من نعت " فرقة " كأنه قال: جَعَلْنَاهم أسباطاً وفرقناهم أَسْبَاطاً فيكون أَسباطاً
بدلاً من اثنتي عشرة. وهو الوجه.
وقوله: (أُمَمًا) من نعت (أَسباطاً).
قال بعضهم: " السِّبْطُ القرن الذي يجيءَ بَعْدَ قَرْنٍ، والصحيح أَن
الأسباط في وَلَدِهِ إِسحاق بمنزلة الْقَبَائِل في وَلَدِ إِسْمَاعِيل " فَوَلَدُ كُل من وُلِدَ
من أولاد يعقوب سبط وَوَلَدُ كُل من وَلَدِهِ من وَلَدِ إِسماعيل قبيلة.
وإِنما سُمِّيَ هُؤلاءِ بالأسْبَاطِ، وهؤُلاءِ بالقبائل، لِيُفْصَل بين وَلدِ إِسْمَاعِيلَ وَوَلَد إِسْحَاقَ.
ومعنى القبيلة من وَلَدِ إِسماعيل معنى الجماعة يقال لِكل جماعة مِنْ
وَلدٍ قَبِيلَة وكذلك يقال لكل جمع على شيء واحد:
قبيلٌ، قال اللَّه جلَّ وعزَّ: (إنَهُ يَرَاكمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ من حيث لا تَرَوْنَهُمْ).
فأما الأَسباط فهو مُشْتَق من السَّبَطِ، والسُّبَطُ ضرب من الشَجر تُعْلفُة الِإبِلُ، ويقال للشجرة لها قبائلُ.
فكذلك الأسباطُ من السَّبَط. كأنه جعَلَ إِسحاق بمنزلة شجرة، وجعِلَ إسماعيلُ بمنزلة شجرة.
وكذلك يَفْعَلُ النسابُونَ في النسب يجعلون الوالد بمنزلة الشَّجَرَةِ
ويجعلون الأولاد بمنزلة أغصانها، ويقال: طُوبِىَ لِطرْحِ فلانٍ، وفلان من
شجرةٍ صَالِحَةٍ - فهذا - واللَّه أعلم - معنى الأسبَاطِ والسِّبْطِ.
* * *
وقوله جلّ ثناؤه: (وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣)
стр. 842
السؤَال على ضربين، فأحد الضربين أن قال لِتَسْتَخْبرَ عما لَا تَعْلَمُ
لَتَعْلَمَ، والضرب الثاني أن تسأل مستخبراً على وجه التقرير، فتقولُ للرجُلِ أنا فعلتُ كذا؛ وأنت تعلم أنك لم تفعل، فإِنما تسأله لِتُقَررَهُ وَتُوَبخَهُ.
فمعنى أمر النبي ﷺ أن يسأل أهل الكتاب عن أهل هذه القرية - وقد أخبر الله جلَّ ثناؤُه
بِقِصتِهَا لِيُقررَهُم بقديم كفرهم، وأن يُعْلِمهُمْ ما لا يُعْلم إِلَّا بكتاب أو وَحْىِ.
(إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ).
أي إِذ يظلمون فِي السبْتِ، يقال أعَدَا، فلان يَعدُو عُدْواناً، وعِدَاءَ
وَعَدْواً، وَعُدُوًّا - إِذَا ظَلَمَ.
وقوله: (إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ).
حيتان - جمع حوتٍ، وَأكْثرُ ما تسَمًي العربُ السمَك الْحِيتَانَ
والنينان.
(إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ)
موضع " إِذ " نصبٌ، المعنى سَلْهُم عن عُدُوهِمْ في السبْتِ، أي سلهم عن
وقت ذلك.
(إِذ تَأَتِيهِمْ).
في موضع نصبٍ أَيْضاً ب (يعدون).
المعنى سلهم إِذ عَدَوْا في وقت الِإتْيانِ.
(شُرَّعًا).
أي ظاهرة، وكانت الحيتان تأتي ظاهرة فكانوا يحتالون بِحَبْسِها في يوم
السبت ثم يأْخذونها في يوم الأحدت ويقال إِنهم جاهروا بأخذها في يوم
السبتِ.
стр. 843
وقوله: (كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ).
أي مثل هذا الاختبار الشديد نختبرُهُمْ.
وموضع الكاف نصب بقوله: (نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ).
أي شددت عليهم المحنة بِفِسْقِهِمْ. ويحتمل - على بعد - أن يكون:
ويومِ لا يَسْبِتونَ لا تأْتيهم كذلك أي لا تأْتيهم شرعاً، ويكون نَبلوهم
مستأْنفة، وذلك القول الأول قول الناس وهو الجَيِّد.
* * *
(وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٦٤)
الأصل لِمَا، ولكن الألف تحذف مع حروف الجر نحو لِمَ وعَم وَبِمَ.
قال اللَه تعالى: (فبِمَ تُبَشِّرُونَ)، (عَمَ يَتَسَاءَلُونَ).
ومعنى الآية أنهم لَامُوهُمْ في عظة قوم يعلمون أنهم غير مُقْلِعينَ.
هذا الأغلَب عليْهمِ في العلم بهم.
(اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا).
ومعنى (أَوْ) - واللَّه أعلم - أنهم أخبروهم - على قدر ما رأوا من
أعمالهم - أنهُم مًهْلَكُون في الدنيا أو معذبونَ في الآخرة لا محالة.
وقوله: (قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ).
المعنى قالوا موعظتنا إِياهم معذرة إِلى ربكم وَلَعَلهُمْ يتقُونَ.
فالمعنى أنهم قالوا: الأمر بالمعْروف وَاجبٌ علينا، فعلينا موعظة هؤلاءِ
لعَلهُمْ يتقونَ، أي وجائز عندنا أَن ينتفعوا بالمعذرة
стр. 844
ويجوز النصْبُ في " مَعْذِرَة " فيكُون المعنَى في قوله: (قالوا معذرة إِلى
رَبِّكم) على معنى يعتذرون مَعْذِرةً.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٥)
(نَسُوا) يجوز أن يكون في معنى تركوا، ويجوز أن يكون تركهم بمنزلة
من نَسِيَ.
وقوله: (أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ).
أي شديد، يقال بَئِس يَبؤُس بَأساً إِذَا اشْتَد، وقيل إِنَّ القوم كانوا ثَلاثَ
فِرقٍ، فرقةٌ عملت بالسوءِ، وفرقة نهت عن السوءِ، وفرقةٌ أمسكت عن النهي.
وقيل كانوا فرقتين، فرقة نَهتْ عن السوءِ وفرقة عملت بالسوءِ، وبعض الفرقة التي فيها من نهى عن السوءِ مؤمن غير راض بما فَعَل أهلُ السُّوءِ فدخلوا في النجاة مع الذين ينهون عن السوءِ، ونَزَلَ العَذابُ بالذِينَ عَدَوْا في السبت.
* * *
وقوله: (فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (١٦٦)
العاتي: الشديدُ الدخولِ في الفساد، المتمرد الذي لا يَقْبَلُ موعِظة.
وقوله: (قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ).
جائز أن يكونُوا أمروا بأن يكونوا كذلك بقول سُمِعَ، فيكون أبلغ في
الآية والنازلة بِهِمْ، وجائز أن يكون " فقلنا لهم " من قوله:
(إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢).
ومعنى " خَاسِئينَ ": أي مُبْعَدِينَ.
стр. 845
وقال قوم: جائز أن تكون هذه القردة المتوَلِّدةُ أصلها منهم
وقال قوم المسخُ لا يبقى ولا يَتَولد، والجملة أنا أخْبِرْنَا بأنهُمْ جُعِلُوا قردة، والقِردةُ هي التي نعرفها.
وهي أكثر شيءٍ في الحيوان شبهاً بابن آدم، واللَّهُ أعلم كيف كانَ
أمْرُهُمْ بعدَ كونهم قِرَدَة.
* * *
وقوله: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٧)
قال بَعضهم: تَأَذَّنَ: تَألَّى ربك ليبعثن عَليْهم، وقيل: إن تَأَذَّنَ أعلم.
والعرب تقول: تعلم أن هذا كذا، في معنى أعلم.
قال زهير:
تَعلَّمْ أن شرَّ الناسِ حي. . . ينادي في شعارهمو يسار
وقال زهير أيضاً:
فقلت تَعَلَّمْ أن للصيد غِرةً. . . وإِلا تضيعها فإنك قَاتله.
وقوله: (لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ).
أي من يوليهم سوءَ العذاب.
فإِن قال قائل قد جعلوا قِردةً فكيف يبْقَون إِلى يوْمِ القِيَامَةِ؟
فالمعنى أن الذكر لليهودِ، فمنهم من مُسخ، وجُعِل منهم القِردة والخنَازيرَ ومن بقي فمعانِدٌ لأمر اللَّه، فهم مُذَلُّون بالقتل، إِلا أن يُعْطُوا الجزية، فهم مذَلَّون بها وهم في كل مكان أذلُّ أهلِه.
قال الله : (ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ).
стр. 846
أي إِلا أن يعطوا الذَمَّةَ والعَهدَ.
* * *
وقوله: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٦٩)
يقال للذي يجىءُ في أثر قرنٍ خَلْف.
والخَلَفُ ما أخْلفَ علَيْكَ بدَلًا مما أخذ منك، وُيقَالُ: في هذا خَلَفٌ أيضاً، فأمَّا ما أخلف عليك بدلًا مما ذهب منك فهو الخَلَفُ بفتح اللام.
وقوله: (وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى).
قيل إنهم كانوا يَرْتَشون على الحكم، ويحكمون بجورٍ، وقيل إِنهم كانوا
يرتشون ويحكمون بحق، وكل ذلك عرَضٌ خسيس.
وقوله: (وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ).
فالفائدة أنهم كانوا يذنبون بأخذهم الرشِيَ، ويقولوا سيغفر لنا من غير
أن يَتُوبُوا، لأن قوله: (وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ)
دليل على إِصرارهم على الذنب، واللَّه جلَّ وعزَّ وَعَدَ بالمغْفِرَةِ في العظائم التي توجب النار مع التوبة. فقال:
(أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ).
أي فهم ذاكرون لما أخِذَ عليهم.
* * *
وقوله: (وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (١٧٠)
" الذين " في موضع رفع، وفيها قولان، أعني في (إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ)، قال قوم: إِنا لا نضيع أجر المصلحين منهم، وهو الذي نختار
стр. 847
لأن كل من كان غير مؤمن وأصلح فأجره ساقط، قال اللَّه جلَّ وعزَّْ:
(الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ).
وقال: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (٢) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً (٤).
فالمعنى: (وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ) أي يؤمنون به، ويحكمون بما فيه
إنا لا نضيع أجر المصلح منهم والمصلح المقيم على الِإيمان المؤَدَّى
فرائضه اعتقاداً وعَمَلاً، ومثله: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا)
أي لا نضيع أجر من أحسن منهم عمَلاً.
وقال قوم: المصلحون لفظ يخالف لفظ الأول، ومعناه معنى الأول فَعَادَ
الذكر في المعنى وإن لم يكن عائداً في اللفظ، ولا يجيز هؤلاءِ زيد قام أبو
عمرو. لأن أبا عمرو لا يوجبه لفظ زيد.
فإن قال قائل: المؤْمن أنا أكرم من اتقى اللَّه، جاز، لأن معنى من اتقى
اللَّه معنى المؤمن، فقد صار بمنزلة قولك زيد ضربته، لأن الذكر إِذا تقدَّم
فالهاء عائدة عليه، لا محالة، وإِن كان لفظها غير لفظه، لأن ضمير الغائب لا
يكون إلا هاءً في النصبِ.
* * *
وقوله: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢)
стр. 848
موضع (إِذ) نصب. المعنى واذكر (إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ).
(مِنْ ظُهُورِهِمْ) بَدل من قوله: (مِنْ بَنِي آدَمَ) المعنى وإذ أخذ ربك
ذُزيتِهُمْ وذرياتِهمْ جميعاً.
وقوله: (وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى).
قال بعضهم: خلق اللَّه الناسَ كالذَّرِ من صلب آدَمَ، وأشهدَهُمْ على
توحيده، وهذا جائز أن يكون جعل لأمثَال الذَّرِ فهْماً تعقل به أمره.
كما قال:
(قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ)
وكما قال: (وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ).
وكل مولودٍ يُولَدُ على الفطرة معناه أنه يُولَدُ وفي قلبه توحيد
اللَّه، حتى يكون أبواه هما اللذان يهودانه وينصرانه.
وقال قوم: معناه أنَّ الله جَل ثَنَاؤُه، أخرج بني آدم بعضهم من ظهور
بعض.
ومعنى (وَأشْهَدَهُمْ عَلَى أنْفُسِهم ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ).
أن كلَّ بالغ يَعْلَمُ أنَّ اللَّهَ واحدٌ، لأن كل ما خلق الله تعالى دليل على
توحيده، وقالوا لولا ذلك لم تكن على الكافر حجة.
وقالوا فمعنى (وَأشْهَدَهُمْ عَلَى أنْفُسِهم ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ) دَلَّهُمْ بخَلْقِه على توحيده.
* * *
وقوله: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥)
هذا نسق على ما قبله، المعنى اتلُ عليهم إِذ أخذ ربك من بني آدم.
واتْلُ عَليهْمْ نبَأ الذِي آتَيْناهُ آياتِنَا فانْسَلَخَ منْها).
هذا فيه غير قول، قيل إِنه كان عنده اسم اللَّه الأعظَم فدعا به على
стр. 849
موسى وأصحابه، وقيل إنه أمَيَّةُ بن أبِي الصلت، وكان عنده علم من الكتب، وقيل إنه يعني به منافقو أهل الكتَاب.
وقوله: (فَكَانَ مِنَ الغَاوِينَ).
أي الفاسدين الهالكينَ.
* * *
وقوله: (وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١٧٦)
أي لو شئنا أن نحول بينه وبين المعْصِيةِ لفعلْنا، (وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ).
معناه ولكنه سكن إلى الدنيا، يقال أخْلدَ فلان إلى كذا وكذا، وخلد إلى
كذا وكذا، وأخْلدَ أكْثرُ في اللغة، والمعنى أنه سكن إلى لذات الأرْض.
(وَاتبَعَ هَوَاهُ).
أي لم يرفعه بها لاتباعه هواه.
وقوله: (فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ).
ضرب اللَّه : بالتارِك لآياته والعَادِلِ عنها. أحسن مثل في أخَسِّ
أحْوالِه، فقال : (فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ) إذا كان الكلب لهثان، وذلك أن الكلب إذا كان يلهث فهو لا يقدر لنفسه على ضَر وَلَا نَفْع، لأن التمثيل به على أنه يلهث على كل حال حملت عليه أوتركته، فالمعنى فمثله كمثل الكلب لاهثاً ثم قال:
(ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا).
* * *
وقال: (سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ (١٧٧)
المعنى: ساءَ مثلاً مَثَلُ القوْم.
* * *
وقوله: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)
(أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ).
وصفهم بأنهم لا يُبْصرون بعُيُونهِم ولا يعقلون بقلوبهم. جَعَلَهُم في
стр. 850
تركهم الحق وإعراضهم عنه، بمنزلة من لا يُبْصر ولا يعقل.
ثم قال جلَّ وعزَّ (بَلْ هُمْ أَضَلُّ).
وذلك أن الأنعام تُبْصرُ منافِعَها ومضارَّها فتلزم بعض ما لا تُبصِرُه.
وهُؤلاءِ يعلم أكثَرُهُمْ أنَّه مُعَاندٌ فيقدمُ عَلى النَار.
وقال جلَّ وعزَّ: (فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ)
أي على عمل أهل النار.
* * *
وقوله: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)
لا ينبغي أن يدعوه أحد بما لم يصف نفسه به، أو لم يسم به نَفْسَه.
فيقول في الدعاءِ. يا الله يَا رَحْمَنُ يَا جَوَادُ، ولا ينبغي أن يقول:
" يا سبحان " لأنه لم يصف نفسه بهذه اللفظة. وتقول يا رحيم، ولا
يقول: يا رفيق، وتقول يا قوي، ولا تقول يا جَلْدُ.
* * *
وقوله: (أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (١٨٥)
أي ألم يَسْتدِلوا بما أنبأهم به من ملكوت السَّمَاواتِ والأرْض.
(وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ).
أي إن كانوا يُسَوفُونَ بالتوبة فعسى أن يكون قدْ اقترب أجَلهُمْ.
فالمعنى: أولمْ ينظروا فيما دَلَّهم اللَّه جل ثناؤه على توحيده فكفروا به
بذلك فَلعلَّهُم قد قرُبَتْ آجالُهم فيموتون على الكفر.
(فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ).
стр. 851
وقوله: (مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٨٦)
الطغيانُ: الغلو في الكفر.
ويعمهون: يتحيَّرون.
ويجوز الجزمُ والرفعُ في (يَذَرُهُمْ). فمن جَزَمَ عطف على موضع الفاء.
المعنى من يضلل الله يذرهُ في طغيانه عَامهاً.
ومن قرأ (ويذَرُهُمْ) فهو رفع على الاستئناف.
* * *
وقوله: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٧)
والساعة ههنا التي يموت فيها الخلق.
ومعنى مُرساها مُثَبِّتها، يقال - رسا الشيء يرسو إِذا ثبت فهو راسٍ
وكذلك جبالٌ راسيات، أي ثابتات. وأرْسيْته إِذا أثبتُّه.
فالمعنى يسألونك عن الساعة متى وقوعها.
وقوله: (لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ).
أي لا يظهرها في وقتها إلا هو.
ومعنى: (ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ).
قيل فيه قولان، قال قوم: (ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) ثقل وقوعها
على أهل السماوات والأرْضِ.
ثم أعلم جلَّ ثناؤه كيف وقوعها فقال جلَّ وعزَّ:
(لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً).
أي إلا فجأة.
وقوله: (يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا).
المعنى - واللَّه أعلم - يسألونك عنها كأنك فَرحٌ بسَؤالهم، يقال تحفيتُ بفلان
стр. 852
في المسْألَةِ إِذا سألت سؤالًا أظهرت فيه المحببَّةَ والبِربهِ، وأحْفَى فُلان بفُلانٍ
في المسألة، وإِنما تأويله الكثرة ويقال حَفِت الدَّابَّةُ تَحْفَى حَفىً، مَقْصُور إذا
كثر المشي حتى يؤلمها
والحفاء ممدود أن يَمْشِيَ الرجُلُ بغيرِ نَعْلٍ.
وقيل: (كَأنَّكَ حَفِيٌ عَنْهَا)، كأنك أكثرت المسألة عنها.
وقوله: (قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ).
مَعْنَى (إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ) لا يعلمها إِلا هوَ.
* * *
وقوله: (قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨)
(وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ).
أي لادَّخَرتُ زمن الخِصْبِ لزمن الجَدْب.
وقيل (لَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ) أي لو كنتُ أعلم ما أسأل عنه من الغيب في
الساعة وغيرها.
وقوله: (وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ).
أي لم يَلْحَقْني تكذيبٌ.
وقيل أيضاً: (وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ) أي ما بي من جُنُون، لأنهم نسبوا
النبي ﷺ إِلى الجنون، فقال: (وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ).
ثم بَيَّن لهم مادَلَّهُم عَلى توحيدِ الله فقال:
(هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٨٩)
(هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ).
يعني آدمَ.
(وجَعَلَ مِنْها زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا)
(فَلَمَّا تَغَشَّاهَا).
стр. 853
كناية عن الجماع أحسن كناية.
(حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفاً).
يعني المَني، والحمْل ما كان في البَطْن - بفَتْح الحاءِ - أو أخرجَته
الشجرة، والحمْلُ بكسر الحاءِ ما يُحْمَلُ.
وقوله: (فَمَرَّتْ بِهِ).
معنى مرت به استمرت، قعدت وقامت لَمْ يُثْقِلهَا.
(فَلَمَّا أَثْقَلَتْ).
أي دَنت ولَادَتُها، لأنه أولَ أمره كان خفيفاً، فلما جُعِل إنساناً ودنت
الولادة أثْقلتْ.
وقوله: (دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا).
أي دعا آدم وحواءٌ رَبهمَا.
(لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٨٩) فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٩٠)
يروى في التفسير أنَّ إِبليس - عليه اللعنة - جاء إلى حواءَ فقال: أتدرين
ما في بطنك؟ فقالت لا أدري، قال فَلعله بهيمة ثم قال: إن دعوت الله أن
يجعله إِنساناً أتَسمِينَه باسمي؟: فقالت، نعم فسمته عَبْد الحارِث، وهو
الحارث. وهذا يروى في التفسير.
وقيل إن آدمَ وحواءَ أصْل. فضرب، هذا مثلاً لمشركي العرب وَعُرَفُوا
كيف بَدَأ الخلقَ، فقيل فلما آتاهما اللَّه - لكل ذَكر وأنْثى - آتاه اللَّهُ ولداً ذكراً أو أُنثى - هو خَلَقَه وصوَّره.
стр. 854
(جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاءَ) يعني الذين عبدوا الأصنام.
(فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ).
الأول هو الذي عليه التفسير، ومن قرأ " شِرْكاً "
فهو مصدرُ شَرِكْتً الرجلَ أشركه شِرْكاً.
قال بعضُهم: كان يَنْبغِي أنْ يكونَ على قراءَة من قرأ شِرْكاً جعلا لَغَيرِه
شِرْكاً، يقول لأنهما لا ينكران أن الأصل الله فالشرك إِنما يجعل
لغيره، وهذا على معنى جعلا له ذَا شرْك فحذف ذا مثل (وَاسْأَل الْقَرْيَةَ) (١).
* * *
وقوله: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)
والعفوُ الفضل، والعفوُ ما أتى بغير كُلْفَة.
(وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ).
أي بالمعروف.
(وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ).
* * *
وقوله: (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠)
لادنى حركة تكون، تقوك: قد نَزَغْتهُ إِذَا حركْته.
فالمعنى إِنْ نَالَك مِن الشيطان أدْنى نزغ أي وسْوسة.
وقوله: (مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ).
يقال: طفْت أطُوفُ، وطاف الخيالُ يَطيفً.
وقوله: (تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ).
أي تفكروا فيما هو أوضح لهم من الحجة.
(فإِذا هم مُبْصِرونَ) على بصيرة.
* * *
وقوله: (وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ (٢٠٢)
стр. 855
هذا معناه التًقْدِيمُ، المعنى (لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ).
(وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ).
يعني الشياطين، لأنَّ الكفار إخوانُ الشياطين، والْغَيُّ الْجَهْلً، والوقوع
في الحركة. ويقال أقصر يُقصِرُ، وقَصَّرَ، يُقَصر.
* * *
وقوله: (وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٠٣)
أي هلا اختلقتها، أي هلا أتَيْتَ بها من نفسك، فأعْلمَهُم ﷺ أن الآيات من قِبل اللَّه جل ثناؤه.
وقوله: (إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ).
أي هذا القرآن الذي أتَيْت به بصائر من ربكم، واحدة البصائر بصيرة.
والبصيرة والبصائر طرائق الدَّم، قال الأشْعَر الْجُعْفِي.
راحوا بصائرهم على أكْتَافِهمْ. . . وَبَصِيرَتي يَعْدُو بها عَتَدُ وَأيُّ
والبصيرة التُّرْس، وجمعها بصائر.
وجميع هذا أيضاً معناه ظهور الشيء وبيانه.
стр. 856
وقوله: (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)
يروى أن الكلام في الصلاة كان جائِزاً، فكان يدخل الرجلُ فيقول: كم
صَلَّيْتُمْ فيقال: صلينا كذا. فلما نزلت فاستمعوا له وأنصِتوا حرم الكلامُ في
الصلاة إِلا ما كان مما يتقرب به إِلى اللَّه جل ثناؤُه. ومما ذكَرَتْهُ الفقهاءُ نحو
التسبيح والتهليل والتكبير والاستغفار وما أشبه ذلك. من ذكر الله جلَّ وعز
ومسألته العفو.
ويجوز أن يكون فاستمعوا له وأنصِتُوا، اعملوا بما فيه ولا تجاوزوا لأن
معنى قول القائل: سمع اللَّه دُعاءَكَ. تأويله: أجاب الله دعَاءَك، لأن اللَّه
جلّ ثناؤُه سميع عليم.
* * *
وقوله: (وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ (٢٠٥)
(بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ).
الآصال جمع. أصُلٍ، والأصل جمع أصيل، فالآصال جمع الجمع.
والآصال العَشِيات.
* * *
وقوله: (إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (٢٠٦)
يعنى به الْملاَئكة.
(وَيُسَبِّحُونَهُ) ينزهُونَهُ عَن السوءِ.
فإِن قال قائل: الله جل ثناؤُه في كل مكانٍ، قال الله تعالى: (وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ)
فمن أين قيل للملائكة: (عِنْدَ رَبِّكَ)، فتأويله إنَهُ من قَرُب من رحمة الله وَمِنْ تَفَضُلِهِ وإِحسانه.
стр. 857
سورة الأنفال
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله جلَّ وعزَّ: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١)
(الأنْفَال) الْغَنَائِم، واحدها نَفَل، قال لبيد:
إِن تقوى ربنا خير نَفَل. . . وبإِذن الله رَيْثِي وَعَجَلْ
وإِنما يَسْألوا عَنْهَا لأنَّهَا فيما رُوِيَ كانت حَراماً عَلَى من كَانَ قبلهم.
ويُروى أن الناسَ في غَزَاةِ بَدْرٍ كانوا قليلين، فجعل النبي ﷺ لمن جاءَ بأسير غنْماً ومن جاءَ بأسيرين على حسب ذلك.
وقيل أيضاً انه نفل في السرايا فقال الله جلَّ وعز: (الأنفَال للَّهِ والرسُولِ).
* * *
وقوله: (كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (٥)
أي بالحق الواجب، ويكون تأويله: (كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ).
كذلك نَنْفل من رأيْنَا وإِن كرِهوا. لأن بعض الصحابة قال للنبي ﷺ حين جعل لكل مَن أتى بأسير شيئاً، قال يبقى أكثر الناس بغير شيءٍ.
стр. 858
فموضع الكاف في " كما " نصب، المعنى الأنفال ثابتة لك مثل إِخْراج
ربِّكَ إِياك مِن بَيتكَ بالحق.
وقوله: (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ).
معنى (ذَاتَ بَيْنِكُمْ) حقيقة وصْلِكُم، والبَيْنُ: الوَصْلُ، قال تعالى:
(لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ) أي وصلكم.
فالمعنى: اتقُوا اللَّهَ وكُونوا مُجْتَمعينَ على ما أمر الله ورسُولُه، وكذلك
اللهم أصلح ذات البَيْن، أي أصلح الحال التي بها يجتمع المسلمون.
وقوله: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ).
أي اقبَلُوا ما أمِرْتُمْ بِه في الغنائم وغيرها.
* * *
وقوله: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢)
تأويله: إذا ذكِرَت عظمةُ اللَّهِ وقُدْرَتُه، وما خوَّف به مَنْ عصاه، وَجلَتْ
قلُوبُهُم أي فَزِعَتْ لذلك قال الشاعِر:
لعمرك ما أدري وإِني لأوجل. . . على أيِّنا تعدو المنية أول
يقال: وَجِل يَوْجل وَجَلاً، ويقال في معنى يوجَل ياجَلُ يِيجل وييْجَل،
стр. 859
هذه أربع لغَات حكاها سيبويه وأجودُهَا يَوْجَل، قال اللَّه : (لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (٥٣)).
وقوله: (وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا).
تأويل: الإيمان التصديق، وكل ما تلى عليهم من عند اللَّه صدقوا به
فزاد تصديقهم، بذلك زيادَة إيمانهم.
وقوله: (أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)
(حَقًّا) منصوب بمعنى دلَّت عليه الجملةُ.
والجملة هي (أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ) حقا.
فالمعنى أحُق ذَلك حقا.
وقوله: (لَهُمْ دَرَجَات عِندَ رَبِّهِمْ)
أي لهم مَنَازِل في الرفعة على قدر منازلهم.
* * *
وقوله: (يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٦)
وعدهم الله جلَّ وعزَّ في غَزَاةِ بدر أنَّهُم يظفرون بأهل مكة وبالعِيرِ وهي
الإبل لِكراهَتِهم القِتالَ، فَجَادَلوا النبي ﷺ وقالوا إنما خرجنا إِلى العير.
وقوله: (كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ).
أي وهم كانوا في خروجهم للقتال كأنهم يساقون إِلى الموت لِقلَّة
عدَدهم وأنهم رَجَّالَة، يروى أنهم إنما كان فيهم فارسان فخافوا.
* * *
وقوله: (وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (٧)
المعنى: واذكروا إذ يعدكم الله أن لكم إِحدى الطائفتين.
стр. 860
(أَنَّهَا لَكُمْ) في موضع نَصْبٍ على البدَل من (إحدى) ومثله قرله:
(وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ)
المعنى: ولولا أن تطؤوهم.
وقوله: (وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ).
أي تودُّون أنَّ الطائفة التي ليسَت فيها حرب وَلا سِلاح، وهي الإبلِ
تكونُ لكم، وذاتُ الشوْكةِ ذاتُ السِلاح، يقال: فلان شَاك في السلاح.
وشائِك في السلاح وشَالٌّ السلاح بتشديد الكاف من الشكَةِ، ومثل شاكي
قول الشاعر:
فَتَعَرَّفوني إنَّني أنا ذاكُمُ. . . شاكٍ سِلاحِي في الحوادِثِ مُعلِمُ
وقوله: (وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ).
أي ظفركم بذات الشوكة أقطعُ لدابرهم.
* * *
وقوله: (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩)
لما رأوا أنفسهم في قلة عَدَدٍ استغاثوا فَأمَدَّهم اللَّه بالملائكة.
قال اللَّه : (أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ).
يقال: رَدِفت الرجلَ إذا ركبْت خَلْفَهُ، وَأرْدَفته إذا أرْكَبْته خلفي، ويقال:
هذه دابة لا ترادِف، ولا يقال لا تُرْدَفُ، ويقال أردَفْتُ الرجُلَ إذا جئتُ
بعده، فمعنى (مُرْدِفِين) يأتون فرقة بعد فِرْقة، ويقرأ مُرْدَفِين، ويجوز في اللغة
стр. 861
(مَردَّفِين)، ويجوز مُرِدِّفين ومُرَدَّفِين. يَجوز في الراءِ مع تشديد الدال: كسرُها وفتحها وَضمها، والدال مُشدَّدَة مكسورة على كل حال:
قال سيبويه: الأصل مُرْتَدِفِينَ. فأدغمت التاءُ في الدال فصارت مُرَدَّفينَ، لأنك طرحت حركة التاءِ على الراءِ، قال: وإن شئت لم تطرح حركة التاءِ وكسرت الراءَ لالتقاءِ السَّاكنين، والذين ضموا الراءَ جعلوها تابعة لضمة الميم.
* * *
وقوله: (وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠)
أي ما جعل اللَّه المدَدَ إلا بشرى.
* * *
وقوله: (إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ (١١)
" إذْ " مَوْضِعُها نصبٌ على معنى وما جعله اللَّه إلا بشرى في ذلك
الوقت، ويجوز على أن يكون: اذكروا إذ يغشيكم النعاس.
يقال: نَعَسَ الرجل يَنْعَسُ نُعَاساً وهو نَاعس، وبعضهم يقول: نَعْسان
ولكنْ لا أشتهيها.
وَ (أمَنَةً) منصوب مفعول له كقولك: فعلت ذلك حَذَرَ الشر.
والتاوِبل أن اللَّه أمَّنهم أمْناً حتى غشيهم النعاس لِمَا وَعَدهم من النَصر.
يقال: قد آمنتُ آمَنُ أمْناً - بفتح الألف - وَأمَاناً وأمَنَةً.
وقوله: (وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ).
كان المشركون قد نزلوا على الماءِ وسبقوا المسلمين، ونزل المسلمون
في رَمْلٍ تسوخ فيه الأرجُلُ، وأصابت بعضهم الجنابة فوسوس لهم الشيطانُ
بأن عَدُوَّهم يقدرون على الماء وهم لا يقدرون على الماءِ، وَخيلَ إِليهم أن
стр. 862
ذلك عَوْنٌ من اللَّه لعدوهم، فأمطر اللَّه المكان الذي كانوا فيه فَتَطَهرُوا من
الماءِ، واستوت الأرض التي كانوا عليها حتى أمكن الوقوفُ فيها والتصرفُ.
وهذا من آيات اللَّه جل ثناؤُه التي تدل على نبوة النبي ﷺ .
وأمْر بدر كان من أعظم الآيات لأن عَدَدَ الْمُسْلِمين كان قليلاً جداً، وكانوا رجَّالةً فأيدهم الله، وكان المشركون أضْعَافَهُم، وَأمَدَّهُم اللَّه بالملائكة.
قال بعضهم: كان الملائكة خمسةَ آلاف، وقال بعضهم تسعة آلاف.
وقوله: (وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشيْطَانِ).
أي وَسَاوِسَهُ وخطاياه.
(وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ).
أي وَيُثَبِّتَ بالماءِ الذي أنزله على الرمْل حَتى اسْتَوى، وجائز أن يكون
زين به للربط على قلوبهم، فيكون المعنى " وَليْرْبطَ عَلَى قُلُوبكُمْ وَيُثَبِّتَ"
بالربط الأقدام.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (١٢)
" إذ " في موضع نصب على " وَليَرْبِطَ إذْ يُوحِي " ويجوز أن يكون على
" اذكر وا ".
(فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا).
جائز أن يكون أنهم يُثَبتُوهم بأشياءَ يلقُونَهَا في قُلُوبِهِمْ تَقْوَى بها.
وَجَائِزَ أن يكونوا يَرَوْنهم مدَداً، فإذا عاينوا نصر الملائكة ثبتوا.
стр. 863
وقوله: (فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ).
أباحهم اللَّه قتلهم بكل نوع في الحرب. . وَاحِدُ الْبَنانِ: بَنَانَة، وَمَعْناهُ
ههنا الأصابعُ وغيرها من جميع الأعضاء.
وإِنما اشتقاق البنان من قولهم أبَنَّ بِالمكان إذا أقَام به، فالبناءُ به يَعْتَملُ
كلَ ما يَكُونُ للإقامة والحياةِ.
* * *
وقوله: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٣)
(شَاقُّوا). جانبوا، صَارُوا في شِقٍّ غَيْرِ شِقِّ الْمؤمِنِينَ، وَمثلُ شَاقُوا جَانَبُوا
وَحَازَبوا وَحَارَبوا.
معنى حَازَبوا صارَهُؤلاءِ حِزْباً وهُؤلاءِ حِزْباً.
(وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ).
(يُشَاقِقْ، وَيُشاقِّ) جميعاً، إِلا أنها ههنا يشاقق، بإظهار التضعيف مع
الجزم وهي لغة أهل الحجاز، وغيرهم يدغِم، فإِذا أدْغمَتَ قلتَ: من يُشاقَّ
زيداً أهِنْه، بفتح القاف، لأن القافين ساكنتان فحركت الثانية بالفتح لالتقاءِ
السَّاكنين ولأن قبلها ألفاً، وإِن شئت كَسَرْتَ فقلتَ يُشاقِّ زَيْداً، كسرت القاف لأن أصل التقاءِ السَّاكنين الكسر.
فإذا استقبلتها ألف ولام اخترت الكَسْر فقلت
(وَمَنْ يُشاقِّ اللَّه). ولا أعلم أحداً قرَأ بها.
* * *
وقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥)
يقال: أزحَفْتُ للْقَوْمِ إِذا ثَبَت لهم، فالمعنى: إِذا وَاقَفْتموهم للقتال.
(فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ).
أي لا تنهزموا حتى تُدْبِرُوا.
стр. 864
وقوله: (وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦)
يعني يوم حربهم.
(إِلَّا مُتَحَرِّفًا). منصوب على الحال ويجوز أن يكون النصب في متحرف، ومتحيز على الاستثناءِ، أي إلا رجلاً متحيزاً، أي
يكون منفرداً فينحاز ليكون مع المقاتلة. .
وأصل (مُتَحَيِّز) متَحَيْوزِ فأدْغمت الياءُ في الواو.
* * *
وقوله: (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٧)
ويقرأ، وَلَكِنِ اللَّهُ قَتَلَهُمْ، فمن شَدَّدَ نَصَبَ لَنَصْبِ (لكنَّ) وَمَنْ خفف
أبطل عملها ورفع قولَه: (اللَّهُ) بالابتداءِ.
أضافَ اللَّهُ قتلهم إليه، لأنه هو الذي تَوَلى نَصْرَهُمْ، وَأظْهَرَ فِي ذلك
الآيات المعجزات.
* * *
وقوله : (وَمَا رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ).
ليس هذا نَفْيَ رمي النبي ﷺ ولكن العرب خوطبت بما تعقل.
ويروى أن النبي ﷺ قال لأبي بكر الصديق: ناولني كفا من بَطْحاءَ، فناوله كفًّا فرمى بها فلم يبق منهم أحدٌ - أعني من الْعَدُو إِلا شُغِلَ بعينه فأعلم اللَّه - جلَّ وعزَّ - أن كفًّا من تُراب أوْ حصًى لاَ يَمْلأ عيونَ ذلك الجيش الكثير
стр. 865
برَمْية بَشَرٍ، وأنه تولى إيصَال ذلكَ إلى أبْصَارِهم، فقال : (وَمَا رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ). أي لَمْ يُصِبْ رَمْيُكَ ذَاكَ ويبلغْ ذلك المبلغ بكَ، إنما اللَّه تولى ذلك، فهذا مجازُ (وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى).
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا).
أي لينصرهم نصراً جميلاً، ويختبرهم بالتي هي أحسن.
ومعنى يبليهم ههنا يُسْديَ إليْهم.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ (١٨)
بتشديد الهاءِ والنصب في (كَيْدِ) ويجوز الجر في (كَيْدِ) وإضافة (مُوهِن)
إليه. ففيه أرْبَعة أوجُه. في النصب وجهان، وفي الجر وجهان.
وموضع (ذلكم) رفع، المعنى الأمر ذلكم وأن اللَّه، والأمرُ أن اللَّه موهن.
وقوله: (ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ).
موضع (ذلكم) رفع على إضمار الأمر، المعنى: الأمر ذلكم فذقوه، فمن
قال: إنه يَرْفعُ ذلكم بما عادَ عليه من الهاءِ أو بالابتداءِ وجعل الخبر فذُوقوه.
فقد أخطأ من قبل أن مَا بَعدَ الفاءِ لا يكونُ خبراً لمبتدأ.
لا يجوز زيد فمنطلق، ولا زيد فاضربُه، إلا أن تضمر " هذا " تريد هذا زيد فاضربه.
قال الشاعر:
وقائِلَةٍ خَوْلانُ فانْكِحْ فتاتَهُمْ. . . وأُكْرُومَةُ الحَيّيْنِ خِلْوٌ كما هِيا
стр. 866
وذكر بعضهم: أن تكون في موضع نصب على إضمار واعلموا أن
للكافرين عذاب النار. ويلزم على هذا أن يقال: زيد منطلق وعمرا قائماً.
على معنى وَاعْلَمْ عمراً قائماً، بل يلزمه أن يقول عمراً منطلقاً، لأن المخبر
مُعْلِم، وَلَكِنهُ لَمْ يَجُز إِضمار أعلم ههنا، لأن كل كلام يُخبَر به أو يستخبر فيه فأنت مُعْلِمٌ به. فاستغنى عن إِظهار العلم أو إِضماره.
وهذا القول لَمْ يَقُلْه أحَد مِنَ النَحَويين.
* * *
وقوله: (إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (١٩)
معناه: إِن تستنصروا فقد جاءَكم النصر، ويجوز أن يكون معناه إِن
تستحكموا فقد جاءَكم الحُكْم.؛ وقد أتى التفسير بالمعنيين جميعاً.
رووا أن أبا جهل قال يوم بدرٍ: " اللهم أقْطَعُنَا للرحم، وأفسَدُنَا للجماعة
فأحنه اليومَ " فسأل الله أن يحكُمَ بحيْنُ من كان كذلك، فنصر النبي ﷺ ونال الحَيْنُ أبا جهلٍ وأصحابه، فقال اللَّه جلَّ وعزَّ:
(إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ) أي إِن تَستَقْضُوا فقد جاءَكم القضاءُ.
وقيل إِنه قال: اللهم انصر أحبَّ الفِئَتَينْ إِليك، فهذا يَدلُّ على أن
معناه: إِنْ تَسْتَنْصِروا. وكلا الوجهين جَيدٌ.
* * *
وقوله: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (٢١)
يُعنَى به الذين قالوا: قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقلْنَا مِثْل هَذَا.
فسماهم اللَّه جل ثناؤُه لَا يَسْمعونَ، لأنهمْ اسْتَمَعُوا استماعَ عداوة
وبغضاءَ، فلم يتفهموا، ولم يتفكرُوا. فكانوا بمنزلة من لم يسمَعْ.
* * *
وقوله: (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (٢٢)
стр. 867
يعنى به هؤُلاءِ الذين يسمعون ويفهمون فيكونون في ترك القبول بمنزلة
من لم يسمع ولم يَعْقِل.
* * *
(وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)
أي لوعلم اللَّه فيهم خيراً لأسمَعَهُم جوابَ كل ما يَسألونَ عَنْهُ.
ثم قال جلَّ وعزَّ:
(وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ).
أي لو بَيَّن لَهُم كل ما يعتلجُ في نفوسهم لتوَلَّوْا - وَهُمْ مُعْرضُونَ -
لمعانَدَتِهِمْ.
* * *
وقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)
أي لما يكون سبباً للحياة وهو العلم. وجائز أن يكون لما يكون
سبَباً للحياة الدائمة، في نعيم الآخرة.
ومعنى استجيبوا في معنى أجيبوا.
قال الشاعر:
وداع دعا يا من يجيب إِلى الندا. . . فلم يستجبه عند ذاك مجيب
أي فلم يُجبْه.
وقوله: (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ).
قيل فيه ثلاثةُ أقوال، قال بعضهم يَحُول بينَ المؤْمِنِ والكُفْر، ويحول
بين الكافِر والإيمان بالموت، أي يحول بين الإِنسان وما يسوف به نفسه
بالموت، وقيل: (يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ)
معناه: واعلموا أن الله مع المرءِ في القرب بهذه المنزلة.
كما قال: جلَّ وعزّ: (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ)
وقيل إِنهم كانوا يفكرُون في كَثْرَةِ عَدُوهِمْ وَقِلَّةِ عَدَدِهِمْ فيدخل في
стр. 868
قلوبهم الخوفُ، فأعلمَ اللَّهُ جلَّ ثناؤه أنه يحول بين المرءِ وَقَلْبِهِ بأن يبدُله
بالخوفِ الأمن، ويُبَدِّلَ عَدُوَّهم - بظنهم أنهم قادرون عليْه - الجُبْنَ والخَوَرَ.
* * *
(وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢٥)
أي اتقوا أن يُبَدَلَ الظالمون بنقمة من اللَّه، يُعنى بهذا مَرَدَة المنافِقِينَ
الذين كانوا يصدُّونَ عن الإيمان باللَّهِ.
وزعم بعض النحويين أنَّ الكلام جزاء فيه طرف من النهي، فَإِذَا
قلْتَ: أنزِل عن الدابة لا تَطْرَحْكَ ولا تَطْرَحَنك، فهذا جواب الأمر بلفظ
النهي، فالمعنى: إنْ تَنْزل عنها لا تطرحك فإِذا أتيت بالنُون الخفيفة أو
الثقيلة كان أوكَدَ للكلام.
ومثله: (يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ)
إِنها أمَرتْ بالدخول ثم نَهَتْهُم أن يُحْطِمَهُم سليمانُ فقالت: (لَا يَحْطِمنكمْ سلَيْمَانُ وجنودُه). فلفظ النهي لِسلَيْمانَ، ومعناه للنمْلِ، كما تقول:
لا أريَنكَ هَهنَا، فلفظ النهي لنَفْسِكَ ومعناه: " لا تَكُونَن هَهُنَا فإِني أراك ".
* * *
وقوله: (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٣٠)
المعنى: واذْكُرْ إِذ يمكُرُ بك الذِين كفروا. فأذكَرَه اللَّه جل ثناؤُه نِعْمَةَ مَا
أنعَمَ عليه من النَّصْرِ والطفَرِ يوم بدْرٍ ذلك فقال (وَإِذْ يمكُرُ بكَ الَّذِينَ كَفَرُوا) أي اذكر تلكَ الخلال.
(وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ).
لأن مكر الله إِنما هو مجازاة ونصر للمؤْمنين، فاللَّه خير الماكرين.
стр. 869
(وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٣١)
وقد دُعوا بأن يَأتوا بِسُورَةٍ واحِدَةٍ من مثل القرآن فلم يَأْتُوا.
وقوله: (إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ).
واحدتها أسطورة، يعنون ما سَطَّرَة الأوَلُونَ من الأكاذيب.
ثم قالوا:
(اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٢)
القراءَة على نصب (الْحَقَّ) على خَبَرِ " كان " وَدَخَلَتْ " هُوَ " للفَصْل.
وقد شرحنا هذا فيما سلف من الكتاب.
وَاعْلَمْ أن (هُوَ) لا موضع لها في قولنا، وأنها بمنزلة " ما " المؤَكَدَة.
ودخلت ليُعْلَم أن الحق ليس بصفة لهذا أو أنه خبر، ويجوز هو الحق مِنْ
عِنْدكَ ولا أعلم أحداً قرأ بها.
ولا اختلاف بين النحويين في إِجازتها ولكن القراءَة سُنَّة
لا يقرأ فيها إِلا بقراءَة مَرْويةٍ.
وقوله: (فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ).
المعنى: واذكر إِذ قالوا هذا القولَ، وقالوا على وجه الدفع لهُ وقالوه
والنبي ﷺ بين أظهرهم. فأعلَمَ الله إنَّه لم يكن ليُعَذِبَهمْ وَرَسُوله بين أظهرهم.
فقال:
(وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)
стр. 870
أي: وَمَا كَانَ اللَّهُ ليعذبهم ومنهم من يؤول أمرُه إِلى الِإسلام.
قال: (وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٤)
المعنى: أي شيءٍ لهم في ترك العذاب، أي في دَفْعِه عَنهُم.
(وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ).
المعنى: وهم يَصُدُّونَ عن المسجدِ الحَرام أولياءَهُ وما كانوا أولياءَه.
(إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ).
المعنى: ما أولياؤُهُ إِلا المتقون.
فأعلم الله النبي ﷺ أنَّه لم يكن ليعذِبَهم بالعذاب الذي وقع بهم من القتل والسبي وهو بَيْن أظهُرهِم، ولا لِيُوقع ذلك العذاب بمن يؤُول أمْرُه إِلى الِإسلامِ مِنْهُمْ، وأعلمه إنَّه لا يدفع العذاب عن جملتهم الذي أوقعه بِهِمْ، ثم أعلم أنهم ما كانوا مع صَدِّهِمْ أولياءَ الْمسجدِ الحرام وَأولياءَ اللَّه، إِنهم إِنما كانَ تَقَربُهُمْ إِلى الله جلَّ وعزَّ بالصفير والتصفيق فقال جلَّ وعزَّ: (وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٥)
فالمكَاءُ الصفير، والتصدِيَةُ التصفيق.
* * *
وقوله: (لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٣٧)
أي ليميز ما أَنفقه المؤْمنون في طاعة الله مما أَنفقه المشركون في
معصية اللَّه، (وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا).
стр. 871
والركْمُ أن يَجْعَلَ بعضَ الشيءِ على بعض، ويقال رَكمتُ الشيءَ أركُمهُ
ركماً، والرُّكام الاسم.
(فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ).
أي يجعل بعض ما أنفقه المشركون على بعض، ويجْعَلُ عليهم في
النارِ، فيكون مما يُعذبُونَ بِه، كما قال جلَّ وعزَّ: (فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ).
* * *
وقوله: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣٩)
أَي حَتى لا يُفْتَنَ الناسُ فتنة كُفْر.
ويدلُّ على معنى فتنة كفر قوله : (وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ).
* * *
وقوله: (وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٤٠)
المعنى: فإِن أقاموا على كفرهم وعَدَاوتهم فاعْلَمُوا أن الله مولاكم، أي
هو المولى لكم، فلا تضركُم مُعَادَاتهم.
* * *
وقوله: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤١)
كثر اختلاف الناس في تأْوِيل هذه الآية والعمل بها وجُمْلَتُها أنَّها مال من
الأمْوَالِ التي فَرَضَ الله جل ثناؤُه فيها الفُروضَ، والأموال التي جرى فيها ذكَر الفُروض للفقراءِ والمسَاكينِ وَمَنْ أَشْبهم ثلاثة أصنافٍ.
سمى الله كل صنف منها، فسمى ما كان من الأموال التي يأخدْها المسلمون من المشركين في حال الحرب أَنْفَالَاَ وغَنَائِمَ، وسمى ما صار إِلى المسلمين مما لم يُؤخَذ في الحرب من الخراج والجزية فيئاً، وسَمَى ما خرج أَموال المسلمين
стр. 872
كالزكاة، وما نذووا من نذر، وتقربوا به إِلى الله جلَّ وعزَّ صَدَقَةً، فهذه جملة تسمية الأموال.
ونحن نبين في هذه الآية ما قاله جمهوو الفقهاء وما توجبه اللغة إِن شاءَ
اللَّه.
قال أبو إسحاق: اجمعت الفقهاء أن أربَعةَ أخماس الغنيمة لأهل الحرب
خاصة، والخمس الذي سُمِّي في قوله: (فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ) إِلى آخر الآية في الاختلاف.
فأما الشافعي فذكر أن هَذَا الخُمس مقسوم على ما سمَّى اللَّه جلَّ وعزَّ
من أهل قسمته وجعل قوله: (فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ) افتتاحُ كلامٍ.
قال أبو إِسحاق، وأحسب معنى " افتتاح كلام " عنده " هذا أن الأشياءَ
كلها لِلَّهِ ، فابتدأ وافتتح الكلام.
فإنَ قال قائل: (فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ) كما قال (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ)، ثم قَسّم هذا الخمس على خمْسَةِ أَنْصِبَاءَ، خمسٍ للنبي ﷺ وخمس ليتامى المسلمين لا ليتامى آل النبي ﷺ وخمس في المساكين - مَساكين المسْلمين لا مساكين النبي ﷺ وخمس لابن السمبيل.
ولا يرى الشَافعي أن يَتْركَ صنفاً من هذه الأصناف بغيرِ حظ في القسمة.
قال أبو إسحاق: وبلغني أنه يرى أن يُفضَّلَ بعضهُم على بعض على
قدر الحاجة، ويرى في سهم الرسولِ ﷺ أن يصرف إلى ما كان النبي ﷺ يصرفه فيه.
والذي رُوِيَ أنَّه كان يصرف الخمس في عُدَدٍ للمسلمين نحو اتخاذ
стр. 873
السلاح الذي تقوى به شوكتهم. فهذا مذهب الشافعي وهو على لفظ ما في
الكتاب.
فأما أبو حنيفة - ومن قال: بقوله - فيقسم هذا الخمس على ثلاثة
أصناف، يسقط ما للرسول من القسمة، وما لذوي القُرْبَى، وحجته في هذا أن أبا بكر وعمرَ لم يعطيا سَهْمَ ذوي القربى، وأن سهم النبي ﷺ ذهب بوفاته، لأن الأنبياء لا تورثُ. فيُقَسَّم على اليتامى والمساكين وابن السبيل على قدر حاجة كل فريق منهم ويعطي بعضاً دون بعض منهم خاصةً، إِلَّا إنَّه لا يخرج القَسْم عن هُؤلاءِ الثلاثة.
وأما مذهب مَالِك فيُرْوَى أن قوله في هذا الخمس، وفي الفيءِ أنه إنما
ذكر هُؤلاءِ المُسَمَّوْنَ لأنهم من أهم مَنْ يدفع إليهم، فهو يجِيزُ أن يَقْسِمَ بينهم، ويجيز أن يُعْطِيَ بعضاً دون بعض، ويجوز أن يُخْرِجَهُمْ مِن القسم إِن كان أمرُ غيرهم أهمَّ من أمرهم، فيفعل هذا على قدر الحاجة.
وحجته في هذا أن أمرَ الصدَقاتِ لم يزل يجري في الاستعمال على ما
يراه الناس.
وقال الله : (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ). فلو أن رَجُلاً وجبت عليه خمسة دراهم لأخرجها إِلى صنف
من هذه أو إِلى ما شاءَ من هذه الأصناف، ولو كان دْكر التسْمِية يوجب الحق للجماعة لما جاز أن يُخَصَّ وَاحد دون غيره، ولا أن يُنْقَصَ واحد مما يُعَطى غَيْرُه
стр. 874
قال أبو إسحاق: مِنْ - حجَج مالك في أن ذكر هؤلاءِ إنما وقع للخصوص.
قوله تعالى: (مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ).
فذكر جملة الملائكة، فقد دخل جبريل وميكال في الجملة وذكِرَا بأسمائهم
لخصوصِهِمَا، وكذلك ذكر هؤلاءِ في القسمة والفيءِ والصدقة، لأنهم من أهم مَنْ يصرف إليه الأموال من البر والصدقة.
قال أبو إسحاق: ومن الحجةِ لمالك أيضاً قول الله :
(يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ).
فللرجل أن ينفق في البر على هذه الأصناف وعلى صنف
منها، وله أن يخرج عن هذه الأصناف، لا اختلاف بين الناس في ذلك.
قال أبو إسحاق: هذا جهلة ما علمناه من أقوال الفقهاءِ في هذه الآية.
وقوله : (إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا).
يجوز أن يكون " إنْ كنْتمْ " مُعَلقَةً بقوله: (فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٤٠). . . إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ)
فأيقِنوا أن اللَّه نَصَرَكم إِذ كنتم قد شاهدتم مِنْ نَصْره ما
شاهدتم.
ويجوز أنْ يَكُونَ (إِنْ كُنتمْ آمَنتُمْ بِاللَّه) معناها: اعلموا أن مَا غَنِمْتمْ من
شيءٍ فأن للَّه خمسه وللرسول يأمران فيه بما يريدان إنْ كنتم آمَنْتمْ باللَّه فأقبلوا ما أمِرْتم به في الغنيمة.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (يَوْمَ الْفُرْقَانِ).
هو يوم بدر، لأن الله أظهر فيه مِنْ نَصْرِهِ بإرداف الملائكة
стр. 875
والِإمداد بهم للمسْلِمِينَ مَا كانَ فيه فرْقانَّ بين الحق والباطل، ثم أكد التبينَ في
ذلك فقال : (إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (٤٢)
(إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا)
أي الدنيا منكم، والعدوة شفير الوادي، يقال: عِدْوة، وعُدْوَة
وعدى الوادي مقصور، فالمعنى إِذ أنتم بالعدْوَةِ الدُّنْيَا، أي بشفير الوادى
الذي يلي المدينة.
(وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقصْوَى).
بشفير الوادي الذي يلي مكَةَ.
(وَالركْبُ أسْفَلَ منْكمْ).
الركْبُ: العير التي كان فيها أبو سفيان على شاطئ البحر.
فأعلم اللَّه جلَّ وعزَّ أن نَصْرَ المؤمنين وهم في هذا الموضع فرقان.
قال أبو إِسحاق: قد بيَّنَّا أنه كان رَمْلًا تسوخ فيه الأرْخل، ولم يكونوا على
ماءٍ، وكان المشرِكونَ نَازِلينَ على موْضِع فيه الماءُ، وهم مع ذلك يُحامونَ عن العِيرِ، فهو أشدُّ لِشوْكَتِهِمْ، فجعل اللَّه جلَّ وعزَّ النصرَ في هذه الحال، مع قلة عَدَدِ المسلمين وكَثْرَة عَدَد المشركين وشِدةِ شَوكَتِهِم، فرقَاناً.
ويجوز فىٍ قوله: (وَالركْبُ أسْفَلَ منْكمْ) وجهان:
الوجه أن تنصب (أسْفَلَ)، وعلَيه القراءَة.
ويجَوز أن ترفع (أسْفَلُ) على أنك تريد والركبُ أسْفَلُ
منكم أي أشَد تَسَفُلاً.
ومن نصب أرادَ والركب مكاناً (أسْفَلَ) منكم.
стр. 876
وقوله: (لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ).
جعل اللَّه القاصِدَ للحق بمنزلة الحيِّ، وجعل الضَالَّ بمنزلة
الهَالِك، ويجوز حَيِي بياءَين، وحَيَّ بياءٍ مشددَة مدْغَمة، وقد قرئ بهما
جميعاً. فأمَّا الخليل وسيبويه فيجيزان الِإدغام والِإظهار إِذا كانت الحركة في
الثاني لَازِمةً، فأمَّا من أدغَم فلاجتماع حرفين من جنس واحد.
وأمَّا من أظهر فلأن الحرف الثاني ينتقل عن لفظ الياءِ، تقول حَييَ يَحْيَا، والمحيا والممات.
فعلى هذا يجوز ُ الِإظهارُ. فأمَّا قوله : (هُوَ يحْيي وُيميتُ)
وقوله: (أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (٤٠).
فلا يجوز فيه عند جميع البصريين إلا يُحْيي بياءيْنِ ظاهرَتَيْنِ
وأجاز بعضهم. يُحيّ بياءَ واحدة مشددة مُدْغَمة.
وذكر أن بعضهم أنشد:
وكأنها بين النساءِ سبيكة. . . تمشي بسدة بَيْتِهَا فَتَعي
ولو كان هذا المنشد المستشهد أعلمنا من هذا الشاعر، ومن أي القبائل
هو وهل هو مِمَن يْؤخذ بشعره أم لا مَا كان يضره ذلك.
وليس ينبغي أن يُحْمل كتاب الله على " أنشدني بعضُهُمْ " ولا على بيْت شَاذ لو عرف قائله وكان مِمنْ يْؤخذ بقوله لم يجز.
وهذا عندنا لا يجوز في كلامٍ ولا شِعْرٍ، لأن الحرفَ الثانِيَ إِذَا كانَ
стр. 877
يسكن من غير المعتل نحو: " لم يَوَدَّ " فالاختيار إِظهار التضعيف، فكيف إِذا
كان من المعتل.
* * *
وقوله: (إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٤٣)
رويت عن الحسن أن معناها في عينك التي تنام بها.
وكثير من أصحابِ النحو يذهبون إِلى هذا المَذْهَب.
ومعناه عندهم: إِذ يريكهم الله في موضع منامك أي بِعَيْنك ثم حذف الموضِعُ، وأقام المقام مكانه، وهذا مَذْهَبٌ حسن.
ولكنه قد جاءَ في التفسير أن النبي ﷺ رآهم في النوم قَلِيلًا، وقص الرؤْيا على - أصحابه فقالوا: صَدَقَتْ رُؤْيَاكَ يا رسول اللَّه، وهذا المذهب أسوغ في العربية، لأنَّه قَد جاءَ:
(وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ)
فدَل بهذا أن هذا رؤْية الالتقاءِ، وأن تلك رؤْيةُ النوم.
ويجوز على هذا المذهب الأول أن يكون الخطاب الأول للنبي ﷺ وأن الخطاب الثاني لجميع من شاهدَ الحربَ وللنبي ﷺ .
وقوله: (وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ).
أي لتأخرتم عن حربهمْ وكِعْتُمْ وَجَبُنْتُمْ، يقال فشِلَ فشَلاً إِذَا جَبنَ
وهابَ أن يَتَقدم.
* * *
وقوله: (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٥٥)
عنى أن هؤلاءِ لا يُؤمنون أبداً، كما قال لنُوح: (أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ).
* * *
وقوله: (فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٥٧)
стр. 878
معناه افعل بِهِمْ فعلاً من القَتْلِ تُفَرِقُ به مَنْ خَلْفَهمْ.
* * *
وقوله : (تَثْقَفَنَّهُمْ) معناه تصادفَنهُمْ وَتَلْقينَّهُمْ.
* * *
وقوله : (وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (٥٨)
أي نقضاً للعهد.
(فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ).
أي انبذ عهدهم الذي عاهَدْتهم عليه أي ارم به.
على سواءَ، أَي لِتكُونَ وَهُمْ سَواءً في العداوة.
(إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ).
أي الذين يخونون في عهدهم وغيره.
* * *
وقوله: (كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِم).
معناه عادةُ هُؤلاءِ في كفرهم كعادة آل فرعون في كفرهم، فجوزي هُؤلاءِ
بالقتل والسَّبىِ كما جوزيَ آل فرعونَ بالإِغراق والإِهْلَاكِ، كذا قال بعض أهل اللغة، فِي الدأَب أَنه العادة.
وقال أَبو إِسحاق: وحقيقة الداب إِدَامَة العَمَل، تقول: فلان يداب في
كذا وكذا أَىِ يداوم عليه ويواظب، وُيتْعِبُ نفسه فيه.
وهذا التفسير معنى العادة إِلا أن هذا أَبيَنُ وأَكشفُ.
* * *
وقوله: (وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٤٨)
موضع " إِذْ " نصبٌ، المعنى: اذكر إِذ زيَنَ لهم الشيطان أَعمالهم.
(وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ).
تمثل لهم إِبليس في صورة رَجُل يقالُ له سُراقة بنُ مالك بنُ جُعْثُم من
كنانة، وقال لهم: لَنْ يَغْلِبكم أَحَدٌ، وَأَنَا جَارٌ لكم من بني كنانة.
(فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ).
стр. 879
توافَقَتَا حتَى رَأت كُل وَاحِدةٍ الأخْرَى، فَبَصرَ إِبليسُ بالمَلائكَة تنزل من
السّماءِ فنكص على عقبيه.
(وَقَالَ إِنَّي بَرِيءٌ مِنْكمْ).
وذلك أَنه عُنِّفَ لهَرَبِه، فقال:
(إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ).
ومعنى نكص رجع بِخِزْيٍ.
فإِن قال قائل: كيف يقول إِبليس: (إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ) وهو كافِر؟
فالجواب في ذلك أنَّه ظن الوقت الذي أُنْظِرَ إِليْه قَدْ حَضر.
* * *
وقوله: (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ (٥٩)
معناها: لَا يَحْسَبَنَّ من أفلت من هذه الحرب قَدْ سَبَق إِلى الحياة.
والقراءَة الجيدةُ (وَلَا تَحْسَبَنَّ) بالتاءِ على مخاطبة النبي ﷺ وتكون " تَحْسَبَنَّ " عاملة في الذين، ويكون (سبقوا) الخبر.
ويجوز فتح السين وكسرها، وقد قرأ بعض القراءِ، ولا يحسَبَنَ الذين
كفروا، بالياء وَوَجهها ضعيف عند أهل العربية إِلا أنَّها جائزة على أن يكون
المعنى، ولا يحسبن الذين كفروا أن سبقوا، لأنها في حرف ابن مسعود إنهم
سبقوا، فإِذا كانت كذلك فهو بمنزلة قولك: حسبت أن أقوم وحسبت أقومُ على حذف (أن) وتكون أقوم وقام تنوب عن الاسم والخبر
كما أنك إِذا قلت: ظننت لَزَيْد خَيْر مِنْكَ.
فقد نابت الجملةُ عن اسم الظَنِّ وخَبرِه وفيها وجه آخر:
ولا يحسبَنَ قبيلُ المُؤْمِنينَ الَّذِينَ كَفَروا سَبَقُوا.
стр. 880
ويجوز فيها أوجُهٌ لَم يُقْرأ بِهَا، يجوز " ولا يُحْسَبَنَّ الذينَ كفروا سبقوا "
و" لا يَحْسبُنَّ الذين كفروا ".
أي لا يحسب المؤمنون الذين كفروا سبقوا.
ولكن القراءَة سنة، لا يُقْرأ إِلا بما قرأت به القراءُ.
ويجوز إِنهم بكسر إِنَّ، ويجوز أنَّهم.
فيكون المعنى: ولا يَحْسَبَنَ الَّذِينَ كفروا أَنهم يعجزون.
ويكون (أن) بَدَلًا مِن (سَبقُوا).
قال أبو إسحاق: هذا الوجه ضعيف، لأن " لا " لا تكون لَغْواً في موضع
يجوز أن تقع فيه غير لغوٍ.
وقوله: (يُعْجِزُونَ) فتحُ النون الاختيارُ، ويجوز كسرها على أن يكون
المعنى أنهم لا يَعجزُونَنِي، بحذف النون الأولى لاجتماع النونين.
قال الشاعر:
رأته كالنعام يُعَلُّ مِسْكاً. . . يسوءُ الغاليات إِذا فَلَينِي
يريد فلينني.
* * *
وقوله: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (٦٠)
(وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ).
(وَآخَرِينَ) عطف على قوله (تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ).
أي وترهبون آخرين منْ دُونهِمْ.
* * *
وقوله: (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦١)
السَّلْمُ: الصلح والمسالمة، يقال: سِلْمٌ وسَلَمٌ وسَلَم في معنى واحِد.
أي إِن مالُوا إِلى الصلح فَمِلْ إِلَيْه.
* * *
(وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢)
أي إِن أرَادُوا بإِظهارِ الصلْح خَدِيعَتك، (فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ).