Полный текст (2 149 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.
стр. 806
ْوجائز أن يجمع خلائف على اللفظ، مثل طريفة وَطَرَائف.
وقوله - جلَّ وعزَّ -: (وَزَادَكُمْ في الْخَلْقِ بَسْطَةً).
في التفسير أنَّه كان أقصَرُهُم، طولُهُ ستونَ ذِرَاعاً وَأطْوَلهُمْ مائة ذِراع.
وقوله: (فَاذُكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ).
معناه نِعَمَ اللَّه، واحدها إلى.
قال الشاعر:
أَبيض لا يَرْهَب الهُزالَ ولا. . . يَقْطعُ رُحْماً ولا يَخُون إِلاَّ
ويجوز أن يكون واحدها إليْ وإِليَّ.
* * *
وقوله: (وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣)
أي أرْسَلْنَا إِلى ثَمُودَ أخاهم صَالِحاً.
وثمودُ في كتاب اللَّه مصروف وغيرُ مصروف.
فأما المصروف فقوله: (ألَا إن ثَمُوداً كَفَرُوا رَبَّهُمْ ألا بُعْداً لِثَمُود).
الثاني غَيْرُ مصروفٍ، فالذي صرفه جَعَلَهُ اسماً للحي، فيكونُ مُذَكَراً سمي به مُذَكرٌ وَمَنْ لم يصرِفْه جعله اسْماً للقَبيلة.
وقوله: (مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ).
وتقرأ غَيرِه، فمن رفع فالمعنى ما لكم إِلهٌ غيرُهُ، ودخلت " مِنْ " مَؤكدةً.
ومَنْ جَرَّ جعله صفةٌ لإلَهٍ.
وأجاز بعضهم النصبَ في غَيْر وهو جائز في غير القرآن، على النصب على الاستثناءِ وعلى الحال من النكرة.
ولا يجوز في القرآن لأنه لم يقرأ به.
وأجاز الفراء. . ما جاءَني غيرَكَ بِنَصْبِ غيرَ، وهذا خطأٌ
стр. 807
بيِّن، إنما أنشد الخليل وسيبويه بيتاً أجازا فيه نصب غير، فاستشهد هو بذلك البيت واستهواه اللفظ في قولهما إن الموضعَ موضِعُ رفع.
وإنما أضيفت غير في البيت إلى شيءٍ غير متمكن فبنيت على الفتح كما يبنى يوم إذَا أضِيفَ إلى إذْ على الفتح.
والبيت قول الشاعر:
لم يَمْنع الشُّرْبَ منها غَيْرَ أَن نطقت. . . حمامة في غُصُونٍ ذاتِ أَوْقالِ
وأكثرهم ينشده غيرَ أن نطقت، فلما أضاف غير إلى " أنْ " فتح غير، ولو
قلت: ما جاءَ في غيرَك لم يجز. ولوجاز هذا لجاز ما جاءَني زيداً.
وقوله: (قَدْجَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبكُمْ).
دعاهم إلى التوحيد ودلهم على نُبُوتةِ بالناقة فقال:
(هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لكُمْ آيَةً).
(آيَةً) انتصب على الحال، أي أنظروا إلى هَذه الناقَةِ آية أي عَلامَةً.
وقد اختلف في خبرها، فقيل في بعض التفسير: إِن الملأ من قوم
صالح كانوا بين يديه فسألوه آية وكانت بين يديه صفاة - وهي الصخرة - فأخرج الله منها ناقة معها سَقْبُها أي وَلَدُها.
وجاءَ في بعض التفسير أنه أخذ ناقة من سائر النوق، وجعل الله لها
стр. 808
شِرْباً يوماً وَلَهُمْ شربُ يومِ. وذُكِرَتْ قصته في غير هذا الموضع فقال:
(هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (١٥٥).
فكانت تشرب يوما ثم تُفْحِجُ يوماً آخر في وادِ فلا تزال تحتلب ولا ينقطع حلَبُها ذلك اليوم.
فجائز أن يكون أمرُ خروجها من الصخرة صحيحاً، وجائز أن يكون أمر
حلبها صحيحاً. وكل منهما آية معجزة تدل على النبوة.
وجائز أن تكونَ الرِّوَايَتَانِ صحيحتَيْنِ فَيُجْمَعُ أنَّها خرجت من صخرة وأن حَلْبَهَا على ما ذَكَرْنَا.
ولم يكن ليقول: (قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ) فتكون آية فيها لبسٌ.
وقوله: (وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٧٤)
أي لما أهلكهم وورثكم الأرض.
(وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ).
أي أنزلكم.
قال الشاعر:
وبُوِّئَتْ في صَمِيمِ مَعْشَرِها. . . وتَمَّ في قَوْمِها مُبَوَّؤُها
أي أنزلت من الْكَرَم في صميم النسب.
وقوله: (وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ).
يقال: نَحَتَ يَنْحِتُ، ويقال أيضاً نَحَتَ يَنْحَتُ، لأن فيه حرفاً من حروف
ويروى أنهم لطول أعمارهم كانوا يحتاجون أن ينحتوا بيوتاً في الجبال،
стр. 809
لأن السقوفَ والأبنية كانت تبلى قبل فناءِ أعمارهم.
* * *
وقوله: (فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧٧)
(وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ).
أي جاوزوا المقدَارَ فى الْكُفْر.
* * *
(فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٧٨)
والرجفة: الزلزلة الشديدة.
ويروى أنه لما قال لهم: (تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ)
أصبحوا في أول يوم مصفرة وجوهُهم، وفي اليوم الثاني محمرة وجوههم
وفي اليوم الثالث مسودَّةً وجوههم، وفي اليوم الرابع أتاهم العذاب.
ويقال إِن ابتداءَ عقرهم الناقة كان في يوم الأربعاءِ، وأخذهم العذاب
في يوم السبت.
وقوله: (فَأصْبَحُوا نَادمينَ).
أي في وقت لا ينفعهم الندم.
وأصْبَحُوا جَاثمِينَ. في اليوم الذي أخذتهم فيه الرجفة.
ومعنى (جَاثِمِينَ) قد خمدوا من شدة العذاب.
وقال بعضهم أصْبَحُوا كالرماد الجاثِم.
* * *
وقوله: (وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٨٠)
أي وأرسلنا لوطاً إِذ قال لقومه.
وقال الأخفش ويجوز أن يكون منصوباً على واذكر لوطاً إِذ قال لقومه. والوجهُ أن يكون معطوفاً على الإرسال.
وقال بعض أهل اللغة: لوط مشتق من لطتُ الحَوْضَ إذا مَلَّسَتَه بالطين.
وهذا غلط. لأن لوطاً من الأسماءِ الأعجمية ليس من العربية، فأما لطت
стр. 810
الحوض وهذا ألوط بقلبي من هذا، فمعناه ألصق بقلبي. واللِّيطُ القِشرُ. وهذا صحيح في اللغة.
ولكن الاسم أعجمي كإِبراهيم وإِسحاق، لا نقول إنه مشتق
من السُّحْقِ وهو البعدُ. وهو كتاب الله الذي لا ينبغي أن يقدم على تفسيره إلا برواية صحيحة وحجة واضحة.
وقوله: (أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ).
هذا دليل أن فاحشة اللواط لم يفعلها أحد قبل قوم لوط.
وقد اختلف الناس في حَدِّ اللُّوطِي، فقال بعضهم هو كالزاني.
وروي أن أبا بكر حرق رجلاً يقال له الفجاءَة بالنار في اللواط.
وقال بعضهم: يجب أنْ يقتلَ مُحْصَناً أو غير مُحْصَنٍ، لأن الله تبارك
وتعالى قتل فاعليه بالحجارة.
فخاطبهم لوط فقال: (أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ).
وقال في موضع آخر: (إنكمْ لتأتون الفاحشة).
والفاحشة الشيءَ الغليظ القبيح.
* * *
وقوله: (وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٨٢)
يجوز أن يكون " جَوَابَ " مرفوعاً. (وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا)
والأجود النصب وعليه القراءَة.
стр. 811
(إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ).
أي يتطهرون عن عملكم.
* * *
وقوله: (فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٨٣)
في التفسير أنَّ أهلَه ابنتاه.
(إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ)
قيل في الغابرين ههنا قولان.
قال أهل اللغة: من الغابرين من الباقين.
أي من الباقين في الموضع الذي عذبوا فيه.
وَأنْشَدَ أبو عَبَيْدَة معمر بن المثنى.
فما وَنَى محمدٌ مُذْ أَنْ غَفَرْ. . . له الإِلهُ ما مَضَى وما غَبَرْ
أي ما بقي.
وفال بعضهم: (من الغابرين) أي من الغائبين عن النجاة.
وكلاهما وجه. واللَّه أعلم.
* * *
وقوله: (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨٥)
مَدْيَنُ لا ينصرف لأنه اسم للقبيلة أو البلدة، وجائز أن يكون أعجمياً.
وقوله: (قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ).
قال بعض النحويين؛ لم يكن لشعيب آية إِلا النبوة، وهذا غلط فاحش.
قال قد جاءَتكم بينة من ربكم فأوفوا الكيل فجاءَ بالفاءَ جواباً للجزاء، فكيف يقول: قد جاءَتكم بينة من ربكم ولم يكن له آية إِلا النبوة، فإن كان مع النبوة آية فقد جاءَهم بها.
وقد أخطأ القائل بقوله: لم تكن له آية، ولو ادَّعَى مُدَّعٍ
النبوة بغير آية لم تُقْبَلْ منه، ولكن الِقول في شعيب أن آيته كما قال بينَة.
стр. 812
إِلا أن الله جل ثناؤه ذكر بعض آيات الأنبياءِ في القرآن وبعضهم لم يذكرآيته، فمن لم تذكر آيته لا يقال: لا آية له.
وآيات محمد النبي ﷺ لم تذكر كلها في
القرآن ولا أكثرها.
وقوله: (وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ)
البَخْسُ النقْص والقِلَّة، يقال بخست أبخس بالسين، وبخصت عيْنَه
بالصاد لا غير مثل فقأت عينيه.
(وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا).
أي لا تعملوا فيها بالمعاصي وَبخِس الناس بعد أنْ أصلحها الله بالأمر
بالعدل وإرسال الرسل.
* * *
ْوقوله: (وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (٨٦)
أي بكل طريق.
ومعنى توعدون أي توعدون من آمن بشعيب بالعذاب والتهدد يقال:
وعدته خيراً، ووعدته شرًّا، فإِذا لم تذكر واحداً منهما.
قلت في الخير وعدته وفي الشر أوعدته.
وقوله: (وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ).
أي عن الطريق التي آمن اللَّه من آمن بها.
(وَتَبْغُونَهَا عِوَجًاأ).
أي وتريدون الاعوجاج والعدول عن القصد.
يقال في الدين وفيما يعلم إذا كان على غير استواء عوج بكسر العين وفي الحائط والعودِ عَوَج بفتح العَيْن.
стр. 813
وقوله: (وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ).
جائز أن يكون (فَكَثَّرَكُمْ) جعلكم أغنياءَ بعد أن كنتم فقراءَ، وجائز أن
يكون كان عددهم قليلاً فكثرهم، وجائز أن يكونوا غير ذوي مقدرة وأقدار
فكثرهم، إلا أنه ذكرهم بنعمة الله عليهم كما قال: (فاذكروا آلاءَ اللَّهِ)
أي نعم اللَّهِ.
* * *
وقوله: (قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (٨٨)
المعنى: ليكونن أحدُ الأمْرَين، ولا تُقارُّ على مخالفتنا.
وقوله: (قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ).
أي أتعيدوننا في ملتكم وإن كرهناها.
فإِن قال قائل: كيف قالوا لشُعَيب: أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا، وشعيب نَبِيٌّ؟
ففيه قولان:
أحدهما: لما أشرَكُوا الذين كانوا على مِلَّتهم قالوا: أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا. وجائز أنْ يقال: قد عَادَ عليَّ من فلان مكروه، وإن لم يكن سبقه
مكروه قبل ذلك وإنما تأويله إنَّه قد لحقني منه مكروه.
وقوله: (قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (٨٩)
(وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ).
اختلف الناس في تأويل هذا، فأولى التأويلات باللفْظ أن يكون:
(وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ)
لأنه لا يكون غير ما يشاءَ اللَّه.
وهذا مذهب أهل السنة.
قال اللَّه : (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ).
والمشيئة في اللغة بيِّنة لا تحتاج إِلى تأويل.
стр. 814
فالمعنى: ما يكون لنا أن نعود فيها إِلا أن يكون الله قد سبق
في علمه ومشيئته أنا نعود فيها.
وتصديق ذلك قوله: (وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا).
ثم قال (عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا).
وفي موضع آخر: (وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ).
وقال قوم: (وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا)
أي فاللَّه لا يشاءُ الكفر، قالوا: هذا مثل قولك: لَا أكلِّمك حتى يبيضَّ الفار وَيشيبَ الغُرابُ، والفارُ لا يبيض، والغراب لا يشيب.
قالوا فكذلك تأويل الآية.
قال أبو إسحاق: وهذا خطأ لمخالفته أكثر من ألف موضع في القرآن
لا تحتمل تأويلين، ولا يحدث شيءٌ إِلا بمشيئته وعن علمه.
إِما أن يكونَ عَلِمَهُ حادثاً فشاءَه حادثاً، أو عَلِمَهُ غيرَ حادثٍ فشاءَه غيرَ حادث.
ولا يجوز لما مكنَ الخلق من التصرف أن يُحدثَ الممتنعَ موجوداً، ولا يكون ما علمه أنَّه يُوجَدُ ممتنعاً.
وسنةُ الرَسول ﵇ تشهد بذلك ولكن اللَّه ﵎
غيب عن الخلق علمه فيهم، ومشيئته من أعمالهم فأمرهم ونهاهم.
لأن الحجة إِنما تثبت من جهة الأمر والنهي، وكل ذلك جائز على ما سبق في
العلم وجرت به المشيئة، قال الله تعالى: (وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا). . الآية.
فسقوط الورقة منسوب إِليها وهو خلقه فيها كما خلقها، وكذلك إِلى آخر
الآية.
стр. 815
وقال: (يَعْلَمُ مَا فِي أنْفُسِكمْ فاحْذَروه)، وما في النفوس من
الخواطر الجائلة والهم الجائل والعزم الجائل فيها. فلا يجوز عدم ما علمه
كائناً فيها، ولا يجوز كون ما علمه معدوماً.
فحذرهم مخالفةَ ظاهر أمره ونهيه لأن عليهم السمع والطاعة للأمر إذا
أمروا به، وهم جارون على ما عَلِمَ منهم أنَّهم يختارون الطاعة، ويختارون
المعْصِيَة، فلا سبيل إِلى أن يختاروا خلاف ما علم أنهم يختارونه.
وإن لم يكن الأمر على ما قلنا وجَب أن يكون قولهم: علم اللَّه أفعال العبَادِ قبل كونها إِنما هو علم مجاز لا علم حقيقة.
واللَّه تعالى عالم على حقيقة لا مجاز، والحمد للَّهِ.
وقال قوم - وهو بعد القول الأول قريب -:
إِن المعنى: (وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا).
أي قد تبرأنَا من جميع ملَّتِكُمْ فما يكون لنا أن نعود في شيءَ منها إِلا أن يشاءَ اللَّه وجهاً من وجوه البر الذي تتقربون به إلى اللَّه، فيأمرنا به، فنكونَ بهذَا قد عُدْنا.
قال أبو إسحاق: والذي عندي - وهو إِن شاءَ اللَّه الْحَقُّ - القول الأول.
لأن قوله: (بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا)، إنَّما هو، النجاة من الكفر وأعمال المعاصي لا من أعمال البر.
وقوله: (وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا).
(عِلْمًا) منصوب على التمييز.
وقوله: (رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ).
أهل عُمان يسمُون القاضي الفاتح والفتاح.
стр. 816
وجائز أن يكون افتح بيننا وبين قومنا بالحق، أي أظهر أمْرنَا حتى ينفتح
ما بيننا وبين قومنا وينكشف، فجائز أن يكون يسألون بهذا أن ينزلَ بقومهمْ من العذاب والهلكة ما يظهر به أن الحق مَعَهُمْ.
* * *
وقوله: (فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩١)
هي الزِلزلة الشديدة.
وقوله جلَّ وعزَّ: (فأصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثمينَ).
أي أجْسَاماً مُلْقاة في الأرض كَالرمَاد الجَاثِم.
* * *
وقوله: (الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ (٩٢)
(كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا).
أي كَأَنْ لَمْ ينزلوا فيها.
قال الاصمعي: المَغَاني المنازِلُ التي نزلوا بها، يقال غَنينا بمكان كذا وكذا، أي نَزَلْنَا به.
ويكون (كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا). كَأَنْ لَمْ ينزلوا كان لم يعيشوا فيها مستغنين، كما قال حاتم طيٍّ:
غَنِينَا زَماناً بالتَّصَعْلُكِ والغِنى. . . فكُلاًّ سقاناه بكَأسَيْهما الدهرُ
فما زادنا بَغْياً على ذي قرابةٍ. . . غِنانا ولا أَزْرَى بأَحْسابنا الفَقْرُ
والعرب تقول للفقير الصعلوك.
* * *
وقوله: (فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ (٩٣)
أي حين نزل بهم العذاب تولى عنهم.
(وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ).
стр. 817
معنى آسى أحْزَن - أي كيف يَشْتد حُزني.
يقال: أسِيت عَلى الشيءِ آسَى أسىً إِذا اشتدَ حزنُك عَليْه.
قال الشاعر:
وانْحَلَبَتْ عيناه مِن فرْطِ الأسى.
* * *
وقوله : (وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (٩٤)
يقال لكل مدينة قرية، وإِنما سمِّيَتْ بأنه يجتمع فيها الناس، يقال قريت
الماءَ في الحوضِ إِذا جمعته فيه، فسمِّيْتْ قريةً لاجتماع الناس فيها.
ومكَةُ أم القرى، لأن أهل القرَى يؤمونها أي يقصدونها.
وقوله: (إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ).
قيل: الْبَأْسَاء كل ما نالهم مِن شِدَّة في أموَالهم، والضَراءُ ما نالهم من
الأمراض، وقيل: الضراء ما نالهم في الأموال، والْبَأْسَاء ما نالهم في أنْفَسهم.
وقوله: (لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ).
أي يَخْضعون، والأصْلُ يتَضَرعُون، فأدغمت التاءِ في الضادِ.
* * *
وقوله: (ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٩٥)
أي كَثروا وَكَثُرَتْ أمْوالهم.
وقوله: (قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ).
فأخذهم الله ليعتبروا ويُقْلعُوا عن الكفر وتكذيب الأنبياءِ، فقالوا مسَّ
стр. 818
آباءَنا مثلُ هذا، أي قد جرت عادة الزمان بهذا، وليست هذه عقوبة، فبين اللَّه تأولهم بخَطئِهِمْ، وقد علموا أن الأممَ قَد أهْلِكتْ بِكُفْرِهِم قَبْلَهُم.
وقوله: (فَأخَذْنَاهم بَغْتَةً) أي فجأة (وهُمْ لَا يَشعرُون).
فهذا ما أخبر اللَّه تعالى به عن الأمم السالفةِ لتعتبرَ أمَّةُ محمد ﷺ فقال:
(وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)
أي أتاهم الغيث من السماء والنَباتُ من الأرض. وجعل ذلك زاكياً
كثيراً.
* * *
وقوله: (أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (٩٧)
أي ليلاً، أي أفَأمِنت الأمةُ التي كذبت النبي محمداً ﷺ أن يأتيهم بَأْسُنَا بَيَاتًا. أي ليلاً.
(وَهُمْ نَائمُونَ).
يقال نام الرجل ينام نوماً فهو نائم. وهو حسن النِيمةِ، ورجل نُومةٌ إِذا
كان خَسِيساً لا يؤبه له، ورَجُل نُوَمة إذا كان كثير النوم، وفلان حسن النِّيمة أي حسن هيئة النوم، والنِّيمُ - الفرو.
والفاءَ في قوله: (أَفَأَمِنَ) والواو في قوله (أَوَأَمِنَ)
أمِنَ، فتحت لأنها واو عطف وفاء عطف دخلت عليها ألف الاستفهام.
وقوله: (وَهُمْ يَلْعَبُونَ).
يقال لكل من كان في شيء لا يُجْدي أو في ضلال: إِنما أنت لاعب.
وإنَّمَا قيل لهم: (ضُحىً وَهُمْ يَلْعَبُون). أي وهم في غير ما يجدي عليهم.
* * *
وقوله: (أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (٩٩)
أي وأمنوا عذاب الله أن يأتيهم بغتة وهم لا يشعرون.
стр. 819
وقوله: (أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (١٠٠)
وتقرأ (نَهْدِ) بالنُونِ، فمن قرأ نهدي بالنون فمعناه أولَمْ نبَينْ.
لأن قولك: هديته الطريق معناه بَيَّنْت له الطريق.
ومن قرأ بالياء كان المعنى أو لم يبين الله لهم أنَّه لو يشاء أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ.
وقوله: (وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ).
ليس بمحمول على أصَبْنَاهم.
المعنى ونحن نطبع على قلوبهم، لأنه لو حمل على أصبْنَاهمْ لكان
ولطبعنا، لأنه على لفظ الماضي، وفي مَعْنَاه.
ويجوز أن يكون محمولاً على الماضي، ولفظه لفظ المستقبل كما أن لو
نشاءَ معناه لوشئنا.
* * *
وقوله (تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ (١٠١)
وهذا إِخبار عن قومٍ لا يؤمِنونَ.
كما قال جلَّ وعزَّ: (أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ).
وكما قال للنبِى ﷺ :
(قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣).
فهذا إِخبار من الله جَل وعز أنَّ هؤلاَءِ لَا يؤمِنُون.
стр. 820
وقال قوم: (فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ. .) أيْ لَيْسُوا مؤمنين
بتكذيبهم، وهذا ليس بشيءٍ، لأن قوله: (كَذَلكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلوبِ
الكَافِرينَ). . يَدُلَ على أنهم قد طُبعَ عَلَى قُلُوبِهمْ.
وموضع الكاف في " كذلك " نصْبٌ.
المعنى مثل ذلك يطبعَ الله على قُلوبِ الكافرِين.
* * *
وقوله: (وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ (١٠٢)
هذه " إِن " تدخل واللامَ على معنى التوكيد واليمين.
وتدخل على الأخْبَار. تقول: إِن ظننت زيْداً لَقَائِماً.
* * *
وقوله: (ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٠٣)
(فَظَلَمُوا بِهَا).
أي بالآيات التي جاءَتهم، لأنهم إِذا جاءَتهم الآيات فكفروا بها فقد
ظلموا أبْين الظُلْم، لأن الظلم وضعُ الشيء في غير مَوْضِعِه، فجعلوا بدل
وجوب الإيمان بها الكفر، فذلك معنى قوله (فظَلموا بِهَا).
* * *
وقوله (حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٠٥)
(حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ).
وتقرأ (حَقِيقٌ عَلَيَّ أَنْ لَا أَقُولَ)
ومن قرأ حقيق عَلَيًَّ أن لا أقول فالمعنى
واجب عَليَّ: تركُ القول على اللَّه إِلا بالحقً.
* * *
وقوله: (قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٠٦)
قد أوجب فرعونُ أنَّه ليس بآيةٍ كما ادعى، لأنه قد أوجَبَ له الصدق إن
اتى بآية يعجز عنها المخلوقون.
* * *
وقوله (فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (١٠٧)
стр. 821
إن شئت قلت: " عَصَا هُو " بالواو. والأجْوَدُ حَذْفُها، أعْنِي الواوَ لسكونها
وسكون الألف، والهاء ليست بحاجز.
وقوله: (فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ).
قال أبو عبيدة وغيره: الثعبان الحية. . وقال غيره: الحية الذَكَرُ.
وقال اللَّه في موضع آخر (فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى).
ومعنى (مُبينُ).
أي مبينٌ أنَّها حَيَّة.
* * *
وقوله: (وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (١٠٨)
معنى نزع يده أظهرها وأبانها.
وقال في مَوضع آخر (وَأدْخِل يَدَكَ في جَيْبِكَ تَخْرجْ بَيْضاءَ).
وفي موضع آخر (وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ).
فهذا دليل أن معنى نزع يده إخراجُها من جيبه وإِخراجها من جناحِهِ.
وجناح الرجل عَضُدُه وقَلَّ جناحُ الرجل عِطفُه.
وتأويل الجناحين من الِإنسان أنهما كالجَنَاحَين من الطائر.
وهما العَضُدانِ.
وقوله: (تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ).
أي تخرج لونها أبيض حُوريًّا.
стр. 822
وكان موسى فيما يُرْوَى أدِمَ.
(مِنْ غَيرِ سُوء).
أي تخرج بيضاءَ بياضاً ليس بِبرص، بياضاً يدل على أنَّه آية.
وكانت عصا موسى إِنما تكون حيَّة، عندَ إِظهارهَا بها الآية، ثم تعود عصا، كما قال اللَّه : (سَنُعيدُهَا سيرَتَها الأُولى).
* * *
وقوله: (قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (١٠٩)
وفي هذا الموضع (قال المَلأ مِنْ قَوْم فِرْعَون).
الملأ هُمُ الوُجُوهُ، وذوُو الرأي، وإِنما سُمُّواملأً لأنهم مُلئوا بما يحتاج إليه
مِنهُم.
وقرُئَتْ لسَحَّارٌ عَليمٌ.
* * *
(يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (١١٠)
قال فرعون مجيباً لهم: (فمَاذَا تَأمُرونَ).
ويجوز أن يكون " فمَاذا تأمُرون " من قول الملأ، كأنهمْ خاطبوا فرعون
ومن يَخُصُّهُ، وجائز أن يكون الخطاب لفرعونَ وحده، لأنه يقال للرئيس
المطاع: ما ترون في هذا؟ أي ما ترى أنت وجندُكَ.
و" مَاذا " يصلح أن تكون " ماذا " اسماً واحِداً، ويكون في موضع نصب.
ويكون المعنى أي شيء تأْمُرون.
стр. 823
ويصلح أن يكون " ذا " في موضع الذي، وتكون ما في معنى رفع.
ويكون المعنى ما الذي تأمُرون.
* * *
وقوله (قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (١١١)
تفسير (أَرْجِهْ) أخرِّه، ومعناه أخِّرْ أمرَهَ ولا تعجل في أمرِه بحكم فتكون
عَجَلتكَ حجة عليك.
وفي قوله (أَرْجِهْ) ثلاثة أوجُه قد قرئ بها.
قرأ أبو عَمْرو: أرجِئه وأخاه.
وقرأ جماعة من القراءِ: أرجِهِ وأخاه، وقرأ بعْضُهمْ أرجِهْ وأخاهُ - بإسكان الهاءِ.
وفيها أوجه لا أعلمها قرئ بها. يجوز أرجِهو وأخاه، وأرجهي.
وأرجئهي، وأرجهو بغير همزٍ. فأمَّا من قرأ أرجِه بإسكان الهاء فلا يعرفها
الحذاق بالنحو، وَيزعُمُون أن هاءَ الإِضْمارِ اسم لا يجوز إِسكانها.
وزعم بعضُ النحويين أن إِسكانها جائز.
وقد رْويت لعمري في القراءَة إِلا أن التحريك أكثر وأجْوَد.
وزعم أيضاً هذا أن هاء التأنيث يجوز إِسكانها وهذا لا يجوز.
واستشهد في هذا بشعر مجهول، قال أنشدني بعضهم:
لمَّا رأَى أَنْ لا دَعَهْ ولا شِبَعْ مالَ إلى أَرْطاةِ حِقْفٍ فاضْطَجَعْ
وهذا شعر لا يعرف قائله ولا هو بشيء، ولو قاله شاعر مذكور لقيل
أخطأت، لأنَّ الشاعِر قد يجوز أن يخطئ.
стр. 824
وأنشد أيضاً آخر أجهل من هذا وهو قوله
لست إِذن لزغْبَلهْ. . . إِن لم أغيِّر بَكْلتي
إِن لم أساو بالطُول.
فجزم الهاءَ في زغبله، وجعلها هاء، وإِنما هي تاء في الوصل.
وهذا مذهب لا يعرج عليه.
* * *
وقوله: (يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (١١٢)
وَسَحَّارٍ جميعاً قد قرئ بهما.
وقوله: (قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (١١٤)
أي لكم مع الأجر المنزلة الرفيعة عندي.
* * *
وقوله: (قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (١١٦)
(وَاسْتَرْهَبُوهُمْ).
أي استدعوا رهبَتَهُم حتى رهبهم الناس.
* * *
وقوله (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (١١٧)
وتلقَفَ مخففة ومثقلة، يقال لقفْت الشيء ألْقَفُه.
ومعنى قوله (يَأْفِكُونَ): أي يأتون بالإفك وهو الكذب، وذلك أنهم زعَموا
أَن حبَالهم وعصيهم حيات فكذبوا في ذلك، وإنما قيل إنهم جعلوا الزئبق
وصوَّروها بصوَر الحيَّات، فاضطرب الزئبق لأنه لا يستقر.
وقوله: (يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦).
ْفلمَّا ألقى مُوسى عصاه بلعت عصيهم وحبالَهم)
قال الشاعر:
أنت عصا موسى التي لم تزل. . . تلقف ما يَأفِكهُ السَّاحِرُ
стр. 825
هذا البيت أنشِد لأبي عبيدة، وزعم التَوزي صاحَبُ أبي عبيْدَة أنَّه لا
يعرفه. وهو صحيح في المعنى.
وقوله جلَّ وعز: (وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ (١٢٦)
يقال نقِمت أنقِم، ونقِمْتُ أنقَمُ، الأجود نَقَمتُ أنقِمُ والقراءَة مَا تَنْقِم
وهي أفصح اللغتين.
وقوله: (رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا).
أي، يشتمل علَيْنَا.
وقوله: (وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ (١٢٧)
ويُقْرأ (وإِلَاهَتَك) ويجوز (وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ).
فَمن نَصَب " (وَيَذَرَكَ) ردَّه على جواب الاستفهام بالواو.
المعنى أيكون منك أن تذر موسى، وأن يذَرَك.
ومن قال (وَيَذَرُكَ) جَعَلَة مستأنفاً، يكون المعنى: أتذَرُ موسى وهو يذرك وآلهتك.
والأجود أن يكون معطوفاً على (أتذَرُ) فكون أتذَرُ موسى وأيَذَرُكَ موسى.
أي أتطْلِقُ هذا له.
وأمَّا من قرأ وآلهتك، فإِنَّ المعنى أن فِرعَون كانت له أصنام
يعبدها قومه تقرباً إليه.
* * *
وقوله: (قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٢٩)
" عسَى " طمعٌ وإِشفاق، إِلا أن ما يطمع اللَّه فيه فهو واجبٌ، وهو معنى
قول المفسرين: إن عَسَى من اللَّه واجبٌ.
وَمعنى: (فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ)
أي يرى ذلك بوقوع منكم، لأن اللَّه جلَّ وعزَّ لا يجازيهم على ما يعلمه
منهم من خطيئاتهم التي يعلم أنهم عامِلوهَا لا محالة، إِنما يجازيهمْ على ما
وقع منهم.
стр. 826
وقوله: (وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٣٠)
السنين في كلام العرب الجدُوبُ، يقال مستهم السَّنَةُ، ومعناه جَدْبُ
السنة وشِدَّةِ السنة ونقص الثمرات.
(لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ).
إِنما أخِذُوا بالضراءِ لأن أحوال الشِدةِ تُرِقُ القُلُوب وتُرَغبُ فيما عند اللَّه
وفي الرجوع إِليه، ألا ترى إِلى قوله جلَّ وعزَّ:
(وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ)، وقال جلً
وعز: (وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ (٥١).
* * *
وقوله: (فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣١)
أي إِذا جاءَهم الخِصْبُ قالوا أعْطِينَا هذا باستحقاق.
(وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ).
أي جَدْبُ أو ضُر.
(يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ).
المعنى: يتطيَّرُوا. فأدغمَت التاءُ في الطاءِ، لأنهما من مَكان واحد من
طرف اللسانِ وأصول الثنايا.
وتفسير قوله: (يَطَّيَّرُوا): يتشاءَموا، وإِنما قالت العرب الطيرةُ ويتطير فيما
يكرهونَ، على ما اصطلحوا عليه بينهم، جعلوا ذلك أمراً يتشامون به فقال
: (أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ).
стр. 827
المعنى: ألاَ إِنما الشْؤم الذي يلحقهم هو الذي وعدوا به في الآخرة لا
ما ينالهم في الدنيا، وقال بعضهم: " طَائِرهم " حظهم، والمعنى واحد.
* * *
وقوله : (وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (١٣٢)
زعم بعض النحويين أن أصل " مهما ": مَا تأتنا به، ولكن أبدل من الألف
الأولى الهاء، ليختلف اللفظ، فما الأولى هي ما الجزاءُ، وما الثانية هي التي تزاد تأكيداً للجزاءِ، ودليل النحويين على ذلك إنَّه ليس شيء من حروف الجزاءِ إلا و " ما ". . تزاد فيه، قال اللَّه جلَّ ثناؤه:
(فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ)
كقولك إن تثقفهم في الحرب فشَرِدْهم.
وقوله: (وَإمَا تُعْرِضَنَّ عنهم) أيضاً وهذا في كتاب الله كثير.
وقالوا: جائز أن تكون " مَهْ " بمعنى الكف)، كما تقول مَهْ أي أكفف.
وتكون " ما " الثانية للشرط والجزاءِ، كأنهم قالوا واللَّه أعلم - أكفف مَا تأتينا به من آية.
والتفسير الأول هو الكلام وعليه استعمال الناس.
وهذا ليس فيما فيه من التفسير شيء لأنه يخل اختلاف هَذين التفسيرين بمعنى الكلام.
* * *
وقوله: (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (١٣٣)
قال الأخفش: الطوفان جمع طوفانَه.
وقيل في التفسير إن الطوفان المطر الذي يُغرقُ من كثرته.
قال الله جلَّ وعزَّ في قصة نوح:
стр. 828
(فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ).
وقيل الطوفان الموت العظيم.
وقوله: (وَالْقُمَّلَ).
قال فيه أبو عبيدة هو الْحَنْمَان صِغار القِرْدَان.
واختلف في تفسيره فقال بعضهم هِيَ دَوَاب أصغَرُ من الْقَمْل.
(وَالدَّمَ).
قيل إِن اللَّه جلَّ وعزَّ: جعل مَاءَهمْ دَماً، فكان الِإسرائيلي يستقي الماءَ
عذباً صافياً، فإِذا أخذه القبطِى تحوَّلَ دَماً صَافِياً.
وقوله: (آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ).
أي إِن بعضها منفصل مِنْ بعض، ويقال إِنه كان بين الآية والآية ثمانية
أيَّامٍ، وأرسلت عليهم الضفادِع تَدْخل في ثِيَابِهِمْ وفي طعامِهِمْ.
و (آيَاتٍ) منصوب على الحال، وهي العلامات.
* * *
وقوله: (وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٣٤)
والرجز اسم للعذاب.
(قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ).
وكانوا قد أخذوا بني إِسرائيل بالكد الشَدِيدِ حتى قالوا لموسى:
(أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا).
فيقال إِنهم كانوا يستعملون بنى إسرائيل في تلبين اللَّبِن، وكان
стр. 829
فرعون وأصحابه من القبطِ يفعلون ذلك ببني إِسرائيل، فلما بعث موسى
أَعطوهم اللَّبِنَ يُلَبِّنُونَه، ومنعُوهم التبْن لِيَكون ذلِكَ أشق عليهم.
* * *
وقوله: (فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (١٣٥)
وهو البحرِ، وكذلك هو في الكتب الأول.
* * *
(فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (١٣٦)
(وكانُوا عَنْهَا غَافِلِين).
أي كانوا لا يعتبرون بالآيات التي تنزل بهم.
* * *
وقوله: (وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ (١٣٧)
يعني بني إِسرائيل، وكان منهم داوُد وسليمان مَلكوا الأرْضَ
وقوله: (وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى).
يعنى ما وعدهم اللَّه به من إِهلاك عَدوِّهِمْ واستخلافِهِمْ في الأرْضِ.
(وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ).
و (يَعْرُشُونَ) جَمِيعاً. يقال عرَشْ يَعْرِش ويعْرُشُ، إِذا هو بنى.
* * *
(وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨)
ومعنى: (يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ).
أي يواظبون عليها ويلازمونها، يقال لكل من لزم شيئاً وواظب عَليْهِ.
عكفَ يَعْكِف ويعْكفُ. ومن هذا قيل للملازم للمسجد معتكف.
* * *
وقوله: (إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٩)
(مُتَبَّرٌ) مُهلك وَمُدَمَّر، ويقال لكل إِناءٍ مكسَّرٍ مُتَبَّرٌ، وَكُسَارَتُه يقال
له التَبْر.
* * *
وقوله: (قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (١٤٠)
стр. 830
أي أغيْرَ اللَّه أطلب لكم إلهاً: (وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ).
* * *
وقوله: (وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (١٤١)
المعنى: واذكروا إِذ أنجيناكم من آل فِرْعَوْن.
(يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ).
معنى يسومونكم يولُونكم.
* * *
وقوله: (وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (١٤٢)
((وَوَاعَدْنَا مُوسَى) (وَوَعَدْنَا مُوسَى).
(ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ).
قيل أمره الله أن يصوم ثلاثين يَوْماً، وأن يعمل فيها بما يقرِبه إلى اللَّهِ.
وقيل في العَشرِ أنزِلت عَليْهِ التَوْراة وكُلِّمَ فِيهَا.
وقال بعضهم لما صام ثلاثين يوماً أنكرَ خُلُوفَ فِيهِ فاسْتَاكَ بعود
خَرُّوبِ، فقالت الملائكة إنا كنا نَسْتَنْشِئ مِن فيكَ رائحة المسك فأفسدته
بالسواكَ. فزيدت عَليه عَشْر ليالٍ.
وقد قال في موضع آخر: (وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً).
فهذا دليل أن المواعدة كانت أربعين ليلةً كاملة.
واللَّه جلَّ وعزَّ أعلم.
* * *
وقوله: (وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي).
يجوز هارون بالفتح وهو في موضع جر بدلاً من أخيه، ويجوز لأخيه
هارونُ بضم النُونِ، ويكون المعنى وقال موسى لأخيه، يا هَارون
(اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي).
* * *
(وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (١٤٣)
(وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا).
أي للوقتِ الذي وقَتْنَا له.
(وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ).
стр. 831
كلم الله موسى تكليماً. خصَّه اللَّهُ أنه لم يكن بينه وبين الله جل ثناؤه
وفيما سَمِعَ أحَدٌ، ولا مَلَك أسْمَعه اللَّهُ كَلَامَهُ، فلما سمع الْكَلاَمَ
(قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ).
أي قد خاطبتني من حيْثُ لا أراك، والمعنى أرني نفْسَك.
وقوله: (أَرِنِي أَنْظُرْ) مجزوم جواب الأمر.
(قَالَ لَنْ تَرَانِي) ولن نفي لما يستقل.
(وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي).
(فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ).
أي ظهر وبان.
(جَعَلَهُ دَكًّا).
يجوز " دكًّا " بالتنوين، ودَكَاءَ بغَير تنوينٍ، أي " جَعله مَدْقُوقاً مع الأرض.
يقال دككت الشيءَ إِذا دققته، أدُكه دَكًّا، والدكَّاءُ والدَّكاوَاتُ الروابي التي مع الأرض ناشزة عنها، لا تبلغ أن تكون جبلا.
وقوله: (وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا).
(صَعِقًا) منصوب على الحال، وقيل إِنه خرَّ مَيِّتاً، وقيل خرَّ مَغشياً عليه.
(فَلَمًا أفَاقَ).
ولا يكاد يقال للميت قد أفاق من مَوْته، ولكن للذي غشي عليه والذي
يذهب عقله قد أفاق من علته، لأن الله جلَّ ثناؤُه قال في الذين ماتوا:
(ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ).
وقوله: (قَالَ سُبْحَانَكَ).
стр. 832
أي تنزيهاً لك من السوءِ.
جاءَ عن النبي ﷺ أن قوْله " سبحان اللَّه "
تنزيه للَّهِ من السوءِ.
وأهل اللغة كذلك يقُولون من غير مَعْرِفةِ بما فيه.
عن النبي ﷺ ولكن تفسيره يجمعون عليه.
* * *
وقوله: (وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ).
أي أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ بأنك لا ترى في الدنيا.
هذا معنى (أرني انظرْ إِليك) إِلى آخره الآية، وهو قول أهل الْعِلْم وأهل
السنة.
وقال قوم: معنى (أرني أنْظُر إِليك)، أرني أمراً عظيماً لا يُرَى مِثْلُه في
الدنيا مما لا تحتمله بنية موسى، قالوا فأعلمه أنَّه لن يرى ذلك الأمْر، وأن
معنى. (فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ): تجلى أمر رَبِّه.
وهذا خطأ لا يعرفه أهل اللغة، ولا في الكلام دليل أن موسى أراد أن
يرى أمراً عظيماً من أمْرِ اللَّه، وقد أراه اللَّه من الآيات في نفسه ما لا غاية
بَعْدَه.
قد أراه عصاه ثعباناً مبيناً، وَأراه يده تخرج بيضاءَ من غير سوءٍ وكان
أدم، وفرَق البحر بعصاه. فأراه من الآيات العظام ما يستغنى به عن أن
يطلبَ أمراً من أَمر الله عظيماً، ولكن لما سَمِعَ كلام الله قال: رب أرني أنظُر
إِليك، سمعت كلامك فأنا أحب أن أراك. فأعلمه الله جل ثناؤُه إنَّه لن يراه.
ذم أمره الله أن يشكره، فقال:
(يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٤٤)
أي اتخذتك صفوةً على الناس.
(بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي).
стр. 833
ولو كان إِنما تَبعَ كَلَامَ غير الله لما قال برسالاتي وبكلامي، لأن
الملائكة تنزل إلى الأنبياءِ بكلام اللَّه.
وقوله: (فَخُذْ مَا آتيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرين).
ثم أعلَم اللَّه جل ثناؤه أنَّه قد أعطاه من كل شيءٍ يحتاج من أمر الدِّين
مع ما أراه من الآياتِ فقال جلَّ وعزَّ:
(وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ (١٤٥)
وقيل في التفسير إِنهما كانا لوحين. ويجوز في اللغة أن يقال للوحين
ألواح. ويجوز أن يكون ألواح جمع أكثَر مِنَ اثْنَين.
وقوله: (فَخُذْهَا بِقُوة) أي خُذْها بقوةٍ فى دينك وَحجتِكِ.
وقوله: (وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا).
في هذا وجهان، وهو نحو قوله: (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ)
ونحو قوله: (وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ).
فيحتمل وجْهيْن:
أحدهمَا أنَّهمْ أمِروِا بالخيْرِ ونُهُوا عن الشرِ، وعرفوا مَا
لَهم فِي ذَلِكَ، فقيلَ (وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا)
ويجوز أن يكون نَحوَ ما أمِرْنا به من الانتصار بعد الظلم، ونحو القصَاص في الجرُوح إِذ قال: (وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ).
(وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١).
فهذا كله حَسَنٌ والعفو أحسنُ من القِصاصِ والصَبْرُ أحسن من
الانتصار.
стр. 834
وَقَوله: (سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (١٤٦)
أي اجعَلُ جزاءَهم الِإضْلالَ عن هداية آياتي.
ومعنَى (يَتَكَبَّرُونَ) أي أنهم يرون أنهم أفضَلُ الخلقِ وأن لهم من الحق ما ليس لغيْرِهِم.
وهذه الصفة لا تكون إِلَّا للَّهِ جلَّ ثناؤُه خاصةً لأن الله ﵎ هو الذي له القدرَة والفضلُ الذي ليس مثله، وَذَلِكَ يَسْتحقُ أن يقال له: المتكَبر، وليس لأحدٍ أنْ يتكبر لأن الناس في الحقوق سواء.
فليس لأحدٍ مَا ليْسَ لِغَيره واللَّه جل ثناؤُه المتكبرُ.
أعلم الله أن هُؤلاءِ يتكبرون في الأرض بغير الحق.
وقوله: (وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا).
وسبيل الغى هو سبيل الضلال، يقال: غوَى الرجل يَغْوِي غيًّا وهو غاوٍ
إذا ضَل.
وقوله: (ذَلِكَ بأنَّهُمْ كذَّبوا بآياتِنا).
" ذَلِكَ " يصلح أن يكون رفعاً، أيإِن أمرَهم ذلك، ويجوز أن يكون
نصباً على معنَى فَعَل اللَّهُ بهم ذلك بأنهم كذبوا بآياتِنَا.
(وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلينَ).
" غافلين " يصلح أن يكون - واللَّه أَعلم - كانوا في تركهم الِإيمان بها
والنظَرِ فيها والتدبر لها بمنزلة الغافلين.
ويجوز أن يكون (وكانوا) عن جوابها غافلين كما تَقول: ما أغفَلَ فلاناً عما
يُرَادُ به.
* * *
وقوله: (وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ (١٤٨)
و (مِنْ حُلِيِّهِمْ) ومن حِلِيِّهِمْ.
стр. 835
فمن قرأ من (حَلْيِهم) فالحَلْيُ اسم لمَّا يُحَسَّن به من الذهب والفضة.
ومن قرأ (من حُلِيَهِمْ) بضم الحاءِ - فهو جمع حَلْيٍ على حُلِيٍّ مثل حَقْوٍ
وحُقِيٍّ، ومن كسر الحاءِ فقال - من حِلِيِّهِمْ - أتْبَعَ الحاءِ كسر اللام.
ومعنى (من بَعْده) أي من بعد ما جَاءَ الميقات، وخَلفَه هارون في قومه.
وكان لهم حَلْيٌ يجمعونه في أيام زِينتهم، وكان لِلْقُبةِ حَلى عند بني إِسرائيل.
فقال لهم السامري، وكانَ رجلًا مطاعاً فِيهم ذَا قَدْر، وكانوا قد سألوا موسى أن يجعل لهم إِلهاً يعبدونه كما رأوا قوم فرعون يَعْبًدُون الأصنامَ.
فجمع السامِرِي ذلك الحلى، وهو قولهم:
(وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا) أي ألقيناها.
(فكذَلِكَ ألقَى السَّامِرِيُّ) أي وكذلك طرح السَّامِرِيُّ ما كان عندَه
من الحلي فصاغه في العجل.
فقال اللَّه تعالى:
(وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا).
والجسد هو الذي لا يعقل ولا يميز، إِنما معنى الجَسَد معنى الجثة
فقط.
(لَهُ خُوَارٌ): أي له صوت.
وقيل له خوار - بالحاءِ والجيم - وكلاهما من الصوت، وكان قد عمله.
كما تعْمَل هذه الآلات التي تصوِّت بالْخَيْلِ، فجعله في بيت وأعلمهمُ أن
إلَهَهمْ وإِله موسى عندى.
ويقال في التفسير إِنَّه سُمِعَ صَوْته مرةً واحدةً فقط.
فقال الله :
стр. 836
(أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا).
أي لا يُبَين لهم طريقاً إِلى حجة.
* * *
وقوله: (وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (١٤٩)
يقال للرجل النادم على مَا فَعَلَ الْخَسِر عَلَى ما فرط منه، قد سُقِطَ في
يده وأسْقِطَ، وقد رُوِيتْ سُقِطَ في القراءَة، فالمعنى: ولما سقط الندم في
أَيديهم، كما تقول للذي يحصل على شيء - وَإِنْ كَانَ مما لا يكون في اليد - قد حصل في يده من هذا مكروه، تُشَبِّهُ ما يحصُل في القلب وفي النفس بما
يرى بالعَيْنِ.
* * *
وقوله: (وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١٥٠)
(غَضْبَانَ) منصوب على الحال، وهو على مثال فعلان، وله فَعْلى نحو
غَضْبَى - لم ينصرف، لأن فيه الأَلفَ والنونَ، كألفي حمراء، والأسف:
الشديد الغضب، قال الله جلَّ وعزَّ: (فَلَما آسَفُونَا انتقمنا منهم)، أي فلما
أغضبونَا.
وقوله: (أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ).
يقال عجلت الأمر والشيءَ سبقته، وأعجلته استحثثته.
(قَالَ ابْنَ أُمَّ).
بالفتح وإِن شئت بن أُمِّ بالكسر، فمن قَالَ ابْنَ أُمَّ بالفتح فإِنه إِنما فتحوا
في ابْنَ أُمِّ وابن عم لكثرة استعمالهم هذا الاسم.
وأن النداءَ كلام محتملٍ للحذف فجعلوا " ابن " و " أمَّ " شيئاً واحداً نحو خمسة عشر.
ومن قال ابن أمِّ - بالكسر - فإِنه أضافه إِلى نفسه بعدَ أن جعله اسماً واحداً، ومن العرب من
стр. 837
يقول: يا ابن أمِّي بإثباتِ الياء.
قال الشاعر:
يا ابن أمي ويا شُسقَيقَ نَفْسِي. . . أنْتَ خَليْتَنِي لَدَهْر شَدِيد
* * *
وقوله: (إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (١٥٢)
المعنى اتخذوا العجل إِلهاً.
وقوله: (وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا).
لحقتهم الذلة أنهم رأوا أنهم قد ضلوا وذَلًّوا، والذَلَّةُ هو ما أمروا به مِنْ
قَتْل أنفُسِهِمْ، وقيل إن الذَلَّة أخذ الجزيةِ، وأخذ الجزية لم يقع في الذين
عبدوا العجل، لأن الله جلَّ وعزَّ تاب عليهم بِقَتْلِهِمْ أنفُسهمْ.
* * *
وقوله: (وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (١٥٤)
يقال سكت يسكُتُ سَكْتاً إِدْا هو سكن، وسكت يسكتُ سُكُوتاً وَسَكْتاً
إِذا قطع الكلام، ويقال: رجل سِكِّيت بيّنَ السُّكُوت والساكوتةِ إِذا كان كَثِيرَ السكوتِ، وأصاب فلاناً سُكَّات إِذا أصابه داء منعه من الكلام، والسُّكَيْتُ - بالتخفيف والتشديد - الذي يجيء آخِرَ الْخَيْلُ.
وروى بعضهم: " ولما سُكِتَ عن موسى الغضبُ " ولا تقرأن به لأنه خلاف المصحف.
قول بعضهم: (وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ) معناه: وَلَمَّا سَكَتَ موسَى عن الغضب، على القلب، كما قالوا: أدخَلْتُ الْقَلَنْسوَّةَ في رَأْسِي.
المعنى أدْخلت رأسي في الْقَلَنْسُوَةِ.
والقول الذي معناه سكن قول أهل العربية.
* * *
وقوله: (وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ (١٥٥)
стр. 838
معناه واختار موسى من قومه، وكان موسى اختار من اثني عشر سِبطاً من
كل سبطٍ ستة رجال، فبلغوا اثنين وسبعين رَجُلاً فَخَفَّفَ منهم رَجليْن.
ومعنى اختار قومه، اختار من قومه فحذفت " من " وَوُصِلَ الفعلُ فَنُصِبَ.
يقال اخترت من الرجال زيد واخترت الرجال زيداً.
وأنشدوا:
ومنا الذي اختارَ الرجالَ سماحة. . . وجوداً إِذا هب الرياح الزعارع
وقوله: (فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ).
وهي الحركة الشديدة والزلزلة الشديدة.
يقال إِنه رجف بهم الجَبل فماتوا فقال:
(قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ).
أي لو شئت أمتَّهم من قبل أن تأْتيهم بما أوْجَبَ عليهم الرجفة.
* * *
وقوله: (وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (١٥٦)
(إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ).
معناه تُبْنَا إِليك.
(وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيءٍ).
أَي كل ما خَلَقْته فبرحمتي وفضلي يعيش، فمعناه ورحمتي وَسِعَتْ كل
شيءٍ في الدنيا.
* * *
وقوله : (فسَأَكتُبها للذينَ يَتَقُونَ).
في الآخرة، أي أجازيهم بها في الآخرة.
стр. 839
قوله : (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧)
الْأُمِّيُّ: هو على خلقة الأمَّة، لم يتعلم الكتاب فهو على جِبِلَّتِهِ.
وقوله: (الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ).
وهذا أَبلغ في الاحتجاج عليهم لأنه إخبار بما في كُتُبهم.
والنبي ﷺ لم يكن يكتب ولا قرأ التوراة والِإنجيلَ، ولا عَاشَر أهلَهما فإتيانه بما فيهما من آيات الله العظام.
ومُحال أن يجيءَ مُدَّع إِلى قوم فيقول لهم ذِكْرِي في
كتابكم، وليس ذلك فيه. وذكره قد أنبأ من آمن من أهل الكتاب به.
وقوله: (يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ).
يجوز أن يكون (يَأْمُرُهُمْ) مستأنفاً.
وقوله: (وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ).
أي يحل لهم ما حُرِّمَ عليهم من طيباتِ الطَّعام.
ويجوز (وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ) أي ما أخذ مِن وجْههِ طيِّباً.
(وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ).
والإصر ما عقدته من عَقْد ثقيل.
(وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ)
والأغلال تمثيل، أَلا ترى أنك تقول: جعلت هذا طوقاً في عُنقِك.
وليس هناك طوق، وإِنما تأويله أني قَدْ وَلَّيتُكَ هذا وألزمتك القِيَامَ بِه، فجعلتُ لزومَه لك كالطوق في عنقك.
والأغلال التي كانت عليهم: - كان عليهم أَنه من قتَلَ قُتِل، لا يُقْبَلُ في
ذلك ديَة، وكان عليهم إِذا أَصاب جلودَهُم شيءُ من البَوْل أَن يَقرِضُوه، وكان عليهم ألا يَعْمَلُوا فىِ السبْتِ. فهذه الَأغْلال التي كانت عليهم.
стр. 840
وقوله: (فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ).
أي بمحمد ﷺ .
(وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ).
اختلف أهل اللغة في معنى قوله: (وَعَزَّرُوهُ) وقوله: عَزَرْتُ فُلاناً أعزرُه
وأعزُره عزْراً، قال بعضهم: معنى عَزَرْته رَدَدتُه، وقال بعضهم معنَى عَزْرتُه
أَغَثْتُه، وقال بعضهم: يقال عَزَرْتُ الرجلَ أعزِرُه إِذا لمتُهُ، ويقال عزَّرْت فلاناً، قال بعضهم عَزَّرْتْ فُلاناً نصرتُه، وقال بعضهم منِعتُ منه.
فالمعنى: (فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ) معنى عزَّروه منعوا أعداءه من الكُفْرِ به.
وقال بعضهم: عَزَّروه بمعنى نصروه، والمعنى قريب لأن مَنْعَ الأعداء منه
نصرته.
ومعنى عزَّرْتُ فلاناً إِذا ضَرَبْتُه ضرباً دونَ الحدِّ، يمنعه بِضَرْبه إِياه عن
مُعَاودَةِ مثل عمله.
وقوله: عَزَّرْتُه رَدَدْتُه يجوز أن يكون منه التعزيز، أي فَعَلْتُ به ما يَرُدُّه عَنْ
المعْصيَةِ.
وقوله: (وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ).
أي واتَبَعَوا الحقَّ الذي بيانه في القلوب كبيان النورِ في العيون.
* * *
وقوله: (وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٥٩)
أَي يَدْعُونَ الناس إِلى الهداية بالحق.
(وَبِهِ يَعْدِلُونَ).
أَي وبالحق يحكمون.
وقوله: (وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١٦٠)
(وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا)
ويجوز عَشِرَةَ- بكسر الشين - المعنى قطعناهم اثنتي عشرة فرقة أسْبَاطاً
стр. 841
من نعت " فرقة " كأنه قال: جَعَلْنَاهم أسباطاً وفرقناهم أَسْبَاطاً فيكون أَسباطاً
بدلاً من اثنتي عشرة. وهو الوجه.
وقوله: (أُمَمًا) من نعت (أَسباطاً).
قال بعضهم: " السِّبْطُ القرن الذي يجيءَ بَعْدَ قَرْنٍ، والصحيح أَن
الأسباط في وَلَدِهِ إِسحاق بمنزلة الْقَبَائِل في وَلَدِ إِسْمَاعِيل " فَوَلَدُ كُل من وُلِدَ
من أولاد يعقوب سبط وَوَلَدُ كُل من وَلَدِهِ من وَلَدِ إِسماعيل قبيلة.
وإِنما سُمِّيَ هُؤلاءِ بالأسْبَاطِ، وهؤُلاءِ بالقبائل، لِيُفْصَل بين وَلدِ إِسْمَاعِيلَ وَوَلَد إِسْحَاقَ.
ومعنى القبيلة من وَلَدِ إِسماعيل معنى الجماعة يقال لِكل جماعة مِنْ
وَلدٍ قَبِيلَة وكذلك يقال لكل جمع على شيء واحد:
قبيلٌ، قال اللَّه جلَّ وعزَّ: (إنَهُ يَرَاكمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ من حيث لا تَرَوْنَهُمْ).
فأما الأَسباط فهو مُشْتَق من السَّبَطِ، والسُّبَطُ ضرب من الشَجر تُعْلفُة الِإبِلُ، ويقال للشجرة لها قبائلُ.
فكذلك الأسباطُ من السَّبَط. كأنه جعَلَ إِسحاق بمنزلة شجرة، وجعِلَ إسماعيلُ بمنزلة شجرة.
وكذلك يَفْعَلُ النسابُونَ في النسب يجعلون الوالد بمنزلة الشَّجَرَةِ
ويجعلون الأولاد بمنزلة أغصانها، ويقال: طُوبِىَ لِطرْحِ فلانٍ، وفلان من
شجرةٍ صَالِحَةٍ - فهذا - واللَّه أعلم - معنى الأسبَاطِ والسِّبْطِ.
* * *
وقوله جلّ ثناؤه: (وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣)
стр. 842
السؤَال على ضربين، فأحد الضربين أن قال لِتَسْتَخْبرَ عما لَا تَعْلَمُ
لَتَعْلَمَ، والضرب الثاني أن تسأل مستخبراً على وجه التقرير، فتقولُ للرجُلِ أنا فعلتُ كذا؛ وأنت تعلم أنك لم تفعل، فإِنما تسأله لِتُقَررَهُ وَتُوَبخَهُ.
فمعنى أمر النبي ﷺ أن يسأل أهل الكتاب عن أهل هذه القرية - وقد أخبر الله جلَّ ثناؤُه
بِقِصتِهَا لِيُقررَهُم بقديم كفرهم، وأن يُعْلِمهُمْ ما لا يُعْلم إِلَّا بكتاب أو وَحْىِ.
(إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ).
أي إِذ يظلمون فِي السبْتِ، يقال أعَدَا، فلان يَعدُو عُدْواناً، وعِدَاءَ
وَعَدْواً، وَعُدُوًّا - إِذَا ظَلَمَ.
وقوله: (إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ).
حيتان - جمع حوتٍ، وَأكْثرُ ما تسَمًي العربُ السمَك الْحِيتَانَ
والنينان.
(إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ)
موضع " إِذ " نصبٌ، المعنى سَلْهُم عن عُدُوهِمْ في السبْتِ، أي سلهم عن
وقت ذلك.
(إِذ تَأَتِيهِمْ).
في موضع نصبٍ أَيْضاً ب (يعدون).
المعنى سلهم إِذ عَدَوْا في وقت الِإتْيانِ.
(شُرَّعًا).
أي ظاهرة، وكانت الحيتان تأتي ظاهرة فكانوا يحتالون بِحَبْسِها في يوم
السبت ثم يأْخذونها في يوم الأحدت ويقال إِنهم جاهروا بأخذها في يوم
السبتِ.
стр. 843
وقوله: (كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ).
أي مثل هذا الاختبار الشديد نختبرُهُمْ.
وموضع الكاف نصب بقوله: (نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ).
أي شددت عليهم المحنة بِفِسْقِهِمْ. ويحتمل - على بعد - أن يكون:
ويومِ لا يَسْبِتونَ لا تأْتيهم كذلك أي لا تأْتيهم شرعاً، ويكون نَبلوهم
مستأْنفة، وذلك القول الأول قول الناس وهو الجَيِّد.
* * *
(وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٦٤)
الأصل لِمَا، ولكن الألف تحذف مع حروف الجر نحو لِمَ وعَم وَبِمَ.
قال اللَه تعالى: (فبِمَ تُبَشِّرُونَ)، (عَمَ يَتَسَاءَلُونَ).
ومعنى الآية أنهم لَامُوهُمْ في عظة قوم يعلمون أنهم غير مُقْلِعينَ.
هذا الأغلَب عليْهمِ في العلم بهم.
(اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا).
ومعنى (أَوْ) - واللَّه أعلم - أنهم أخبروهم - على قدر ما رأوا من
أعمالهم - أنهُم مًهْلَكُون في الدنيا أو معذبونَ في الآخرة لا محالة.
وقوله: (قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ).
المعنى قالوا موعظتنا إِياهم معذرة إِلى ربكم وَلَعَلهُمْ يتقُونَ.
فالمعنى أنهم قالوا: الأمر بالمعْروف وَاجبٌ علينا، فعلينا موعظة هؤلاءِ
لعَلهُمْ يتقونَ، أي وجائز عندنا أَن ينتفعوا بالمعذرة
стр. 844
ويجوز النصْبُ في " مَعْذِرَة " فيكُون المعنَى في قوله: (قالوا معذرة إِلى
رَبِّكم) على معنى يعتذرون مَعْذِرةً.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٥)
(نَسُوا) يجوز أن يكون في معنى تركوا، ويجوز أن يكون تركهم بمنزلة
من نَسِيَ.
وقوله: (أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ).
أي شديد، يقال بَئِس يَبؤُس بَأساً إِذَا اشْتَد، وقيل إِنَّ القوم كانوا ثَلاثَ
فِرقٍ، فرقةٌ عملت بالسوءِ، وفرقة نهت عن السوءِ، وفرقةٌ أمسكت عن النهي.
وقيل كانوا فرقتين، فرقة نَهتْ عن السوءِ وفرقة عملت بالسوءِ، وبعض الفرقة التي فيها من نهى عن السوءِ مؤمن غير راض بما فَعَل أهلُ السُّوءِ فدخلوا في النجاة مع الذين ينهون عن السوءِ، ونَزَلَ العَذابُ بالذِينَ عَدَوْا في السبت.
* * *
وقوله: (فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (١٦٦)
العاتي: الشديدُ الدخولِ في الفساد، المتمرد الذي لا يَقْبَلُ موعِظة.
وقوله: (قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ).
جائز أن يكونُوا أمروا بأن يكونوا كذلك بقول سُمِعَ، فيكون أبلغ في
الآية والنازلة بِهِمْ، وجائز أن يكون " فقلنا لهم " من قوله:
(إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢).
ومعنى " خَاسِئينَ ": أي مُبْعَدِينَ.
стр. 845
وقال قوم: جائز أن تكون هذه القردة المتوَلِّدةُ أصلها منهم
وقال قوم المسخُ لا يبقى ولا يَتَولد، والجملة أنا أخْبِرْنَا بأنهُمْ جُعِلُوا قردة، والقِردةُ هي التي نعرفها.
وهي أكثر شيءٍ في الحيوان شبهاً بابن آدم، واللَّهُ أعلم كيف كانَ
أمْرُهُمْ بعدَ كونهم قِرَدَة.
* * *
وقوله: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٧)
قال بَعضهم: تَأَذَّنَ: تَألَّى ربك ليبعثن عَليْهم، وقيل: إن تَأَذَّنَ أعلم.
والعرب تقول: تعلم أن هذا كذا، في معنى أعلم.
قال زهير:
تَعلَّمْ أن شرَّ الناسِ حي. . . ينادي في شعارهمو يسار
وقال زهير أيضاً:
فقلت تَعَلَّمْ أن للصيد غِرةً. . . وإِلا تضيعها فإنك قَاتله.
وقوله: (لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ).
أي من يوليهم سوءَ العذاب.
فإِن قال قائل قد جعلوا قِردةً فكيف يبْقَون إِلى يوْمِ القِيَامَةِ؟
فالمعنى أن الذكر لليهودِ، فمنهم من مُسخ، وجُعِل منهم القِردة والخنَازيرَ ومن بقي فمعانِدٌ لأمر اللَّه، فهم مُذَلُّون بالقتل، إِلا أن يُعْطُوا الجزية، فهم مذَلَّون بها وهم في كل مكان أذلُّ أهلِه.
قال الله : (ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ).
следующие страницы →