدْرِكُونَ الأبْصَارَ، أي لا يَعْرفونَ كيف حَقيقَةُ البَصَر، وما الشيء الذي صار به الِإنسان يُبْصرُ بعَيْنَيه دُونَ أنْ يُبْصِرَ من غيرهما من سائر أعضائه، فأعلم أنْ
خَلْقاً مِنْ خَلْقِهِ لَا يُدْرِك المخلوقون كنهه، ولا يحيطون بعلمه، فكيف به
؟؟!!!
стр. 737
فالأبصار لا تحيط به
(وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ).
فأما ما جاءَ من الأخبار في الرؤية وصح عن رسول اللَّه فغير مدفوع.
وليس في هذه الآية دَلِيلٌ عَلَى دفْعِه، لأن معنى هذه الآية معنى إدراك
الشيء والإحاطة بحقيقته.
وهذا مذهب أهل السنة والعِلْمِ والحديث.
* * *
وقوله: (قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (١٠٤)
أي قد جاءَكم القرآن الذي فيه البيانُ والبصائرُ.
(فَمَنْ أبْصَرَ فَلِنَفْسِه).
المعنى فلنفسه نَفْعُ ذَلِكَ.
(وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيهَا).
أي فَعَلَى نَفْسه ضَرَرُ ذلك، لأن اللَّه جل ثناؤُه غَنِي عن خَلْقِه.
وقوله: (وَمَا أنَا عَليكم بِحَفِيظٍ).
أي لستُ آخذُكم بالإيمان أخْذَ الحفيظ والوكيل، وهذا قبل الأمر
بالقتال، فلما أمر النبي ﷺ بالقتال صار حفيظاً عليهم ومسيطراً على كل من تَوَلَّى.
* * *
وقوله: (وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١٠٥)
أي وَمِثْلَ ما بيَّنَّا نُبَيِّن الآيَات.
وموضعُ الكاف نَصبٌ. التي في أول كذلك.
المعنى ونصرف الآيات في مثل ما صرفناهما فيما تُلِيَ عَلَيكَ.
وقوله: (وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ).
فيها خمسة أوجه، فالقراءَة دَرَستَ. بفتح الدال وفتح التاءِ ومعناه
وليقولوا قرأت كتُبَ أهل الكتاب وتقرأ أيضاً دَارَسْتَ، أي ذاكرت أهل
стр. 738
الكتاب.
وقال بعضهم: (وليقولوا دَرَسَتْ) أي هذه الأخبارَ التي تَتْلُوهَا عَلَينَا
قديمة قد دَرَسَتْ، أي قد مضت وامَّحَتْ.
وذكر الأخْفَشُ دَرُستْ بضم الراءِ ومعناها (دَرَسَتْ) إلا أن درُست بضم الراءِ أشد مبالغة، وحَكَى دُرِسَتْ بكسر الراءِ أي قرئت.
وقوله: (وَلنُبيِّنَهُ لقَوم يَعلَمُون).
إن قال قائل: إنما صُرفَت الآياتُ ليقولُوا دَرَسْتَ؟
فالجواب في هذا أن السبب الذي أدَّاهُمْ إلى أنْ يقُولُوا دَرَسَتَ هُوَ تلاوة الآيات.
وهذه اللام يسميها أهل اللغة لام الصيرورة، وهذا كقوله تعالى:
(فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا)
فهم لم يلتقطوه يطلبون بأخذه أن يعاديهم ولكن
كانت عاقبة أمره أن صار لهم عدواً وحَزَناً.
وكما تقول: كتب فلان هذا الكتاب لِحَتْفِهِ، فهو لم يقصد بالكتاب أن يُهْلِكَ نَفْسَه، ولكن العَاقِبَةَ كانت الهلاكَ.
* * *
وقوله : (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (١٠٧)
أي لو شاءَ اللَّه لجعلهم مؤمنين، وقيل لو شاءَ اللَّه لأنزل عليهم آية
تَضْطَرهم إلى الإيمان، وقال بعضهم (لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا).
أي لو شاءَ لاستأصلهم فقطع سبب شركهم.
* * *
وقوله: (وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٠٨)
نُهُوا في ذلك الوقت قبل القِتالِ أن يَلْعَنُوا الأصْنَامَ التي يَعْبُدهَا
المشركُونَ.
стр. 739
(فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ).
أي فَيسُبًّوا اللَّه ظلماً، وقال بعضهم فيسبوا اللَّه عُدُوَّا.
وعَدُوَّا ههنا في معنى جماعة، كأنه قيل: فيسبوا اللَّه أعدَاءً.
وعُدُوًّا منصوب في هذا القول على الحال. وعَدْواً منصوب على
المصدَرِ على إرادة اللام، لأن المعنى فيعتدون عَدْوَاً، أييظلمون طلماً.
ويكون بإرادة اللام أأي فيبسوا الله للظلم، وفيها وجه آخر. فيبسوا الله عُدواً - بضم الدال - وهو في معنى عُدُوا ويقال في الظلم عَدَا فلان عَدْواً وعُدُواً، وعُدُواناً، وعَدَاءً. أي ظلماً جاوز فيه القدْرَا.
وقوله تعالى : (كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ).
فيه غير قول: أنه بمنزلة (طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ) فذلك تزيين أعمالهم.
قال اللَّه : (بَلْ طَبَعَ الله عَلَيْهَا بكفْرِهم).
وقال بعضهم: (زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ) أي زَيَّنَ لكل أمَّةٍ العَمل الذي هو
فرض عليهم. والقول الأول أجوذ. لأنة بمنزلة (طَبَعَ الله عَلَى قُلوبهم). والدليل على ذلك، ونقض هذا قوله: (أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ).
* * *
وقوله: (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٩)
أي اجتهدوا في المبالغة فى اليمين.
(لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا).
стр. 740
وإنما حلفوا على ما اقترحُوا هُمْ من الآيات، وإنما قالوا:
(لَنْ نُومِنَ لكَ حَتَى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعاً) إلى قوله: (والملائكة قَبيلاً).
أي تأتي بهم كفيلًا، أي يَكْفُلون.
فأعلم اللَّه أن الآيَاتِ عِنْدَ اللَّهِ.
ويروى أن المؤمنين قالوا: لو أنْزِلَ عليهم آية لعلهم كانوا يؤمنون، فقال
الله : (قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ).
أي وما يُدريكم، أي لَستُم تعلمون الغيبَ، فلا تدرون أنهم يؤمنون.
كما تقول للرجل إذا قال لك: افْعَل بي كذا وكذا حتى أفْعَل كذا وكذا مما لا تعلم أنه يفعله لا محالة: ما يدريك. ثم استأنف فقال:
(أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ).
هذه هي القراءَة، وقرئت أيضاً (إِنَّها إذا جَاءَت لَا يؤمنون).
وزعم سيبويه عن الخليل أن معناها لعلها إذا جاءَت لا يؤمنون، وهي
قراءَة أهل المدينة، وقال الخليل: إنها كقولهم إِيت السوق أنك تشتري شيئاً، أي لعلك.
وقد قال بعضهم إنها " أن " التِي على أصل الباب، وجعل " لا " لَغْواً.
قال: والمعنى وما يُشْعِركم أنها إذا جاءَت يؤمِنُونَ، كما قال : (وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (٩٥).
следующие страницы →