← Тафсир

Тафсир · id 922

معاني القرآن وإعرابه للزجاج

الزجاج

Полный текст (2 149 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

القراءَة على فتح الكاف (١)، ويجوز الكسر إلا وهم كارِهونَ، ولم يرْوَ في القرآن (١). * * * وقوله: (فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٥٥) معناه - واللَّه أعلم - فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الدنيا، إنما يريد اللَّه ليعذبهم بها في الآخرة. ويجوز واللَّه أعلم: إنما يريد اللَّه ليعذبهم بها في الدنيا أي هم ينفقونها في الدنيا، وهم منافقون فهم متعذبون بإنْفَاقها إذ كانوا ينفقونها على كرهٍ. وقوله: (وَتَزْهَقَ أنْفُسُهُمْ وهُمْ كَافِرُونَ). معناه، وتخرج أنْفُسهم أي يغْلُظ عليهم المكروه حتى تزهق أنفُسُهم. * * * (وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ (٥٦) أي يحلفون باللَّهِ أنهم مؤمنون كما أنتم مؤمِنونَ، وما هُمْ مِنْكُمْ لأنهم يظهرون الإيمان ويُبطنون الكفر (وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ). أي يفرقون أن يُظْهِرُوا ما هم عليه فيقتلُوا، ثم أعلم جلَّ وعزَّ أنهم لو وجدوا مخْلَصاً فيه لفارقوكم، فقال جلَّ وعزَّ: (لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (٥٧) والملجأ واللَّجَأ، مقصورٌ ومهموزٌ، وهو المكان الًذِي يُتَحَصَّنُ فيه. ومَغَارَات جمع مَغَارة، وهو الموضع يغور فيه الِإنسان، أي يستتر فيه. ويقرأ: (أو مُغاراتٌ) بضم الميم لأنه يقال أغْرَتُ وَغُرْتُ، إِذا دخلت الغَوْر.

стр. 912

وقوله: (أَوْ مُدَّخَلًا). ويقرأ أو مُدْخَلاً بالتخفيف، ويقرأ أو مَدْخلاً. فأما (مُدَّخَل) فأصله مُدْتخل، ولكن التاء والدال من مكان واحد فكان الكلام من وجه واحدٍ أخف، ومن قال مَدْخَلاً فهو من دَخَلَ يَدْخُل مدْخلًا. ومن قال مُدْخَلاً فهو من أدْخَلْتُه مُدْخَلاً. قال الشاعر: الحمدُ لله مُمْسَانا ومُصْبَحُنا. . . بالخَيْرْ صبحَناربِّي وَمَسَّانَا ومَعْنَى مُدَّخَل ومُدْخل أنهم لو وجدوا قوماً يدْخُلون في جُمْلَتِهِمْ أو يُدْخلونَهُمْ في جُمْلَتِهِمْ: (لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ). المعنى لوْ وَجَدوا هذه الأشياءَ (لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ). أي يسرعون إِسراعاً لا يَرُد وجُوهَهَمْ شَيء. ومن هذا قيل: فرس جمُوحٌ للذي إِذا حمَل لم يَرُدَّهُ اللجام. * * * وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ (٥٨) وتقرأ يَلْمُزُونَكَ: يُقالُ لَمَزْتُ الرجُلَ ألْمِزُهُ بكسر الميم، وألْمُزُه بِضَم الميم إِذَ عِبْتُهُ، وكذلك هَمزْتُه أهمزُه إِذا عِبْتُه. قال الشاعر: إِذا لَقِيتُك تبدي لي مُكاشرةً. . . وإِن تَغَيَّبْتُ كنتَ الهامِزَ اللُّمَزَهْ

стр. 913

واللمزة الكثير العيْب للناس، وقال بعضهم: اللُّمَزَة العَيِب. بكسر العَيْنِ أي بكسْرِ عيْيهِ عيِب كنهِم، إِذَا عاب. يراد به عيْب صاحِبِه وقالوا: اللُّمْزَةُ الْعيبُ بالمسارَّة. وهذا كله يرجع إلى العَيب. * * * وقوله جلَّ وعزَّ: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠) وهم قوم كانوا يُعْطَوْنَ: يُتألَّفُون عَلى أن يُسْلِمُوا. وهذا غير مُسْتَعْمل اليَوْمَ لظهور الِإسلام. (وفِي الرقَابِ). كأنْ يُعَاوِنَ المكَاتبَ حتَى يفكً رقبتَه: (وَالْغَارِمِينَ). وهم الذين لزمهم الذَين في الحمَالَةِ، والحمالةُ، الِإعْطاءُ في الذِّمَّة ويجوز أن يكون الغارم الَّذِي لزمَه الذَيْنُ في غيْرِ مَعْصِيَةٍ، فالأولى أن يكون الدين الذِي يقضى عَنْهُ في غير مَعْصِيَةٍ، لأنَّ ذَا المعْصِيَةِ إِن أُدِّيَ عنه الدَّيْن كان ذلك تَقوية عَلَى المَعَاصي. (وَفِي سَبيلِ اللَّهِ). أي وللمجاهدين حَقٌ في الصدَقَةِ. (وابْنِ السبِيلِ) ابنُ الطَريقِ. وتأويله الذى قُطعَ عليه الطريق. (فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ)

стр. 914

مَنْصُوبٌ على التَوْكِيدِ، لأن قوله: إِنَّما الصَّدَقَاتُ لهؤُلاءِ كقولك فَرَضَ اللَّه الصدقَاتِ لهُؤلاءِ. وقد بينَّا في أول الأنفالِ ما قيل في جميع الأموال، واسْتَقْصَيْنَاهُ. ويجوز فرِيضَةٌ مِنَ اللَّهِ على ذلك ولا أعلمه قرئ به. * * * وقوله: (وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦١) وتفسير الآية أن مِنَ المنَافِقينَ مَنْ كانَ يَعيبُ النبى ﷺ وَيقُولُ: إِنْ بَلغَه عَنَي حَلَفْتُ له وَقَبِل مِنِّي لأنَّهُ أذُنٌ. فأعلمَ اللَّهُ تعالى أنهُ (أذُنُ خَيْرٍ لكُمْ). أي مُسْتَمِعُ خَيْرِ لَكُمْ، ثم بَين مِمَنَ يَقْبَلُ فقال: (يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ). أي هو أُذُن خَيْرٍ لا أُذُنُ شَر، يَسْمَعُ ما ينزله الله عليه، فيصَدِّق به. ويُصدق المؤمنين فيما يُخْبِرُونَه بِه. (وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ). أي هو رحمةٌ، لأنه كان سَبَبَ المؤمنين في إِيمَانِهِمْ. وَمَن قرأ أذنٌ خَيرٌ لَكُمْ، فالمعنى فإن من يَسْمَعُ منكم ويكون قريباً منكم قابلًا للعُذْرِ خيرٌ لكم. ويروى في هذه الآية أن رَجُلًا مِنَ المُنَافِقِينَ قال: لو كان ما أتى به محمد حقا فنَحن حَمِير، فقال له ابن امرأته إِنَّ مَا أتَى بِه لحق، وإِنَّكَ لَشَر من دَابتِكَ هَذِهِ وبلغ ذلك النبي ﷺ فقال بعض من حَضَرهُ نَعْتذِر إِليه ونحلف له فإِنه أُذُن.

стр. 915

وقوله: (يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ (٦٢) قال بَعْضُ النحويينَ: إِن هذه اللامَ بِمعنَى القَسَم، أيْ يَحْلِفُون بالله لكم لَيُرْضُنَّكُمْ وهذا خطأٌ لأنهم إِنَّمَا حَلَفُوا أنَّهُمْ مَا قالُوا ما حُكِي عنهُمْ ليُرْضُوكُمْ باليمين، ولم يَحْلِفُوا أنَّهُمْ يُرضُون فيما يستقبل. (وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ). وقوله: (إنْ كانوا مُومِنِين). أي إِن كانوا على ما يُظْهرُون فكان ينبغي ألا يَعِيبُوا النبي ﷺ فيكونون بتوليهم النبي ﷺ وتَرْكِ عَيْبِه مؤمنين. ويجوز في قَوْله (وَرَحْمةٌ) الجر على العطف عَلَى (خَيْر). فيكون المعنى قل أُذُن خير لكم وأذُنُ رَحْمَةِ للمؤْمنين. وقوله: (أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ)، ولم يَقُل يُرْضوهُمَا، لأن المعْنَى يَدُلُ عليه فحذف استخفافاً، المعنى واللَّه أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ، وَرَسُوله أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ، كما قال الشاعر: نحن بما عندنا وأنت بما. . . عندك راضٍ والأمرَ مختلفُ المعنى نحن بما عندنا راضون وأنت بما عندك رَاضٍ. * * * وقوله: (أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ (٦٣) معناه من يعادي اللَّه ورَسوله، ومن يشاقِق الله ورَسُولَه. واشتقَاقُه من اللغَة كقولك من يجانب الله ورَسُوله، أي من يكونُ في حَدٍّ، واللَّه ورسوله في حَدٍّ.

стр. 916

(فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ). والقراءَةُ بالفتح والكسر: " فَأَنَّ لَهُ "، فمن كسر فعلى الاستئناف بعد الفاءِ، كما تقول فله نار جهنم، ودَخَلت إِنْ مؤكدَة، وَمَنْ قَال: فَأَنَّ لَهُ، فإِنما أعاد " فَانَ " توكيداً، لأنه لما طال الكلام كان إِعَادَتُها أوكَدُ. * * * وقوله جلَّ وعزَّ: (يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِم سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ (٦٤) لفظ يَحَذرُ لفظ الخبر، ومعناه الأمرُ، لأنهُ لَا لَبْسَ في الكلام في أنه أمر، فهو كقولك ليْحذَر المنافقونَ، وعلى هذا يجوز في كل ما يؤمَرُ به أن تقول يُفْعَلُ ذَلكَ، فَيَنُوبُ عن قَولك ليفُعلْ ذلكَ. ويجوز أن يكون خبراً عَنْهُم لأنهم كانوا يكفرون عناداً وَحَسَداً. وَدَليل هذا القول: (قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ). * * * وقوله: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) وذلك أنهُمْ قالوا: إِنما كنا نخوض كما يَخُوضُ الركْبُ. * * * وقوله: (لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (٦٦) تأويله إنَّه قد ظهر كفركم بَعدَ إِظهاركُم الِإيمان. (إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً). والقراءَةُ (إِنْ نَعْفُ) وَ (إِنْ يُعْفَ، وإِنْ يَعْفُ) جيدَةٌ، ولا أعلم أحداً من المشهورين قرأ بها. ويروى أن هاتين الطائفتين إِنما كانوا ثلاثة نَفَر فَهَزِئ اثْنَان وضَحِكَ وَاحِدٌ، فجُعِل طائفة للواحد. وكذلك قالوا في قوله: (وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ). يَرادُ بهِ نَفْسٌ طائفَة.

стр. 917

والطائفة في اللغَةِ أصْلها الجماعةُ، لأَنها المقدار الذِي يطيف بالشىءِ. وقد يجوز أن يقال للواحد طائفة يراد بها نفس طائِفة يراد به نفس طائفَة. * * * وقوله: (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٦٧) هذا يتلو قوله تعالى: (يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنَّهُمْ لَمنْكُمْ). أي ليس المنافقون من المؤْمنين، لأن المنافقين، (يَأْمُرُونَ بِالمنكَرِ) أي يأمرون بالكفر بالنبي ﷺ . (وًينْهَوْنَ عَنِ المَعْرُوفِ). أي ينهون عن الِإيمان به. (وًيقْبِضُونَ أيْدِيَهُمْ). أي لا يتصدَّقون ولا يُزَكُّونَ. (نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ). أي تركوا أمر اللَّه فتركهم اللَّهُ من رحمته وتوفيقه. * * * وقوله: (وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٦٨) (هِيَ حَسْبُهُمْ). أي كفايةُ ذُنُوبِهِمْ كما تقول: عذبتك حسب فعْلِكَ، وحَسْبُ فُلان ما نَزَل به، أي ذَلكَ عَلى قَدرْ فعله. * * * وقوله: (كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦٩) (كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ). موضع الكاف نصب، أي وعدهم اللَّه على الكفر به كما وعد الذين من قبلهم. وقوله: (فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِم) قيل فاستمتعوا بحِظهم منَ الدنيا وقيل فاستمتعوا بدينهم. والخلاق النصيب الذي هو عند صاحبه وافرُ الحظ. * * * (أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٧٠)

стр. 918

ألم يأتهم خبر الذين هلكوا في الدنيا بذنوبهم فيتعظوا. و (المُوتَفِكَاتِ). جمع مْؤتفكة، ائتفكت بهم الأرض، أيانقلبت، يقال إِنهم قوم لوط. ويقال إِنهم جميعُ مَنْ أُهْلِكَ، كما تقول للهالك انقلبت عليه الدنيا. (فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظلِمُونَ). أعلمَ اللَّهُ جلَّ ثناؤه أن تعذيبه إِياهم باستحقاقهم، وأن ذلك عدل * * * وقوله: (وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢) (وَرِضْوانُ). وتقرأ ورُضْوان ورِضوان، وهما جميعاً عن عاصم. ومعنى (وَرِضْوَانٌ من اللَّهِ أكبرُ)، أي أكبر مما هم فيه من النعيم. * * * وقوله: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٣) أمر بجهادهم، والمعنى جاهدهم بالقتل والحجة، فالحجة على المنافقين جهاد لهم. * * * وقوله: (يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٧٤) (وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا). قيل إِنهم كانوا هَمُّوا بقتل رسول اللَّه ﷺ وأنهم كانوا اثني عَشَر رجُلاً عزموا على أن يقفوا له بعقبة على طريقه، ويغتالوه، فأعلمه الله ذلك. فلما بلغ إِليهم أمرَ مَنْ نحاهم عن طريقه، وسماهم رَجُلاً رجُلاً. فهذه من أعظم آياته، لأن الأمر إِنما عُلِمَ في قصتِهم بالوحي. (وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ).

стр. 919

وإِنما قيل أغناهم اللَّه ورسوله، لأن أموَالهم كثرت من الغنائم، فكان سبب ذلك رسولُ الله ﷺ . وقوله: (يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ). معناه مؤلِماً. وإِنما قال في الدنيا لأنهُم أمِرَ بقَتلِهِم. وَيجُوز: (وما نَقِمُوا). * * * (وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) الأصل: لنتصَدقن، ولكن التاءَ أدْغِمَتْ في الصاد لقربها منها. * * * وقوله: (فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (٧٧) يجوز أن يكون " فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ ". قال: (فأعقبهم نفاقاً) أَي أضلهم الله بفعلهم. * * * وقوله: (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٩) يَلْمِزُون، ويلْمُزون - بكسر الميم وضمها - ومعناه يَعيبونَ وكانوا عابُوا أصحاب رسول الله ﷺ فىِ صدقات أَتوا بها النبي ﷺ . يروى أَن عبد الرحمن أتَى بصُرةٍ تملأ الكف، وأن رجُلًا كان يقال له أبو عقيل، أَتَى بصَاعٍ من تَمْر، فعابوه بذلك وقالوا: إِن محمداً غَنِيٌّ عن صاعِ هذا وإِنما أَتَى بهذا ليُذَكِرَ بنفسِهِ. فهو معنى (والذينَ لا يجدون إِلا جُهْدَهم) " جَهْدَهُمْ "، بالفتح والضم. (فَيَسْخرُونَ مِنَهُمْ).

стр. 920

(فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ). والسِخْرِيَّ من الله المجازاة على فعلهم وقد بيَّنَّا ذلك. * * * وقوله جلَّ وعزْ: (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٨٠) فيروى أن النبي ﷺ قال: أستَغْفرُ لهم أكثَرَ مِنْ سَبعين مرة فنزلت (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ). * * * وقوله: (فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ (٨١) بمعنى مخالَفة رسول اللَّه. وهو منصوب لأنه مفعول له، المعنى بأن قعدوا لمخالفة رسول اللَّه. ويقرأ خَلْفَ رسول اللَّه، ويكون ههنا أنهم تأخَّروا عن الجِهاد في سبيل اللَّه. (وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا). وهذا وعيد في ترك الجهاد. ويجوز لا تنفُروا بضم الفاءِ. * * * (فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢) (جزاءً) مفعول له، المعنى: وليبكوا جزاءً لهذا الفعل. * * * وقوله: (وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (٨٤) يروى أنَّها نزلت في عبد الله بن أبي، وكَانَ رأسَ المنَافِقينَ فلما حضرته الوفاة بعث إلى رسول الله ﷺ يسأله أحَدَ ثَوْبيْه ليُكفَنَ به، فبعث إِليه رسول اللَّه ﷺ بأحدهما، فأرسل المنافق إِلى رَسول الله أريد الذي كان يلي جلدك من ثِيَابِك، فوجه إِليه رسول الله ﷺ بذلك. فقيل له فيه: لم وجَّهت إِليه بقميصك يكفن فيه وهو كافر؟ فقال: إِن قميصي لن يغني عنه شيئاً من اللَّه، وإِني أؤمل من اللَّهِ أن يَدْخُلَ في الِإسلام خلق كثير بهذا السبب، فيروى أنه أسلم من الخزرج ألفٌ لما راوه يطلب الاستشفاءَ بثوب رسول اللَّه. وأراد الصلاةَ عَليْه.

стр. 921

فنزل الوحي عليه ﷺ (وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ). ويروى أنَّه ﷺ صلَّى عليه وَإِنَّما مجاز الصلاة عليه أنه كان ظاهره ظاهر الإِسلام، فأعلمه الله جلَّ وعزَّ أَنه إِذا عَلمَ منه النفاق فلا صلاة عليه (وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ). كان رسول الله ﷺ إِذا دفن الميت وقف على قبره ودعا له. * * * وقوله: (وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٩٠) المعَذِّرُونَ - بتشديد الذال - وتُقْرأ المُعْذِرُونَ، فمن قرأ: المُعْذِرُونَ. فتأويله الذين أعذَرُوا أي: جاءُوا بِعُذْرٍ، ومنْ قرأ: الْمُعَذِّرُونَ بتشديد الذال فتأويله المعْتَذِرُونَ، إِلا أن التَاءَ أدْغِمَتْ في الذال لقرب مخرجهما. ومعنى المعْتَذِرينَ الذين يعتذرون، كان لهم عذرٌ أو لم يكن لهم. وهو ههنا أشبه بأن يكون لهم عذر. وأنشدوا: إلى الحول ثم اسم السلام عليكما. . . ومن يبك حولاً كاملاً فقد اعتذر المعنى فقد جَاءَ بعذر، ويجوز المعِذِّرون - بكسر العين - لأن الأصل المعتذرون، فأسكنت التاءُ وأدْغمت في - الذال ونقلت حركتها إِلى العَيْن فصار الفتح أولى الأشياءِ، ومن كسر العين حرك لالتقاءِ السَّاكنين، ويجوز المُعُذُرون، باتباع: الضَمةَ التي قبلَها وهذان الوجهان - كسر العين وضمها - لم يُقْرَأ بِهِما، وإِنما يجوز في النحو، وهما جهتان يثقل اللفظ بهما، فالقراءَة بهما مطروحة. ويجوز أن يكون المُعذرُونَ: الذين: يعَذَرون، يُوهمون أنَّ لهم عذار ولا عُذْرَ لهم. وقوله: (اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ).

стр. 922

قيل (أولو الطول) هم أولو الغِنى، وقيل أولو الفَضْلِ في المعنى والرأي والجاه. والطَوْل الفضل في القدرة على هذه الأشياءِ. وقوله: (رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (٨٧) الخوالف: - النساءَ، وقد يجوز أن يكون جمع خالفة في الرجال. والخالف الذي هو غير مُنْجِب. ولم يأت في فاعل فواعل إلا في حرفين. فارس وفوارس، وهالك، وهوالك. * * * وقوله: (الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٩٧) هؤُلاءِ أعراب كانوا حول المدينة، فكفرهم أشدُّ لأنهم أقسى وأجفى من أهل المدَرِ، وهم أيضاً أبعد من سماع التنريل وإِنذار الرسول. وقوله: (وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ). " أن " في موضع نَصْبٍ، لأن الباءَ محذوفة من أن. المعنى أَجْدَرُ بترك العلم، تقول: أنت جدير أن تفعل كذا، وبأن تفعل كذا، كما تقول أنت خليق أن تفعل، أي هذا الفعل ميسَّر فيك. فإِذا حُذِفَتْ الباءُ، لم يصلح إِلا بأن. وإِن أتيت بالباءِ صلح بأن وغيره، تقول أنت جدير أن تقوم وجدير بالقيام، فإِذا قلت، أنت جدير القيامَ، كان خطأً، وإِنما صلح مع أن لأن أن تدل على الاستقبال، فكأنَّها عوض - من المحذوف. * * * وقوله: (وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٩٨) (وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ). أي الموت والقتل. * * * وقوله: (وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٩) (قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ). فيها ثلاثة أوجه قُرُبَاتٍ بضم الراءِ، وقُرْبَاتٍ بإسكانها وقُرَبَاتٍ بفتح الراءَ.

стр. 923

(وَصَلَوَاتِ الرسُولِ). وكذلك: (وَصلِّ عَلَيْهمْ). معناه دعاء الرسول. قَالَ الأعشى: تقول بِنْتِي وقد قربت مُرْتَحَلا. . . يا ربِّ جَنِب أبي الأوْصَابَ والوَجَعَا عَليكِ مثلُ الذي صليت فاغتمضي. . . عيناً فإِن لجنبِ الأرضِ مُضطجعا إِن شئت قلت عليك مثلُ الذي، ومثلَ الذي، فمن قال: " عليك مثلَ الذي صلَّيتِ " ققد أمرها بالدعاءِ، كأنَّه قال ادعي مِثْلَ الذي دعوت، ومن قال مثلُ فالمعنى عليك مثل هذا الدعاءِ. أي ثبت عليك مثل هذا. * * * وقوله: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠) ويجوز والأنصارُ، فمن قال: " والأنصْارِ " نَسَقَ عَلَى المُهَاجِرين. المعنى: والسابقون الأولون من المهاجرين ومن الأنصار، ومن قال: والأنصارُ نسق به على " والسَّابِقون " كأنه قال: " والسابقون والأنصارُ ". وقوله: (والَّذِينَ اتَبَعُوهُمْ بِإحْسَانٍ). أي من اتبعهم إلى يَوْم القيامة. (رضِيَ اللَّهُ عَنهُمْ وَرَضُوا عَنَهُ). تأويله: - واللَّه أعلم - أن اللَّه رَضِيَ أفعَالَهم، وأنهم رضوا ما جازاهم اللَّه به. * * * وقوله: (وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ (١٠١)

стр. 924

مقدَّم ومؤَخر، (مَرَدُوا) متصل بقوله منافقون. (سَنُعَذِبُهُمْ مَرتَينِ). أي سنعذبهم بالإنفاق وبالفعل، وقيل بالقَتْل وعذابِ القَبْر. (ثمَ يُرَدونَ إلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ). أي يُعذبون في الآخرة. * * * وقوله: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣) يصلح أن تكون تطهرهم بها نعْتاً للصدقة، كأنه قال: خذ من أموالهم صدقة مطهرة، والأجْودُ أن يكونَ تطهرهم للنبي ﷺ . المعنى خذ من أموالهم صدقة فإنك تطهرهم بها، ويجوز " تطهرْهُمْ " بالجزم على جواب الأمْر. المعنى إِن تأخذ من أموالهم تطهرهم وتزَكهمْ. ولا يجوز في القراءَة إلا بإثبات الياءِ في تزكيهم، اتباعاً للمصحف. (وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ). أي ادع لهم. و (سَكَنٌ) أي: يسكنون بها. * * * وقوله: (أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٠٤) تأويله ويقْبَلُ الصَّدَقَاتِ، وكذلك ما يروى " إن الصدَقَةَ تقع في يد اللَّه جلَّ وعزَّ تأويله أن الصَّدَقَةَ يتقبلُها الله جل ثناؤه ويضاعف عليها. * * * وقوله جلَّ وعزَّْ (وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠٦) (وَآخَرُونَ مُرْجَأُوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ) معنى (مُرْجَأُوْنَ) مؤخرون. يقال أرجأتُ الأمْر، إذا أخَّرْته. ويقرأ (مُرْجَوْنَ) على أرْجَيْتُ. و (آخرون) عطف على قوله: (وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ). المعنى: من أهل المدينة منافقون ومنهم آخرون مُرْجَوْنَ.

стр. 925

ويقال إنهم الثلاثة الذين خُلِّفُوا (إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ). (إِمَّا) لوقوع أحد الشيئين، واللَّهُ عالم بما يصير إليه أمرهم، إلا أنْ هذا للعباد، خوطبوا بما يعْلَمُون، فالمعنى لكنْ أمرهم عندكم علي هذا في الخوف والرجَاءِ. * * * وقوله : (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٠٧) " الذين " في وضع رَفع، المعنى ومنهم الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا. انتصب (ضِرَارًا) مفعولًا له. المعنى اتخذوه للضرار والكفر والتفريق والإرصاد. فلما حُذِفتِ اللام أفضى الفعلُ فنصبَ، ويجوز أن يكون مصدراً محمولًا على المعنى؛ لأن اتخاذهم المسجدَ على غير التقوى معناه ضارُّوا به ضِرَارًا. وتفسير الآية أن قوماً من منافقي الأتصار أرادوا أن يفرقوا عن النبي ﷺ من يصلي معه من المؤمنين فاتخذوا مَسْجِداً يقطعون به المؤمنين والنبي ﷺ عن مَسْجِد قُباءَ. (وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ). كان رجل يقالُ له: أبوعمرو الراهب حَارَب النبي ﷺ ومضى إِلى هِرَقْل، وكان أحَدَ المنافقين، فقالوا نبني هذا المسجد وننتظر أبا عَامِرٍ حتَى يجيءَ، فيصلي فيه، فالإِرصاد، الانتظار.

стр. 926

واتخذوا هذا المسجدَ مُضارة وكفْراً، لأن عِنَادَ النبي ﷺ كفر وأطلَعَ اللَّهُ نبيه ﷺ على طَويتهمْ، وعلى أنهم سيحلفون كاذبين، فقال جلَّ وعزَّ: (وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ). وكانوا دعوا النبي ﷺ ليصَلِّيَ فيه فأنزل اللَّه جل ثناؤه: (لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (١٠٨) ْثم بين الله : أي المسجدين أحق بالقيام فيه فقال: (لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ). يعني به مسجد قُبَاءَ. (أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ). " وَأنْ " في موضع نصبٍ، المعنى: لمسجد أسس على التقوى أحقُّ بأن نقوم فيه. (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا). يروى أن النبي ﷺ وقف بباب المسجد فقال: (إِن اللهَ أحسن عليكم الثناءَ في طَهوركم فبِمَ تَطَهرون؟ فقالوا نغسل إثر الغائط بالماء. وهُؤلاء قومٌ من الأنصار. * * * وقوله: (أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠٩) ويجوز " أَفَمَنْ أُسِّسَ بُنْيَانُهُ "، ويجوز " أَفَمَنْ أَساسُ بُنْيَانِهُ " ويجوز " أَفَمَنْ أُسُسُ بُنْيَانِهُ ". فأمَّا (أَسَّسَ بُنْيَانَهُ)، و (أُسِّسَ بُنْيَانُهُ)، فقراءَتان جَيدَتان، والذي ذُكِرَ غير هاتين جائزُ في العربية، غير جائز في القراءَة، إِلا أن تثبتَ به رواية. المعنى أن من أسس بنيانه على التقوى خير ممن أَسَّسَ بُنْيَانَهُ على الكفر فقال: (عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ).

стр. 927

وشفا الشيء حَرْفُه وحدُّه، والشفا مقصور يكتب الألف ويثنى شفوين. ومعنى (هَارٍ) هَائِر وهذا من المقلوب، كما قالوا في لاث الشيءُ إذا دار فهوَ لاثٍ والأصل لَائث وكما قالوا شاك السلاح وشائك. قال الشاعِر: فَتَعَرَّفوني إنَّني أنا ذاكُمُ. . . شاكٍ سِلاحِي في الحوادِثِ مُعلِمُ وكما قال العجاج: لَاثٍ به الأشاءُ والعُبْريُّ الأشَاءُ النخل، والعُبْريُّ السدْرُ الذي على شاطئ الأنهار ومعنى لاثٍ به مطيف به. (فانْهارَ بِه في نَارِ جَهَنَّمَ). وهذا مثل، المعنى أن بناءَ هذا المسجد الذي بني ضراراً وكفْراً كبناء على جَرْف جهنم يتهور بأهله فيها. * * * وقوله: (لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١١٠) قال بعضهم لا يزال كفراً، وقال بعضهم لا يزال شكاً. والريبة من الريب، والريْبُ الشَّكُّ. فأعلمَ اللَّهُ جلَّ وعز أن بناءَهم لا يزالون شاكين فيه، وجائز أن يكون اللَّه جل ثناؤه جعل عقوبتهم أنْ ألْزَمَهمْ الضلال بركوبهم هذا الأمر الغليظ. (إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ).

стр. 928

ويجوز: " إلا أنْ يَقْطِعَ قُلُوبَهم " معناه إلا أنْ يَمُوتوا. وقال بعضهم: إلا أن يتوبوا توبة تتقطع بها قلوُبهم ندماً وأسَفاً على تفريطهم. * * * وقوله: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١١) يروى: أنه تاجرهم فأغلى لهم الثمن. وهذا كما قال: (أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضلَالَةَ بِالهُدَى فَمَا رَبحَتْ تِجَارَتُهُمْ). (يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا). بالمعنى لأن معنى قوله: (بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ)، وعدهم الجنة وعْداً عليه حَقًّا. ولو كانت في غير القرآن جاز الرفع على معنى ذلك وعد عليه حق. وقوله: (فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ). يَدُل أن أهل كُل مِلَّةٍ أمِروا بالقتال وأوعدوا عليه الجنة. * * * وقوله: (التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٢) يصلح أن يكون رفعه على وجوهٍ: أحدها المدح كأنه قال هُؤلاءِ التائبون، أو هم التائبون. ويجوز أن يكون على البدل. المعنى يقاتل التائبون، وهذا مذهبُ أهْلِ اللغة. قال. أبو إسحاق: والذي عندي واللَّه أعلم أن قوله: التائبون العابدونَ رفع بالابتداءِ، وخبرُه مُضمر، المعنى التائبون العابدون إلى آخر الآية لهم الجنة أيضاً، أي من لم يجاهِد غيرَ معانِدٍ ولا قَاصِد لتَرْك الجهادِ، لأن بعض

стр. 929

المسلمين يجزى عن بعض في الجهاد. فمن كانت هذه صفته فَلَهُ الجنة أيضاً. التائبون الذين تابوا من الكفْرِ، والعابدون: الذين عبدوا اللَّه وحدَه. والراكعون الساجدُونَ الذين أدُّوا ما افترض الله عليهم في الركوع والسُّجُودِ. (الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ). الآمِرُونَ بالإيمانِ باللَّهِ. (وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ) عن الكفر باللَّه. ويجوز الْآمِرُونَ بجميع المعروف، الناهون عن جميع المنكر. (والحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ). القائمون بما أمر اللَّه به. وقوله: (السَّائِحُونَ). في قول أهل اللغة والتفسير جميعاً: الصائمونَ. ومَذْهَبُ الحسن أنهم الذين يصومون الفرض. وقد قيل: إِنهم الذين يديمون الصيام. وقول الحسن في هذا أبْيَن. وكذلك (الراكعون الساجِدُون) عند الحسن هم الذين يُؤدُّونَ ما افترِضَ عليهم في ركوعهم وسجودهم. * * * وقوله: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣) يروى أن النبي ﷺ عرض على عَمِّه أبي طالب الِإسْلاَمَ عند وَفاتِه، وذكر له وجُوبَ حَقِّه عَليه، فَأبى أبو طَالب فقال النبي ﷺ : لأستغفرنَ لك حتى أُنْهَى عن ذلك. ويروى أنَّه استغفر لأُمِّه، ويروى إنَّه استغفر لأبيه، وأنَّ

стр. 930

المؤمنين ذكروا محاسن آبائِهم في الجاهلية وسألوا أن يستغفروا لآبائهم لما كان من محاسنَ كانت لهم، فأعلم اللَّه أن ذلك لا يجوز فقال: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى). وقوله: (مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) أي من بعد ما تبين لهم أنهم ماتوا كافرين. ثم أعلم جلَّ وعزَّ كيف كان استغفار إبراهيم لأبيه فقال: (وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (١١٤) فيروى أنه كان وعده أن يستغفر له أيام حياته، ويروى أن أبا إبراهيبم كان وعد إبراهيم أن يُسْلم إن استغفر له، فلما تبين له إِقامته على الكفر تبرَّأ منه. وقال اللَّه تعالى: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ) إِلى قوله: (إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ). أي تأسَّوْا بِإبْرَاهِيمَ فِي هذا القول. وقوله: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ). يروى أن عمر سأل النبي ﷺ عن الأوَّاه، فقال: الأوَّاه الدَّعَّاءُ، والأوَّاه فِي أكثر الروَاية الدَّعَّاء ويروى أن الأوَّاه الفقيه، ويروى أن الأوَّاه المؤمن بلغة الحبشة. ويروى أن الأوَّاه الرحيم الرفيق. قال أبو عبيدة: (الأوَّاه) المتأوِّه شَفَقاً وفرقاً المتضرع يقيناً، يريد أن يكون

стр. 931

تضرعه على يقين بالِإجابة ولزوماً للطاعة. وقد انتظم قولُ أبي عبيدَةَ أكثرَ ما رُوِي في الأوَّاه وأنشد أبو عبيدة: إِذا ما قمتُ أَرْحَلُها بليلٍ. . . تأَوَّهُ آهَةَ الرجلِ الحزينِ * * * وقوله: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١٥) يروى أنه لما نزل تحريم الخمر ووقعت الحدود قال المسلمون فيمن مات قبل ذلك ولم يدرك التحريم اسألوا عن حالهم، فأعلم اللَّه جلَّ وعزَّ أنه لا يؤَاخذهم بِمَا حَرم مما لم يحرم عَليْهِم. وجائز أن يكون: إِذا وفقَ اللَّه للهداية فلا إِضلال بعدَهَا، لأن من يهد اللَّهُ فلا مُضِلَّ لَه. * * * وقوله: (لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١١٧) معناها في وقت العُسرةِ، لأن السَّاعَةَ تقعُ على كل زمانٍ، وكان في ذلك الوقت حر شديد، وكان القوم في ضيقة شديدة، وكان الجمل بين جماعة يَعْتَقِبُونَ عليه، وكانوا من الشدة والفقْر ربما اقتسم الثمرةَ اثنان وربما مصَّ الثمرة الجماعة ليشربوا عليها الماءَ، وربما نَحروُا الِإبل فشربوا من ماءِ كُرُّوشِهَا من الحر. فأعلمَ اللَّهُ أنَّه قد تاب عليهم من بعد ما كاد يَزيغُ قُلوبَ فريق منهم، أي نن بعد ما كادوا يَقْفِلون مِنْ غَزْوَتهِم للشدةِ، ليس أنَّه يزيغ عن الِإيمان، إنما هو أن كادوا يرجعون فتاب الله عليهم بأن أقفَلهم من غَزْوَتهِمْ.

стр. 932

وقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩) على نسق الكلام يدل على أنهم أمِروا بأن يكونوا مع النبي ﷺ في الشدهَ والرخاءِ. ويجوز - واللَّهُ أعلم - على هذا قوله: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ). وقد رويت عن بعضهم " مِنَ الصادِقِينَ " والمعنى واحد، ويجوز أن يكون ممن يصدق ولا يكذب في قول ولا فعل. * * * وقوله: (مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١٢٠) الظمأ العطشُ، والنصَب: التعَبُ. (ولا مخمصة) المخمصة: المجاعة، فأعلم اللَّه أنه يجازيهم على جميع ذلك، وأنَّه يكتب لهم عَمَلاً صالحاً. * * * وقوله: (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢) هذا لفظ خبر فيه معنى أمر كما كان (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ) والمعنى أنهم كانوا إذا كانت سَريةٌ نفروا فيها بأجمعهم. فأَعلم اللَّه جلَّ وعزَّ أنَّه ينبغي أن ينفر بعضهم ويبقى مع النبي ﷺ بعضٌ لئلا يبقى وحدَه. ولئلا يخلو من خرج منهم من فائدة منه، فقال جلَّ وعزَّ: (فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ). المعنى أنهم إِذَا بَقِيَتْ منهم بحضرة النبي ﷺ بقية فسَمِعُوا منه وَحْياً أعْلمُوا الذين نفروا ما علموا فاستوَوْا في العلم، ولم يخلوا منه. وجائز - واللَّه أعلم - أن يكون هذا دليلاً على فرض الجهاد يجزى الجماعة فيه عن الجماعَة.

стр. 933

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٢٣) (غِلْظَةً) فيها ثلاث لغات غِلْظَة، وغُلْظَة، وغَلْظَةً. فهذا دليل أنه ينبغي أن يُقَاتِلَ أهل كلِّ ثَغرٍ الذِينَ يَلُونَهُمْ وقيل إن هذا يعنَى به العرب، وقيل إن النبي ﷺ كانَ ربَّما تخطى في حربه الذين يَلُونه من الأعداءِ ليكون ذلك أهيبَ له فأمر بقتال من يليه لِيسْتَنَّ بذلك. وقوله: (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ). أي اللَّهُ آمر مَنْ نَصَرة بالحِرب. * * * وقوله: (وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا). المعنى: وتاب على الثلاثة الذين خُلِّفُوا، ويقال إنهم هم المرجَوْن لأمر الله. * * * وقوله: (وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وأضاف الإِيمان إلى السُّورةِ لأنه يزيد بسببها. * * * وقوله: (وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (١٢٥) أي شَكٌّ ونفاق. (فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ). أي زادتهم كفْراً إِلى كفرهم، لأنهم كلما كفروا بسورة ازداد كفرهم. * * * وقوله: (أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٢٦) معناه يُخْتَبَرونَ في كل عام، وقيل يُختبرون بالدعاءِ إلى الجهاد. وقيل يختبرون أنه ينزل عليهم العذاب والمكروه. * * * وقوله: (وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (١٢٧) يقولون ذلك إِيماء لأنهم منافقون لا يظهرون ذلك. (هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ).

стр. 934

يقولون ذلك اسْتِسْراراً وتَحَذراً من أن يُعلِمَ بِهمُ اللَّه وهو أعلم. (ثُمَّ انْصَرَفُوا). أي يفعلون ذلك وينصرفون، فجائز أنْ يكون ينصرفون عن المكان الذي اسْتَحقُوا فيه، وجائز أن يكون ينصرفون عن العمل بشيء مما يستمعون. (صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ). أي أضلهم الله مُجازَاة على فعلهم. * * * وقوله: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨) أي هو بَشَر مثلكم. أي فهو أوكد للحجة عليكم لأنكم تفهمون عمَّن هو مثلكم. وجائز أن يكون عنى به إنَّه عربي كما أنكم عربٌ، فأنتم تَخْبُرونَه وقد وقفتم على مذهبه. (عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ). أي عزيز عليه عنتكم، والعنتُ لقاءُ الشَدةِ. (حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ). أي حَرِيصٌ عَلَى إِيمَانِكم. * * * (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (١٢٩) أي الذي يكفيني اللَّه. (عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ). والعظيمُ ههنا جائزان. * * * وقوله: (مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ).

стр. 935

دخلت " مِنْ " في الزمان، والأصل مُنْذُْ ومُذْ، هذا أكَثر الاستعمال في الزمان. و" من " جائز دخولها لأنها الأصل في ابتداءِ الغاية والتبعيض. ومثل هذا قول زهير: لِمَنِ الدِّيارُ بقُنَّةِ الحِجْرِ. . . أَقْوَيْنَ من حِجَجٍ ومن دَهْرِ وقيل إِن معنى هذا مُذْ حِجج ومُذْ شَهْر.

стр. 936

سورة يونس بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قولها : (الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (١) قد بيَّنَّا في أول البقرةِ ما قيل من " الر " وما أشبه ذلك. وقوله: (تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ). أي الآياتِ التي جرى ذِكرُها هِيَ آياتُ الكِتاب الحكيم. * * * وقوله: (أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ (٢) يعنى بالناس ههنا أهل مكة، ويروى أنهم قالوا: العجب أن اللَّهَ لم يجد رسولاً يرسله إلى الناس إلا يتيمَ أبي طالب، وجائز - واللَّه أعلم - أنهم عجبوا من أن النبي ﷺ أنذرهم وبَشَّر الذين آمنوا، والِإنذار والبِشَارَةُ مُتّصِلَان بالبعث والنشور، فَعجِبوا أن أعلَمَهُمْ أنهم يبعثون ويجازَوْنَ بالحسنة والسيئةِ. فقال: (أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ). فموضع (أن) الأولى رفع، المعنى: أكان للناس عَجباً وَحْيُنَا وموضعُ " أن " الثَانِيةِ نصبٌ بـ أوْحَيْنَا، وموضع " أنَّ " المشددة نصب بـ بَشِّرِ، والقراءة

стр. 937

الفتح، ويجوز كسرها: (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ) لأنَّ البِشارة قول، فالمعنى: قُلْ لَهُمْ إِنَّ لهمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِهمْ ولكنَّه لا يُقْرأ بهَا إلا أن تثبتَ بها رواية لأن القراءةَ سنةٌ. وَالقَدَم الصِّدْق: المنزلة الرفيعة. (قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ) - و (لَسَاحِرٌ مِبين) - جميعاً. وإنما قالوا " لسحر مبين " لَمَّا أنذرهم بالبعث والنشور. * * * وقوله: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٣) أعلمهم أنَّ الَّذِي خَلَق السَّمَاواتِ والأَرْضَ وَقدْرَتُه هذه القُدرَة قادِرٌ على بَعْثِهِمْ بعْدَ مَوْتهم. وقوله: (مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ). ولم يجر للشفيع ذكر قبل هذا، ولكن الذِينَ خوطِبوا كانوا يقولون إنَّ الأصنامَ شُفَعَاؤنا عندَ اللَّهِ، فالذَكْرُ جرى بعد في الشُّفَعَاء. فقوله: (مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ) أي لَا يَشفَعُ شَفِيع إِلَّا لِمَنْ ارْتَضَى اللَّهُ. قال اللَّه - جلَّ وعزَّ: (وَلَا يَشْفَعُونَ إلا لِمَنِ ارْتَضى) (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ). أي فاعبدوه وحده. * * * وقوله: (إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٤)

стр. 938

يدُلُّ على أنَّ الأمْرَ في العَجَبِ كان في البَعْثِ والنشًورِ. (جَمِيعًا) منصوب على الحال. وقوله: (حَقًّا). (وَعْدَ اللَّهِ) منصوب على معنى وَعَدَكُم اللَّهُ وَعداً، لأن قوله: (مَرْجِعُكُمْ) معناه الوعدُ بالرجوع، وَ (حَقًّا) منصوب على أَحُقُّ ذلك حَقًّا. ويجوز من غير القراءة وَعْدُ اللَّهِ حقٌّ. (إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ). قرئت (إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ)، وقرئت أنَّه - بفتح الألف وكسرها. جميعاً. كثيرتان في القراءة، فمن فتح فالمعنى: إليه مَرْجعُكم جميعاً لأنه يبدأ الخلق، ومَن كَسرَ كَسرَ على الاسْتِئْنَافِ والابْتِدَاءِ (لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ). أي بالعدل. * * * وقوله: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥) (وَقَدَّرَهُ) يَعْنِي القَمَرَ، لأنه المقدَّرُ لِعِلْمِ السِّنين والحساب، وقد يجوز أن يكون المعنى وقدّرهما منازل فحذف أحدهما اختصاراً وإيجازاً كما قال الشاعر: نحن بما عندنا وأنت بما. . . عندك راضٍ والرأي مختلف

стр. 939

وقوله: (دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠) معنى (دعواهم) دعاؤهم، يعني إن دعاء أهلِ الجنة تنزيه الله وتعظيمه. (وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ). جائز أن يكون ما يُحَيِّي به بعضهم بعضاً سلام، وجائز أن يكون اللَّه يحييهم منها بالسلام. (وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ). أعلم اللَّه أنهم يبتدَئون بتعظيم الله رب العالمين. وَ (أنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) - بالتخفيف - على حذف أنَّ الشديدة والهاء، والمعنى أنه الحمد للَّهِ رب العالمين. * * * وقوله: (وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١) يُروَى أنهم لَوْ أجِيبُوا في الدعَاءِ على أنفسهم وأهليهم، كقول الرجُلِ لابنه وحميمه: أماتَكَ اللَّهُ، وفعل بك كذا وكذا. وجائز أن يكون عنى قوله: (فَأمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ)، وما أشْبَهَ ذلِكَ فلو عجل الله ذلك كما يُعجِّلُ لَهُم الخيرَ لأهْلَكَهُمْ بِه. ونصب (استعجالهم) على مثل استعجالهم بالخير، أي على نعت مصدرٍ محذوف. والمعنى: وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ للنَّاسِ الشَر تَعْجيلاً مثل استعجالهم بالخير، (لَقُضِيَ إلْيهِمْ أجَلُهُمْ). وَيقرأ: لقَضَى إليهم أجَلَهم جميعاً، جَيِّدتَانِ، وَلَقُضِيَ أحسنهما، لأن

стр. 940

قوله: (ولو يعجل اللَّه للناس الشر) يتصل به (لقُضِيَ إلْيْهِمْ أجَلُهم). (فَنَذَرُ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا في طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ). الطغيان في كل شيء ارتفاعه وعُلوُّه. والعَمَهُ التَحَير. المعنى فنذر الذين لا يرجون لقاءنا في غُلُوهمْ وكُفْرِهِمْ يتحيرُونَ. * * * وقوله: (وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢) المعنى - واللَّه أعلم -: وإذا مسَّ الِإنسانَ الضر من حال من الأحوال فجائز أن يكون دعانا لجنبه، ودعانا وهو سَطِيح، أو دَعَانَا قَائِماً. ويجور أن يكون: وإذا مس الِإنسانَ الضر لجنبه أو مَسَّهُ قاعداً، أو مَسَّهُ قائِماً، دَعَانَا. (فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ). المعنى مَر في العافية على ما كان عليه قبل أن يبْتَلَى، ولم يتعظ بما نَالَه. وقوله: (كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ). ويجوز زَيَّن للمسرفين. موضع الكاف نصب على مفعول ما لم يسم فاعله المعنى زُينَ للمسْرِفين عملُهم كذلك أي مثل ذلك، أي جعل جَزَاءَهم الإضلالَ بإسرافهم بكفرهم.

стр. 941

وقوله: (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (١٣) المعنى كالمعنى من قوله: (فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ). أعلم اللَّه - جل ثناؤه أنهم لَا يؤمِئونَ وَلَوْ أبْقَاهمْ أبَداً. فجائز أن يكون جَعَلَ جَزاءَهُمْ الطبْعَ عَلَى قُلوبِهم، وَجَائز أن يكون أعلم ما قَدْ عَلِمَ منْهُمْ. والدَّليلُ عَلَى أنَّه طبع على قلوبهم جَزَاءً لهم قوله: (كَذَلِكَ نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ). قوله: (كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ). (كَأَنْ) مخففة من الشديدة، المعنى كأنَّه لَم يَدْعُنَا. قالت الخنساء: كأنْ لم يكونوا حِمًى يُتَّقَى. . . إذْ الناسُ إذ ذاك من عزَّ بزَّا أي كأنهم لم يكونوا. * * * وقوله: (ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٤) موضع (كَيْفَ) نَصْبٌ بقوله (تَعْمَلُونَ) لأنها حرف استفهام، ولَا يعمل فيها (لِنَنظرَ) لأن ما قبل الاستفهام لا يعمل في الاستفهام. ولو قلت: لننظر أخيْراً تعمَلُونَ أمْ شَرًّا كان العاملُ في خيرٍ وشَيءٍ تَعْمَلُونَ. * * * وقوله: (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥) منصوب على الحال. (قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا).

стр. 942

لا يؤمنون بالبعث والنشور. (ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ). أي إيت بقرآنٍ لَيس فيه ذكرُ البعْت والنُشُور وليس فيه عَيْبُ آلِهَتِنَا. . أو " بَدِّلْهُ " أي أو بدل منه ذكر البعث والنشور. (قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ) تأويله: إِنَّ الَّذِي أتَيْتُ به مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لا مِنْ عِنْدِي فأبدله. * * * (قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٦) ويجوز (عُمْرًا) بإسكان الميم، أي قد لبثت فيكم من قبل أن يُوحَى إليَّ لا أتْلُو كِتَاباً ولا أخُطُه بيميني، وهذا دليل على أنه أوحي إليَّ؛ إذْ كنتم تعرفونني بينكم، نَشأْتُ لا أقرأ كتاباً، وإخْبارِي إياكُم أقَاصِيصَ الأولين مِنْ غَيرِ كِتابٍ ولا تلقينٍ يَدُلُ عَلَى أنَّ مَا أتيتُ به من عند اللَّه وَحْي. * * * وقوله: (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٨) المعنى: ما لا يَضرهم إن لم يعبدوه، ولا ينفعهم إن عبدوه. (وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ). أي أتعبدون مَا لَا يسمعُ ولَا يُبصِرُ ولا يُميِّزُ، وتزْعُمون أنها تَشْفعُ عندَ اللَّه، فتُخْبِرونَ بالكَذَبِ. * * * (وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٩)

стр. 943

قيل يعنى بالناس ههنا العرب الذين كانوا على الشرك. اختلفوا: آمن بعضٌ وكفر بعضٌ. وقيل: ما كانَ الناسُ إلا أُمَّةً واحدةً، أي ولدوا على الفطرة، واختلفوا بعد الفطرة. (وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ). ويجوز لقَضَى بينهم، أي لولا أنَّ اللَّه - جلَّ وعزَّ - جعل لهم أجلاً في - القضاء بينهم، لفَصَلَ بينهم في وقت اختلافهم. و (بَيْنَ) منصوبة لأنها ظرف. * * * وقوله: (وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ (٢١) يُعنَى بالناس ههنا الكافرونَ. وقوله: (إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا). جواب الجزاء، وهو كقوله: (وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ) المعنى وإن تصبهم سيئة قنطوا، وإذا أذقنا الناس رحمة مكروا. فإذا تنوب عن جواب الشرط كما ينوب الفعل. * * * وقوله: (هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢) ويجوز هو الذي يَسِيركُمْ، ولا أعلم أحَداً قَرأ بِها.

стр. 944

(حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ). الفُلك يكون واحداً ويكون جمعاً، كما أن فُعْلًا في قَوْلك أُسْدٌ، جمع أَسَدٍ، وفُعْل وفَعَل من باب واحد، جاز أن يَكُونَ جَمعُ الفَلَكِ فُلُكاً. (وَجَرَيْنَ بِهِمْ). ابتداءُ الكَلام خطابٌ، وبعد ذلك إخبارٌ عن غائبٍ لأن من أقام الغائبَ مقام مَنْ يُخَاطِبُه جاز أنْ يردَّه إلى الغائب. قال الشاعر: شطت مزار العاشقين فأصبحت. . . عسراً على طلابك ابْنَةَ مَخْرَمِ ومثل الآية قول كثير. أَسِيئي بنا أَو أَحْسِنِي لا مَلومةٌ. . . لَدَيْنا ولا مَقْلِيَّةٌ إنْ تَقَلَّتِ وقرأ بعضهم: هو الذي يَنْشُركُمْ. وأكثر ما جاء في التفسير في قوله: (وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً) يعنى به آدم ﵇. (فَاخْتَلَفُوا) اختلف هابيل وقابيل. وقوله: (جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ).

стр. 945

المعنى من كل أمكنة الموج. (وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ). يقال لكل من وقع من بلَاء قد أحيط به، أي أحاط به البلاء وَقيل أحاطت بهم الملائكة. * * * (فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٣) المعنى فلمَّا أنجاهم بغَوْا، والبغي التَّرامي في الفساد. قال الأصْمَعِي: يقال بغى الجَرْحُ يبغي بَغْياً إذا ترامى إلى فَسادٍ. وبغت المرأة بِغَاءً إذا فَجَرَتْ. وقوله: (إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا). وتقرأ (متاعُ الحياة الدنيا)، خبراً لقوله: (بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ). ويجوز أن يكون خبر الابتداء (على أنْفُسَكُمْ). ويكون (متاعُ الحياة الدنيا) على إضمار هو. ومعنى الكلام أن ما تنالونه بهذا الفساد والبغي إنما تتمتعون به في الدنيا (ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ). ومن نصب (متاعَ الحياة الدنيا) فعلى المصدر، المعنى تتمتعون متاع الحياة الدنيا، لأن قوله (إنما بغيكم عَلى أنفسكم) يدل على أنهم يتمتعون. ومعنى (بغيكم على أنفسكم) أي عملكم بالظلم عليكم يرجع، كما قال جلَّ وعزَّ: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا). وقوله: (إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢٤) (حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ). ويقرأ، وأَزْيَنَتْ.

стр. 946

والزخرف كمال حسن الشيء، فمن قرأ. . و " وَازَّيَّنَتْ " فالمعنى وتزَينَتْ فأدغمت التاء في الزاي، وسكنت الزاي فاجتلبت لها ألف الوصل، ومن قرأ: " وأَزْيَنَتْ " بالتخفيف فهو على أفعلتْ أي جاءت بالزينة، وازَّيَّنَتْ بالتشديد أجود في العربية، لأن أزيَنَتْ الأجود فيه في الكلام أزانَتْ. (وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَاا). أي قادرون على الانتفاع بها. وقوله: (كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ). أي كأن لم تَعْمَرْ بالأمس، والمغاني المنازل التي يعمرها الناس بالنزول بها، يقال: غنينا بمكان كذا وكذا إذا نزلوا به. * * * وقوله: (وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥) السَّلَامُ: هو اللَّه جلَّ وعزَّ - فاللَّه يدعو إلى داره، ودارُه الجنة. وجوز - وَاللَّهُ أعلم - أن يكون دار السلام الدار التي يُسْلَمُ فيها من الآفات. * * * وقوله: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٦) الحسنى الجنة، و " زِيَادَةٌ" في التفسير النظر إلى وجه اللَّه - جلَّ وعزَّ. ويجوز أن تكون الزيادة تضعيف الحسنات لأنه قال - جلَّ وعزَّ: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا). والقول في النظر إلى وجه الله كثير في التفسير وهو مرويٌّبا بالأسانيد الصحاح)، لا يشك في ذلك. (وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ). القتر: الغبرة التي فيها سواد، (وَلَا يَرْهَقُ) لا يغشى

стр. 947

وقوله جلَّ وعزَّ، لأهل النار: (وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧) (كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا). ويقرأ قِطْعاً من الليل مظلماً من نعت القطْع، ومن قرأ قِطَعاً جعل مظلماً حالًا من الليل. المعنى أغْشِيَتْ وجوهُهُم قِطَعاً من الليل في حال ظُلْمته. * * * وقوله: (وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ (٢٨) (جميعاً) منصوب على الحال (ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ). مكانكم منصوب على الأمر، كأنه قيل لهم انتظروا مكانكم حتى نَفْصِلَ بينكم، والعرب تتوعد فتقول مكانك، وانتَظِرْ، فهي كلمة جرت على الوعيد. (فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ). من قولك زِلْت الشيءَ عَنْ مَكانِه أَزِيلُه، وزيَّلْت للكثرْة، ومن هذا إذَا نحيته عن مكانه. * * * وقوله: (فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ (٢٩) معناه كفى اللَّه شهيداً، و (شَهِيدًا) منصوب إن شئت على التمييز، وإن شثت على الحال. * * * (إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ). معناه: ما كنا عن عبادتكم إلا غافلين. قوله: (هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٣٠)

стр. 948

(هنالك) ظرف. المعنى: في ذلك الوقت تبلو، وهو منصوب بـ تبلو إلا أنه غير متمكن، واللام زائدة، والأصل هناك، وكسرت اللام لسكونها وسكون الألف، والكاف للمخاطبة. ومعنى (تَبْلُو) تُخْبَرُ، أي تعلم كل نفس ما قدمت. ومثل هنالك قول زهير هُنالِكَ إنْ يستخْبِلُوا المال يَخْبلوا. . . وإن يُسْألُوا يُعطُوا وإن يَيسروا يُغْلوا وقرئت - هنالك (تَتْلو) بتاءين، وفسرها الأخفش وغيره من النحويين تتلو من التلاوة، أي تقرأ كل نفس، ودليل ذلك قوله: (وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ) - إلى قوله: (اقْرَأْ كِتَابَكَ). وفسروه أيضاً: تَتْبَعُ كُل نَفْس ما أسلفت. ومثله قول الشاعر: قد جعلت دَلْوِي تَسْتَتْلِيْني. . . ولا أحب تبع القرين أي تستتبعني، أي تستدعي اتباعي لها. (وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ). القراءة (الْحَقِّ) من صفة اللٌه ويجوز الحقُّ والحقَّ. والنصب

стр. 949

من جهتين إحداهما رُدُّو حَقا، ثم أدخِلت الألف واللام، ويجوز على تقدير هو مَوْلَاهُمُ الحق، أي يحق ذلك حقاً، وفيه جهة ثالثة في النصب على المدح: هي: اذكر مولاهم الحق. ومن قرأ " الحقُّ " - بضم القاف - فعلى هو مولاهم الحق، لا من جعلوا معه من الشركاء. (وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ). (فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ). بعد أنْ قُرِّروا فقيل لهم: (قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١) فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ). لما خوطبوا بما لا يقدر عليه إلا اللَّه - جلَّ وعزَّ - كان فيه دليل على توحيده. * * * وقوله: (كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٣) الكاف في موضع نَصْبٍ، أي مثل أفعالهم جَازَاهُمْ رَبُّكَ. وقوله: (أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ). أي حق عليهم أنهم لا يؤمنون، فإنهم لا يؤمنون بدل من كلمة رَبِّكَ. أعلم اللَّه أنهم بأعمالهم قد مُنِعُوا من الِإيمان، وجائز أن تكون الكلمة حَقت علَيهم لأنهم لا يؤمنون، فإنهم لا يؤمنون بدل من كلمة ربك وتكون الكلمة ما وُعِدوا به من العقاب.

стр. 950

وقوله: (قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٥) (قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ). تَقول هديت إلى الحق، وهدَيتُ الحقَّ بمعنى واحدٍ، لأن " هَدَيْتُ " يتعدى إلى المهدِيين وإلى الحقِّ. يتعدى بحرف جر. المعنى يهدي من يشاء للحق. (أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى) أي: قُررُوُا، فقيلَ لهم: أيٌّ أولى بالاتباع؛ الذي يهدي أم الذي لا يَهْدِي إلَّا أَنْ يُهْدَى. وجاء في التفسير أنه يعنى به الأصنام. وفي يهدي قراءات، قرأ بعضهم أَمَّنْ لَا يَهْدْي بإسْكان الهاءِ والدال. وهذه القراءة مَرْوِيَة إلا أن اللفظ بها ممتنع، فلست أدري كيف قرئ بها وهي شاذَّة. وقد حكى سيبويه أن مثلها قد يتكلم به. وقرأ أبو عمرو بن العلاء أَمَّنْ لَا يَهَدِّي - بفتح الهاء - وهذا صحيح جَيدٌ بالغ - الأصل يَهْتَدِي فأدْغَم التاء في الدال وطرح فتحتها على الهاء والذين جمعوا بين ساكنين. الأصل عندهم أيضاً يَهْتَدِي، فأدغمت التاء في الدال وتركت الهاء ساكنة، فاجتمع ساكنان. وقرأ عاصم أَمَّنْ لَا يَهِدِّي، وهي في الجودة كفتح الهاء في الجودة. والهاء على هذه القراءة مكسورة لالتقاء السَّاكنين. ورويت عن عاصم أيضاً " يَهِدِّي " بكسر الهاء والياء. أتْبَعَ الكسرةَ الكسرةَ، وهي رديئة لنقل الكسر في الياء.
следующие страницы →