← Тафсир

Тафсир · id 922

معاني القرآن وإعرابه للزجاج

الزجاج

Полный текст (2 149 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

سورة الأعراف بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله : (المص (١) قد فسرنا هذه الحروف في أول سورة البقرة، إلا أنا أعدنا ههنا شيئاً من تفسيرها لشي في إعرابها، والذي اخترنا في تفسيرها. قولُ ابن عباسٍ أن (المص) معناه أنا اللَّه أعلم وَأفصِّلُ وقال بعض النحويين موضع هذه الحروف رفع بما بعدها، قال: (المص كتاب)، كتاب مرتفع بالمص، وكأن معناه المص حروف كِتَابٍ أنزل إِليك، وهذا لو كان كما وصف لكان بعد هذه الحروف أبداً ذكر الكتاب؛ فقوله: (الم اللَّهُ لَا إِلهَ إلا هُوَ) يدل على أن (الم) لا مرافع لها على قوله، وكذلك: (يَس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ)، وكذلك: (حَم عسق كَذَلِكَ يُوحَى إليْك)، وقوله: (حم والكتاب المبين إنا أنزلناه). فهذه الأشياءُ تدل على أن الأمر علي غير ما ذكر، ولو كان كذلك أيضاً لما كان (الم) مكرراً، ولا (حم) مكرراً.

стр. 772

وقد أجمع النحويون على أن قوله (كتابٌ أنْزِلَ إِليك) مرفوع بغير هذه الحروف، المعنى هذا كتاب أنزلَ إِليك، وهو مُجْمِع مَعَهُم على أن ما قَالُوه جائز فيجب اتباعُهم من قولهِ وَقَوْلهِمْ، ويجب على قائل هذا القول التثبيت على مخالفتهم، ولو كان كما يصف لكان مُضمِراً اسمين فكان المعنى (الم) بعض حروف كتاب أنزل إليك، فيكون قد أضمر المضاف وما أضيف إِليه، وهذا ليس بجائز. فإن قال قائل قد يقول ألف. با. تا. ثا. ثمانية وعشرون حرفاً، وإنما ذكرت أرَبعة فمن أين جاز ذلك، قيل قد صار اسم هذه ألف. با. تا. ثا، كما أنك تقول: الْحَمْدُ سَبْعُ آياتٍ فالحمد اسم لجملة السورة، وليس اسم الكتاب الم، ولا اسم القرآن " طسم). وهذا فرق بَيْن. وهذه الحروف كما وصفناحروف هجاء مَبْنِية على الوقف، وهي في موضع جُمَلٍ، والجملة إِذا كانت ابتداءً وخبَراً فقط لا موضع لها. فإِذا كان معنى كهيعص، معنى الكاف كافٍ، ومعنى الهاء هادٍ، ومعنى اليَاء والْعَيْن مِن عَلِيم ومعنى الصاد من صَذوقٍ، وكان معنى " الم " أنا أعْلَمَ، فإِنما موضعها كموضع الشيء الذي هُوَ تأويل لَهَا. ولا موضع في الِإعراب لقولك: أنا اللَّه أعلم، ولا لقولك؛ هو هاد، وهو كاف، إِنما يرتفع بعض هذا ببعض. والجملة لا موضع لها.

стр. 773

وقوله: (كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢) فمعنى الحرج الضيق. وفيه وجهان، أحدهما أن يكون لاَ يَضِق صدْرُكَ بالإبلاغ ولا تخافن، لأنه يروى عن النبي ﷺ أنَّه قال: رب إِني أخاف أن يثلغوا رأسي فيجعلوه كالخبزةِ، فأعلم الله أنَّه في أمان منهم، فقال: (وَاللَّهُ يَعصِمُك مِنَ النَّاسِ)، وقال: (فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ). أي فلا - يَضِيقَنَ صَدْرُكَ من تَأدِيَةِ مَا أرْسِلْتَ بِهِ. وقيل أيضا: فلا تَشُكَن فيه. وكلا التفسيرين له وجه، فَأما تأويل فلا تَشُكَنَّ، وتأويل (فَلَا تَكونَنََّ مِنَ المُمْتِرِين)، وتأويل: (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ) فإِن ما خوطب به ﷺ فهو خطاب لأمتِهِ، فكأنه بمنزله " فلا تشكوا ولا ترتابوا ". وقوله: (لِتنْذِرَ بهِ). معناه التقديم، والمعنى واللَّه أعلم - كتاب أنزل إِليك لتنذر به وذكرى للمؤمنين، فلا يكن في صدرك حرج منه. (وَذِكرَى) يصلح أن يكون في موضع رفع ونصب وَجَرٍّ فأمَّا النصب فعلى قولك: أنْزِلَ لِتنْذِرَ به وذكرى للمؤمنين، أي ولتذكر به ذكرى، لأن في الإِنذارِ مَعنى التذكير.

стр. 774

ويجوز أن يكون وَهُوَ ذكرى للمؤمنين كقولك وهو ذكر للمؤمنين. فأما الجر فعلى معنى لِتُنْذِرَ، لأن معنى " لِتنْذِرَ " لأن تُنْذِرَ فهو في موضع جر. المعنى للإنذار والذكرَى. فأما ذِكْرَى فمصدر فيه ألف التأنيث، بمنزلة دعوت دعوى، وبمنزلة رَجَعْتُهُ رُجْعَى. واتقَيْتُ تقوى، إلا أنه اسم في موضع المصدر. * * * وقوله: (اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٣) أي اتبِعُوا القرآن، وَمَا أتِيَ به عن النبي ﷺ لأنه مما أنزل عليه لقوله جلَّ وعزَّ: (وَمَا آتَاكُمُ الرسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا). (وَلَا تَتبِعُوا مِنْ دُونهِ أوْليَاءَ). أي لَا تَتَوَلَّوْا مَنْ عَدَلَ عن دين الحق، ومن ارتضى مذهباً من المذاهب. فالمؤْمن وليُّ المْؤمِن. (وَالْمُومِنُونَ وَالْمُومِنَاتُ بَعْضُهُمْ أوْليَاءُ بَعْض). * * * وقوله : (قَلِيلًا مَا تَذَكرُونَ). ما زائدة مُؤَكِدَة، المعنى قليلًا تذكرون، وفي تذكرون وجهان في القراءَة: قَلِيلًا مَا تَذَّكرون - بالتشديد - في الذال، والمعنى: قليلاً ما تتذكرون، إلا أن التاءَ تدغمُ في الذال لقرب مكان هذه من مكان هذه. ومن قرأ (تَذَكَّرُونَ) فالأصل - أيضاً - تتذكرون، إلَّا أنَّه حذف إِحدى التاءَين، وهي التاءُ الثانية لأنهما زائدتان، إِلا أن الأولى تدل على معنى الاستقبال فلا يجوز حذفها، والثانية إنما دَخَلَتْ على معنى فعلت الشيءَ عَلَى تمهُّل، نحو تَفَهَّمْتُ وَتَعَلَّمْتُ، أي أحدثت الشيءَ على مَهَلٍ، وتدخل على

стр. 775

معنى إظهار الشيءِ والحقيقة غيره، كافولك تقيَّسْتُ أي أظهرت أني قَيْسِيٌّ. فإنما المحذوف من تتفعلون الثانية، لأن الباقي في الكلمة من تشديد العين من تفعل يدل على معنى الكلمةِ، ولو حذفت تاء " استقبال " لبطل معنى الاستقبال. * * * وقوله جلَّ وعزَّ: (وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ (٤) المعنى وكم من أهل قرية أهلكناهم، إلا أن أهل حذف لأن في الكلام دليلًا عليه. وقوله: (فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا). محمول على لفظ القرية، ولو قيل فجاءَهم لكان صواباً. وقوله: (أَوْ هُمْ قَائِلُونَ). قال بعض النحويين: المعنى وهم قائلون، والواو فيما ذكر محذوفة وهذا لا يحتاج إلى ضمير الواو، ولو قلت: جاءَني زيد راجلًا أو وهو فارس. أوجاءَني زيد هو فارس لم تحتج إلى واو، لأن الذكر قد عاد إلى الأول. ومعنى (بَيَاتًا): ليلًا، يقال بات بياتاً حسناً، وبيتةً حسنَة، والمصدر في الِإصابات بيتاً. والبيت بيت الشعر وكذلك بيت المدَرِ، وإنما أصل تسميته من أنه يصلح للمبيت، ويقال لفلان بيتة وليلة وَبَيْتُ ليلة، أي ما يكفيه من القوت في ليلة. ومعنى (أوْ هُمْ قائِلُونَ). أي أو جاءَهم بأسنا نهاراً في وقت القائلة، يقال قِلتُ من القائلة،

стр. 776

فالمعنى إِنهم جاءَهم بأسنا غفلة، وهم غير متوقعين له، إِما ليلاً وهم نائمون. أو نهاراً وهم قائلون كأنهم غافِلون. وأو ههنا دخلت على جهة تصرف الشيءِ ووقوعِه، إما مرة كذا، وإِما مرةً كذَا، فهي في الخبر ههنا بمنزلة أو في الإباحة، تقول جالس زيداً أو عمراً، أي كل واحدٍ منهما أهلٌ أن يُجَالِسَ، وَاو ههنا أحسن من الواو، لأن الواو تتضمن اجتماع الشيئين، لو قلت: ضربت القوم قياماً وقعوداً، لأوجَبَتِ الواو أنك ضريتهم وهم على هاتين الحالتين، وَإِذَا قلتَ: ضربتهم قياماً أو ضربتهم قعوداً، ْ ولم تكن شاكًا، فإِنما المعنى أنك ضربتهم مرة على هذه الحال، ومرة على هذه الحال. وموضع " كم " رفع بالابتداء وخبرها أهلكناها، وهو أحسن من أن تكون في موضع نصب، لأن قولك زيد ضربْتُه أجوَدُ من زيداً ضربتُه. - والنصب جَيد عربي أيضاً مثله قوله جلَّ وعزَّ: (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ). * * * وقوله: (فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٥) المعنى - واللَّه أعلم - أنهم لم يحصلوا مما كانوا ينتحلونه من المذهب والذين ويدعونه إِلاَّ عَلَى اعتراف بأنهم كانوا ظالمين، والدعوى اسم لما يَدَّعِيه، والدعوى يصلح أنْ تكونَ في معنى الدعَاءِ لو قلت: اللهم أشركنا في صالح دعاءِ المسلمين ودعوى المسلمين جاز، حكى سيبويه ذلك وأنشد:

стр. 777

وَلَّت ودَعْواهَا كثير صَخَبُه وموضع " أن " الأحسن أن يكون رفعاً، وأن تكون الدعوى في موضع نصب، كما قال جل ثناؤُه: (مَا كانَ حجتهم إلا أنْ قَالوا) ويجوز أن يكون في موضع نصب، ويكون الدعوى في موضع رفع إِلا أن الدعوى إذا كانت في موضع رفع فالأكثر في اللفظ " فما كانَتْ دَعْوَاهمْ " كذا وكذا. " إِلا أن " لأنَّ الدعوى مَؤنثة. في اللفظ، ويجوز كان دعواه باطلًا وباطلة. * * * وقوله : (وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨) اختلف الناس في ذكر الميزان في القيامة، وجاءَ في بعض التفسير أنه ميزان له كِفَّتَان، وأن الميزانَ أنْزلَ إِلى الدنيا ليتعامل الناس بالعدل وتوزن به الأعمال، وقال بعضهم: الميزانُ العدلُ، وذهب إِلى قولك هذا في وزن هذا، وإن لم يكن مما يوزنُ، وتأويله أنه قد قام في النفس مساوياً لغيره كما يقوم الوزن في مِرآةِ العَيْنِ. وقال بعضهم: الميزانُ الكتابُ الذي فيه أعمال الخلق، وهذا كله في باب اللغة - والاحتجاج سائغ، إِلا أن الأوْلَى مِنْ هذا أن يُتبَعَ مَا جَاءَ بالأسانيد الصحاح. فإن جاءَ في الخبر أنه ميزان له كِفَّتَان، من حيث يَنقُلُ أهلُ الثقة، فينبغي أن يُقْبَلَ ذَلِكَ. وقد روي عن جرير عن الضحاك أن الميزانَ الْعدْلُ، والله أعلم بحقيقة ذلك، إلا أن جملة أعمال الْعِبَادِ مَوْزُونَةٌ على غاية العَدْل والحَق. وهو قوله: (فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).

стр. 778

وقد فسرنا المفلح فيما تقدم. وقوله: (وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (١٠) معنى التمكين في الأرض التمليك والقدرة. ومعنى المعايش يحتمل أن يكون ما يعيشون به، ويمكن أن يكونَ الوصلةَ إلى ما يعيشون به. وأكثر القراءِ على ترك الهمْزِ فِي معايش، وقد رَوَوْهَا عَن نَافِع مَهْمُوزَةً. وجميعُ النحويين البصريين يزعمون أن همزها خطأ، وذكروا أن الهمز إنما يكون في هذه الياء إذَا كانت زائدة نحو صحيفة وصحائف، فأما مَعَايش فمن الْعَيْش، الياء أصلية وصحيفة من الصحُف لأن الياء زائدة، وإنما همزت لأنهُ لَا حَظَّ لها في الحركة، وقد قَرُبَتْ من آخر الكلمة وَلَزمَتْهَا الْحَرَكَةُ فَأوْجَبُوا فيها الهمزَ، وإذا جَمَعْتَ مَقَاماً قلت مَقَاوِمَ. وأنشد النحويون: وإني لقوام مقاوم لم يكن. . . جرير ولا مولى جرير يقومها وقد أجمع النحويون على أن حكوا مصائِب في جمع مصيبة، بالهمز. وأجمعوا أن الاختيار مصاوب. وهذه عندهم من الشاذ، أعني مصايب. وهذا عندي إنما هو بدل من الواو المكسورة، كما قالوا في وسادة: إسادة، إلا أن هذا البدل في المكسورة يقع أولاً كما يقع في المضمومة، نحو (أُقِّتَتْ) وإنما هو من الوقت والمضمومة تبدل في غير أول نحو ادؤُر، يقولون ادؤُ فحملوا المكسورة على ذلك.

стр. 779

ولا أعلم احداً فَسَّرَ ذَلِكَ غيري، وهو أحسن من أن يجعل الشيءُ خطأ إذ نطقت به العرب وكان له وجه من القياس، إلا أنه من جنس البدل الذي إنما يتبع فيه السماع، ولا يجعل قياساً مستمراً. فأما ما رواه نافع من معائش بالهمز فلا أعرف له وجهاً، إلا أن لفظَ هذه الياءِ التي من نفس الكلمة أسْكِنَ في معيشة فصار على لفظ صحيفة، فحمل الجمع على ذلك، ولا أحب القراءَة بالهمز إذ كَانَ أكْثرُ النَّاسِ إنَّمَا يَقْرأونَ بترك الهمز، ولو كان مما يهمزُ لجاز تحقيقه وترك همزه، فكيف وهو مما لا أصل له في الهمز؛ وهو كتاب اللَّه الذي ينبغي أن يقال فيه إلى ما عليه الأكثر لأن القراءَة سنة فالأوْلى فيها الاتباع، والأولى اتباع الأكثر. وزعم الأخفش أن مصائب إنما وقعت الهمزة فيها بدلاً من الواو أُعلَّت في مصيبة، - وهذا ردِيءِ. لا يلزم أن أقول في مقام مقائِم ولفي معونة معائن. * * * وقوله جلَّ وعزَّ: " (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (١١) زعم الأخفش أن (ثم) ههنا في معنى الواو، وهذا خطأ لا يجيزه الخليل وسيبويه وجميع من يوثق بعربيته، إنما ثم للشيءِ الذي يكون بعد المذكور قبله لا غير، وإنما المعنى في هذا الخطاب ذكر ابتداءُ خلق آدم أولًا، فإِنما المعنى إِنا بدأنا خلق آدم ثم صورناه، فابتداء خلق آدم التراب، الدليل على ذلك قوله (إن مثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَل آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَاب). فبدأ اللَّه خلق آدم تراباً، وبدأ خلق حواءَ من ضلع من أضلاعه، ثم

стр. 780

وقعت الصورة بعد ذلك، فهذا معنى (خلقناكم ثم صورناكم). أي هذا أصل خلقكم. ثم خلق الله نطفاً ثم صُوِّرُوا. فثمَّ إِنما هي لما بعدُ. * * * وقوله جلَّ وعزَّ: (ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ). أي بعد الفراغ من خَلْق آدمَ أمِرَتِ الملائكَةَ بالسجود. وقوله: (إِلَّا إِبْلِيسَ لمْ يَكنْ مِنَ السَّاجدِين). استثناء ليس من الأول، ولكنه ممن أمِرَ بالسجود. الدليل على ذلك قوله. (مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ). فدل بقوله: (إِذْ أَمَرْتُكَ) أنَّ إبْلِيسَ أمِرَ بالسجود مع الملائكة، ومعنى (مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ) إلْغَاءُ " لا " وهي مَؤكدة، المعنى: ما منعك أن تسجد فمسألته عن هذا واللَّه قد علم ما منعه، توبيخ له وَلْيُظْهِرَ أنه معاند، وأنه ركب المعصية خلَافاً للَّهِ، وكل من خالف اللَّه في أمره فلم يَرَهُ وَاجِباً عليه كافر بإجماع، لو ترك تارك صلاةً قال إنها لا تجب كان كافراً بإِجماع الأمة. فأعلم اللَّه جل ثناؤُه أن معصية إبليس معصية معانَدَة وكفر، وقد أعلم الله أنه من الكافرين فقال: (إلا إبْلِيسَ أبَى واسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكَافِرِينَ). فَالْفَصْلُ بين معصية إبليس ومعصيةِ آدمَ وحَوَّاءَ أنَّ إبليس عاند وأقام ولم يتب، وأن آدم وحواءَ اعترفا بالذنب وقالا: (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).

стр. 781

ومثل " أَلَّا " في قوله: (أَلَّا تَسْجُدَ) قوله: (لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ) أي: لأن يعلم أهل الكتاب، وقول الشاعر: ابى جودُه لاَ البخل واستعجلت به. . . نعم من فتى لا يمنع الجوعَ قاتله قالوا معناه أبى جودُه البخلَ. وقال أبو عمرو بنُ العلاءِ: الروَايَةُ أبى جوده البخل. واستعجلت به " نَعَمْ "، والذي قاله أبو عمرو حسن، المعنى أبى جوده " لا " التي تُبخل الإِنسان، كأنَّه إِذا قيل: لا تسرف ولا تبذر مالك أبى جودُه " لا " هذه، واِستعجلت به " نعم "، فقال: نعم أفعل ولا أترك الجودَ. وهذان القولان في البيت هما قولا العلماء، وأرى فيه وجهاً آخر وهو عندي حسن. أرى أن تكون " لا " غير لغو، وأن يكون البخل منصوباً بدلاً من " لا ". المعنى أبى جوده البُخْلَ واستعجلت به " نعم ". وموضع " ما " في قوله: (مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ) رفع، المعنى أي شيء منعك في السجود، فلم يقل منعني كذا وكذا فأتى بالشيء في معنى الجواب. ولفظه غير جواب، لأن قوله: (أنَا خَيرٌ مِنْهُ) في معنى منعني من السجود فَضلى عَلَيْه. ومثل هذا في الجواب أن يَقول الرجل كيف كنت، فَيَقولُ: أنا صالح، وإنما الجواب كنت صحالحاً، ولكن المعنى إنَّه قد أجابه بما احتاج إليه وزاده أنه في حال مسألته إياه صالح فقال اللَّه :

стр. 782

(قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (١٣) لأنه قد استكبر بهذا الجواب فأعلمه اللَّه أنه صاغر بهذا الفِعْل. * * * وقوله : (قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤) أي أخرنِي إلى يَومِ البَعْثِ، فلَم يُجَب إلى الإِنْظَارِ إلَى يَوْمِ البعث بعينه، وأُعْلمَ أنه منظور إلى يوم الوقْت المعلُومِ. * * * (قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) في قوله: (أغويتني) قولان. قال بعضهم: فبما أضْلَلْتَنِي وقال بعضهم: فبما دَعَوْتني إلى شيء غَوِيت به، أي غويتُ من أجْل آدم. (لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ). ولا اختلاف بين النحويين في أن " على " محذوفة، ومن ذلك قولك: ضرِبَ زيد الظهْر والبَطْنَ. * * * وقوله: (ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (١٧) معناه - واللَّه أعلم - ثم لآتينهمْ في الضلَال من جميع جهاتهم. وقيل من بين أيديهم أي لأضِلنَّهم في جميع ما يُتَوَقعُ. وقيل أيضاً: لأخوِّفنََّهم الفَقرَ. والحقيقةُ - واللَّه أعلم - أي أنْصَرِفُ لهم في الإضلال في جميع جهاتهم. * * * وقوله: (قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (١٨) - ْ معنى مَذْءُوم كمعنى مَذْمُوم، يُقَالُ: ذَأمْتُه أذْأمُه ذَأماً، إذَا رَعَبْتَه وَذَمَمْتَه. ومعنى (مَدْحُورًا) مُبْعَداً من رحمة اللَّه.

стр. 783

وقوله: (لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ). هذه اللام لام القسمِ تدخلُ توطئة للأمر. (لأملأنَّ). والكلام بمعنى الشرط والجزاء، كأنه قيل: من تبعك أعَذبُه، فدخلت اللام للمبالغة والتوكيد، ولام لأملأنَّ لام القسمِ ولام " من تبعك " توطئة لها ةيجوز في الكلام: واللَّه من جاءَكَ لأضْربنه، ولا يجوز ُ: واللَّه لَمَنْ جَاءَكَ أضربه، وأنت تريدُ لأضربنه، ولكن يجوز: واللَّهِ لمنْ جاءَك أضْربْهُ تريد لأضْربَنَّه. وقال بعضهم في قوله: (ثُمَّ لآتِيَنهُمْ مِنْ بَيْنِ أيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهمْ) أي لأغْوَينهُمْ فيما أمِرُوا به. وقوله: (وَعَن شَمَائِلِهمْ) أي: لأغوَينهم فيما نُهُوا عَنْه والذي أظنه - والله أعلم - على هذا المذهب: أني أغويهم حتى يُكَذِّبُوا بأمور الأمم السالِفةِ - بالبَعْث، كما ذكر في هذا. ومعنى: (وَعَنْ أيْمَانِهمْ وَعَنْ شمَائِلِهمْ). أي لأضلنهمُ فيما يَعْقلونَ، لأن الكسب يقال فيه: ذَلكَ بمَا كسبتْ يَدَاك، وإن كانت اليدان لم تجنيا شيئاً، إلا أنه يقال لكل ما عمله عامل كسَبَتْ يَدَاكَ، لأن اليَدَيْن الأصلُ في التصرف فجعلتا مثلًا لجميع مَا عُمِلَ بغيرهِمَا. قال اللَّه (ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ)، وقال: ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ).

стр. 784

وقال: (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ) ثم فَسَّر فقال: (مَا أغْنَى عَنْهُ مَالُهَ ومَا كَسَبَ). * * * وقوله: (وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٩) هذا الاختيارُ، أعنِي ذكر أنْتَ، تقول اذهب أنْتَ وزيد، ولو قلت: اذهب وزيد كان قبيحاً. وقد فسًرناهُ فيما سَلَف: وقوله: (وَلَ اتَقْرَبَا هَذِه الشَّجرَةَ). قال بعضهم: هي السنْبلَةُ، وقيل هي شَجرةُ الكَرْمِ. وقوله: (فَتكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ). الأجود أن يكون. " فتكونا " في موضع نصب على جوانب الأمر بالفاءِ. أي فإِنكما إن قربتماها كنتما من الظالمين. ويجوز أن يكونَ في موضع جزم عطفاً على قوله: وَلاَ تَقْرَبَا فَتكُونَا، أي فلا تكونا من الظالمين. * * * وقوله: (فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (٢٠) تدل واللَّه أعلم على مَعْنى قوله: (قال مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِه الشَّجرَةِ إِلَّا أنْ تَكُونَا مَلَكَيْن). ويجوز ُمَلِكين، لأن قوله: (هَلْ أدُلُّكَ عَلَى شَجرَة الخُلْدِ وَمُلْك لَا يَبْلَى) يدل على مَلِكَيْن وأحسبه قد قرئ به، فتدل - واللَّه أعلم - على أن القول إنَّما كان وسوسة من إبليس. والأجود أنْ يكون خطاباً، لقوله (وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (٢١)

стр. 785

أي فَحَلَفَ لَهما: (فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٢) أي دَلَاَهُمَا فِىِ المعصية بأن غرهما. (فَلَمَّا ذَاقَا الشَجرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا). أي ظهرت لهما فروجُهُمَا، وإنما السَّوْءَةُ كناية عن الفَرْجِ، إلا أن الأصلَ - في التسمية السَّوءَةُ. وقوله (وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ). مَعْنى طَفِقَا أخَذَا في الفِعْل، والأكثر طَفِقَ يَطْفَقُ. وقَدْ رُوَيتْ طَفَق يطفِقُ، بكسر الفاءِ. وقِيلَ: كان ورقُ الجنةِ ذلك ورقَ التين، ومعنى يَخْصفَانِ، يجعلانِ وَرَقَةً على ورَقَة، ومنه قيل للخَصَّافِ الذي يَرْقَع النَعْلَ: هو يخصِفُ. قال الشاعر: أو يخصف النعلَ لهْفِي أيَّةً صَنَعَا وًيجُوزُ يَخْصِفَانِ وَيخصِّفَان، والأصل الكسر في الخاءِ، وفتحها وتشديدُ الصَّادِ، وَيكون المعنى: يَخْتَصِفَانِ. وفي هذه الآية دليل على أن أمْرَ التكشُفِ وإظهَار السوءَة قبيح من لدُنْ

стр. 786

آدم. ألا ترى أنه ذكر عظم شَأنها في المعصِية فقال: (فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْءَاتِهِمَا). وأنهما بادَرَا يسْتَتِرَانِ لقُبْحِ التكَشف. وقوله: (وَوُرِيَ عَنْهُمَا). يجوز فيه أوُرىَ، لأنَّ الواوَ مَضْمومَة، إنْ شِئْتَ أبْدلتَ منها همزة، إلا أن القراءَة تُتبَعُ في ذلك. والقراءَةُ المشهورةُ وخط المصحف (ووُرِيَ) بالواو. ومعنى (إلا أنْ تكُونَا مَلَكَيْنِ) وقوله: (ذاقَا الشجرَةَ،). يدل على أنهما ذاقاها ذَوْقاً ولم يُبالِغَا في الأكْلِ. * * * وقوله: (يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٢٦) ويقرأ (ورياشاً) والريشُ اللباس. العرب تقول: أعْطَيْتُه بريشتهِ، أي بكسوته، والريش. كل ما سَتَر الرجُلَ في جِسْمِه ومعيشتِه، يقال: ترَيَّشَ فلان أي صار له مَا يَعيش بِه، أنشد سيبويه وغيرُه. فريشي منكمو وهواي معكم. . . وِإن كانت زيارتكم لماما (وَلِبَاسُ التَّقْوَى). برفع اللباس، فمن نصَبَ عطفَ به على الريش يكون المعنى: أنزلنا عليكم لباس التقوى، ويرْفَعُ خيراً بِذلِكَ. ومن رفع اللباس فَرَفْعُه على ضربين: أحدهما أن يكون مبتدأ ويكون ذلك من صفته، ويكون (خَيْر) خبرَ الابتداء. المعنى ولباسُ التقوى المشِارُ إليه خَيْر. ويجوز أن يكون. (وَلبَاسُ التقْوَى) مرفوعاً بإضمار " هو " المعنى هو

стр. 787

لباس التقوى: أي وستر العورة لبَاسُ المتقِينَ. ثم قال: (ذَلِكَ خَيْرٌ) ويكون على أن لباس التقوى مرفوعٌ بالابتداءِ، ويكون (ذلِكَ) خَيْرٌ يرتفع به " خَيْرٌ " على أنه خبر ذلك. ويكون ذلك بمنزلة " هو " كأنه - واللَّه أعلم - ولباس التقوى هو خير، لأن أسماءَ الإشارة تقرب فيما يعود من الذكر من المضمر. والوجهان الأوَّلاَنِ أبينُ في العربية. * * * وقوله: (يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٧) (حيثُ) في موضوع جر إلا أنها بُنِيَتْ على الضَّم، وأصلها أن تكون موقوفةً، لأنها ليست لمكانٍ بعينه وأن ما بعدها صلة لها، لَيْسَتْ بمضافة إليه. ": منَ العَربِ من يقول: ومن حَيْثَ خَرَجْتَ، فيفتح لالتقاءِ السَّاكنين، ومنهم من يقول مِن حوْثٌ خَرجتَ. ولا تقرأ بهاتين اللغتين لأنهما لم يقرأ بواحد منهما ولا هما في جودة حَيْثُ المبنيَّةِ على الضم. وقوله: (إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ). (جَعَلْنَا) في اللغة على ضُرُوب، منها جعلت بعض الشيءِ فوق بَعْض. أي عملته وهَيأته على هذه الصيغَة، ومنها جَعلَ - زيدٌ فُلاناً عاقِلًا، تأويله: سماه عَاقِلًا، ومنها جَعلَ يَقُولُ كذا وكذا، تأويله أنه أخذ في القول. فأما مَعْنَى الآيةَ فعلى ضربين - واللَّه أعلم -. أحدهما أن يكون الكفار عُوقبوا بأن سُلِّطَتْ عليهم الشيَاطين تزيدهم فِي غَيِّهم عقُوبةً على كُفْرِهِمْ كما قَالَ : (أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣).

стр. 788

أي تَحْمِلُهمْ على المعاصي حَمْلاً شَدِيداً، تَزعجهم في شدّةِ الغَى. ويجوز إِنَا جعَلْنَا الشَيَاطِينَ أوليَاءَ لفَذِينَ لَا مهلؤمِنُونَ، أيسوينا بين الشياطين والكافرين في الذهاب عن اللَّه. كما قال: (المنَافقون وائنَافِقَات بعْضُهُم منْ بَعْضٍ). * * * وقوله : (وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٢٨) معنى الفاحشة ما يشتد قبحه من الذنوب. (قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا). فأعلم اللَّه أنه لا يأمر بالفحشَاءِ لأن حكمتَه وجميعَ ما خلق تدل على أنه لاَ يفعلُ إلا المسْتَحسَنَ، فكيف يأمر بالفحشاءِ. وقد احتج عليهم في غير هذا الموضوع بما قد بينَّاه في سورة الأنعام. * * * وقوله: (قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) أي بالعَدْلِ، فكيف يأمُرُ بالفَحشاءِ من يعْلَم أنه لا يفعل إلا الحكمة. ولا يثبت إِلا العدلَ مِنْ أمْرِه، فإِذا كان يأمر بالعدل - والعدْل ما قام في النفوس أنه مستقيم لا ينكره مميز - فكيف بالفحشاءِ، والفحشاء ما عظم قبحه. ثم وبَّخَهُم فقال: (أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ). أي أتكْذِبونه. وقوله: (وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ). أي وَقْتَ كل صَلَاةٍ اقصدوه بصلاتكم.

стр. 789

(وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ). أي مخلصين له الطاعة. احتج عليهم في إِنكارهم البعث. وهو متصل بقوله: (فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ). فقال: (كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ). أي فليس بعثكم بأشد من ابتدائكم. * * * وقوله: (فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٠) معناه إِنه أضَل فَريقاً حَق عليهم الضلالة. ثم قال: (إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ). ولو قُرِئَتْ أنَّهم اتَخَذوا الشياطين لكانت تجوز، ولكن الِإجماع على الكَسْرِ. وقوله: (وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ). يدل على أن دوماً ينتحلون الِإسلامَ ويزعمونَ أن من كان كافراً، وهو لَا يعلم إنَّه كافر فليس بكافرٍ مُبْطِلُون لأمر نِحْلتِهمْ، لأن الله جل ثناؤُه قد أعلمنا أنهم يَحْسَبون أنهمْ مهتدون، ولا اختلاف بين أهل اللغة في أن الحُسْبَانَ ليس تأْويله غيرَ مَا يُعْلم من معنى حسب. والدليل على أن الله قد سماهم بظنهم كَفَرةً قوله : (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧). فأعلمَ أنهم بالظنِ كافِرونَ، وأنهم معذبون.

стр. 790

وقوله: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١) هذا أمرٌ بالاسْتِتَارِ في الصلوات، وكان أهلُ الجاهلية يطوفون عُراةً. وَيقُولون: لا نطوف حول البيتِ في ثياب قَدْ أذْنَبْنَا فِيهَا، وكانت المرأة تطوف عُرْيَانَة أيضاً إلا أنها كانت تشُدُّ في حَقْويها أشياءَ من سُيورٍ مقطعة، تُسَمِّي العرب ذلك الرهْط، قالت امرأة تطوف وعليها رهط: اليَوْمَ يَبْدو بعضُه أوكُلُّه. . . فما بدا منه فلا أُحِلُّه تعني الفرجَ، لأن السيورْ لا تستُر سَتْراً تَامًّا. فأمر الله بَعْدَ ذِكرِه عقوبةَ آدم وحواءَ في أن بَدَتْ لهما سوءَاتُهما. بالاستتار في وقت كل صلاة، بعد أن أعلم أن التعرِّيَ وظُهُورَ السوءَةِ مكروه من لدن آدم، وقوله بعقب الاستتار: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا). لأنهم ادَّعَوْا أنَّ اللَّه جلّ ثناؤُه قد حرم عليهم شيئاً مما في بطون الأنعام، وحرم عَلَيْهم البَحِيرَةَ والسائبة، وكانوا يزعُمونَ فيما يأتون من الفحشاءِ كالتعري وما أشبَهَهُ - أن الله جل ثناؤُه - أمرهم بذلك فأمرهم اللَّه بالاستتار، وأن يأكلوا - ما زعموا أن الله حرَّمَه مما لم يحرمه، وأن يشربوا مما

стр. 791

زعموا أن اللَّه - جلَّ وعزَّ - حرم عليهم شربه، لأن ألبان البحيرة والسائبة كانت عندهم حراماً. * * * وقوله: - جلَّ وعزَّ -: (وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ). والإسراف أن يَأكُلَ مَا لَا يَحِل أكْلُه مما حرمَ اللَّه تعالى أنْ يؤكَلَ شَيء منه، أو تأكَل مما أحل لك فوق القصد ومقدار الحاجة، فأعلم اللَّه أنه لا يحب من أسرف، ومن لم يحْبِبْهُ اللَّه فهو في النار ثم قَررَهم ووَبخهم فقال: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢) أي من حرم أن تلبسوا في طَوَافِكُمْ مَا يَسْتُركمْ. (وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ). أي ومن حرم الطيبات مما رزق اللَّه، أي من حرم هذه الأشياءَ التي ذكرتم أنها حرام. ثم قال : (قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِةِ). وتقرأ (خَالِصَةً) و (خَالِصَةٌ) يومَ القيامة. المعنى أنها حلال للمؤْمنين، وقد يَشْرَكُهمْ فيها الكافرون. أعلم أن الطَّيبَات تَخْلُصُ للمؤْمنين في الآخرة ولا يَشْرَكُهُمْ فيها كافر. فأما إِعراب " خَالصَةٌ " فهو أنهُ. خبر بعد خبر، كما تقول: زيد عاقِل لَبِيب. فالمعنى قل هي ثابتة للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصةٌ يومَ القيامة. ومن قرأ (خَالِصَةً) جعل خالصة منصوباً على الحال، على أن العامل في قولك في الحياة الدنيا في تأويل الحال. كأنك قلتَ: هي ثابتة للمؤمنين مستقرة في الحياة الدنيا خالصةً يوم القيامة.

стр. 792

وقوله: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣) (وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا) موضِع (أَنْ) نَصْب: المعنى حرم اللَّه الفواحش تَحريمَ الشَرك. ومَعْنى (لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا) أَي لم ينزل به حجةً. * * * وقوله (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٣٤) أي وَقْت مَؤقَت. (فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ). المعنى: ولا يستقدمون ساعة، ولا أقل من ساعة، ولكن ذكِرَتِ الساعة لأنها أقل أسماءِ الأوقات. * * * وقوله: (يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٥) آدم لا ينصرفُ لأنه على قدر أفعَل وهو معرفة، وهو مشتق من أدمَةِ الأرْض، وهو وجهها، فسمي بما خلق منه،، اللَّه أعلم. وقوله: (إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ). هذه " إِن " التي للجزاء، ضمَّتْ إِليها ما. والأصل في اللفظ " إِنْ ما " مفصولة، ولكنها مدغمة، وكتبتْ على الِإدغام، فإذا ضُمَّتْ إن إِلى ما، لزم الفِعْلَ النون الثقِيلة أو الخفيفة، وجواب الجزاءِ في الفاء أي" في قوله: (فمَن اتقى وأصْلَحَ). فإِنما تلزم " مَا " النونُ لأن ما تدخل مَؤكَدة فتلزمها النون كما تلزم اللامَ النُونُ في القَسمَ إِذا قلت: واللَّهِ لَتَفْعَلنَّ، فما توكيد، كما أن اللام توكيد. فلزمت النون كما لزمت لامَ القسم. * * * وقوله: (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (٣٧) أيُّ ظُلْمٍ أشنع من الكذب على الله؟؟!!! وقوله: ْ (أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ). أي ما أَخبر الثه جلَّ ثناؤُه عن جزائهم نحو قوله: (فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (١٤). ٣٣٤

стр. 793

ونحو قوله: (يَسْلُكْهُ عَذَاباً صُعًداً) ونحو قوله: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ). ونحو: (إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ)، فهذه أنصِبَتهُمْ من الكتاب على قدر ذُنوبهم في كفرهم. (حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا). زعم سيبويه - والخليل - أن " حَتَّى " و " إِمَّا " و " إِلَّا " لا تجوز فيهن الِإمالة. لا يجيز: (حتى إِذا جاءَتهم) ولا يجيز " أمَّا "، ولا " لا إِله إِلَّا اللَّهُ "، هذا لحن كله، وزعم أن هذه ألفات الفَتح لأنَّها أواخر حروف جاءَت لمعنًى، فَفُصِلَ بينها وبين أواخر الأسماءِ التي فيها الألف نحو حُبْلَى وهدى، إِلا أن حتى كُتبتْ بالياءِ، لأنها على أربعة أحرف، فأشبهت سكرى. و" إِمَّا " التِي للتخيير شبهت بأن التي ضمت إِليها " ما " مثل قوله: (إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا). كُتبَتْ بالألف لما وصفنا، و " إِلًا " أيضاً كُتَبتْ بالألف أنها لو كُتَبَتْ بالياءِ لأشبهت إلى. وقوله: (حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ). فيه - واللَّه أعلم - وَجْهان: يكون: حتى إذا جاءَتهم ملائكة الموت يتوفونهم سألوهم عند المعاينة. فيعرفون عند موتهم أنهم كانوا كافرين، لأنهم (قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا). أي بطلوا وذهبوا.

стр. 794

ويجوز - واللَّه أعلم - أن يكون: - حتى إذا جاءَتهم رسلنا ملائكة العذاب يتوفونهم، فيكون (يَتَوَفوْنَهُمْ) في هذا الموضع على ضربين: أحدهما يتوفونهم عذاباً، وهذا كما تقول: قد قتلت فلاناً بالعَذاب وإن لم يمت. ودليل هذا القول قوله : (وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ). وجائز وهو أضعف الوجهين أنهم يتوفون عدَّتهم واللَّه أعلم. * * * وقوله: (قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ (٣٨) (كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا). لأنهم ضل بعضهم باتباع بعض. (حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا). أي تداركوا، وأدغمت التاءُ في الدال، فإذا وقفت على قوله " حتى إذا " لم تبتدئ حتى تَأتيَ بألف الوصل، قتقول: ادَّارَكُوا فتأتي بألف الوصل لسكون الدال فيها. ومعنى تداركوا اجتمعوا. وقوله " (جميعاً) منصوب على الحال، المعنى حتى إِذا تداركوا فيها مجتمعين. (قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا). أي قالت أخراهم: دعتهم أولاهم فاتبع الآخِرُ - الأولَ. فأعلم التابعونَ أن المتبوعين أضَلُّوهُمْ بأن دَعَوْهم إلى الضلال، والمعنى قالت أخراهم يا ربنا هؤُلاءِ أضلونا، لأولاهم، تعني أولاهم. وقوله: (فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ).

стр. 795

أي عذاباً مُضاعَفاً لأن الضعف في كلام العرب على ضربين أحدهما المثل، والآخر أن يكون في معنى تضعيف الشيءِ. (قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ). أي للتابع والمتبوع لأنهم قد دخلوا في الكفر جميعاً، أي لكل عذاب مضاعف، فمن قرأ: (وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ) بالتاءِ. أي ولكن لا تعلمون أيها المخاطبون ما لكل فريق منكم من العذاب. ومن قرأ (وَلكِنْ لَا يَعْلَمُون) - بالياءِ، أي ولكن لا يعلم كل فريق مقدار عذَابِ الفريق الآخر. ويجوز - واللَّه أعلم - ولكن لا تعلمون يا أهل الدنيا مقدار ذلك. * * * وقوله : (إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (٤٠) أي كذبُوا بحججنا وأعلامِنَا التي تدل على نبوة الأنبياءِ وتوحيد اللَّه. (لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ). أي لا تَصْعَدُ أرواحهم ولا أعمالهم، لأن أعمال المؤْمنين وأرواحهم تصعد إِلى السماءِ، قال اللَّه : (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ). ويجوز لا تُفْتَح ولا تُفَتَّحُ بالتخفيف والتشديد، وبالياءِ والتاءِ. وقال بعضهم: لا تفتح لهم أبواب السماءِ، أي أبواب الجنة، لأن الجنة في السماءِ، والدليل على ذلك قوله: (وَلاَ يَدْخُلُونَ الجنَّةَ). فكأنه لا تفتح لهم أبواب الجنة ولا يدخلونها (حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ).

стр. 796

فالخياط الإبرة، وسمها ثقبها. المعنى لا يدخلون الجنة أبداً. وسئل ابن مسعود عن الجَمَلِ فقال هو زوج الناقة. كأنه استجهل من سأله عن الجمل. وقرأ بعضهم الجُمل، وفسَّروه فقالوا قَلسُ السفينة. * * * وقوله (وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ) أي ومثل ذلك الذي وصفنا نجزي المجرمين. والمجرمون - واللَّه أعلم - ههنا الكافرون، لأن الذي ذكر منْ قصتهم التكذيبُ بآيات اللَّه، والاستكبار عنها. * * * (لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٤١) أي فراش من نار. (وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ). أي غاشية فوق غاشية من النار. وقوله: (وَكَذلك نَجْزي الظَّالِمِينَ). والظالمون ههنا الكافرون. وقوله " غَوَاشٍ) زعم سيبويه والخليل جميعاً أن النون هنا عوض من الياء لأن غواشيَ لا تنصرف، والأصل فيها غَوَاشي، بإسكان الياءِ. فإذا ذهَبَت الضمةُ أدْخَلْت التنوين عوضاً منها، كذلك فسر أصحاب سيبويه، وكان سيبويه يذهب إلى أن التنوين عوَض من ذهاب حركة الياءِ، والياءُ سقطت لسكونها وسكون التنوين. فإذا وقفت فالاختيار أن تقف بغير ياءٍ، فتقول

стр. 797

غَوَاش، لتدل أن الياء كانت تحذف في الوَصْل. وبعض العرب إذا وقف قال غَوَاشي، بإثبات الياءِ. ولا أرى ذلك في القرآن لأن الياء محذوفة في المصحف، والكتاب على الوقف. * * * وقوله : (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٤٢) أي عملوا الصالحات بقدر طاقتهم، لأن معنى الوسع ما يقدر عليه. وقوله: (أُولَئِكَ أَصْحَابُ الجنَّة هُمْ فيها خَالدُونَ). أُولَئِكَ رفع بالابتداءِ، وأصحاب خبر، وهم والجملة خبر الذين، ويرجع على الذين أسماءِ الإشارة، أعني أولئك. * * * قوله: (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣) قال بعضهم: ذهبت الأحقاد التي كانت في قلوبهم، وحقيقته - والله أعلم - أنه لا يحسد بعضُ أهل الجنَّة بعضاً في عُلو الرُتبة، لأن الحسدَ غل. * * * وقوله تعالى: (تجْرِي من تحْتِهُمُ الأنْهارُ). في معنى الحال، المعنى ونزعْنا ما في صدورهم من غل في هذه الحال، ويجوز أن يكون " تجري " إخباراً عن صفة حالهم، فيكون تجري مستأنفاً. ومعنى (هَدَانا لهذا). أي هدانا لما صيرَنا إِلى هذا، يقال: هديت الرجل هداية وهدى وهدْياً. وأهْدَيت الهَدْيَة فهي مُهداة، وأهديت العروس إلى زوجها وهديْتُها. وقوله جلَّ وِعز: (وَنودُوا أنْ تلكُمُ الْجَنَّةُ).

стр. 798

في موضع نصب، وهَهُنَا الهاءُ مضمرة، وهي مخففَة من الثقيلة. والمعنى نودوا بأنه تلكم الجنَّةُ. والأجود - عندي - أن تكون أن في موضع تفسير النداءِ، كان المعنى، ونودوا أن تلكم الجنة، أي قيل ألهم،: تلكم الجنة، وإنما قال: تلكم، لأنهم وُعدوا بها في الدنيا، فكأنه قيل: هذه تلكم التي وعدتم بها. وجائز أن يكون عاينوها فقيل لهم من قبل دخولها إشارة إلى ما يرَوْنَه: تلكم الجنة، كما تقول لما تراه: ذلك الرجل أخوك. ولو قلت: هذا الرجل لأنه يراك جاز، لأن هذا وهُؤلاءِ لما قرب منك، وذاك وتلك لما بَعُدَ عنك. رأيته أو لم تره. * * * وقوله: (وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (٤٤) معنى " أن " ههنا إن شئت كان مفسراً لما نادى به أصحاب الجنة. والمعنى أي قد وجدنا، ويجوز أن تكون أن الشديدة وخففت، المعنى أنه قد وجدنا. قال الشاعر: في فتية كسيوف الهند قد علموا. . . أن هالك كل من يحفى وينتعل وقوله: (قَالوا نَعَمْ). وفي بعض اللغات قالوا نَعِمْ في معنى نَعَمْ - موقوفةُ الآخر - لأنها حرف جاءَ لمعنى.

стр. 799

وقوله: (فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ). ويجوز أنَّ لعْنةَ اللَّه على الظَّالِمِينَ، وقد قرئ بهما جميعاً والمخففة مخففة من الشديدة، ويجوز أن تكون المخففة في معنى أي الخفيفة التي هي تفسير، كأنَّها تفسير لما أّذَّنُوا فيه. * * * وقوله: (الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (٥١) (فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا). أي نتركهم في عذابهم كما تركوا العمل للقاءِ يومهم هذا. ومعنى: (وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ). و" كجحدِهم " و " ما " نسقُ على " كما، في موضع جر. * * * وقوله: (وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢) هدى في موضع نصْبٍ، أي فصلناه هادياً وذا رحمة. ويجوز هدى ورحمةٌ نقوم يؤمنون على الاستئناف، المعنى هو هُدًى ورحمةٌ لقوم يؤمنون. * * * وقوله: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٥٣) (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ). معناه هل ينظرون إِلا ما يؤُول إليه أمرهم من البعث، وهذا التأويل والله أعلم - هو قوله (وَمَا يَعْلَمُ تَأوِيلَهُ إلا اللَّهُ)، أي ما يعلم متى يكون البعث. وما يؤُول إِليه إِلا اللَّه: (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ) بالبعث - واللَّه أعلم -. وقوله: (يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ). (يومَ) منصوب بقوله: (يقول) و (الذين نسوه) على ضربين:

стр. 800

جائز أن يكون صاروا في الإعراض عنه بمنزلة من نُسِيَ وجائز أن يكونوا نسوه وتركوا العمل له والإيمانَ به. وقوله:. (أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ). (أَوْ) نسق على قوله (من شفعاءَ)، " كأنهم قالوا: هل يشفع لنا شافع أو هل نرد. * * * وقوله (فَنَعْمَلَ) منصوب على جواب الفاءِ للاستفهام. ويجوز أن تنصب (أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ)، أي إِن رددنا استغنينا عن الشفاعة. * * * وقوله: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤) (يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ). و (يُغَشِّي اللَّيْلَ النَّهَارَ)، جميعاً يقرأ بهما. والمعنى أن الليل يأتي على النهار فيغطيه، ولم يقل يغشى النهارَ الليْلَ. لأن في الكلام دليلاً عليه، وقد جاءَ في موضع آخر: (يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ). وقوله تعالى: (وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ). أي خلق النجوم جارِيَاب مَجَارِيَهُنَّ بأمرِه. * * * وقوله: (وَعَلى الأعْرافِ رِجَالٌ). وقوله: (وَنادَى أصْحَابُ الأعْرَافِ) اختلف الناس في أصحاب الأعراف، فقال قوم: هم قومُ استوت حسناتهم وسيئاتُهم، فلم يستحقوا الجنة بالحسنات، ولا النار بالسيئات. فكانوا على الحجاب الذي بين الجنة والنار. والأعراف أعَالي السُّورِ، ويُقَالُ لكل عَال عُرْف وجمعُه أعراف.

стр. 801

ويجوز أن يكون - واللَّه أعلم - على الأعراف على معرفة - أهل الجنة وأهل النار هُؤلاءِ الرجال، فقال قوم ما ذكرنا، وإن اللَّه يدخلهم الجنة، وقال قوم أصحاب الأعراف أنبياء وقال قوم ملائكة. ومعرفتهم كُلًّا بِسيماهُمْ يعرفون أصحاب الجنة بأن سيماهم إِسْفَارُ الوُجوه والضحِكُ والاسْتِبْشَارُ كما قال : (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩). ويعرفون أصحاب النار بسيماهم وسيماهم اسوداد الوجوه وَغُبْرَتُها - كما قال جلَّ وعزَّ: (يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ). و (وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (٤١) والقَتَرة كالدُّخَان. وقوله: (مَا أغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وما كنتم تَسْتَكْبِرُونَ). هذا - واللَّه أعلم - خطاب أصحاب الأعراف لأهل النار، وقرئت تستكثرون بالثاءِ. وأما تجوله: (أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمْتُمْ). يعني أهل الجنة كأنه قيل لهم: يا أهلَ النار أهُؤلاءِ الذين حلفتم لاَ ينالهم الله برحمة). (ادخُلُوا الجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ). وإن شئت بالفتح لا خوفَ عليكم. فجائز أن يكون (ادْخُلوا الجنَّةَ) خطاباً من أصحاب الأعراف لأهل

стр. 802

الجنة، لأن كل ما يقوله أصحاب الأعراف فَعَنِ اللَّه تعالى. وجائز أن يكون خطاباً من اللَّه لأهل الجنة. وقوله: (وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ). فأعلم اللَّه : أن ابن آدم غيرُ مستغن عن الطعام والشراب وإن كان معذباً. فأعلمهم أهلُ الجنة أنْ اللَّه حرمها على الكافرين، يَعْنون أن اللَّه حرم طعامَ أهل الجنة وشرابَهم على أهل النار، لأنهم إنما يشربون الحميمَ الذي يُصْهَرُ به مَا في بُطُونهمْ. * * * وقوله: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥) قال قوم: تضرعوا تملقاً، وحقيقته - واللَّه أعلم - أن يَدْعُوه خاضعين متعبدين. و (خُفْيَةً) أي اعتقدوا عبادته في أنْفُسِكم، لأن الدعاءَ معناه العبادة. وقوله: (إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ). والمعتدون المجاوزون ما أمِروا به، وَهُمُ الظالمونَ. * * * وقوله: (وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦) (وَادْعُوهُ حوْفاً وطَمَعَاً). أي ادْعوه خائِفين عذَابه وطامعين في رحمته، ويروى عن النبي ﷺ أنه قال: لَنْ يَدْخُلُ الجنة أحدٌ بعَمَلِه، قالوا: ولا أنت يا رسول اللَّه؟ قال ولا أنا إلا أن يتَغمدنيَ اللَّهُ برحمته. وقوله: (إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ). إنما قيل (قَرِيبٌ) لأن الرحمة والغفْرَانَ في معنَى واحدٍ وكذلك كل تأنيث ليس بحقيقي. وقال الأخفش جائز أن تكون الرحمةُ ههنا في معنى المَطَر.

стр. 803

وقال بعضهم: هذا ذُكرَ ليفصل بين القريب من القرابة، والقريب من القُرْبِ، وهذا غلط، أن كل ما قَرُبَ من مكان أوْ نَسَبٍ فهو جارٍ على ما يصيبه من التأنيث والتذكير. * * * وقوله: (وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٥٧) (بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ). و (نُشْرًا) أيضاً بضم النون وفتحها - وقرأ عاصم بُشْرًى بالياء. فمن قرأ (نُشْرًا) فالمعنى وهو الذي يُنْشِر الرياح مُنْشَرةً نشْراً. ومن قال نُشْراً فهو جمع نشورٍ ونُشُرٍ. ومن قرأ بُشْراً فهو جمع بشيرةٍ وبُشُرٍ كما قال جلَّ وعزَّ: (وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الريَاحَ بُشْرًا). وقوله: (بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِه). أي بين يدي المطر الذي هو رحمة، (حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا) أي حتى إِذا أَقَلَّتْ الريح سَحَابًا، يقال: أقل فلان الشيء إِذا هو حمله، وفلان لا يَسْتقلُّ بحَمْلِه. فالمعنى حتى إِذا حملت سحاباً ثقالاً، والسحاب جمع سحابة. (ثِقَالًا) أي ثقالًا بالماءِ. (سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ). ومَيْتٍ جميعاً. (فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ). جائز أن يكون: فأنزلنا بالسحاب الماءَ، فَأخْرَجْنَا بِه مِنْ كل الثمَرَاتِ. الأحسن - واللَّه أعلم - فأخرجنا بالماءِ من كل الثمرات، وجائز أن يكون أخرجنا بالبلد من كُل الئمرات، لأن البَلَدَ ليس يُخَصُّ به ههنا بلَدٌ سوى سائر البُلْدَانِ.

стр. 804

وقوله : (كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى). أي مثلَ ذَلكَ الإخراجِ الذي أشرنا إِليه نخرج الموتى. وقوله: (لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ). لعل ترج، وإنما خوطب العباد على قدر علمهم، وما يرجوه بعضهم من بعض، واللَّه يعلم أي تَذَكرون أم لا. وقوله: (لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ). أي لعلكم بما بينَّاهُ لكم تستَدِلُّونَ على توحِيد اللَّهِ وأنه يبعث الموتى. * * * وقوله: (وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (٥٨) وقرأها أهل المدينة نكَدًا - بفتح الكاف - ويجوز فيه وجهان آخران: إِلَّا نَكْدًا ونُكْدًا - بضم النون وإسكان الكاف ولا يقرأ بالمضمومة، لأنه لم تثبت به رواية في القرآن. * * * وقوله (قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٦٠) وهم الرؤساء والأشراف، وقال بعضهم يعنى به الرجال. - وقد بيَّنَّا المَلأ فيما سبق من الكتاب. وقوله: (أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٦٣) هذه الواو واو العطف. دخلت عليها ألف الاستفهام، فبقيت مفتوحة. وقد بيَّنَّا أمرها في الكتاب. وقوله: (فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ (٦٤) (في الفُلْكِ). والفلك السفينة، يكون الفلك واحداً، ويكون جمعاً.

стр. 805

وقوله: (قَوْمًا عَمِينَ). أي قد عَموا عن الحق والِإيمان. * * * وقوله: (وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٦٥) المعنى: لقد أرسلنا نوحاً إِلى قومه، وأرسلنا إِلى عادٍ أخاهم هودًا. وقيل للأنبياءِ أخوهم وإن كانوا كفرة، يعني به أنَّه قد أتاهم بَشَرٌ مثلُهم من وَلدِ أبيهم آدمَ، وهو أرْجح عليهم. وجائز أن يكون أخاهم لأنه من قومهم ليكون أفهمَ لَهُمْ بأن يأخذوا عن رجل مِنْهُمْ. * * * وقوله: (قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٦٦) السفاهة خِفَةُ الحلم والرأي، يقال ثوبٌ سفيه إذَا كان خفيفاً. وقوله: (وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ). وكفروا به ظانِّينَ لَا مُسْتيْقنين. * * * وقوله: (قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٧) هذا موضع أدب للخلق في حسن الجوار وفي المخاطبة، أنه دفع ما نسبوه إليه من السفاهة بأن قال ليس بي سفاهة، فدفعهم بنفي ما قالوا فقط. وقوله: (وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ). أي الذي أنبئكم به مِنْ عند الله، لأنه أمَرَهمْ بِعِبَادَةِ اللَّه جلَّ وعزَّّ وتوحيده. * * * وقوله: (أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٦٩) وَخُلَفَاءَ جمع خليفة على التذكير لا على اللفظ، مثل ظَريف وَظُرَفَاءَ.

стр. 806

ْوجائز أن يجمع خلائف على اللفظ، مثل طريفة وَطَرَائف. وقوله - جلَّ وعزَّ -: (وَزَادَكُمْ في الْخَلْقِ بَسْطَةً). في التفسير أنَّه كان أقصَرُهُم، طولُهُ ستونَ ذِرَاعاً وَأطْوَلهُمْ مائة ذِراع. وقوله: (فَاذُكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ). معناه نِعَمَ اللَّه، واحدها إلى. قال الشاعر: أَبيض لا يَرْهَب الهُزالَ ولا. . . يَقْطعُ رُحْماً ولا يَخُون إِلاَّ ويجوز أن يكون واحدها إليْ وإِليَّ. * * * وقوله: (وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣) أي أرْسَلْنَا إِلى ثَمُودَ أخاهم صَالِحاً. وثمودُ في كتاب اللَّه مصروف وغيرُ مصروف. فأما المصروف فقوله: (ألَا إن ثَمُوداً كَفَرُوا رَبَّهُمْ ألا بُعْداً لِثَمُود). الثاني غَيْرُ مصروفٍ، فالذي صرفه جَعَلَهُ اسماً للحي، فيكونُ مُذَكَراً سمي به مُذَكرٌ وَمَنْ لم يصرِفْه جعله اسْماً للقَبيلة. وقوله: (مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ). وتقرأ غَيرِه، فمن رفع فالمعنى ما لكم إِلهٌ غيرُهُ، ودخلت " مِنْ " مَؤكدةً. ومَنْ جَرَّ جعله صفةٌ لإلَهٍ. وأجاز بعضهم النصبَ في غَيْر وهو جائز في غير القرآن، على النصب على الاستثناءِ وعلى الحال من النكرة. ولا يجوز في القرآن لأنه لم يقرأ به. وأجاز الفراء. . ما جاءَني غيرَكَ بِنَصْبِ غيرَ، وهذا خطأٌ

стр. 807

بيِّن، إنما أنشد الخليل وسيبويه بيتاً أجازا فيه نصب غير، فاستشهد هو بذلك البيت واستهواه اللفظ في قولهما إن الموضعَ موضِعُ رفع. وإنما أضيفت غير في البيت إلى شيءٍ غير متمكن فبنيت على الفتح كما يبنى يوم إذَا أضِيفَ إلى إذْ على الفتح. والبيت قول الشاعر: لم يَمْنع الشُّرْبَ منها غَيْرَ أَن نطقت. . . حمامة في غُصُونٍ ذاتِ أَوْقالِ وأكثرهم ينشده غيرَ أن نطقت، فلما أضاف غير إلى " أنْ " فتح غير، ولو قلت: ما جاءَ في غيرَك لم يجز. ولوجاز هذا لجاز ما جاءَني زيداً. وقوله: (قَدْجَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبكُمْ). دعاهم إلى التوحيد ودلهم على نُبُوتةِ بالناقة فقال: (هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لكُمْ آيَةً). (آيَةً) انتصب على الحال، أي أنظروا إلى هَذه الناقَةِ آية أي عَلامَةً. وقد اختلف في خبرها، فقيل في بعض التفسير: إِن الملأ من قوم صالح كانوا بين يديه فسألوه آية وكانت بين يديه صفاة - وهي الصخرة - فأخرج الله منها ناقة معها سَقْبُها أي وَلَدُها. وجاءَ في بعض التفسير أنه أخذ ناقة من سائر النوق، وجعل الله لها

стр. 808

شِرْباً يوماً وَلَهُمْ شربُ يومِ. وذُكِرَتْ قصته في غير هذا الموضع فقال: (هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (١٥٥). فكانت تشرب يوما ثم تُفْحِجُ يوماً آخر في وادِ فلا تزال تحتلب ولا ينقطع حلَبُها ذلك اليوم. فجائز أن يكون أمرُ خروجها من الصخرة صحيحاً، وجائز أن يكون أمر حلبها صحيحاً. وكل منهما آية معجزة تدل على النبوة. وجائز أن تكونَ الرِّوَايَتَانِ صحيحتَيْنِ فَيُجْمَعُ أنَّها خرجت من صخرة وأن حَلْبَهَا على ما ذَكَرْنَا. ولم يكن ليقول: (قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ) فتكون آية فيها لبسٌ. وقوله: (وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٧٤) أي لما أهلكهم وورثكم الأرض. (وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ). أي أنزلكم. قال الشاعر: وبُوِّئَتْ في صَمِيمِ مَعْشَرِها. . . وتَمَّ في قَوْمِها مُبَوَّؤُها أي أنزلت من الْكَرَم في صميم النسب. وقوله: (وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ). يقال: نَحَتَ يَنْحِتُ، ويقال أيضاً نَحَتَ يَنْحَتُ، لأن فيه حرفاً من حروف ويروى أنهم لطول أعمارهم كانوا يحتاجون أن ينحتوا بيوتاً في الجبال،

стр. 809

لأن السقوفَ والأبنية كانت تبلى قبل فناءِ أعمارهم. * * * وقوله: (فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧٧) (وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ). أي جاوزوا المقدَارَ فى الْكُفْر. * * * (فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٧٨) والرجفة: الزلزلة الشديدة. ويروى أنه لما قال لهم: (تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) أصبحوا في أول يوم مصفرة وجوهُهم، وفي اليوم الثاني محمرة وجوههم وفي اليوم الثالث مسودَّةً وجوههم، وفي اليوم الرابع أتاهم العذاب. ويقال إِن ابتداءَ عقرهم الناقة كان في يوم الأربعاءِ، وأخذهم العذاب في يوم السبت. وقوله: (فَأصْبَحُوا نَادمينَ). أي في وقت لا ينفعهم الندم. وأصْبَحُوا جَاثمِينَ. في اليوم الذي أخذتهم فيه الرجفة. ومعنى (جَاثِمِينَ) قد خمدوا من شدة العذاب. وقال بعضهم أصْبَحُوا كالرماد الجاثِم. * * * وقوله: (وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٨٠) أي وأرسلنا لوطاً إِذ قال لقومه. وقال الأخفش ويجوز أن يكون منصوباً على واذكر لوطاً إِذ قال لقومه. والوجهُ أن يكون معطوفاً على الإرسال. وقال بعض أهل اللغة: لوط مشتق من لطتُ الحَوْضَ إذا مَلَّسَتَه بالطين. وهذا غلط. لأن لوطاً من الأسماءِ الأعجمية ليس من العربية، فأما لطت

стр. 810

الحوض وهذا ألوط بقلبي من هذا، فمعناه ألصق بقلبي. واللِّيطُ القِشرُ. وهذا صحيح في اللغة. ولكن الاسم أعجمي كإِبراهيم وإِسحاق، لا نقول إنه مشتق من السُّحْقِ وهو البعدُ. وهو كتاب الله الذي لا ينبغي أن يقدم على تفسيره إلا برواية صحيحة وحجة واضحة. وقوله: (أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ). هذا دليل أن فاحشة اللواط لم يفعلها أحد قبل قوم لوط. وقد اختلف الناس في حَدِّ اللُّوطِي، فقال بعضهم هو كالزاني. وروي أن أبا بكر حرق رجلاً يقال له الفجاءَة بالنار في اللواط. وقال بعضهم: يجب أنْ يقتلَ مُحْصَناً أو غير مُحْصَنٍ، لأن الله تبارك وتعالى قتل فاعليه بالحجارة. فخاطبهم لوط فقال: (أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ). وقال في موضع آخر: (إنكمْ لتأتون الفاحشة). والفاحشة الشيءَ الغليظ القبيح. * * * وقوله: (وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٨٢) يجوز أن يكون " جَوَابَ " مرفوعاً. (وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا) والأجود النصب وعليه القراءَة.
следующие страницы →