Полный текст (2 149 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
معنى خرقوا اختلقوا وَكَذَبوا، وذلك لأنهم زعموا أن الملائكة بنات
الله، وزعمت النصارى أن المسيح ابنُ اللَّه، وذكرت إليهود أن عزيرَ ابنُ اللَّه، فأعلم جل ثناؤه أنهم اختلقوا ذلك بغير علم، أي لم يَذكُرُوه عَنْ عِلْم.
وإنما ذكروه تَكذباً.
وقوله: .
أي: براءَته من السوءِ، ومعنى سبحانه التبْرِئَة عَنْ كُل سُوءٍ، لا اختلاف
بين أهل اللغة في معنى التسبيح أن التبرئة للَّهِ جلَّ وعزَّ.
* * *
وقوله: (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٠١)
أي هو خالق السَّمَاوَات والأرض.
(أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ).
أي من أين يكون له وَلَدٌ، والولد لا يكون إلا من صَاحِبَةٌ.
(وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ).
فاحتج جلَّ وعزَّ في نَفْيِ الْوَلَد بأنه خَالق كُل شيء، فليس كمثله شيء.
وكيف يكونُ الولدُ لمن لَا مِثْلَ لَه، فإِذا نسب إليه الولَدُ فَقَدْ جُعِلَ لَهُ مِثل.
* * *
وقوله : (لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)
أعلم أنَّه يُدْرِك الأبصارَ، وفي هذا الإعْلَام دَليلُ أن خَلْقَهُ لا
يُدْرِكُونَ الأبْصَارَ، أي لا يَعْرفونَ كيف حَقيقَةُ البَصَر، وما الشيء الذي صار به الِإنسان يُبْصرُ بعَيْنَيه دُونَ أنْ يُبْصِرَ من غيرهما من سائر أعضائه، فأعلم أنْ
خَلْقاً مِنْ خَلْقِهِ لَا يُدْرِك المخلوقون كنهه، ولا يحيطون بعلمه، فكيف به
؟؟!!!
стр. 737
فالأبصار لا تحيط به
(وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ).
فأما ما جاءَ من الأخبار في الرؤية وصح عن رسول اللَّه فغير مدفوع.
وليس في هذه الآية دَلِيلٌ عَلَى دفْعِه، لأن معنى هذه الآية معنى إدراك
الشيء والإحاطة بحقيقته.
وهذا مذهب أهل السنة والعِلْمِ والحديث.
* * *
وقوله: (قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (١٠٤)
أي قد جاءَكم القرآن الذي فيه البيانُ والبصائرُ.
(فَمَنْ أبْصَرَ فَلِنَفْسِه).
المعنى فلنفسه نَفْعُ ذَلِكَ.
(وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيهَا).
أي فَعَلَى نَفْسه ضَرَرُ ذلك، لأن اللَّه جل ثناؤُه غَنِي عن خَلْقِه.
وقوله: (وَمَا أنَا عَليكم بِحَفِيظٍ).
أي لستُ آخذُكم بالإيمان أخْذَ الحفيظ والوكيل، وهذا قبل الأمر
بالقتال، فلما أمر النبي ﷺ بالقتال صار حفيظاً عليهم ومسيطراً على كل من تَوَلَّى.
* * *
وقوله: (وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١٠٥)
أي وَمِثْلَ ما بيَّنَّا نُبَيِّن الآيَات.
وموضعُ الكاف نَصبٌ. التي في أول كذلك.
المعنى ونصرف الآيات في مثل ما صرفناهما فيما تُلِيَ عَلَيكَ.
وقوله: (وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ).
فيها خمسة أوجه، فالقراءَة دَرَستَ. بفتح الدال وفتح التاءِ ومعناه
وليقولوا قرأت كتُبَ أهل الكتاب وتقرأ أيضاً دَارَسْتَ، أي ذاكرت أهل
стр. 738
الكتاب.
وقال بعضهم: (وليقولوا دَرَسَتْ) أي هذه الأخبارَ التي تَتْلُوهَا عَلَينَا
قديمة قد دَرَسَتْ، أي قد مضت وامَّحَتْ.
وذكر الأخْفَشُ دَرُستْ بضم الراءِ ومعناها (دَرَسَتْ) إلا أن درُست بضم الراءِ أشد مبالغة، وحَكَى دُرِسَتْ بكسر الراءِ أي قرئت.
وقوله: (وَلنُبيِّنَهُ لقَوم يَعلَمُون).
إن قال قائل: إنما صُرفَت الآياتُ ليقولُوا دَرَسْتَ؟
فالجواب في هذا أن السبب الذي أدَّاهُمْ إلى أنْ يقُولُوا دَرَسَتَ هُوَ تلاوة الآيات.
وهذه اللام يسميها أهل اللغة لام الصيرورة، وهذا كقوله تعالى:
(فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا)
فهم لم يلتقطوه يطلبون بأخذه أن يعاديهم ولكن
كانت عاقبة أمره أن صار لهم عدواً وحَزَناً.
وكما تقول: كتب فلان هذا الكتاب لِحَتْفِهِ، فهو لم يقصد بالكتاب أن يُهْلِكَ نَفْسَه، ولكن العَاقِبَةَ كانت الهلاكَ.
* * *
وقوله : (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (١٠٧)
أي لو شاءَ اللَّه لجعلهم مؤمنين، وقيل لو شاءَ اللَّه لأنزل عليهم آية
تَضْطَرهم إلى الإيمان، وقال بعضهم (لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا).
أي لو شاءَ لاستأصلهم فقطع سبب شركهم.
* * *
وقوله: (وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٠٨)
نُهُوا في ذلك الوقت قبل القِتالِ أن يَلْعَنُوا الأصْنَامَ التي يَعْبُدهَا
المشركُونَ.
стр. 739
(فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ).
أي فَيسُبًّوا اللَّه ظلماً، وقال بعضهم فيسبوا اللَّه عُدُوَّا.
وعَدُوَّا ههنا في معنى جماعة، كأنه قيل: فيسبوا اللَّه أعدَاءً.
وعُدُوًّا منصوب في هذا القول على الحال. وعَدْواً منصوب على
المصدَرِ على إرادة اللام، لأن المعنى فيعتدون عَدْوَاً، أييظلمون طلماً.
ويكون بإرادة اللام أأي فيبسوا الله للظلم، وفيها وجه آخر. فيبسوا الله عُدواً - بضم الدال - وهو في معنى عُدُوا ويقال في الظلم عَدَا فلان عَدْواً وعُدُواً، وعُدُواناً، وعَدَاءً. أي ظلماً جاوز فيه القدْرَا.
وقوله تعالى : (كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ).
فيه غير قول: أنه بمنزلة (طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ) فذلك تزيين أعمالهم.
قال اللَّه : (بَلْ طَبَعَ الله عَلَيْهَا بكفْرِهم).
وقال بعضهم: (زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ) أي زَيَّنَ لكل أمَّةٍ العَمل الذي هو
فرض عليهم. والقول الأول أجوذ. لأنة بمنزلة (طَبَعَ الله عَلَى قُلوبهم). والدليل على ذلك، ونقض هذا قوله: (أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ).
* * *
وقوله: (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٩)
أي اجتهدوا في المبالغة فى اليمين.
(لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا).
стр. 740
وإنما حلفوا على ما اقترحُوا هُمْ من الآيات، وإنما قالوا:
(لَنْ نُومِنَ لكَ حَتَى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعاً) إلى قوله: (والملائكة قَبيلاً).
أي تأتي بهم كفيلًا، أي يَكْفُلون.
فأعلم اللَّه أن الآيَاتِ عِنْدَ اللَّهِ.
ويروى أن المؤمنين قالوا: لو أنْزِلَ عليهم آية لعلهم كانوا يؤمنون، فقال
الله : (قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ).
أي وما يُدريكم، أي لَستُم تعلمون الغيبَ، فلا تدرون أنهم يؤمنون.
كما تقول للرجل إذا قال لك: افْعَل بي كذا وكذا حتى أفْعَل كذا وكذا مما لا تعلم أنه يفعله لا محالة: ما يدريك. ثم استأنف فقال:
(أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ).
هذه هي القراءَة، وقرئت أيضاً (إِنَّها إذا جَاءَت لَا يؤمنون).
وزعم سيبويه عن الخليل أن معناها لعلها إذا جاءَت لا يؤمنون، وهي
قراءَة أهل المدينة، وقال الخليل: إنها كقولهم إِيت السوق أنك تشتري شيئاً، أي لعلك.
وقد قال بعضهم إنها " أن " التِي على أصل الباب، وجعل " لا " لَغْواً.
قال: والمعنى وما يُشْعِركم أنها إذا جاءَت يؤمِنُونَ، كما قال : (وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (٩٥).
стр. 741
والقول الأولُ أقوى وأجودُ في العربية والكسرُ أَحَسَنُها وأجودها.
والذي ذكر أن " لا " لَغْوٌ غَالِطٌ، لأن ما كان لغواً لا يكون غير لغو.
من قرأ: إنها إذا جاءَت - بكسر إنَّ - فالإِجماع أن " لا " غير لغو، فليس
يجوز أن يكون معنى لفظةٍ مرةً النفي ومرة الإيجاب.
وقد أجمعوا أن معنى أن ههنا إذا فتحت معنى لعل، والإجماع أولى بالِإتباع.
وقد بينْتُ الحجة في دفع. ما قاله من زعم أن لا لغو.
* * *
وقوله : (وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (١١١)
هذا جواب قول المؤمنين: لعلهم يؤمنون.
فأعلم اللَّه أنهم لا يؤمنون، وهذا كإِعْلام نوح: (أنهُ لَنْ يُؤمِنَ
مِنْ قَوْمِكَ إلا مَنْ قَدْ آمَنَ).
ومعنى (قُبُلًا) جمع قبيل، ومعناه الكفيل.
ويكون المعنى: وحَشَرْنَا عَليْهِم كل شيء قبيلاً قبيلاً.
ويجوز أن يكون قُبُلٌ جمعَ قبيل. ومعناه الكفيل.
ويكون المعنى: لو حشرنا عليهم كل شيءٍ ونجعل لهم بصحة ما نقول ما كانوا
ليؤمنوا، ويجوز أن يكون " قُبُلاً " في معنى ما يقابِلهم، أي لَوْ حَشَرْنَا عليهم كل شيء فقابَلهمْ.
ويجوز وحشرنا عليهم كل شيء قِبَلًا أيْ عِيَاناً، ويجوز قُبْلاً على تخفيف
قُبُل وكل ما كان على هذا المثال فتخفيفه جائز، نحو الصُّحف والصحْف
والكُتب والكتْبُ، والرسُل والرسْل.
стр. 742
ومعنى (إلا أنْ يَشَاءَ اللَّهُ) أي إلا أنْ يَهْدِيَهُمْ اللَّه.
وجائز أن يكون نُنَزِّلُ عليهم آية تضطرهم إلى الإيمَانِ.
* * *
وقوله: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١١٢)
أي وكما جعلنا لك ولأُمَّتِك شياطين الجن والإنس أعداءً كذلك جَعَلْنَا
لِمَنْ تَقَدَّمَكَ من الأنبياءِ وأمَمِهم. و (عَدُوًّا) في معنى أعداءِ.
و (شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ) منصوب على البَدلِ مِنْ (عَدُوًّا).
ومفَسِّراً له.
ويجوز أن يكون (عَدُوًّا) مَنْصوباً على أنه مفعول ثان.
المعنى وكذلك شياطين الجن والإنس أعداءِ للأنبياءِ وأممهم.
(يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا).
الزخرف في اللغة الزينة.
والمعنى أن بعضهم. يزَيِّن لبعض الأعمالَ القبيحة.
و (غُرُورًا) مَنْصوب على المصدَر، وهذا المصدرُ محمول على المعنى.
لأن مبنى إيحاءِ الزخْرف من القول معنى الغرور.
وكأنه قال يَغرونَ غُروراً.
(وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُة).
أيْ لَوْ شَاءَ الله لَمَنَع الشيَاطِينَ من الوَسْوَسَةِ للإنْس والجِنِّ ولكن اللَّهَ
يمتحن ما يعلم أنه الأبلغ في الحكمة والأجْزل في الثواب والأصْلَح للعبَادِ.
* * *
وقوله: (وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ (١١٣)
- معنى " لتَصغى " لتمِيلَ، أي وليَصِيرَ أمرهم إلى ذلك.
ويجوز، وَلتَصْغَى إِليْهِ أفْئِدَة.
يقال صَغَوْت أصْغَى مثل محوتُ أمْحى، وإِنما جاز أصغَى وكان ينبغي
أن يكونَ أصْغو لموضع الغَيْن، لأنها تفتح هي وأخواتها.
وهو أن يفعُل ويفْعِل
стр. 743
يصير معها في كثير من الكلام يفعَل نحو صبَغَ يصْبَغ وأصله يصبُغُ، وهو يقال
ومِثْلُ ذهَبَ يذهبُ، كأنه كان يَذْهُب، ويقال صَغَيْتُ أصْغَى أيضاً، وأصغَيْتُ، أَصغَى شاذ، وأصْغَيْتُ أصْغِي جيِّدٌ بَالغ كثير
وأفْئِدَة: جمع فؤاد، مثل غراب وأغربة.
ومعنى: (وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ).
جائز أن يكون وليعملوا ما هم عاملون من الذنوب، يقال قد اقترف فلان
ذنباً، أي قد عمل ذنباً.
ويجوز " ولْيقْتَرفُوا " أي ليخْتَلِقُوا ولْيَكْذِبُوا، وهذه لاَم أنْ، المعنى ولأن
يَرْضَوْه ولْيَقْتَرِفُوا على أن اللام لامُ أمر ومعناه معنى التهدُّدِ والوعيدِ، كما
تقول افْعَل ما شئت، فلفظه لفظ الأمر ومعناه معنى التهدُّدِ.
* * *
وقوله: (وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (١١٦)
أعْلَمَ اللَّه أن أكثرهم من الذين اتبعوا أكابِرَهم لَيْس عند
أنفسهم أنهم على بصائر، وأنهم إِنما يَظُنون، ومنهم من عانَدَ، ومن يعلم أن
النبي حق.
فإن قال قائل: كيف يعذبُون وهم ظانون، وهل يجوز أن يعَذَبَ من كفر
وهو ظَانٌّ، ومَن لم يكفر وهو على يقين؟
فالجواب في هذا أن اللَّه جل ثناؤُه قد ذكر أنَّه يعذَبُ على الظَنِّ.
وذلك قوله: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧).
والحجة
стр. 744
في هذا أنهم عُذَبُوا عَلى هذا الظن، لأنهم اتبعوا أهْواءَهم وتركوا التماس
البصيرة من حيث يجب واقتصروا على الظن والجهل.
* * *
وقوله: (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١١٧)
موضعا مَنْ " رفع بالابتداءِ، ولفظها. لفظ الاستفهام.
المعنى: إن ربك هو أعلم أي الناس يَضِل عن سبيله، وهذا مثل قوله:
(لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا (١٢).
* * *
وقوله : (فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ (١١٨)
معناه كلوا مما أخْلَصْتم ذبحه للَّهِ، والمنْعُ من الميْتَةِ دَاخِل في هذا.
وليس بين الناس اختلاف في أن المشركين ناظروا المسلمين، فقالوا لهم:
تتركون ما سبقكم الله إلى إماتَتِه وتأكلون ما أمَتُّم أنْتمْ فأعلم جلَّ وعزَّْ أن الميتةَ حرام وأن ما قصِدَ بتَزكِيته اتَبَاعُ أمْرِ اللَّه فذلك الحَلال.
فقال: (وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (١١٩)
وَمَوْضِغ (أنْ) نَصْبٌ لأن " في " سقطت فَوَصَل المَعْنَى إلى (أنْ) فَنَصَبَها.
المعنى أي شيءٍ يقع لكم في أن لا تأكلوا.
وسيبويه يجيز أنْ يكونَ موضع (أنْ) جرا وإِن سَقَطتَ " في "، والنصْب عنده
أجود. -
قال أبو إسحاق: ولا اختلافَ بين الناسِ في أن الموضع نصْبٌ.
(وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ).
وحُرمَ جميعاً، أي فصل لكم الحلالَ مِن الحرامِ، وأحَلَّ لكمْ في
الاضطرار ما حَرَّمَ عليكم.
стр. 745
فموضع (ما) نصب في قوله: (إلا مَا اضْطرِرْتمْ إلَيْه).
ومعنى ما اضْطُرِرْتم دعَتْكمُ شِدة الضرورَةِ، أي شِدة المَجَاعةِ إلى أكله.
(وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ).
أي إن الذين يُحِلُّون المَيْتة ويُناظِرونكم في إحلالها، وكذلك كل ما
يضلونَ فيه، إنما يتبعون فيه الهوى والشهوة ولا بَصِيرةَ ولا علمَ عندهم.
* * *
وقوله: (وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ (١٢٠)
جاءَ في التفسير أن ظاهرهُ الزنَا، وباطنه اتخاذ الأخدان والأصدقاء على
جهة الريبة.
والذي يدُل عليه الكلام أن المعنى - واللَّه أعلم - اتركرا الإثم -
ظَهراً، أو بَطْناً، أي لا تقربوا ما حرَّم اللَّه عليكم جَهْراً ولا سِرًّا.
* * *
وقوله: جلَّ وعزَّ: (وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١)
أي مِما لَمْ يُخْلَصْ ذبْحُه للَّهِ .
(وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ) ومعنى الفِسْق الخروجُ عن الحق والدِّين، يقال فسقت
الرطبة، إذا خرجت عن قشرتها.
(وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ).
أي يُوَسوِسُ الشيطانُ لوَليِّه فَيُلْقي في قلبه الجدال بالباطِل، وهو ما
وصفنا من أن المُشْركين جادلوا المسلمين في الميتة. -
(وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ).
هذه الآية فيها دليل أنَّ كل مَنْ أحَلَّ شيئاً مما حرمَ الله عليه أوحرَّم شيئاً
مما أحلَّ الله له فهو مُشرِكٌ.
لو أحلَّ مُحِل الميتة في غير اضطرار، أو أحل الزنا لَكان مُشركاً بإِجماع الأمَّةِ، وإن أطاع اللَّه في جميع ما أمر به، وإنما سُمِّي مُشْرِكاً لأنه اتبع غير اللَّه، فأشرك باللَّه غيره،
стр. 746
وقوله: (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢)
جاءَ في التفسير أنه يعني به النبي ﷺ وأبو جهل بن هشام فالنبي ﷺ هُدِيَ وأعْطِيَ نُورَ الإسْلامِ والنُبوةَ والحكمَةَ، وأبو جهل في ظلمات الكفر.
ويجوز أنْ تكون هذه الآية عامةً لكل من هداه الله ولكل من أضَلَّه اللَّهُ. فأعلم اللَّهَ جلَّ وعزَّ أن مَثَل المهْتدِي مَثَلُ الميتِ الذي أُحْييَ وجُعِلَ مستضيئاً يمشي في الناس بنور الحكمة والإيمان، ومثل الكافر مثل من هو في الظلمات لا يتخلص منها.
* * *
وقوله : (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (١٢٣)
موضع الكاف نصب معطوفة على ما قبلها، وهو قوله:
(كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)
المعنى مثل ذلك الذي قصصنا عليك زُيَِّنَ لِلْكَافِرينَ عملُهم.
(وكذلك جعلنا) أي ومثلَ ذلك (جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا)، لأن الأكابر ما هم فيه من الرياسة والسَّعةِ أدعى لهم
إلى المكر والكفر، والدليل على ذلك قوله: (وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرزْقَ لعبادِهِ
لبغَوْا في الأرْضِ) وقوله: (وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ).
ومعنى: (وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ).
أي ذلك المكر يحيق بهمْ، لأنهم بمكرهم يُعَذَبُونَ.
* * *
وقوله: (وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ (١٢٤)
هذه الهاءُ والميم تعودان على الأكابر الذين جَرَى ذِكْرُهُمْ لأنهم
стр. 747
قالوا: لَن نُؤمِنَ حتى نُعْطَى منَ الآيَاتِ مثل ما أعْطِيَ الأنْبياء وأعلم اللَّهٌ
أنه أعلم من يصلح، فقال جلَّ وعزَّ: (وَلَقَدْ اخْتَرنَاهُمْ عَلَى عِلْم عَلَى العَاَلمِينَ).
وقوله: (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ).
أي هو أعلم بمَن يخْتَصُّ للرسالة.
وقال بعضهم لا يبلغ في تصديق الرسل إلا أن يكونوا قبل مَبعثهم مُطَاعِين
في قَوْمِهِمْ، لأن الطعن كان يتسع عَلَيْهم، ويقال إنما كانوا أكابرَ ورؤَساءَ
فاتبِعُوا.
(سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ).
أي هم وِإن كانوا أكابرَ في الدنيا سيصيبُهم صغارٌ عِنْد اللَّه أي مَذَلَّة.
و" عِند " متصلة بِـ (سيُصِيبُهم) عند اللَّه صغار.
وجائز أن تكون " عند " متصلة بصغار فيكون المعنى سيصيب الذين أجْرَمُوا صَغَارٌ ثابت لهم عند، للَّهِ.
ولا تصلح أن تكونَ " من " محذوفة من (عِنْدَ) إنما المحذوف (في) من
(عند) في المعنى إذا قلت: زيد عند عمروٍ
والمعنى زيد في حضرة عمرو.
* * *
(فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (١٢٥)
يروى عن ابن مسعودٍ أنه سأل النبي ﷺ :
وهَل ينشرح الصدر؟
فقال نعم، يدخل الْقَلْبَ النورُ، فقال ابن مسعودٍ: هل لذلك من علم؟
قال نعم، التجافي عن دَارِ الغُرُورِ، والإنابة إِلى دار الخلود والاستعداد للموت قبل الموت.
стр. 748
(وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا)
يُروى عن ابن عباس أنه قال: الْحَرَج موضع الشجر الملتف، فكان
قلبَ الكافرَ لا تَصِلُ إِليه الحكمة.
كما لا تصل الراعية إلى الموضع الذي يلتف فيه الشجر.
وأهل اللغة أيضاً يقولونه: الشجر الملتف يقال له ألْحَرَج.
والحرج في اللغة أضيق الضيق والذي قال ابن عباس صحيح حَسَنٌ.
فالمعنى عند أهل اللغة إنَّه ضيق جدًّا.
ويجوز حَرِجاً - بكسر الراءِ - فمن قال حَرِج فهو بمنزلة قولهم: رجل
دَنِفٌ، لأن قولك دَنَف ههنا وَحَرَج ليس من أسماءِ الفاعلين. إِنما هو بمنزلة
قولهم: رَخلٌ عَدْل أي ذو عَدْل.
وقوله: (كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ).
وَيصَّاعَدُ أيضاً، وأصله يَتَصَاعَدُ ويَتَصَعَّدُ، إِلَّا أنَّ التَاءَ تدغم في الصًاد
لقربها منها.
ومعنى كأنما يصَّعَّد في السماءِ - واللَّه أعلم - كأنه قد كلف أن يَصْعَد
إِلى السماءِ إذَا دُعِيَ إلى الِإسلام مِنْ ضِيق صَدْرِهِ عنه.
ويجوز أن يكون - واللَّه أعلم - كأنَّ قلبه يصعد في السماءِ نبُوًّا على الِإسلام واستماع الحكمة.
(كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ).
أي مثل قصصنا عليك يجعل الله الرجس على الذين لا يُؤمنون.
وَالرَجْسُ اللعنةُ في الدنيا والعذابُ في الآخرة.
وقوله جلَّ وعزّ: (لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٧)
стр. 749
أي للمؤْمنين دار السلام، وقال بعضهم: السلام اسم من أسماءِ اللَّه.
ودليله: (السَّلاَمُ الْمُومِنُ الْمُهَيْمِنُ).
ويجوز أن تكون سميت الجنة دار السلام لأنها دارُ السَلامة الدائمة التي لا تنقطع.
* * *
وقوله: (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٢٨)
المعنى - واللَّه أعلم - فيقال لهم: (يَا مَعْشَر الْجِنَ قَدْ اسْتَكثَرْتُمْ مِنَ
الِإنْسَ).
المعنى قد استكثرتم ممن أضللتموهم من الإنس.
(وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ).
جاءَ في التفسير أن استمتاع الِإنس بالْجِن أن الرجُلَ كان إذا سافر سفراً
فخاف أو أصابَ صيداً، قال أعوذُ بِرَبِّ هذا الوادي، وبصاحب هذا الوادي يعني به الجِنَّ، واستمتاعُ الجِنِّ بالِإنس أنَّ الِإنْسِي قد اعترف له بأنَّه يقدر أن يدفع عنه.
والذي يدل عليه اللفظ - واللَّه أعلم - هو قبول الإنس من الجن ما كانوا
يُغْوُونهم به لِقَوْله: (اسْتَكْثَرْتُم مِنَ الِإنْسِ).
فأما من كان يقول هذا أعني يستعيذ بالجنِّ فقليل.
(قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ).
الْمَثْوَى الْمُقَامُ.
(خَالِدِينَ فِيهَا).
منصوب على الحال، المعنى: النار مُقَامُكم في حال خُلُودٍ دائم.
وقوله: (إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ).
معنى الاستثناء عندي ههنا - واللَّه أعلم - إِنَّمَا هو من يوم القيامة، لأن
стр. 750
قوله: (وًيوْمَ يَحْشَرُهُمْ جَمِيعاً) هو يوم القيامة، فقال خالدين فيها مُذ يُبعثون إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ مِن مِقْدَارِ حَشْرِهِمْ من قبورِهم، ومقدارِ مدَّتِهم في محاسبتهم، وجائز أن يكون إلا ما شاءَ الله أن يعذبهم به من أصناف العذاب، كما قال
جلَّ وعزَّ: (لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ).
فيجوز واللَّه أعلم إلا ما شاءَ ربك من مقدار حشرهم ومحاسبتهم
ويجوز أن يكون إلا ما شاءَ ربك مما يزيدهم من العذاب.
وقوله: (إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ).
أي هو حكيم فيما جعله من جزائهم، وحكيم في غيره.
* * *
وقوله: (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (١٣٠)
فقال: (رُسُلٌ مِنْكُمْ) وإِنما المرسل من الِإنس دون الجن، فإِنما جاز ذلك
لأن الجماعة تعقل وتخاطب، فالرسل: هم بعض من يعقل.
وهذا كقوله: : (يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ).
وَإنَّمَا يخرجُ ذَلك مِنَ الْمِلْح.
أي البحر الذي ليس بعذبٍ، فقال منهما لأن ذكرهما قَدْ جُمِعَ.
فهذا جائز في اللغة، في كل ما اتَّفَقَ في أصله كما اتفقت الجِن مع الإنس في باب التمييز.
* * *
وقوله : (ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ (١٣١)
زَعَمَ سيبويه أنَّ موضِعَ ذلك رفع.
المعنى: الأمر ذلك لأنه (لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ).
وقال بعضُهُم: يجوز أن يكون موضعها نصباً.
المعنى: قيل ذَلك لأنه
стр. 751
لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ، والمعنى يخرج على جميع القولين لأن
المعنى يدل على أمْر الإرسالِ، فكأنه - واللَّه أعلم - ذلك الذي قصصنا عليك من أمر الرسل أمْر عَذَاب مَنْ كذَّبَ بها لأنه لم يكن مهلك القرى بظلمِ، أيِ لا يهلكهم حتى يبعث إليهم رسولًا.
كما قال : (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥).
وقوله: (وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ (١٣٣)
(كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ).
مَوضع الكاف نصب.
المعنى (وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ) مثل ما أنشأكم.
يقال: أنشأَ اللَّه الخلق إذا خلقه وأبدأه، وكل من ابتدأ شيئاً فقد أنشأه.
ومن ذلك قولك فأنشأ الشاعر يقول، أي ابتدأ من نفسه، والنشَأ الصغارُ من الأولادُ.
قال نُصَيبٌ:
وَلَوْلَا أن يقال صَبَا نصَيبٌ. . . لقلت بنفسي النَشَأُ الصِّغَار
ولهذا يقال للصغار نَشءٌ حَسَنٌ، ونُشوءُ حَسَن، أي قد ظهر له ابتداء
حسن.
* * *
وقوله: (قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (١٣٥)
ومكاناتكُمْ، المعنى اعملوا عَلَى تمكنكم.
ويجوز أن يكون المعنى اعملوا على ما أنتم عليه، ويقال للرجل إِذا أمرته أن يثبت على حال: على مكانتك يا فلان، أي أثبت على ما أنت عليه.
стр. 752
فإِن قال قائل فكيف يجوز أن يَأمُرَهُمْ النبي ﷺ أنْ يُقِيمُوا على الكفر فيقول لهم: (اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ)، فإِنما معنى هذا الأمْرِ المبَالغة في الوَعِيدِ، لأن قوله لهم: (فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ).
قد أعلمهم أن من عمل بعملهم فَإلى النار مصيرُه، فقال لهم: اقيموا
على ما أنتم عليه إِن رضيتم العذاب بالنار.
* * *
(وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (١٣٨)
والحامي الذي حَمَى ظهرَه أنْ يُرْكَبَ، (وَأنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ
عَلَيْهَا).
فأعلم الله انَّ ذَلِكَ افتَرَاء، أي يفعلون ذلك افتراءً عليه، وهو
منصوب بقوله: (لَا يَذْكُرُونَ اسمَ اللَّهِ).
وهذا يسميه سيبويه مَفْعُول لَهُ.
وَحَقِيقَتُة أن قوله: (لَا يَذْكُرونَ) بمعنَى يَفْتَرُون، فكأنه قال يفترون افتراءً.
* * *
(وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٣٩)
وكأنَّه إذَا جَعَلُوا لأصْنَامِهِمْ مما في بطون الأنعام شيئاً
جَعَلُوه مَا يَكُون ذَكَراً مَوْلُوداً حيا يَأكُله الذكْرَان خَاصةً.
ولا يجيزون أن يأكلَ النساءُ شيئاً.
فإن كان ذكراً ميتاً اشترك فيه الرجَالُ والنساء
وهو قوله : (وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَا).
ثم قال: (خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا).
فهو على ضربين: أجودهما أن يكون أنثَ الْخَبَرَ، وجعل معنى " ما "
التأنيث لأنها في معنى الجماعة، كأنَّهم قالوا جَمَاعَةً مَا فِي بُطُون هذه الأنعام
стр. 753
خالصة لذكورنا، وُيرَدُّ (وَمُحَرَّمٌ) على لفظ ما، وقال بعضهم أنَثَه لتأنِيث
الأنعام، والذي في بطون الأنعام ليس بمنزلة بعض الشيءِ، لأن قولك:
سَقَطَتْ بعض أَصَابعه " بعض أصابع " إصْبَعٌ وهي واحدة منها، والذي في بطون الأنعام: مَا في بَطْن كل وَاحِدَ غيرها.
وَمَنْ قال يجوز على أن الجملة اأعام فكأنه قال: وقالوا الأنعام التي في بطون الأنعام خَالِصَةٌ لذكورنا.
والقول الأول الذي شرحنا أبيَن، لقوله (وَمُحَرَّمٌ)، لأنه دليل على الحمل
المعنى في " ما " عَلَى اللفظ.
وقرأ بعضهم (خالصةً لِذكورنا)، فهو عندي - واللَّه أعلم - ما خَلصَ حَيا.
ويجوز (وإِن يَكنْ ميْتَةً) بالياء والتاءَات، ونَصْبَ (ميتة).
المعنى وإِن تكن تلك الحمول التي في البطون ميتةً، ومن قرأ وإن يكن
فعلى لفظ ما، المعنى إِن يكن ما في البطن ميتة، ويجوز " وإِنْ تكن مَيْتَةٌ "
بالتاءِ ورفع الميتة، ويكون " تَكنْ " بمعنى الحدوث والوقوع كأنَّه وإِن تَقَعْ مَيْتَة
وإن تَحْدُثْ مَيْتَة.
وقوله: (سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهمْ).
المعنى - واللَّه أعلم - سيجزيهم جزاءَ وصفهم الذي هو كذِب.
* * *
وقوله : (قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٤٠)
(سَفَهًا)
منصوب على معنى اللام أي للسفه، مثل فعلت ذلك حذرَ الشر.
ويجوز أن يكون منصوباً على تأويل المصدر، لأن قتلهم أولادهم قد سَفِهوا فيه، فكأنَّه قال: سفِهوا سَفْهاً، فقال
стр. 754
عزَ وجل: (قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ).
وقد فسرنا نصب (افتراءً).
ومعنى الافتراءِ ههنا الكذب.
ثم احتج الله عليهم ونَبَّه على عظم مَا أتَوْه فِي أنْ أقْدَمُوا على الْكَذِب على اللَّه وأقْدَمُوا على أن شَرعُوا من الدِّينِ مَا لمْ يَأذَنْ به اللَّهُ فقال:
(وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (١٤١)
فكأنه قال افتروا على اللَّه وهو المحدث للأشياءِ الفاعل ما لا يقدر أحدٌ
على الإتيان بمثله، فقال :
(وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ) أي: ابتدع جنَاتٍ مَعْرُوشاتٍ، والْجَناتُ الْبَسَاتِينُ.
(وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ).
ومعنى المعروشات ههنا الكروم.
(وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ).
في حال اختلاف أكْلُهِ. وهذه مسألة شديدة في النحو إِلا على من عرف
حقيقتها، لأن للقائل أن يقول كيف أنشأهُ في حَال اختلاف أكله وهو قد نشأ
من قبلِ وقُوعِ أكْلِهِ. وأكْلُه ثمره؟
فالجواب في ذلك أنه قدَّرَ إنشَاءَه بقوله: (هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ).
فأعلم إنَّه المنشئ له في حال اخْتلافِ أكلِهِ، ويجوز أنشأه ولا
أكل فيه مختلفاً أكُلُه، لأن المعنى مُقَدِّراً ذلك فيه، كما تقول.: لتدخُلُنَّ منزل زيد آكلين شاربين، المعنى تدخلون مُقَدِّرِينَ ذلك.
وسيبويه دل على ذلك وبيَّنه في قوله: مررت برجل معه صقر - صائداً به غداً، فنصب صائداً على الحال، والمعنى مُقَدِّراً الصيد.
ومعنى (مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ).
стр. 755
على ضربين، فأحدهما أن بعضه يشبه بعضاً، وبعضه يخالف بعضاً
ويكون أن يكون مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ، أنْ تكونَ الثمَارُ يُشْبِه بعضها بعضاً في النظر وتختلف في الطعوم.
وقوله: (كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ).
ثَمَرَ جمعُ ثَمَرَةٍ، ويجوز مِن ثمُرِهِ، ويكون الثمُر جمعُ ثِمَار فيكون بمنزلة
حُمُر جمع حمارٍ. ويجوز من ثمْره. . بإِسكان الميم.
* * *
وقوله : (وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ).
يجوز الْحَصَادُ والحِصَادُ، وتقرأ بهما جميعاً، ومثله الجَداد والْجِدادَ
لِصِرَامَ النَّخل.
اختلف الناسُ في تأويل (وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ) فقيل إن الآية مكيَّةٌ.
وروي أن ثابت بن قيس بن شماس صَرَمَ خَمْسَمائَةِ نَخْلة ففرَّق ثِمَارَها كُلَّه
ولم يُدْخِلْ مِنْهُ شَيْئاً إلى مَنْزِله، فأنزل اللَّه : (وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا).
فيكون على هذا التأويل أن الإنسان إذا أعطى كل ماله ولم يوصل إلى
عياله وأهله منه شيئاً فقد أسْرَفَ، لأنه جاءَ في الخبر: ابْدَأ بِمَنْ تعُول.
وقال قومٌ إِنها مَدَنية، ومعنى (وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ)، أدُّوا مَا افْتُرِضَ
عليكم في صَدَقَتِه، ولا اختلاف بين المسلمين في أمر الزكوات أن الثمار إذا
стр. 756
حصدت وجب إِخراج ما يجب فيها من الصدقة فيما فرض فيه الصدقة، فعلى هذا التأْويل يكون: (وَلَا تُسْرِفُوا) أي لا تنْفِقوا أموالكم وصَدَقاتِكمْ على غير الجهة التي افْتُرِضتْ عليكم، كما قال المشركون:
" هذا ليس كائناً " وحرموا ما أحل اللَّه، فلا يكون إِسرافٌ أبْيَنَ من صرف الأموال فيما يُسْخِط اللَّه.
* * *
وقوله : (وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٤٢)
نسق على الجنات، المعنى وهو الذي أنشأ جناتٍ، وأنشأ من الأنعامِ
حَمُولةً وَفَرْشاً والحَمولة الِإبل التي تُحَمَّلُ.
وأجْمَعَ أهل اللغة على أن الفَرْشَ صغارها.
وقال بعض المفسرين: الفرشُ صغارُ الِإبِلِ وإِن البقر والغَنم من الفرش
الذي جاءَ في التفسير، يدل عليه قوله:
(ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ)
وقوله (وَمِن الِإبِلِ اثْنَيْنِ وَمِن الْبَقَرِ اثْنَيْنِ).
فلما جاءَ هذا بدلًا من قوله (حَمُولةً وَفَرْشاً) جعله للبقرِ والغنم مع الِإبل.
وقوله: (كُلُوا مِما رَزَقَكَمُ الله).
أي لا تُحَرِّموا ما حَرمْتم مما جرى ذكره.
(وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ).
في خُطوات ثلاثة أوجه: ضم الطاءِ وفتحها وإِسْكانها.
ومعنى خطوَاتِ الشيطانِ. طُرُق الشيطان، قال بعضهم تَخَطَي الشَيطانِ الحلالَ إِلى الحرام.
والذي تدل عليه اللغة أن المعنى لا تسلكوا الطريقَ الذي يُسَوِّله لَكَم
الشيطان.
стр. 757
وقوله: (ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٤٣)
بَدَل من (حَمُولَةً وَفَرْشًا) والزوج في اللغة الواحد الذي يكون معه آخر:
(مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ).
والضَّأْنُ جمع ضائن وضَأن، مثل تاجر وتَجْر.
(وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ).
هذا احتجاج عليهم. بَيَّن اللَّه بِهِ فِرْيَتَهمْ وَكذِبَهمْ فيما ادَّعَوْه مِنْ
أن مَا فِي بُطونِ الأنْعَامِ حلال للذكور ومحرم على الإناث وما حرمُوا مِنْ سائر
ما وَصَفْنَا، فقيل لهم آلذَّكرَيْنِ حرَّمَ فإن كان حرمَ من الغنَمَ ذُكُورَهَا فكل
ذُكُورِها حرام، وإِن كان حرَّم الأنثيين فكل الإناثِ حَرَام، وإن كان حرمَ ما
اشتملت عليه أرحام الأنثيين فقد حرم الأوْلاَدَ، وكلُّهَا أوْلاَدٌ فَكُلُّها حَرَام.
وكذلك الاحتجاج في قوله: (وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ).
فقيل لهم (نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ).
أي فسروا ما حرمتم بعلم، أي وأنتم لا علم لكم لأنكم لا تؤمنُونَ
بكِتَاب.
* * *
(وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٤٤)
(أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا).
أي هل شاهدتم الله قد حرم هذَا إِذ كنْتُمْ لاَ تؤمِنُونَ برسول.
ثم بين ظلْمَهُم فقال:
(فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ).
وقد بَيَّن الاحتجاج أنهم لا يؤْمنون بِنَبيٍّ ولا يَدَّعُون أن نبياً خبَّرهم عن
الله أن هذا حرام، ولا أنهم شاهدوا اللَّه قد حَرَّمَ ذلك.
ثم قال:
стр. 758
(قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤٥)
فأعلمهم ﷺ أن التحريم والتحليل إنما يَقْبَلُه بالوَحي أو التنزيل فقال: (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا).
والمسْفُوح المصْبُوب، فكأنه إذا ذَبَحوا أكَلُوا الدَّمَ كما يأكلونَ اللحمَ.
(أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ).
والرجْسُ اسم لما يُسْتقْذرُ، وللعذاب.
(أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ).
أي رُفِعَ الصوْتِ على ذَبْحِهِ باسمِ غَيْر اللَّهِ، وكانوا يذكرون أسماءَ
أوْثانَهم على ذَبَائحهم.
" فَفِسْق " عطف على لَحْمِ خِنْزِيرٍ، المعنى إلا أن يكون
المأكول ميتةً أو دَماً مسْفُوحاً أو لحمَ خِنْزِيرٍ أو فِسْقاً.
فسُمِّيَ ما ذكر عليه غير اسم اللَّه فِسْقاً، أي خُرُوجاً مِنَ الدِّينِ.
(فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ).
أيْ دَعَتْه الضرُورةُ إلى أكْله فَأكَلَه غيرَ باغٍ، أي غير قاصد لتحليل ما
حرم اللَّه.
(وَلَا عَادٍ).
أي ولا مُجَاوزٍ للقَصْد وقَدْرَ الحاجة. و " العَادِي " الظالمُ.
(فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ).
أي يغفر لمن لم يَتَعَدَّ.
فأما إعراب (آلذَّكَرَيْنِ) فالئصْبُ بـ (حَرَّمَ).
وَتَثْبُتُ ألف المعرفة مع ألف الاستفهام لئلا يلتبس الاستفهام بالخبر،
стр. 759
لأنه لو قيل ألذكرين حَرَّمَ بألف واحدة لالتبس الاستفهام بالخبر.
وقد يجوز جمع أم حذف الألف لأن أم تدل على الاستفهام لأنه لو قيل ألرجلَ ضربت أم الغلامَ لَدَلَّتْ " أمْ " على أن الأول، داخل في الاستفهام.
وقد أجاز سيبويه أن يكون البيت على ذلك وهو قوله:
لَعَمْرُكَ ما أَدْري وإِن كنتُ دارياً شُعَيْثُ بنُ سَهْم أَمْ شُعْيْثُ بنُ مِنْقَرِ
فأجاز أن يكون على أشعيثُ بن سهم، ولكن القراءَة بتبيين الألف الثانية
في قوله: (آلذَّكَرَيْنِ).
* * *
وقوله: (وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (١٤٦)
ئعْنَى بِه الإبل والنعامُ، لأن النعام ذوات ظفر كالإبل.
(وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا).
فقال بعض الناس:. حُرمَتْ عليهم الثرُوب، وأحل لهم ما سواها مما
حملت الظهور.
(أَوِ الْحَوَايَا)
وهي المباعرُ واحدها حَاوِية وحاوِيَاءُ وحَوِيَّة.
(أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ).
نحو شحم الإلية. وهذا أكثر القولين، وقال قوم حُرمَتْ عَليهم الثروبُ.
وأحل لهم ما حملت الظهور وصارت الحوايا أو ما اختلط بعظم إِلا ما حملت
الظهور فإِنه غير محرم، و " أوْ " دخلت على طريق الِإباحة، كما قال جَلَّ وعزَّ:
стр. 760
(وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا (٢٤).
فالمعنى كل هُؤلاءِ أهل أن يُعصَى.
فاعصِ هذا، واعصِ هذا
و" أو " بليغة في هذا المعنى، لأنك إِذا قلت: لا تطع زيداً وعمراً فجائز أن تكون نهيتني عن طاعتهما معاً في حال إِن أطَعتُ
زيداً على حِدَتِه لم أكُنْ عَصيتُكَ، وإذا قلتَ: لا تطعْ زيداً أو عمراً أوخالداً، فالمعنى أن هُؤلاءِ كلهم أهل ألا يُطاعَ فلا تطع واحداً منهم ولا تطع الجماعة.
ومثله جالس الحسن أو ابن سِيرين أو الشَعبي، فليس المعنى أني آمرك
بمجالسة وَاحد منهم، ولكن مَعْنَى " أوْ " الِإباحة.
المعنى كُلهم أهل أن يُجَالَس، فإِن جالست واحداً منهم فأنت مصيب وإِن جالست الجماعة فأنت مصيب.
* * *
وقوله : (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (١٤٨)
زعم سيبويه أن العَطْفَ بالظاهر على المضمر المرفوع قبيح، يستقبح
قمت وزيدٌ، وقام وزيدٌ، فإن جاءَت " لَا " حَسُنَ الكلامُ فقلت: لا قمتُ ولَا زيد، كما أَنَه إذا أَكد فقال قمت أَنت وزيد حَسُن، وهو جائز في الشعر.
فأما معنى الآية فإن اللَّه جل ثناؤُه أخبر عنهم بما سَيَقولُونَه، وقولهم:
(لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا) جَعَلُوا هَذَا القَوْلَ حُجةَ فِي إِقامَتهمْ عَلى شِركِهِِم فأعلم اللَّه أنَّ (كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا).
والحُجَّةُ عَليهم في هذا أنهُم إِذا اعْتَقَدُوا أن كُل مَنْ كان على شيءٍ.
والأشياءً تجري بمشيئة الله تعالى - فهو على صَوابٍ فلاَ مَعنى إِذن - على
قولهم - للرسَالةِ والأنبياءِ، فيقال لهم: فالذين على دين يخالفكم، أليس هو
على ما شاءَ اللَّه، فينبغي ألا تَقُولوا إِنهمْ ضالُّونَ، وهو يَفْعَلُ مَا يَشاء،
стр. 761
وهو قادر على أن يَهْدِيَ الخلْق أجمَعين، وليس لِلعِباد على الله أن يَفْعَل بهم
كل مَا يَقْدِرُ عَليهْ، فقال :
(قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩)
فحجته البالغة تَبْيينهُ أنَّهُ الواحدُ وإرْسالُه الأنبياءَ بالحجج التي يعجز عنها
المخلوقون:
* * *
وقوله : (قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١٥٠)
زعم سيبويه أنها " ها، ضمت إليها " لُمَّ " وجَعلتا كالكلمة الواحدة.
فأكثر اللغات أن يقال هَلُمَّ للواحد والاثنين والجماعة.
بذلك جاءَ القرآن نحو قولهم: (هَلُمَّ إِلَيْنَا).
ومعنى (هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ) أي فهاتوا شهداءَكم، وقربوا شهداءَكم، ومن
العرب من يثني ويجمع ويؤَنث، فيقول للذكر هَلُمَّ، وللاثنين هلمَّا وللجماعة
هَلُمُّوا، ْ وللمرأَة هَلُمِّي وللاثنتين هلمَّا، وللنسوة هَلْمُمْنَ.
وفتحت الميم، لأنها مُدْغمة كما فتحت رُدَّ في الأمر لالتقاءِ السَّاكنين.
ولا يجوز هَلُم إلينا للواحد بالضم. كما يجوز في رُد الفتح؛ والضم والكسر، لأنها لا تتصرف.
وقوله: (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥١)
(قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ)
فَـ " مَا " في مَوْصع نصب إِنْ شِئْتَ بـ (أَتْلُ).
والمعنى تعالوا أتْلُ الذي حرَّمَ ربكم عليكم، وجائز أن تكون " ما " منصوبة بـ (حَرَّم) لأن التلاوة بمنزلة القول.
كأنه قال: أقول أي شيءٍ حرَّم ربكم عليكم، أهذا أم هذا، فجائز أن يكون
الذي تَلاهُ عَلَيْهم قَوْله: (إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا).
ويكوِن (أَلَّا تُشْرِكُوا) منصوبة بمعنى طرح اللام أي: أبين لكم الحرامَ لئلاً تُشْرِكُوا بِه شَيْئاً، لأنهم
стр. 762
إِذَا حَرَّمُوا ما أحَل اللَّه فقد جَعَلُوا غيرَ اللَّه - في القَبُول منه - بمنزلة الله
جلَّ وعزَّ فَصَارُوا بِذلك مُشْرِكينَ.
ويجوز أن يَكونَ (أَلَّا تُشْرِكُوا) مَحْمُولاً على المعنى، فيكون:
" أتل عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا به شيئاً "
فالمعنى أتْلُ عَليْكُم تَحْرِيمَ الشرْكِ بهِ.
وجائز أن يكون على معنى أوصِيكم (أَلَّا تُشْرِكُوا بِه شيئاً)
لأن قوله: (وَبِالْوَالِدَيْنِ إحْسَاناً) محمولٌ على معنى أوصيكم بالوالدين إحساناً.
وقوله: (وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ).
أي لَا تَقْتُلُوا أولادكم من فَقْرٍ، أي من خَوْفِ فَقْرٍ.
(وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ).
بدل من الفواحش في موضع نصب.
المعنى لا تَقْرَبوا ما ظهر من الفواحش وما بطن، جاءَ في التفسير أنَّ مَا
بَطنَ منها الزنَا، وما ظهر اتخاذُ الأخْدَان وَالأصدقاءِ على جهة الريبة.
وظاهر الكلام أن الذي جرى من الشرك باللَّه وقتل الأولاد وجميع ما حرَّموه مما أحَل اللَّهُ فَوَاحش، فقال: ولا تَقْربوا هذه الفَوَاحِشَ مظْهرين ولَا مُبْطِنِينَ، واللَّه أعلم.
وقوله: (ذلِكمْ وَصَّاكمْ بِهِ).
يدل على أن معنى (أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا).
* * *
وقوله: (وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١٥٢)
قال بعضهم: التي هي أحسن رُكُوبُ دابتِه واستخدام خادِمه، وليس في
стр. 763
الظاهر أن هذا هو المراد، وإنما التي هي أحسن حفظ ماله عليه، وتثْمِيرُه
بما وُجِدَ إليه السبيل.
قوله: (حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ).
" حَتَّى " محمولة على المعنى، المعنى احْفَظُوه عليه حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ.
أي فإذا بلغ أشده فادفعوه إليه.
وبلوبخ أشُده أن يؤنَس منه الرُّشْدُ مَع أنْ يكونَ بالغاً.
وقال بعضهم: (حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ) حَتى يَبْلُغ ثمانيَ عَشْرة سَنة، ولسْتُ أعْرفُ مَا وَجْهُ ذلك بأن يبلغَ قبل الثماني عشرة وَقد أنِسَ منه رشداً فدفْعُ مالِه إلَيه واجب.
وقوله " جلَّ وعزَّ: (وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى).
أي إذا شَهِدْتم أوْ حَكَمتُم فاعْدِلوا، ولو كان المشهودُ عليه أوْ لَهُ ذَا قربى.
* * *
(قوله: (ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (١٥٤)
الأكثر في القراءَة بفتحَ النون، ويجوز (أحْسنُ) على إضْمارِ على
الذي هو أحسنُ. فأما الفتح فعلى أن (أحسنَ) فعل ماض مبني على الفتح.
وأجاز الكوفيون أن يكون في موضع جَر، وأن يكون صفة الذي، وهَذَا عند
البصريين خَطَأٌ فاحش، زعم البصريون أنهم لا يعرفون " الَّذِي " إلا
موْصُولَة، ولا تُوصَفُ إلا بَعْدَ تَمَام صلتها، وقد أجمع الكوفِيونَ مَعَهُمْ على أن الوَجْهَ صِلتُها، فيحتاجون أن يثبتوا أنها رفعت موصولة ولا صلة لها، فأمَّا دخول " ثم " في قوله: (ثُمَّ آتَيْنَا) وقد علمنا أن (ثُمَّ) لا يكون الذي بَعْدهَا أبداً مَعناه التقْدِيم أِ، وقد علمنا أن القرآن أنزل مِن بعْدِ موسى، وبعد التوراة.
стр. 764
ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (١٥٤)
فقال: (ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ) فإنما دخلت ثم في العطف على التلاوة.
والمعنى قُلْ تَعَالَوْا أتْلُ مَا حَرَّمَ رَبكُمْ عَلَيكُمْ، أتْلُ عليْكم ألا تَقْتلُوا
أولادَكم، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله، ثم أتلو ما آتاه اللَّه موسى.
ومعنى (عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ) يكون على " تماماً على المحسن "
المعنى: تماماً من الله على المحسنين، ويكون (تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ) أي على
الذي أَحْسَنَه مُوسَى مِنْ طاعَةِ اللَّهِ واتبَاع أمرِه.
ويجوز تماماً على الذي هُوَ أحْسنُ الأشْياءِ.
و" تمام " منصوب مفعول له، وكذلك وتفصيلاً لكل شيء.
المعنى آتيناه لهذه العلة أي للتمام والتفصيل.
* * *
وقوله: (وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥)
والمبارَكُ ما يأتي من قِبَلِهِ. الخيرُ الكثيرُ، وهو من نعت (كتاب)
ومن قرأ " أنْزَلْنَاهُ مُبَارَكاً " جاز ذلك في غير القراءَةِ، لأن المصحف لا يُخَالَفُ ألبَتَّةَ.
وقوله: (فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ).
أيْ لِتَكونوا رَاجِينَ للرحْمَةِ.
* * *
وقوله : (أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ (١٥٦)
قال بعضهم: معناه أنْزَلْنَاهُ لئلا تَقُولُوا إِنما أنزِلَ الكتابُ أي أنزلناه لتنْقَطِعَ
حُجتُهمْ، وإِنْ كانت الحجةُ للَّهِ ، لأن الكتُبَ التي أنْزِلَتْ قبلَ
النبي ﷺ قد كانت فيها الحجة، ولم يكن اللَّه : لِيَتْركَ خَلقَه سُدًى بغير حجة، ولكن في تنزيل الكتاب والنبي ﷺ غاية الحجة، والزيادة في الإبَانةِ.
стр. 765
وقال البَصْريون: معناه أنزلناه، كراهةَ أن تقولوا، ولا يُجِيزون إضمار
" لا " لَا يقولون جئتُ أنْ أكْرِمَك، أي لئلا أكرمَك، ولكن يجوز فعلت ذلك أن أكرمَك، على إضمار محبة أن أكرمك، وكراهة أن أكرمكَ، وتكون الحال تنبئ عن الضمير.
فالمعنى: أنزل الكتاب كراهة أن يقولوا: - إِنما أنزلت
الكتُب على أصحاب موسى وعيسى.
(وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ).
المعنى: وما كنا إلا غافلين عن تلاوة كتبهم.
* * *
(أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ (١٥٧)
(أَوْ تَقُولُوا) المعنى أو كراهة أنْ تَقُولُوا.
(لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ).
وإنما كانوا يقولون (لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ) لأنهم كانوا مُدِلِّين بالأذهان
وحُسْنِ الأفْهَام، وذلك أنهم يحفظون أشعارهم وأخبارهم وآثارهم، وهم
أُمِّيونَ لا يَكْتُبونَ.
وقوله: (فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ).
أي فقد جاءَكم ما فيه البيان وقطعُ الشُّبُهَاتِ عَنْكُمْ.
* * *
وقوله: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٥٨)
(هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ).
أي إلا أنْ تَأتِيهم ملائكةُ الموْتِ.
(أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ).
أو يأتي إهْلاَكُ رَبِّك إيَّاهم وانْتِقامُهُ مِنْهُم، إمَّا بعذَاب عاجل أو بالقيامة.
وهذا كقولنا: قَدْ نَزَلَ فُلان ببَلَد كَذا وكَذَا، وقد أتَاهُمْ فُلانٌ أي قَدْ أوْقَع بِهِمْ.
وقوله: (أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ).
стр. 766
نحو خروج الدابة: أو طلوع الشمس منْ مغربها.
وقوله: (يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ).
أي لا يَنْفَعُها الإيمَانُ عِند الآية التي تضْطَركم إلى الإيمان، لأن اللَّه
جلَّ ثناؤه قال: (إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)
وبعث الرسل بالآيات التي تُتدَبَّر، فيكون للمؤمِنِ بها ثوابٌ ولو بعث اللَّه على كل من لم يؤمن عذاباً، لاضطر الناس إلى الإيمان به: وسقط التكليف والجزاء.
* * *
وقوله: (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (١٥٩)
قال بعضهم: هذه نزلت قبل الحرب، أي ليس عليك قِتَالُهم إنَّمَا أمْرُهُمْ
إلَى اللَّهِ.
ومعنى (وَكَانُوا شِيَعًا) أي كانوا مُتَفَرقِين فِي دِينهمْ.
يعنى به إليهود والنصارى، لأن النصارى بَعْضُها يكفر بعضاً وكذلك
اليهودُ، وهم أيضاً أهْلُ التوراة، وبعضهم يكفر بعضاً، أعني إليهود تكفر
النصارى، والنصارى تكفر إليهودَ.
وفي هذه الآية حَث على أن تكون كلمةُ المسلمين واحدة، وأن لا
يتفرقُوا في الدين وأن لا يبتدعوا البدع ما استطاعُوا.
فقوله: (لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ).
يدل على أن مَن فَرقَ دِينَه مِن أهْلِ مِلةِ الإسْلَامِ وابْتَدع البِدعَ فقد صَارَ
بِهِ مِنْهُمْ.
ومعنى شَيَّعْتُ في اللغة اتَّبَعتُ. والعرب تقول: شاعكم السِّلْمُ وأشاعكم
стр. 767
السَّلْمُ، ومَعْنَاهُ: تَبِعكُمْ السِّلْمُ.
قال الشاعر:
ألا يا نخْلة من ذَاتِ عرقٍ. . . بَرود الظل شايعَكِ الظلام
وتقول: آتيتك غداً أو شيَعَهُ أي أو اليومَ الذي يتبعه، فمعنى الشيعة
الذين يتبع بعضهم بعضاً، ومعنى الشيعُ الفرقُ التي كل فرقة منهم يتبع
بعضهم بعضاً وليس كلهم متفقين.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦٠)
القراءَة: (فلَهُ عَشْرُ أمْثَالِهَا)، والمعنى فله عَشْرُ حَسَنات أمثالها وكما يجوز
عندي خمسة أثواباً، ويجوز فله عَشْرُ مِثْلِها في غير القراءَة فيكون المثل في
لفظ الواحد وفي معنى الجميع، كما قال:، (إنكم إذاً مِثْلُهمْ).
ومن قال أمثالها فهو كقوله: (ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ)
وإنما جاءَ على المثل التوحيدُ.
وَأنْ يكون في معنى الجميع، لأنه على قدر ما يشبه به، تقول مررت بقوم
مِثلكم، وبقوم أمثالكم.
стр. 768
فأما معنى الآية فإنه من غامض المعاني التي عند أهل اللغة لأن
المجازاة على الحسنة من اللَّه جلَّ ثناؤُه بدخول الجنة شيء لا يُبْلَغُ وصفُ
مِقْدارِه، فإذا قال: عَشْرُ امثَالها.
أو قال: (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ).
مع قوله: (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً)، فمعنى هذا كله أن جزاءَ اللَّه جلَّ ثناؤُه على الحسنات على التضعيف للمثل الواحد الذي هو النهاية في التقدير في النفوس، ويضاعف
الله ذلك بما بين عشرة أضعاف إلى سبعمائة ضعف إِلى أضعاف كثيرة.
وأجمع المفسرون على قوله: (وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا)
لأن السيئة ههنا الشرك باللَّهِ.
وقالوا: (من جاءَ بالحسنة) هي قول لا إله إلا اللَّه، وأصل الحسنات
التوحيد، وأسوأ السيئات الكفر باللَّه جلَّ وعزَّ.
* * *
(قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١)
والصراط الدين الذي دلني على الذين الذي هو دين الحق، ثم فسر
ذلك فقال: (دِينًا قِيَمًا).
والقيم هو المستقيم، وقرئت (ديناً قَيِّمًا) وقِيِّم مصدر كالصغر والكبر، إلا
أنه لم يقل " قِوَمٌ " مثل قوله: (لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا) لأن قولك قام قيماً
стр. 769
كأنه على قَوُمَ أو قَوِمَ، فلما اعتل فصار قام اعتل قِيَم، فأما حِوَل فهو على أنه جار على غير فعل.
وأما نصب (دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا).
فمحمول على المعنى، لأنه لما قال: هَدَاني إلى صراطٍ مستقيم، دل على عَرفَنِي ديناً قِيماً.
ويجوز أن يكون على البدل من معنى هدَاني إلى صراط مستقيم.
المعنى هداني صراطاً مستقيماً، دِيناً قِيماً، كما قال - جلَّ وعزَّ -:
(وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا).
و (مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ) بدل من (دِينًا قِيَمًا)
و (حنيفاً) مصوب على الحال من إبراهيم، المعنى هداني وعرفني ملة إبراهيم في حال حنيفيته، وهو ههنا لإبراهيم حسَن منه لغيره.
(وَمَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ).
وقد فسرنا معنى الحنيفية وأنها الميل إلى الإسلام ميلاً لا رجوع معه.
* * *
وقوله (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢)
قالوا: النسك الذبْحُ، والنسكُ مَا يُتَقربُ به إلى اللَّه جلَّ وعزَّ.
(وَمَحْيَايَ وَمَمَاتي).
الياء ياء الإضافة، فتحت لأن أصلَها الفتح، ويجوز إسكانها إذا كان ما
قبلها متحركاً.
يجوز (مَمَاتي) وِإن شئتَ قرأت " مَمَاتِيَ لله " بفتح الياء.
وإنْ شئْتَ أسْكنْتَ فأما يَاءُ محيايَ فلا بُدَّ من فتحها لأن قبلها ساكن.
ومعنى الآية أنه يخبر بأنه إنما يتقرب بالصلاة وسائر المناسك إلى اللَّه
جلَّ وعزَّ لا إلى غيره، كما كان المشركونَ يذبحون لأصنامهم.
فأعلم أنه اللَّهُ وحده بقوله: (لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)
* * *
وقوله: (قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (١٦٤)
أي هو ابتدع الأشياءَ كلها لا يقدر أحد على ابتداع شيءٍ منها.
стр. 770
وقوله: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى).
أي لا تؤخذ نفس آثمة بإثم أخرى، لا يؤخذ أحدٌ بذنب غيْره.
* * *
وقوله:) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٥)
قيل خلائف الأرض أُمَّة محمد ﷺ لأن النبي ﷺ خاتم النبيين فأُمَّتُه قد خلفت سائر الأمم.
وقال بعضهم: خلائف الأرض يخلف بعضكم بعضاً.
(وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ).
فدلَّ بهذا أنه فضَّل بعضَ الناس ليختبرهم فيما رزقهم وهو جل ثناؤُه
عالم بما يكون منهم قبل ذلك، إلا أنه اختبرهم ليظهر منهم ما يكون عليه
الثواب والعقاب.
وقوله: (إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ).
إن قال قائل: كيف قيل سريع العقاب. وعقابَه إنما يكون في القيامة.
وإن كان بعضُه قد وقع في الدنيا؟
فإنما ذلك لأن أمرَ الساعة سريع، لأن كل ما زال وإن تَطَاوَلَ فهو بمنزله ما لم يُحَسَّ سُرْعَة، وكذلك قوله جل ثناؤُه:
(وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ)
وكذلك قوله جلَّ وعزَّ: (إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (٧).
стр. 771
سورة الأعراف
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله : (المص (١)
قد فسرنا هذه الحروف في أول سورة البقرة، إلا أنا أعدنا ههنا شيئاً من
تفسيرها لشي في إعرابها، والذي اخترنا في تفسيرها. قولُ ابن عباسٍ أن
(المص) معناه أنا اللَّه أعلم وَأفصِّلُ
وقال بعض النحويين موضع هذه الحروف رفع بما بعدها، قال: (المص كتاب)، كتاب مرتفع بالمص، وكأن معناه المص
حروف كِتَابٍ أنزل إِليك، وهذا لو كان كما وصف لكان بعد هذه الحروف أبداً ذكر الكتاب؛ فقوله: (الم اللَّهُ لَا إِلهَ إلا هُوَ) يدل على أن (الم) لا مرافع
لها على قوله، وكذلك: (يَس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ)، وكذلك: (حَم عسق
كَذَلِكَ يُوحَى إليْك)، وقوله: (حم والكتاب المبين إنا أنزلناه).
فهذه الأشياءُ تدل على أن الأمر علي غير ما ذكر، ولو كان كذلك أيضاً
لما كان (الم) مكرراً، ولا (حم) مكرراً.
стр. 772
وقد أجمع النحويون على أن قوله (كتابٌ أنْزِلَ إِليك) مرفوع
بغير هذه الحروف، المعنى هذا كتاب أنزلَ إِليك، وهو مُجْمِع مَعَهُم على أن
ما قَالُوه جائز فيجب اتباعُهم من قولهِ وَقَوْلهِمْ، ويجب على قائل هذا القول
التثبيت على مخالفتهم، ولو كان كما يصف لكان مُضمِراً اسمين فكان
المعنى (الم) بعض حروف كتاب أنزل إليك، فيكون قد أضمر المضاف وما
أضيف إِليه، وهذا ليس بجائز.
فإن قال قائل قد يقول ألف. با. تا. ثا. ثمانية وعشرون حرفاً، وإنما
ذكرت أرَبعة فمن أين جاز ذلك، قيل قد صار اسم هذه ألف. با. تا. ثا، كما أنك تقول: الْحَمْدُ سَبْعُ آياتٍ فالحمد اسم لجملة السورة، وليس اسم الكتاب الم، ولا اسم القرآن " طسم). وهذا فرق بَيْن.
وهذه الحروف كما وصفناحروف هجاء مَبْنِية على الوقف، وهي في
موضع جُمَلٍ، والجملة إِذا كانت ابتداءً وخبَراً فقط لا موضع لها. فإِذا كان
معنى كهيعص، معنى الكاف كافٍ، ومعنى الهاء هادٍ، ومعنى اليَاء والْعَيْن مِن
عَلِيم ومعنى الصاد من صَذوقٍ، وكان معنى " الم " أنا أعْلَمَ، فإِنما موضعها
كموضع الشيء الذي هُوَ تأويل لَهَا. ولا موضع في الِإعراب لقولك: أنا
اللَّه أعلم، ولا لقولك؛ هو هاد، وهو كاف، إِنما يرتفع بعض هذا ببعض.
والجملة لا موضع لها.
стр. 773
وقوله: (كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢)
فمعنى الحرج الضيق. وفيه وجهان، أحدهما أن يكون لاَ يَضِق صدْرُكَ
بالإبلاغ ولا تخافن، لأنه يروى عن النبي ﷺ أنَّه قال: رب إِني أخاف أن يثلغوا رأسي فيجعلوه كالخبزةِ، فأعلم الله أنَّه في أمان منهم، فقال: (وَاللَّهُ يَعصِمُك مِنَ النَّاسِ)، وقال: (فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ).
أي فلا - يَضِيقَنَ صَدْرُكَ من تَأدِيَةِ مَا أرْسِلْتَ بِهِ.
وقيل أيضا: فلا تَشُكَن فيه.
وكلا التفسيرين له وجه، فَأما تأويل فلا تَشُكَنَّ، وتأويل (فَلَا تَكونَنََّ مِنَ
المُمْتِرِين)، وتأويل: (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ) فإِن ما خوطب به ﷺ فهو خطاب لأمتِهِ، فكأنه بمنزله " فلا تشكوا ولا ترتابوا ".
وقوله: (لِتنْذِرَ بهِ).
معناه التقديم، والمعنى واللَّه أعلم - كتاب أنزل إِليك لتنذر به وذكرى
للمؤمنين، فلا يكن في صدرك حرج منه.
(وَذِكرَى) يصلح أن يكون في موضع رفع ونصب وَجَرٍّ فأمَّا النصب فعلى
قولك: أنْزِلَ لِتنْذِرَ به وذكرى للمؤمنين، أي ولتذكر به ذكرى، لأن في الإِنذارِ مَعنى التذكير.
стр. 774
ويجوز أن يكون وَهُوَ ذكرى للمؤمنين كقولك وهو ذكر للمؤمنين.
فأما الجر فعلى معنى لِتُنْذِرَ، لأن معنى " لِتنْذِرَ " لأن تُنْذِرَ فهو في موضع
جر. المعنى للإنذار والذكرَى. فأما ذِكْرَى فمصدر فيه ألف التأنيث، بمنزلة
دعوت دعوى، وبمنزلة رَجَعْتُهُ رُجْعَى. واتقَيْتُ تقوى، إلا أنه اسم في موضع
المصدر.
* * *
وقوله: (اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٣)
أي اتبِعُوا القرآن، وَمَا أتِيَ به عن النبي ﷺ لأنه مما أنزل عليه لقوله جلَّ وعزَّ: (وَمَا آتَاكُمُ الرسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا).
(وَلَا تَتبِعُوا مِنْ دُونهِ أوْليَاءَ).
أي لَا تَتَوَلَّوْا مَنْ عَدَلَ عن دين الحق، ومن ارتضى مذهباً من المذاهب.
فالمؤْمن وليُّ المْؤمِن.
(وَالْمُومِنُونَ وَالْمُومِنَاتُ بَعْضُهُمْ أوْليَاءُ بَعْض).
* * *
وقوله : (قَلِيلًا مَا تَذَكرُونَ).
ما زائدة مُؤَكِدَة، المعنى قليلًا تذكرون، وفي تذكرون وجهان في
القراءَة: قَلِيلًا مَا تَذَّكرون - بالتشديد - في الذال، والمعنى: قليلاً ما تتذكرون، إلا أن التاءَ تدغمُ في الذال لقرب مكان هذه من مكان هذه.
ومن قرأ (تَذَكَّرُونَ) فالأصل - أيضاً - تتذكرون، إلَّا أنَّه حذف إِحدى
التاءَين، وهي التاءُ الثانية لأنهما زائدتان، إِلا أن الأولى تدل على معنى
الاستقبال فلا يجوز حذفها، والثانية إنما دَخَلَتْ على معنى فعلت الشيءَ عَلَى
تمهُّل، نحو تَفَهَّمْتُ وَتَعَلَّمْتُ، أي أحدثت الشيءَ على مَهَلٍ، وتدخل على
стр. 775
معنى إظهار الشيءِ والحقيقة غيره، كافولك تقيَّسْتُ أي أظهرت أني قَيْسِيٌّ.
فإنما المحذوف من تتفعلون الثانية، لأن الباقي في الكلمة من تشديد
العين من تفعل يدل على معنى الكلمةِ، ولو حذفت تاء " استقبال " لبطل معنى الاستقبال.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ (٤)
المعنى وكم من أهل قرية أهلكناهم، إلا أن أهل حذف لأن في الكلام
دليلًا عليه.
وقوله: (فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا).
محمول على لفظ القرية، ولو قيل فجاءَهم لكان صواباً.
وقوله: (أَوْ هُمْ قَائِلُونَ).
قال بعض النحويين: المعنى وهم قائلون، والواو فيما ذكر محذوفة
وهذا لا يحتاج إلى ضمير الواو، ولو قلت: جاءَني زيد راجلًا أو وهو فارس.
أوجاءَني زيد هو فارس لم تحتج إلى واو، لأن الذكر قد عاد إلى الأول.
ومعنى (بَيَاتًا): ليلًا، يقال بات بياتاً حسناً، وبيتةً حسنَة، والمصدر في
الِإصابات بيتاً. والبيت بيت الشعر وكذلك بيت المدَرِ، وإنما أصل تسميته من أنه يصلح للمبيت، ويقال لفلان بيتة وليلة وَبَيْتُ ليلة، أي ما يكفيه من القوت في ليلة.
ومعنى (أوْ هُمْ قائِلُونَ).
أي أو جاءَهم بأسنا نهاراً في وقت القائلة، يقال قِلتُ من القائلة،
следующие страницы →