← Тафсир

Тафсир · id 922

معاني القرآن وإعرابه للزجاج

الزجاج

Полный текст (2 149 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

وقوله: (لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ). جعل اللَّه القاصِدَ للحق بمنزلة الحيِّ، وجعل الضَالَّ بمنزلة الهَالِك، ويجوز حَيِي بياءَين، وحَيَّ بياءٍ مشددَة مدْغَمة، وقد قرئ بهما جميعاً. فأمَّا الخليل وسيبويه فيجيزان الِإدغام والِإظهار إِذا كانت الحركة في الثاني لَازِمةً، فأمَّا من أدغَم فلاجتماع حرفين من جنس واحد. وأمَّا من أظهر فلأن الحرف الثاني ينتقل عن لفظ الياءِ، تقول حَييَ يَحْيَا، والمحيا والممات. فعلى هذا يجوز ُ الِإظهارُ. فأمَّا قوله : (هُوَ يحْيي وُيميتُ) وقوله: (أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (٤٠). فلا يجوز فيه عند جميع البصريين إلا يُحْيي بياءيْنِ ظاهرَتَيْنِ وأجاز بعضهم. يُحيّ بياءَ واحدة مشددة مُدْغَمة. وذكر أن بعضهم أنشد: وكأنها بين النساءِ سبيكة. . . تمشي بسدة بَيْتِهَا فَتَعي ولو كان هذا المنشد المستشهد أعلمنا من هذا الشاعر، ومن أي القبائل هو وهل هو مِمَن يْؤخذ بشعره أم لا مَا كان يضره ذلك. وليس ينبغي أن يُحْمل كتاب الله على " أنشدني بعضُهُمْ " ولا على بيْت شَاذ لو عرف قائله وكان مِمنْ يْؤخذ بقوله لم يجز. وهذا عندنا لا يجوز في كلامٍ ولا شِعْرٍ، لأن الحرفَ الثانِيَ إِذَا كانَ

стр. 877

يسكن من غير المعتل نحو: " لم يَوَدَّ " فالاختيار إِظهار التضعيف، فكيف إِذا كان من المعتل. * * * وقوله: (إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٤٣) رويت عن الحسن أن معناها في عينك التي تنام بها. وكثير من أصحابِ النحو يذهبون إِلى هذا المَذْهَب. ومعناه عندهم: إِذ يريكهم الله في موضع منامك أي بِعَيْنك ثم حذف الموضِعُ، وأقام المقام مكانه، وهذا مَذْهَبٌ حسن. ولكنه قد جاءَ في التفسير أن النبي ﷺ رآهم في النوم قَلِيلًا، وقص الرؤْيا على - أصحابه فقالوا: صَدَقَتْ رُؤْيَاكَ يا رسول اللَّه، وهذا المذهب أسوغ في العربية، لأنَّه قَد جاءَ: (وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ) فدَل بهذا أن هذا رؤْية الالتقاءِ، وأن تلك رؤْيةُ النوم. ويجوز على هذا المذهب الأول أن يكون الخطاب الأول للنبي ﷺ وأن الخطاب الثاني لجميع من شاهدَ الحربَ وللنبي ﷺ . وقوله: (وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ). أي لتأخرتم عن حربهمْ وكِعْتُمْ وَجَبُنْتُمْ، يقال فشِلَ فشَلاً إِذَا جَبنَ وهابَ أن يَتَقدم. * * * وقوله: (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٥٥) عنى أن هؤلاءِ لا يُؤمنون أبداً، كما قال لنُوح: (أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ). * * * وقوله: (فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٥٧)

стр. 878

معناه افعل بِهِمْ فعلاً من القَتْلِ تُفَرِقُ به مَنْ خَلْفَهمْ. * * * وقوله : (تَثْقَفَنَّهُمْ) معناه تصادفَنهُمْ وَتَلْقينَّهُمْ. * * * وقوله : (وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (٥٨) أي نقضاً للعهد. (فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ). أي انبذ عهدهم الذي عاهَدْتهم عليه أي ارم به. على سواءَ، أَي لِتكُونَ وَهُمْ سَواءً في العداوة. (إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ). أي الذين يخونون في عهدهم وغيره. * * * وقوله: (كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِم). معناه عادةُ هُؤلاءِ في كفرهم كعادة آل فرعون في كفرهم، فجوزي هُؤلاءِ بالقتل والسَّبىِ كما جوزيَ آل فرعونَ بالإِغراق والإِهْلَاكِ، كذا قال بعض أهل اللغة، فِي الدأَب أَنه العادة. وقال أَبو إِسحاق: وحقيقة الداب إِدَامَة العَمَل، تقول: فلان يداب في كذا وكذا أَىِ يداوم عليه ويواظب، وُيتْعِبُ نفسه فيه. وهذا التفسير معنى العادة إِلا أن هذا أَبيَنُ وأَكشفُ. * * * وقوله: (وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٤٨) موضع " إِذْ " نصبٌ، المعنى: اذكر إِذ زيَنَ لهم الشيطان أَعمالهم. (وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ). تمثل لهم إِبليس في صورة رَجُل يقالُ له سُراقة بنُ مالك بنُ جُعْثُم من كنانة، وقال لهم: لَنْ يَغْلِبكم أَحَدٌ، وَأَنَا جَارٌ لكم من بني كنانة. (فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ).

стр. 879

توافَقَتَا حتَى رَأت كُل وَاحِدةٍ الأخْرَى، فَبَصرَ إِبليسُ بالمَلائكَة تنزل من السّماءِ فنكص على عقبيه. (وَقَالَ إِنَّي بَرِيءٌ مِنْكمْ). وذلك أَنه عُنِّفَ لهَرَبِه، فقال: (إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ). ومعنى نكص رجع بِخِزْيٍ. فإِن قال قائل: كيف يقول إِبليس: (إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ) وهو كافِر؟ فالجواب في ذلك أنَّه ظن الوقت الذي أُنْظِرَ إِليْه قَدْ حَضر. * * * وقوله: (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ (٥٩) معناها: لَا يَحْسَبَنَّ من أفلت من هذه الحرب قَدْ سَبَق إِلى الحياة. والقراءَة الجيدةُ (وَلَا تَحْسَبَنَّ) بالتاءِ على مخاطبة النبي ﷺ وتكون " تَحْسَبَنَّ " عاملة في الذين، ويكون (سبقوا) الخبر. ويجوز فتح السين وكسرها، وقد قرأ بعض القراءِ، ولا يحسَبَنَ الذين كفروا، بالياء وَوَجهها ضعيف عند أهل العربية إِلا أنَّها جائزة على أن يكون المعنى، ولا يحسبن الذين كفروا أن سبقوا، لأنها في حرف ابن مسعود إنهم سبقوا، فإِذا كانت كذلك فهو بمنزلة قولك: حسبت أن أقوم وحسبت أقومُ على حذف (أن) وتكون أقوم وقام تنوب عن الاسم والخبر كما أنك إِذا قلت: ظننت لَزَيْد خَيْر مِنْكَ. فقد نابت الجملةُ عن اسم الظَنِّ وخَبرِه وفيها وجه آخر: ولا يحسبَنَ قبيلُ المُؤْمِنينَ الَّذِينَ كَفَروا سَبَقُوا.

стр. 880

ويجوز فيها أوجُهٌ لَم يُقْرأ بِهَا، يجوز " ولا يُحْسَبَنَّ الذينَ كفروا سبقوا " و" لا يَحْسبُنَّ الذين كفروا ". أي لا يحسب المؤمنون الذين كفروا سبقوا. ولكن القراءَة سنة، لا يُقْرأ إِلا بما قرأت به القراءُ. ويجوز إِنهم بكسر إِنَّ، ويجوز أنَّهم. فيكون المعنى: ولا يَحْسَبَنَ الَّذِينَ كفروا أَنهم يعجزون. ويكون (أن) بَدَلًا مِن (سَبقُوا). قال أبو إسحاق: هذا الوجه ضعيف، لأن " لا " لا تكون لَغْواً في موضع يجوز أن تقع فيه غير لغوٍ. وقوله: (يُعْجِزُونَ) فتحُ النون الاختيارُ، ويجوز كسرها على أن يكون المعنى أنهم لا يَعجزُونَنِي، بحذف النون الأولى لاجتماع النونين. قال الشاعر: رأته كالنعام يُعَلُّ مِسْكاً. . . يسوءُ الغاليات إِذا فَلَينِي يريد فلينني. * * * وقوله: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (٦٠) (وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ). (وَآخَرِينَ) عطف على قوله (تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ). أي وترهبون آخرين منْ دُونهِمْ. * * * وقوله: (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦١) السَّلْمُ: الصلح والمسالمة، يقال: سِلْمٌ وسَلَمٌ وسَلَم في معنى واحِد. أي إِن مالُوا إِلى الصلح فَمِلْ إِلَيْه. * * * (وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) أي إِن أرَادُوا بإِظهارِ الصلْح خَدِيعَتك، (فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ).

стр. 881

أي فإِن الذي يتولى كفايتك اللَّه. (وَمَنِ اتبَعَكَ مِنَ الْمؤمِنِينَ). موضع " مَنْ " نصبٌ ورَفْعٌ، أما مَنْ نَصب فعلى تأْويل الكاف، المعنى فإِن اللَّه يكفيك ويكفي من اتبَعَكَ من المؤْمنين، ومن رفع فعلى العطف على اللَّه والمعنى: فإن حسبك اللَّهَ وتُبَّاعُك مِن المؤْمنينَ. (هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ). ومعنى (أَيَّدَكَ) قَوَاكَ. (وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٣) أي جمعهم على المودة على الِإيمان. وقوله: (لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا). (جَمِيعًا) منصوب على الحال. (مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ). أعلم الله جلَّ وعزَّ أن تأليف قلوب المؤمنين من الآيات العظام وذلك أن النبي ﷺ بُعِث إِلى قوم أنَفتهم شديدةٌ، ونصرة بعضهم بعضاً ومعاوَنَتُه أبلغ نصرةٍ وَمعَاوَنَةٍ، كان يُلْطَم من القبيلة لطمةً فيقاتل عنه حَتَى يُدْرَكَ ثَأرهُ، فألَّف الايمان بين قلوبهم حتى قاتل الرجل أباه وأخاه وابنه، فأَعلم اللَّه أن هذا ما تَوَلَّاة منهم إِلا هو. * * * وقوله: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (٦٥) تأويله حُثَّهم على القتال. وتأويل التحريض في اللغة أن يحث الِإنسان على الشَيء حثًّا يعلم معه أنه حَارضٌ إِن تخلف عنه، والحارض الذي قدْ قَارَبَ الهلاكَ، وقَوله تعالى:

стр. 882

(حَتَى تَكُونَ حَرَضاً) أي حتى تَذوب غَمًّا فتقارب الهلاك فتكون من الهالكين. * * * وقوله: (إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ). لا يجوز إِلا كسر العين. وزعم أهل اللغة أن أول عشرين كسِرَ كما كُسِرَ أولُ اثنين، لأن عِشْرين من عَشْرةٍ مثل اثنين من واحِدٍ. ودليلهم على ذلك فتحهم ثلاثِين كفتح ثلاثةٍ. وكسرة تِسعين ككسرة تسعة. * * * وقوله: (الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٦٦) (وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا). قرئَت على ثلاثةِ أوْجُهٍ: قُرئت ضَعْفاً بفتح الضادِ، وضُعْفاً بضم الضادِ والمعنى واحِدٌ، يقال هوِ الضعفُ والضُّعْف، والمَكْثُ والمُكْثُ، والفَقْرُ والفُقْر، وباب فَعْلٍ وفعْل بمعنَى واحِدٍ في اللغة كثير. وقرأ بعض الشيخة: وعلم أن فيكم ضُعَفَاءَ على فُعَلَاءَ، على جمع ضعيف وضعَفاءَ ولم يَصْرفْ ولم يُنَوَّنْ لأن فعلاءَ في آخرها ألف التأنيث. (فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ). وقُرئت " فإِن تكن " بالتاءِ، فمن أنث فلأن لفظَ المائة مَؤنث، ومن ذكَّر فلأنَّ المائة وقعت على عَدَد فذكِّر. * * * وقوله: (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) ويقرأ أسُارَى، فمن قرأ أسْرَى فهو جمع أسِير وأسْرَى. وَفعْلى جمع لكل ما أصِيبوا به في أبدانهم وعُقُولهم، يقال: هالك وهلكى، ومريض ومَرْضَى، وأحمق وحَمْقَى، وسَكْران وسَكرى.

стр. 883

ومن قرأ أسارَى فهو جمع الجمعِ، تقول أَسير وأسارى. قال أبو إِسحاق: ولا أعلم أحداً قرأها أسارى. وهي جائزة ولا تقرأن بها إِلا أن تثبت رواية صحيحة. (حَتَى يثْخِنَ فِي الأرْضِ). معناه حتى يبالغ في قتل أعدائه، ويجوز أن يكون حتى يتمكن في الأرض. والِإثخان في كل شيء قوة الشيء وشدته يقال قد أثخنته. * * * ومعنى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧٥) (وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ). أي بعضهم في المواريث أولى ببعض. وهذه المواريث في الولاية بالهجرة منسوخة، نسخها ما في سورة النساءِ من الفرائض. * * * وقوله: (وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ). معناه تذهب صَوْلتكم وقوتكم، ويقال في الأولِ: الريحُ معَ فُلان، أي الدَّوْلَةُ.

стр. 884

سورة براءة قوله جلَّ وعزَّ (بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) سُئل أبَيُّ بنَّ كعب: ما بال براءَة لم تفتتح بـ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. فقال: لأنها نزلت في آخر ما نزل من القرآن، وكان رسول الله ﷺ يأمر في أول كل سورة بـ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: ولم يأمر في سورة براءَة بذلك فَضُمَّتْ إلى سورة الأنفال لشبهها بها. يعني أن أمْرَ العهودِ مذكور في سورة الأنفال وهذه نزلت بنقض العهود فكانت ملتبسة بالأنفال في الشبه. قال أبو إِسحاق: أخبرنا بعض أصحابنا عن صاحبنا أبي العباس محمد ابن يزيد المبرد أنَّه قال: لم تفتتح ب " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ "، لأن " بسم اللَّه " افتتاح للخير. وأول " براءَة " وَعيدٌ ونقض عُهود، فلذلك لم تفتتح بـ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. و (براءَة) نزلت في سنة تسع من الهجرة، وافتتحت مكة في سَنَةِ ثمان. وَوَلَّى رسولً الله ﷺ عَتَابَ بنَ أسَيدٍ للوقوف بالناس في الموسم فاجتمع في

стр. 885

تلك السنة في الموقف ومعالم الحج وأسبابه المسلمون والمشركون، فلما كان في سنة تسع وَلى رَسُولُ الله ﷺ أبا بكر الصديق الوقوفَ بالناس وأمر بتلاوة براءَة، وولى تلاوتها عَلياً وقال في ذلك: لن يُبَلِّغَ عني إِلا رجُل مني، وذلك لأن العربَ جَرت عادتها في عقد عقودها ونقضها أن يتولى ذلك على القبيلة رَجلٌ منها، فكان جائزاً أن يقول العربُ إِذا تلى عليها نقض. العهد من الرسول: هذا خِلاف ما نعرف فينا في نقض العهود، فأزاح رسول اللَّهِ ﷺ هذه العِلَّةَ، فَتًليَتْ براءَة في الموقف: (بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) أي قدْ بَرِئ من إِعطائهم العهودَ والوفاءَ لهم، ذلك أن نكثوا. (بَرَاءَةٌ) مرتفعة على وجهين أحدهما على خبر الابتداء، على معنى هذه الآيات براءَة من الله ورسوله، وعلى الابتداء، يكون الخبر (إِلى الذين عاهدتم) لأَن براءَة موصولة بِـ مِنْ، وصار كقولك: القصد إِلى زيد، والتبرؤُ إِليك، وكلاهما جائز حسن، يقالي بَرئْتُ في الرجلِ والدين براءَةً،. وبرِئْتُ من المرَضِ وبَرَات أيضاً بُرْءَاً، وقد روَوْا برات ابرُؤَ بُرُوءاً، ولم نجد فيما لامه همزة فعَلْت أفعُل، نحو قرأت أقرا، وهنأت البعير أهنؤُه.

стр. 886

وقد استقصى العلماء باللغة هذا فلم يجدوه إِلا في هذا الحرف وُيقال برَيْت القَلمَ - وكل شَيءٍ نَحَتُه - أبْرِيه بَرْيَا، غير مهموز، وكذلك بَرَاةُ السيْرُ غير مهموز، والبُرَةُ حَلَقَة من حَدِيد في أنف الناقة، فإِذا كانت من شعر فهي خِزَامَةُ. والذي في انف البعير من خَشب يقال له الخِشَاش، يقال أبريت الناقة أبْرِيها براءَ إِذا جَعَلْت لها بُرَةً. ولا يقال إِلا بالألف أبْريْتُ، ومن الخزامة خَزَمْتُ - بغير ألف - وكذلك من الخِشاش خَشَشْتُ، والبُرَةُ الخلخال من هذا، وتجمع البرةُ بُرين والبُريَ. * * * وقوله: (فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ (٢) أي اذهبوا؛ وأقبلوا وَأدبِرُوا أربعةَ أشْهُرٍ. (وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ). أي وإِن أجَّلْتُم هذه الأربعة الأشهر فلن تفوتوا اللَّه (وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ). الأجْوَدُ فتح (أَنَّ) علَى معنى اعلموا أن الله مخزي الكافرين، ويجوز كَسْرها على معنى الاستئناف، وهذا ضمان من الله بنَصْرِهِ المؤْمنين على الكافرين. * * * (وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣) عطف على (بَرَاءَة) ومعناه: وإعلان من الله ورسوله، يقال آذنته بالشيء إِذا أعلمته به. (إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ). قيل يَومُ الحج الأكبر هو يوم عرفة، والحج الأكبر الوُقوف بعرفة. وقيل الحج الأصغر العمرة.

стр. 887

والِإجماع أنَّه من فاته الوقوف بعرفة فقد فاته الحج. وقال بعضهم إِنما سُمي يومَ الحج الأكبر لأنه اتفقت فيه أعياد أهل المِلَّةِ، كان اتفق في ذلك اليوم عيدُ النصارى واليهودِ والمجوسِ وهذا لا يُسمى بهِ يومُ الحج الأكبر، لأنه أعيادُ غير المسلمين، إِنما فيها تعظم كفر باللَّه، فليست من الحج الأكبر في شيءِ. إجماع المسلمين على أن الوقوف بعرفة أكْبَرُ الحجِّ. * * * وقوله: (إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٤) " الذين " في موضع نصب، أي وقعت البراءَة من المعاهدين الناقضين للعهود. (إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ). أي ليسوا داخلين في البراءَة ما لم ينقضوا العهود. * * * وقوله: (فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥) أي اقتلوا هؤلاءَ الذين نقضوا العهدَ، وَنُقِضَ عَهْدُهُمْ وَأحِلوا هذه المدةَ. ويقال إِن الأربَعةَ الأشْهرِ كانت عشرين من ذي الحجة والمحرم وصفر وربيعاً الأول، وعشرا من ربيع الآخر، لأن البراءَة وقعت في يوم عرفة، فكان هذا الوقت ابتداءَ الأجل. (وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ). قال أبو عبَيْدَة: المعنى كل طريقٍ. قال أبو الحسن الأخْفَش " على " محذوفة. المعنى اقعدوا لهم على كل مَرْصد وأنشد: نُغالي اللَّحمَ للأَضْيافِ نِيئاً. . . ونُرْخِصُهُ إِذا نَضِجَ القَديرُ

стр. 888

المعنى نغالي باللحم، فحذف الباءَ ههنا، وكذلك حذف (على). قال أبو إسحاق: كل مَرصَد ظرف، كقولك ذهبت مَذْهَباً. وذهبت طريقاً، وذهبت كل طريق. فلست تحتاج أن تقول في هذا إلا ما تقوله في الظروف مثل خلف وأمام وقدام. وقوله: (فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ). أي إِن تابوا وآمنوا فهم مثلكم، قد درأ عَنْهم إِيمانهم وَتَوْبَتهمْ إثمَ كفرهم ونكثهِم العهودَ. * * * وقوله: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ (٦) المعنى إن طلب منك أحد منهم أن تجيرَه منَ القَتْل إلى أن يسمع كلام اللَّه (فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ). (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ). أي الأمر ذلك، أي وجب أن يعرفوا وأن يُجَازوا بجَهْلِهمْ وبِمَا يَتَبينُونَ الإسلام. وأما الإِعراب في أحَد معِ " إِنْ " فالرفع بفِعل مُضْمر الذي ظهر يفسرُه. المعنى وإن استجارك أحد. ومن زعم أنه يرفع أحَداً بالابتداءِ فخطأ. لأن الجزاءَ لا يتخطى ما يرفع بالابتداء ويعمل فيما بعده.

стр. 889

فلو أظهرت المستقبل لقلت: إِن أحدٌ يقمْ أكرمهُ ولا يجوز إِنْ يَقمُ أحدٌ زَيُدٌ يَقُمْ. لا يجوز أن ترفع زيْداً بفعل مضمر الذي ظهر يفسِّرُه ويَجزم. وإِنما جاز في " إن، لأن " إن، يلزمها الفِعْلُ. وجواب الجزاءِ يكون بالفِعْل وغيره. ولا يجوز أن تُضْمِرَ وتجزم بعد المبتدأ. لأنك تقول ههنا إن تأتني فزيد يقوم، فالموضع موضع ابتداءٍ. وإنما يجوز الفصل في باب " إنْ " لأن " إِنْ " أمُّ الجزاءِ، ولا تزول عنه إلى غيره، فأما أخَواتُها فلا يجوز ذلك فيها إلا في الشِعر. قال عدي بن زيد. فمتى واغل يزرهم يُحيوه. . . وتُعطَفْ عليه كأسُ السَّاقي * * * وقوله: (كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧) (إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ). أي ليس العهد إلا لهُؤلاءِ الذين لم ينكثوا. فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فاسْتَقِيمُوا لَهُمْ). أي ما أقاموا على الوفاءِ بعَهْدهِمْ، وموضع " الذين " نصب بالاستثناءِ.

стр. 890

وقوله: (كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ (٨) وحذف مع كيف جملة " يكون لهم عهد " لأنه قد ذكر قبل ذلك. قال الشاعر يرثي أخاً له مات: وخَبرتُمانِي أنما الموت بالقُرَى. . . فكيف وهاتا هَضبة وقليب أي فكيف مات وليس بقرية. ومثله قول الحطيئة: وكيف ولم أعْلمْهمُوخَذَلُوكُمُو. . . عَلَى مُعْظَم ولَا أدِيمَكُمُو قَدُّوا أي فكيف تَلومونني على مدح قوم، وتَذُمونَهُمْ، واستغنى عن ذكر " ذَلِك " مع ذكر كيف، لأنه قد جرى في القصيدة ما يدل على ما أضْمِرَ. قال أبو عبيدة الإل: العهدُ، والذِّمَّة ما يتذَمم منه، وقال غيره: الذمة. العهد، وقيل في الإل غير قول. قيل: الإل: القرابة، وقيل: الِإل: الحلف، وقيل: الِإل: العهْدُ، وقيل الإل اسم من أَسماءِ اللَّه، وهذا عندنا ليس بالوجه لأن أسماءَ اللَّه جلَّ وعز معروفة معلومة كما سمعَت في القرآن وتُلِيَتْ في الأخبار قال الله جلَّ وعزَّ: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا). فالداعي يقول: يا اللَّه، يا رحمن، يا ربُّ، يا مْؤمِن، يَا مهيَمن.

стр. 891

ولم يَسْمَعْ " يا إلُّ في الدعاءِ. وحقيقة " الإلّ " عندي على ما تُوحيه اللغة تحديد الشيءِ فمن ذلك: الإلَّةُ: الحربة، لأنَّها محدَّدَة، ومن ذلك: إذُن مُؤلَّلة، إذا كانت محدَّدَة. والأل يُخرَجُ في جميع ما فُسِرَ من العهْدِ والجوار على هذا، وكذلك القرابَة، فإِذا قلت في العهد بَيْنَهُما إِلٌّ فمعناه جواز يحاد الإنسان، وإذا قُلْتَهُ في القرابة فتأوِيله القرابَة الدانِية التي تحادُّ الإنسانَ. * * * وقوله - جلَّ وعزَّ -: (وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (١٢) أي رؤساءَ الكافرين، وقادتهم، لأن الِإمام متبَع. وهذه الآية توجب قَتلَ الذِميِّ إذا أظْهَرَ الطعنَ في الإسلام لأن العهد معقود عليه بألَّا يطعَنَ، فإِذا طعنَ فقد نكث. وقوله: (أَئِمَّةَ الْكُفْرِ) فيها عند النحويين لُغة واحدة: أيمة بهمزة وياء والقرَاءُ يقرَأون (أَئِمَّةَ) بهمزتين، وأيمة بهمزة وياء فأما النحويون فلا يجيزون اجتماع الهمزتين ههنا، لأنهما لا يجتمعان في كلمة، ومن قرأ أئمة - بهمزتين - فينبغي أن يقرأ يا بني أأدم، والاجتماع أن آدم فيه همزة واحدة. فالاختلاف راجع إلى الإِجماع، إلا أن النحويين يستصعِبون هذه المسألة. ولهم فيها غير قول: يقولون إِذا فضلنا رجلاً في الإمَامة: هذا أوَمُّ من هذا ويقول بعضهم أيُمَّ من هذا، فالأصل في اللغة أأْمِمَةٌ لأنه جمع إِمامٍ، مثل مِثَال وأمْثلَةٍ، ولكن

стр. 892

الميمين لما اجتمعتا أدغمت الأولى في الثانية وألغِيت حركتها على الهمزة. فصار أئِمة، فأبدل النحويون من الهمزة الياء. ومن قال: هذا أيَمَّ من هذا جعل هذه الهمزة كلما تحركت أبْدَلَ مِنها قال أبو إسحاق: والذي قال: (هَذا أوَمُّ مِن هذا) كانت عنده أصلها أَأَم. فلم يمكِنْه أن يُبدِلَ منها ألِفاً لاجتماع السَّاكنين، فجعلها واواً مفتُوحة، لأنه قال: إذا جمعت آدمَ قُلتَ أوادِمَ. وهذا هو القياس الذي جعلها ياءً. قال: قد صارت الياءُ في أئمة بدَلاً لازماً. وهذا مذهب الأخفشِ، والأول مذهب المازني. قال أبو إسحاق وأظنه أقْيَسَ الوَجْهَين، أعني: هذا أوَمُّ مِنْ هَذَا، فأما أئِمة باجتماع الهمزتين، فليس من مذاهب أصحابنا، إلا ما يحكى عن ابن إسحاق فإنه كان يحب اجتماعهما وليس ذلك عندي جائزاً، لأن هذا الحرف في أئمة قد وقع فيه التضعيف والإدغام، فلما أدغم وقعت علة في الحرف. وطرحت حركته على الهمزة فكان تركها دليلاً على أنها همزة قد وقع عليها حركة ما بعدها، وعلى هذا القياسِ يجوز: هذا أأمُّ مِنْ هذا والذي بدأنا به هو الاختيار من أن لا تجتمع همزتان. * * * وقوله: (إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ). وتقرأ (لا إِيمان لَهُمْ) فمن قرأ: (لا أيمَان لهمْ) بالفتح فقد وصفهم بالنكث في العهد، وهو أجودُ القراءَتين، ومن قرأ " لا إيمَانَ لهم " فقد وصفهم بالردةِ، أي لا إِسْلامَ لَهم، ويجوز أن يكون نَفَى عنهم الإيمان لأنهم لم يُؤمنوا، كما تقول: لا عِلْمَ لِفُلانٍ.

стр. 893

ويجوز أن يكون لا أيمَانَ لَهُمْ إذَا كنتمْ أنْتُمْ آمَنْتُموهُمْ، فنقضوا هم عَهدكُم، فقد بطل الأمان الذي أعطيتموهم، أي لا إيمانَ لَهُمْ: على " آمنتُ إيماناً على المصدر ". (لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ). أي لِيُرْجَى منهم الانتهاء والنكث: النقض في كل شي. * * * وقوله : (أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣) هذا على وجه التوبيخ، ومعناه الحضُّ على قتالهم، وقيل في قوله: (وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ). أنهم كانوا قاتلوا حُلفاء الرسول اللَّه ﷺ . وقوله: (أتَخْشَوْنَهُمْ). معناه أتَخْشَونَ أنْ يَنَالَكُمْ مِنْ قِتَالِهم مَكْرُوهٌ. (فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ). أي فمكرُوهُ عَذابِ اللَّهِ أحق أن يُخْشَى. (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) أيْ مصدقِينَ بعقاب اللَّه وثوابه. * * * وقوله: (قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) (وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ). فيه دليل أنه اشتد غضبهم للَّهِ ، فوعد اللَّه في هذه الآية النصْرَ. وفيها دليل على تثبيت النُبُوة، لأنه قال : (قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ). فوعدهم اللَّه النصْرَ وَوَفَّى به، ودل على صدق ما أتى به النبي ﷺ . وقوله تعالى: (وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٥)

стр. 894

(وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ) ليس بجواب لقوله: (قَاتِلُوهُمْ) ولكنه مستأنف، لأن (يتوب) ليس من جنس ما يُجاب به (قاتلوهم). * * * وقوله: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٦) الله جلَّ وعزَّ قد علم قَبْلَ أمْرهم بالقِتَالِ من يُقَاتلُ مِمنْ لَا يُقَاتِلُ ولكنه كان يعلم ذلك غيباً، فأرادَ العلمَ الذي يُجازي عَلَيْهِ لأنه جلَّ وعزَّ إنما يجازي على ما عملوا. وسورة " براءَة " كانت تُسَمَّى الْحافِرةَ، لأنها حَفَرت عن قلوبِ المنافقين. وذلك أنه لما فُرِضَ القِتالُ تبين المنافقُ من غيره، ومن يُوالي المؤمِنين مِمن يوالي أعداءَهم فقال جلَّ وعزَّ: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً). والوَليجة: البِطَانَةُ، وهي مأخوذة مِنْ وَلَجَ الشيء يلِجُ إِذا دَخَلَ. أي ولم يَتَخِذوا بينهم وبينَ الكافرين دَخيلَةَ مَوَدةٍ. * * * وقوله: (مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (١٧) (شَاهِدِينَ) حال. المعنى ما كانت لهم عمارةُ المسجد الحرام في حال إِقرارهم بالكفر. (أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ). أي كُفْرُهُمْ قد أذهبَ ثوابَْ أعمالهم. * * * وقوله: (إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨)

стр. 895

ولم يذكر الرسول في هذَا، لأن فيه دليلاً بقوله وأقَامَ الصلاةَ التي أتى بتحديدها الرسول. (وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ). تأويله لم يخف في باب الدين إلا اللَّه. (فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ). عسى واجبة من اللَّه. * * * وقوله: (أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٩) المعنى أجعلتم أهل سِقَايَةَ الحَاجِّ وأهَلَ عِمَارَةِ المَسْجِدِ الحرامِ كمن آمن باللَّه واليوم الآخِر وجَاهَد. واختلف الناس في تفسير هذه الآية: فقيل: إنه سأل المشركون إليهودَ فقالوا نحن سُقَاةُ الحَاجِّ وَعُمَّارُ المسجد الحَرامِ. أفَنَحْنُ أفْضَلُ أم محمد وأصحابه؟ فقالت لهم إليهود عناداً للنبي ﷺ : أنتم أفضل. وقيل إنه تفاخر المسلمون المجاهدون والذين لم يهاجروا ولم يجاهدوا. فأعلم الله جلَّ وعزَّ أن المجاهدينَ والمهاجرين أعظمُ دَرَجَةً عند اللَّه، فقال: (الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠) (درجةً) منصوب على التمييز، المعنى أعظمُ من غَيْرهمْ درَجَة. (وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ).

стр. 896

والفائز الذي يظفر بأمنيته من الخير. * * * (يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (٢١) أي يُعْلِمْهم في الدنيا ما لهم في الآخرة. وقوله: (لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) أي وفي حنين، أي ونصركم في يوم حنين، وحنين: اسمُ وَادٍ بين مكة والطائفِ. وقوله: (فِي مَوَاطِنَ كَثيرةٍ) أي في أمكنةٍ، كقولك في مقامَاب. تقول استوطن فلان بالمكان إذا أقام فيه. وزعم بعضُ النحويينَ أن (مواطن) لم ينصرف ههنا لأنه جَمْع. وأنها لا تُجْمَعُ. قال أبو إِسحاق: وإنما لم تُجْمَعْ لأنها لا تدخل عليها الألف والتاءُ، لا نقول مَوَاطِنات، ولا حَدَائدات إلا في شعْر، وإِنما سمعَ قَوْلَ الخليل أنه جمع لا يكون عنى مثال الواحد، وتأويله عند الخليل أن الجموع أبَداً تَتَنَاهى إِليه فليس بعده جمع، لو كسرت أي جمعت على التكسير أقوال، فقلت أقاوِيل لم يتهيأ لك أن تكَسر أقاوِيل، ولكنك قد تقول أقاويلات. قال الشاعر: فَهُنَّ يَعْلَكِنَّ حَدائداتها

стр. 897

وإنما لم ينصرف (مواطن) عند الخليل لأنه جمع وأنه ليس على مثال. الواحدِ ومعنى ليس على مثال الواحد، أي ليس في ألفاظ الواحد ما جاءَ على لفظه وأنه لا يجمع كما يحمع الواحد جمعَ تكْسِيرٍ. ومعنى الآية أن اللَّه جلَّ وعزَّ أعْلَمهم أنَّه ليس بكثرتهم يَغْلِبُون وأنهم إنما يغلبون بنصر اللَّه إياهم فقال جلَّ وعزَّْ: (وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا). يروى أنهم كانوا اثنى عشر ألفاً في ذلك اليوم، وقال بعضهم: كانوا عَشَرة آلاف فأعجبوا بكثرتهم، فجعل الله عقوبتهم على إعجابهم بالكثرة - وَقَوْلهم: " لن نغْلَب اليومَ مِنْ قلَّةٍ بأن رَعَّبهم حتى وَلَّوْا مُدْبِرِين، فلم يبق مع رَسُول اللَّه ﷺ إلا العَبَاسُ بنُ عبدِ المطلِب وأبو سُفيانَ بن حَرْبٍ، ثم أنْزَلَ اللَّه عليهم السكينة حتى عادوا وَظَفِرُوا فأراهم اللَّه في ذلك اليوم من آياتِه ما زادهم تَبْييناً بنُبُوة النبيِ ﷺ . وقوله: (إنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ). وقرئت مَسْجِدَ اللَّه، فمن قرأ (مَسجِدَ اللَّهٍِ) عَنَى به المسجدَ الحرامَ ودَخَل معه غيْرُه، كما تقول: ما أسْهَلَ عَلَى فُلانٍ إنْفاقَ الدِّرْهَم والدينَارِ، أيْ هَذَا الجنس سَهْل عَليْه إِنفَاقُه. ويجوز أن يكون مساجد الله يعني به المسجد الحرام، كما تقول إِذا

стр. 898

ركب الرجل الفرس، قد صار فلان يركب الخَيْلَ، فعلى هذا تجري الأسماءُ التي تُعَبِّرُ عَنِ الأجْنَاسَ. * * * وقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٨) يقال لكل مُسْتَقْذرٍ نَجَس، فإِذا ذكرتَ الرجسَ قلتَ: هو رِجْس نَجِسٌ. وهذا وقع في سنةِ تسع من الهجرةِ، أمِرَ المسلمون بمنع المشركين من الحج وَبِقتْلِهِمْ حيثُ ثقِفُوهُمْ. (وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ). كان لأهل مكة مكسبة، ورفق ممن كان يحج من المشركين. فأعْلَمَهُمُ اللَّه أنه يعوضهم من ذلك. والعيلة: الفقر. قال الشاعر: وما يدري الفقير متى غناهُ. . . وما يدري الغني متى يعيلُ * * * وقوله - جلَّ وعزَّ -: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩) معناه: الذين لا يؤمنون باللَّه إِيمانَ الموحّدِين، لأنهم أقروا بأن اللَّه خالِقُهم، وأنه له ولدٌ. وأشرك المشركون معه الأصنام، فأعلم الله أن هذا غيرُ إيمانٍ باللَّه، وأن إيمانهم بالبعث ليس على جهة إِيماننا لأنهم لا يقرون بأن أهل الجنة يأكلون ويشربُون وليس يقرون باليوم الآخر كما أعلم اللَّه جلَّ وعزَّْ وليس يدينون بدين الحق، فأمر الله بقتل الكافرين كافةً إِلا أن يُعْطُوا الجِزيَةَ عَنْ يَدٍ، وَفُرِض قَبُولُ الجِزْيَةِ من أهلِ الكتابِ وهم النَّصَارى واليهود.

стр. 899

وَسَنَ رسول اللَّه ﷺ في المجوس والصابئين أن يجروا مجرى أهل الكتاب في قبول الجزية. فأمَّا عَبَدَةُ الأوثان من العرب فليس فيهم إِلا القتْلُ. وكذلك مِنْ غَيْرِهِمْ. وقوله: (حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ). قيل معنى (عَنْ يَدٍ) عَنْ ذلٍّ، وقيل عن يَدٍ عن قهر وذُلٍّ، كما تقول اليد في هذا لِفلان. أي الأمر النافذ. لفُلانٍ. وقيل (عَنْ يَدٍ) أي عن إنْعَامٍ عليهم بذلك، لأن قبول الجزية منهم وتركَ أنْفسِهِم نعمة عليهم، ويد من المعروف جزيلة. * * * وقوله: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠) قرئتْ (عُزَيْرٌ) بالتنوين وبغير تنوين، والوجه إِثبات التنوين لأن " ابْناً " خبَر. وإِنما يحذف التنوين في الصفةِ نحو قولك: جاءَني زيد بن عمروٍ، فيحذف التنوين لالتقاء السَّاكنين وأنَّ ابناً مضاف إِلى عَلَم وأن النعت والمنْعُوتَ كالشيء الواحد. فإِذا كان خبراً فالتنوين وقد يجوز حذف التنوين على ضعف لالتقاء السَّاكنين وقد قرئت (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢). بحذف التنوين، لسكونها وسكون الباءِ في قوله: (عُزيْر ابن اللَّهِ). وفيه وجه آخر: أن يكون الخبر محذوفاً، فيكون معناها عزير ابن اللَّه معبودنا، فيكون " ابْنُ " نَعْتاً. ولا اختلاف بين النحويين أن إثبات التنوين أجود. * * * وقوله: (ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ).

стр. 900

إن قال قائل: كل قول هو بالفم فما الفائدة في قوله بأفواههم؟ فالفَائِدَة فِيه عظيمة بيِّنَة. المعنى أنَّه ليس فيه بيان ولا برهان إِنما هو قول بالفم لا معنى تحته صحيح، لأنهم معترفون بأن الله لم يتخذْ صَاحِبَة فكيف يَزْعمونَ لَه ولَداً، فإِنما هو تَكذُّبٌ وقولٌ فقط. وقوله ة (يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ). أي يشَابِهون في قولهم هذا ما تقدم مِنْ كَفَرَتِهِمْ، أي إِنما قالوه اتباعاً لمن تقدم من كَفَرَتِهِمْ. الدليل على ذلك قوله: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ). أي قبلوا مِنْهمْ أن العزَيْرَ والمسيحَ ابنا الله تعالى. وهذا معنى: (يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ) وقرئ يضَاهُونَ، وأصل المضاهاة في اللغة المشابهة، والأكثر تَرْكُ الهمزةِ، واشتقاقه من قولهم: امْرَأةْ ضيْهَاء. وهي التي لا ينبت لها ثدي، وقيل هي التي لا تحيض. وإنما معناها أنها أشبهت الرجال في أنَّها لا ثدْيَ لها، وكذلك إِذا لم تحض. وضهياء فعلاء. الهمزة زائدة كما زيدت في شمأل، وغرقئ البيضة، ولا نعلم أنها زيدت غير أول، إِلا في هذه الأشياءَ. ويجوز أن تكون " فَعْيَل " وإِن كانت بِنِيَةً ليس لها في الكلام نظير. فإِنا قد نعرف كثيراً مما لا ثَاني له. من ذلك قولهم كَنَهْبَل وهو الشجر العظام، تقديره فَنَعْلل، وكذلك قَرَنْفل، لا نظير له وتقديره فَعَنْلُل. وقد قيل:

стр. 901

إبِل لا نظير له وإن كان قد جاءَ إطِل وهو الخصْرُ، وقالوا إِيْطِل ثم حذفوا فقالوا إطِلِ، فيجوز أن يكون " يُضاهِئون " من هذا بالهمز، وتكون همزة ضهياءَ أصلًا في الهمز. * * * وقوله: (سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ). معناها تنزيهاً له من شركهم. * * * وقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤) (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) أكثر التفسير إنما هو للمشركين، وقد قيل إِنها فيمن منع الزكاة من أهل القِبْلة لأن من أدى من ماله زكاته فقد أنفق في سبيل الله ما يجب من ماله. وقوله: (وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ). دخلت إلا، ولا جُحْدَ في الكلام، وأنت لا تقول ضربت إِلا زَيْداً، لأن الكلام غير دال عَلَى المحذوف. وإذا قلت: (وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ). فالمعنى يأبى اللَّه كل شيءَ إلا أن يُتم نورَه وزعم بعض النحويين أن في " يأبى " طرفاً من الجحد، والجَحْدُ والتحقيق ليسا بذي أطراف، وآلةُ الجحد لا، وَمَا، ولم، ولن، وليس، فهذه لا أطراف لها. ينطق بها على حالها، ولا يكون الِإيجاب جُحْداً ولو جاز هذا على أن فيه طرفاً من الجحد لجاز: كرهت إِلا أخاك، ولا دليل ههنا على

стр. 902

المكروه، ما هو ولا من هو، فكرهتُ مثل أبَيْتُ، إلا أن أبيتُ الحذف مستعمل وقوله: (وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ). فقال: (الذهب والفضَة) ولم يقل ولا ينفُقُونَهما في سبيل اللَّه، فإِنما جاز ذلك لأن المعنى يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقون المكنوز في سبيل الله. ويجوز أن يكون محمولًا على الأموال، فيكون: (ولا ينفقونها)، ولا ينفقون الأموال، ويجوز أن يكون: ولا ينفقونها. ولا ينفقون الفضة، وحذف الذهب لأنه داخل في الفضَّةِ كما قال الشاعر: نحن بما عندنا وأنت بما. . . عندك راضٍ والرأي مختلف. يريد نحن بما عندنا راضون، وأنت بما عندك راضٍ. فحذف " راضون " فكذلك يكون المعنى: والذين يكنزون الذهب ولا ينفقونه في سبيل اللَّه، والفضة ولا ينفقونها في سبيل اللَّه. * * * وقوله: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (٣٦) أعلم اللَّه جلَّ وعزَّ: أن عدة شهور المسلمين، الذين تُعُبِّدُوا بَأن يجعلوا لِسَنَتِهِمْ - اثنا عشر شهراً، على منازل القمر، فجعل حجهم وَأعيَادَهمْ

стр. 903

وصلَاتهمْ في أعبادهم هذا العَدَد، فالحج والصوم يكون مرة في الشتاءِ ومرة في الصيف، وفي فصول الأزمان على قدر الشُهور ودَوَرَان السنِين، وكانت أعياد أهل الكتاب وَمتعَبَّدَاتهمْ في سنَتِهم يَعْملونَ فيها على أن السنة ثلاثمائة يوم وخمسة وستون يوماً وبعضُ يوم، على هذا يجري أمر النصارى واليهود. فأعلم اللَّه جلَّ وعزَّ أن سِنِي المسْلِمِينَ على الأهِلَّةِ. وقوله: (مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ) الأربعة الحرم: المحرم ورجب وذو القعدة وذو الحجة. (فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ). قيل في الأربعة، وقيل في الاثني عشر. فمن قال في الأربعة قال: أراد تعظيم شأن المعاصي - كما قال جلَّ وعزَّ: (فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) فالفسوق لا يجوز في حج ولا غيره، ولكنه عرف الأيام التي تكون فيها المعَاصِي أَكْثَرَ إثماً وعقاباً. وقوله: (وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً). فـ " كافَّةً " منصوب على الحال، وهو مصدر عَلَى فَاعِله كما قالوا العاقِبة والعافِية. وهو في موضع قَاتِلوا المشركين محيطين بهم باعتقاد مقاتَلِتِهمْ. وهذا مشتق من كُفَّةِ الشيء، وهي حَرْفُه، وإِنما أخذ من أن الشيءَ إذا انتهى إِلى ذلك كُفَّ عن الزيادة، ولا يجوز أنْ يُثَنَّى ولا يَجْمَع، ولا يقال قاتلوهم كافَّاتٍ ولا كافِّين، كما أنك إِذا قلت: قاتلوهم عامَّة لم تثَنِّ ولم تجمَعْ، وكذلك خَاصََّةً.

стр. 904

هذا مذهب النحويين. * * * وقوله : (وَاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مَعَ الْمَتقِينَ). تأويله أنه ضامن لهم النصْر. * * * وقوله: (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٣٧) النسيء - هذا - تأخير الشيء، وكانوا يُحَرمونَ القتال في المحرم فإِذا عزموا على أن يقاتلوا فيه جعلوا صفراً كالمحرم، وقاتلوا في المحرم وأبدلوا صَفَراً منه، فأعلمَ اللَّهُ جلَّ وعزَّ أن ذلك زيادة في الكفر. (لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ). فيجعلوا صَفَراً كالمحرم في العدةِ، ويقولوا: إن هذه أربعة بمنزلة أربعة. والمواطأة المماثلة والاتفاق على الشيء. * * * وقوله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (٣٨) الِإجماع في الروايات أن هذا كان في غَزْوَةِ تَبًوكَ، وذلك أن الناس خرجوا فيه على ضَيْقَةٍ شديدة شاقةٍ. وقوله : (اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ). المعنى تثاقلتم، إلا أن التاءَ ادْغِمَتْ في التَاءِ، فصارت ثاءَ ساكنة. فابتدئت بألف الوصل - الابتداء -. وفي (اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ) عندي غير وجه. منها أن مَعْنَاهُ تثاقلْتُمْ إِلى الِإقامة بأرضِكم، ومنها اثَّاقَلْتُمْ إِلى شهوات الدنيا. وقوله: (أرضِيتمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ). أي أرضِيتمْ بنعيم الحياة الدُنيا من نعيم الآخرة

стр. 905

(فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ). أي ما يتمتع به في الدنيا قليل عندما يتمتع به أولياءُ اللَّهِ في الجَنة. وقوله: (إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩) هذا وعيد شديد في التخلف عن الجهاد، وأعلم انَه يستبدل لِنَصْرِ دينه ونبيه قوماً غيرَ مُثاقِلِين عنِ النصْرِ إِلى أعدائه إِذ أعلمهم اللَّه أنهم إن تركوا نصره فلن يَضُرهُ ذلك شيئاً كما لم يضرره إذ كان بمكة لا ناصرين له. فقال : (إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٠) وكان المشركون قد أجمعوا على قتله ﷺ فمضى هو وأبو بكر الصديق هارباً منهم في الليل، وترك عَلِياً عَلَى فِراشِهِ ليرَوْا شخصه على الفراش فلا يعلمون وقت مُضيِّهِ، وأطلعا أسماءَ بنت أبي بكر على مكانهما في الغَار، وَمَر رسول الله ﷺ عَلَى ثُمَامَة، وهي شجرة صغيرةٌ ضعيفة فأمر أبا بكر أن يأخذها معه، فلما صارا إِلى الغار، أمر أبا بكرٍ فجعلها عَلَى باب الغار، ثم سبق أبو بكر إِلى دُخُولِ الغارِ فانبطح فيه، وألقى نفسه، فقال رسول اللَّه: لم فَعَلْتَ ذلك؟ فقال: لأنَّ هَذِه الغِيرَان تكون فيها الهوامُّ المؤْذية والسباع فأحْبَبْتُ إِن كان فيها شيء أن أقيكَ بِنَفْسِي يا رسول اللَّه. ونظر أبو بكر إِلى جحر في الغار فسدَّه برجله، وقال إِنْ خَرَجَ منه ما يؤذِي وقيتُكَ منه. فلما أصبح المشركون اجتازوا بالغار فبكى أبو بكر الصديق فقال له رسول الله ﷺ ما يُبكيك؟ فقال: أخاف أنْ تُقْتَلَ فلا يُعْبد اللَّه بَعْدَ اليوم. فقال له رسول اللَّه: (لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا) أي إِنَّ الله تعالى يمنعُهُم مِنا وَيَنْصُرُنَا،

стр. 906

فقال: أهكذا يا رسول اللَّه: قال نَعمْ فرقأ دمعُ أبو بكر وسكن. وقال المشركون حين اجتازوا بالغار: لو كان فيه أحَد لم تكُنْ ببابه هذه الثمامة. (فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا). أيده بملائكة يَصْرِفون وجوهَ الكُفَار وأبْصَارَهُمْ عن أنْ يَرَوْه. وقوله: (سَكِينَتهُ عَلَيْهِ). يجوز أن تكون الهاءَ التي في عليه لأبي بكر، وجائز أن تكون ترجع على النبي ﷺ لأن اللَّه جل ثناؤُه ألقى في قلبه ما سَكَن بِه وعلم أنهمْ غيرُ وَاصِلين إليه. فأعلم الله أنهم إنْ تَركوا نصْرَه، نَصَرَه كما نصره في هذه الحال. وَثَانِيَ اثنين مَنصُوبٌ على الحال. المعنى فقد نَصَرَهُ الله أحدَ اثنين. أي نصرَهُ منفرداً إلا مِنْ أبِي بكر ﵁. * * * وقال جلَّ وعزَّ: (انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤١) فقيل (خِفَافًا وَثِقَالًا) أي مُوسِرين ومُعْسِرين. وقيل (خِفَافًا وَثِقَالًا) خفَتْ عليكم الحركة أوْ ثقلت، وقيل ركباناً ومُشاة، وقيل أيضاً شباباً وشيوخاً. وُيروَى أن ابنَ أمِّ مَكْتُومٍ جاءَ إِلى النبي ﷺ فقال أعَليَّ أن أنفر، فقال نَعَم، حتى أنزل اللَّه : (لَيْسَ عَلَى الأعْمَى حَرَجٌ). * * * (لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٤٢) العرَضُ كل ما عرض لك من منافع الدنيا، فالمعنى: لو كانت غنيمة قريبة، أي لو كان ما دُعُوا إِليه غُنْماً، وسفراً قاصِداً أي سَهْلاً قريباً لاتبعوك لَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ.

стр. 907

أي بعدت عليهم الغاية التي تقصدها. وكان هذا حين دُعُوا إلى غزوَةِ تبوك، فَثَقلَ عَلَيهِمُ الخروجُ. إلى نواحي الشام. * * * وقوله: (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (٤٣) أي حتى يَتبين لك من يُنَافِق مِمن يصُحِّح. ثم أعلمه جل وعلا أن عَلامة النفاق في ذلك الوقت الاستئذان في التخففِ عن الجهاد فقال: (لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (٤٤) موضع " أن " نَصْبٌ. المعنى لا يستأذنك هُؤلاءِ في أن يجاهدوا، ولكن " في " حُذِفتْ فأفضى الفعلُ فنَصَبَ " أن ". قال سيبويه، ويجوز أن يكونَ موضعها جَرا، لأن حَذْفها هَهُنا إِنما جاز مع ظهور " أن " فلو أظهرت المصدَر لم تحذف في " لا يستاذنك القوم الجهادَ " حتى تقول في الجهاد ويجوز لا يستأذنك القوم أن يجاهدوا. * * * وقوله: (إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (٤٥) وأعْلَمَ اللَّهُ جل ثنَاؤهُ أنَّ مَنِ ارْتَابَ وشكَّ في اللَّهِ وفي البَعْثِ فهو كافر. * * * (وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (٤٦) أي فَتَرْكَهُمْ العدة دليل على إِرَادَتهم التَخفَف. (وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ). والتَثْبِيط ردُّكَ الِإنسانَ عَنِ الشيءِ يفعله، أي كره الله أن يخرجوا معكم فردهم عن الخروج. ثم أعلم : (لم كره ذلك فقال: (لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٤٧)

стр. 908

والخبال الفساد، وذهاب الشيء. قَال الشاعر: أبني لُبيْني لَستُمَا بِيَدِ. . . إلا يداً مخبولة العَضُد أي فاسدة العَضُدِ. (وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ). يقال أوْضعتُ في السير إذا أسرعت، ولأسرعوا فيما يخل بكم. (يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ). أي فيكم من يسمع ويؤدي إليهمِ ما يريدونَ. وجائز أن يكون (سَمَّاعُونَ لَهُمْ) من يقبل مِنهُمْ. وفي المصحف مكتوب " ولأوضَعوا) ولا أوضعوا، ومثله في القرآن: (أَوْ لا أذْبَحنَّهُ " بزيادة ألف أيضاً، وهذا إِنما حَقُّه على اللفظ وَلأوْضَعُوا. ولكن الفتحة كانت تكتبُ قبل العرَبى ألفاً. والكتاب أبتدئ به في العربي بقرب نزولِ القرآنِ فوقع فيه زيادات في أمكنة واتباع الشيء بنقص عن الحروف. فكتبت " ولا أوضعوا " بلام وألف، بدلاً من الفتحة، وبهمزة. فهذا مجاز ما وقع من هذا النحو في الكتاب. * * * (وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (٤٩) أي لا تؤثمني بأمرك إِياي بالخروج، وذلك غير متيسر لي فآثم. وقيل إِن المنافقين هزئوا بالمسلمين في غزوة تبوك، فقالوا أتريدون بنات

стр. 909

الأصْفَر: فقال: (لَا تَفْتِنِّي) أي (لَا تَفْتِنِّي) ببنات الأصفر. فأعلمَ اللَّهُ تعالى أنهم قد سقطوا في الفتنة أي سقطوا في الإثم. * * * (إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ (٥٠) أي قد علمنا بالحزم في التخلف عنك. فأعلم الله جلَّ وعزَّ أن المسلمين لَنْ يُصيبهم إِلا ما كتب الله لهمْ فقال جلَّ وعزَّ: (قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١) أي ما قدَّر علينا كما قال: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا). ثم أكدَ ذلك فقال: (إِنَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ). وفيه وجه آحْر إنَّه (لَنْ يُصِيبَنَا إلا مَا كَتَبَ اللَّه لَنَا) ما بيَّن لنا في كتابه. من أنا نَظْفَر، فتكون تلك حسنى لنا أو نُقْتَل فتكون الشهادة حسْنَى لنا أيضاً، أي فقد كتب اللَّه لنا ما يصيبنا أو عَلِمْنَا ما لنا فيه حظ، ثم بيَّنَ جل ثناؤُه فقال تعالى: (قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ (٥٢) إلا الظفَر أو الشهادة. (وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا). فأنتم تربصونَ بنا إِحدى الحسنيَيْن، ونحن نَتَربصُ بكم إحدى الشَّرَّتَيْن. فبين ما تنتظرونه وننتظره فرق عظيم.

стр. 910

وقوله جلَّ وعزَّ: (قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ (٥٣) وإن شئت كُرْهاً بالضم، هذا لفظ أمْرٍ ومعناه معنى الشرط والجزاء. والمعنى أنفقوا طائعين أو مكرهين لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ. ومثل هذا من الشعر قول كثير: أَسِيئي بنا أَو أَحْسِنِي لا مَلومةٌ. . . لَدَيْنا ولا مَقْلِيَّةٌ إنْ تَقَلَّتِ فلمْ يأمرها بالإساءَة، ولكن أعلَمَها أنها إِن أساءَت أو أحسَنَتْ فهو على عهدهَا. فإِن قال قائل كيف كان الخبر في معنى الأمر؟ قلنا هو، كقولك: غفر اللَّه لزيدٍ، ورحم اللَّه زيداً. فمعناه: اللهم ارحم زيداً. * * * (وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ (٥٤) مَوْضِع " أن " الأولى نَصْبٌ، وموضِع " أنِ " الثانية رفع. المعنى ما منعهم من قبول نفقاتهم إلَّا كفْرهم. ويجوز " أن يُقبَلَ مِنْهُم نَفَقَاتهُمْ " لأن النفقَات في معنى الإِنفاق،. .، ويجوز: وما منعهم من أن يَقْبلَ مِنهمْ نَفَقَاتِهمْ إلا أنهمْ كَفَروا، وهذا لا يجوز أن يقرأ به لأنه لم يروَ في القراءَة. وقوله: (وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى). وكَسَالى - بالضم والفتْحِ - جمع كسلان، وكقولكَ سكران وسُكارى وسَكارى. ويجوز ولا يَأتونَ الصلاَةَ إِلا وهم كَسْلى. ولا يجوز ذلك في القرآن. (وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ).

стр. 911

القراءَة على فتح الكاف (١)، ويجوز الكسر إلا وهم كارِهونَ، ولم يرْوَ في القرآن (١). * * * وقوله: (فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٥٥) معناه - واللَّه أعلم - فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الدنيا، إنما يريد اللَّه ليعذبهم بها في الآخرة. ويجوز واللَّه أعلم: إنما يريد اللَّه ليعذبهم بها في الدنيا أي هم ينفقونها في الدنيا، وهم منافقون فهم متعذبون بإنْفَاقها إذ كانوا ينفقونها على كرهٍ. وقوله: (وَتَزْهَقَ أنْفُسُهُمْ وهُمْ كَافِرُونَ). معناه، وتخرج أنْفُسهم أي يغْلُظ عليهم المكروه حتى تزهق أنفُسُهم. * * * (وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ (٥٦) أي يحلفون باللَّهِ أنهم مؤمنون كما أنتم مؤمِنونَ، وما هُمْ مِنْكُمْ لأنهم يظهرون الإيمان ويُبطنون الكفر (وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ). أي يفرقون أن يُظْهِرُوا ما هم عليه فيقتلُوا، ثم أعلم جلَّ وعزَّ أنهم لو وجدوا مخْلَصاً فيه لفارقوكم، فقال جلَّ وعزَّ: (لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (٥٧) والملجأ واللَّجَأ، مقصورٌ ومهموزٌ، وهو المكان الًذِي يُتَحَصَّنُ فيه. ومَغَارَات جمع مَغَارة، وهو الموضع يغور فيه الِإنسان، أي يستتر فيه. ويقرأ: (أو مُغاراتٌ) بضم الميم لأنه يقال أغْرَتُ وَغُرْتُ، إِذا دخلت الغَوْر.

стр. 912

وقوله: (أَوْ مُدَّخَلًا). ويقرأ أو مُدْخَلاً بالتخفيف، ويقرأ أو مَدْخلاً. فأما (مُدَّخَل) فأصله مُدْتخل، ولكن التاء والدال من مكان واحد فكان الكلام من وجه واحدٍ أخف، ومن قال مَدْخَلاً فهو من دَخَلَ يَدْخُل مدْخلًا. ومن قال مُدْخَلاً فهو من أدْخَلْتُه مُدْخَلاً. قال الشاعر: الحمدُ لله مُمْسَانا ومُصْبَحُنا. . . بالخَيْرْ صبحَناربِّي وَمَسَّانَا ومَعْنَى مُدَّخَل ومُدْخل أنهم لو وجدوا قوماً يدْخُلون في جُمْلَتِهِمْ أو يُدْخلونَهُمْ في جُمْلَتِهِمْ: (لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ). المعنى لوْ وَجَدوا هذه الأشياءَ (لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ). أي يسرعون إِسراعاً لا يَرُد وجُوهَهَمْ شَيء. ومن هذا قيل: فرس جمُوحٌ للذي إِذا حمَل لم يَرُدَّهُ اللجام. * * * وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ (٥٨) وتقرأ يَلْمُزُونَكَ: يُقالُ لَمَزْتُ الرجُلَ ألْمِزُهُ بكسر الميم، وألْمُزُه بِضَم الميم إِذَ عِبْتُهُ، وكذلك هَمزْتُه أهمزُه إِذا عِبْتُه. قال الشاعر: إِذا لَقِيتُك تبدي لي مُكاشرةً. . . وإِن تَغَيَّبْتُ كنتَ الهامِزَ اللُّمَزَهْ

стр. 913

واللمزة الكثير العيْب للناس، وقال بعضهم: اللُّمَزَة العَيِب. بكسر العَيْنِ أي بكسْرِ عيْيهِ عيِب كنهِم، إِذَا عاب. يراد به عيْب صاحِبِه وقالوا: اللُّمْزَةُ الْعيبُ بالمسارَّة. وهذا كله يرجع إلى العَيب. * * * وقوله جلَّ وعزَّ: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠) وهم قوم كانوا يُعْطَوْنَ: يُتألَّفُون عَلى أن يُسْلِمُوا. وهذا غير مُسْتَعْمل اليَوْمَ لظهور الِإسلام. (وفِي الرقَابِ). كأنْ يُعَاوِنَ المكَاتبَ حتَى يفكً رقبتَه: (وَالْغَارِمِينَ). وهم الذين لزمهم الذَين في الحمَالَةِ، والحمالةُ، الِإعْطاءُ في الذِّمَّة ويجوز أن يكون الغارم الَّذِي لزمَه الذَيْنُ في غيْرِ مَعْصِيَةٍ، فالأولى أن يكون الدين الذِي يقضى عَنْهُ في غير مَعْصِيَةٍ، لأنَّ ذَا المعْصِيَةِ إِن أُدِّيَ عنه الدَّيْن كان ذلك تَقوية عَلَى المَعَاصي. (وَفِي سَبيلِ اللَّهِ). أي وللمجاهدين حَقٌ في الصدَقَةِ. (وابْنِ السبِيلِ) ابنُ الطَريقِ. وتأويله الذى قُطعَ عليه الطريق. (فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ)

стр. 914

مَنْصُوبٌ على التَوْكِيدِ، لأن قوله: إِنَّما الصَّدَقَاتُ لهؤُلاءِ كقولك فَرَضَ اللَّه الصدقَاتِ لهُؤلاءِ. وقد بينَّا في أول الأنفالِ ما قيل في جميع الأموال، واسْتَقْصَيْنَاهُ. ويجوز فرِيضَةٌ مِنَ اللَّهِ على ذلك ولا أعلمه قرئ به. * * * وقوله: (وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦١) وتفسير الآية أن مِنَ المنَافِقينَ مَنْ كانَ يَعيبُ النبى ﷺ وَيقُولُ: إِنْ بَلغَه عَنَي حَلَفْتُ له وَقَبِل مِنِّي لأنَّهُ أذُنٌ. فأعلمَ اللَّهُ تعالى أنهُ (أذُنُ خَيْرٍ لكُمْ). أي مُسْتَمِعُ خَيْرِ لَكُمْ، ثم بَين مِمَنَ يَقْبَلُ فقال: (يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ). أي هو أُذُن خَيْرٍ لا أُذُنُ شَر، يَسْمَعُ ما ينزله الله عليه، فيصَدِّق به. ويُصدق المؤمنين فيما يُخْبِرُونَه بِه. (وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ). أي هو رحمةٌ، لأنه كان سَبَبَ المؤمنين في إِيمَانِهِمْ. وَمَن قرأ أذنٌ خَيرٌ لَكُمْ، فالمعنى فإن من يَسْمَعُ منكم ويكون قريباً منكم قابلًا للعُذْرِ خيرٌ لكم. ويروى في هذه الآية أن رَجُلًا مِنَ المُنَافِقِينَ قال: لو كان ما أتى به محمد حقا فنَحن حَمِير، فقال له ابن امرأته إِنَّ مَا أتَى بِه لحق، وإِنَّكَ لَشَر من دَابتِكَ هَذِهِ وبلغ ذلك النبي ﷺ فقال بعض من حَضَرهُ نَعْتذِر إِليه ونحلف له فإِنه أُذُن.

стр. 915

وقوله: (يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ (٦٢) قال بَعْضُ النحويينَ: إِن هذه اللامَ بِمعنَى القَسَم، أيْ يَحْلِفُون بالله لكم لَيُرْضُنَّكُمْ وهذا خطأٌ لأنهم إِنَّمَا حَلَفُوا أنَّهُمْ مَا قالُوا ما حُكِي عنهُمْ ليُرْضُوكُمْ باليمين، ولم يَحْلِفُوا أنَّهُمْ يُرضُون فيما يستقبل. (وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ). وقوله: (إنْ كانوا مُومِنِين). أي إِن كانوا على ما يُظْهرُون فكان ينبغي ألا يَعِيبُوا النبي ﷺ فيكونون بتوليهم النبي ﷺ وتَرْكِ عَيْبِه مؤمنين. ويجوز في قَوْله (وَرَحْمةٌ) الجر على العطف عَلَى (خَيْر). فيكون المعنى قل أُذُن خير لكم وأذُنُ رَحْمَةِ للمؤْمنين. وقوله: (أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ)، ولم يَقُل يُرْضوهُمَا، لأن المعْنَى يَدُلُ عليه فحذف استخفافاً، المعنى واللَّه أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ، وَرَسُوله أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ، كما قال الشاعر: نحن بما عندنا وأنت بما. . . عندك راضٍ والأمرَ مختلفُ المعنى نحن بما عندنا راضون وأنت بما عندك رَاضٍ. * * * وقوله: (أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ (٦٣) معناه من يعادي اللَّه ورَسوله، ومن يشاقِق الله ورَسُولَه. واشتقَاقُه من اللغَة كقولك من يجانب الله ورَسُوله، أي من يكونُ في حَدٍّ، واللَّه ورسوله في حَدٍّ.
следующие страницы →