والزخرف كمال حسن الشيء، فمن قرأ. . و " وَازَّيَّنَتْ " فالمعنى وتزَينَتْ
فأدغمت التاء في الزاي، وسكنت الزاي فاجتلبت لها ألف الوصل، ومن قرأ: " وأَزْيَنَتْ " بالتخفيف فهو على أفعلتْ أي جاءت بالزينة، وازَّيَّنَتْ بالتشديد أجود في العربية، لأن أزيَنَتْ الأجود فيه في الكلام أزانَتْ.
(وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَاا).
أي قادرون على الانتفاع بها.
وقوله: (كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ).
أي كأن لم تَعْمَرْ بالأمس، والمغاني المنازل التي يعمرها الناس بالنزول
بها، يقال: غنينا بمكان كذا وكذا إذا نزلوا به.
* * *
وقوله: (وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥)
السَّلَامُ: هو اللَّه جلَّ وعزَّ - فاللَّه يدعو إلى داره، ودارُه الجنة.
وجوز - وَاللَّهُ أعلم - أن يكون دار السلام الدار التي يُسْلَمُ فيها من الآفات.
* * *
وقوله: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٦)
الحسنى الجنة، و " زِيَادَةٌ" في التفسير النظر إلى وجه اللَّه - جلَّ وعزَّ.
ويجوز أن تكون الزيادة تضعيف الحسنات لأنه قال - جلَّ وعزَّ:
(مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا).
والقول في النظر إلى وجه الله كثير في التفسير
وهو مرويٌّبا بالأسانيد الصحاح)، لا يشك في ذلك.
(وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ).
القتر: الغبرة التي فيها سواد، (وَلَا يَرْهَقُ) لا يغشى
стр. 947
وقوله جلَّ وعزَّ، لأهل النار: (وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧)
(كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا).
ويقرأ قِطْعاً من الليل مظلماً من نعت القطْع، ومن قرأ قِطَعاً جعل مظلماً
حالًا من الليل.
المعنى أغْشِيَتْ وجوهُهُم قِطَعاً من الليل في حال ظُلْمته.
* * *
وقوله: (وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ (٢٨)
(جميعاً) منصوب على الحال
(ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ).
مكانكم منصوب على الأمر، كأنه قيل لهم انتظروا مكانكم حتى نَفْصِلَ
بينكم، والعرب تتوعد فتقول مكانك، وانتَظِرْ، فهي كلمة جرت على الوعيد.
(فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ).
من قولك زِلْت الشيءَ عَنْ مَكانِه أَزِيلُه، وزيَّلْت للكثرْة، ومن هذا إذَا
نحيته عن مكانه.
* * *
وقوله: (فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ (٢٩)
معناه كفى اللَّه شهيداً، و (شَهِيدًا) منصوب إن شئت على التمييز، وإن
شثت على الحال.
* * *
(إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ).
معناه: ما كنا عن عبادتكم إلا غافلين.
قوله: (هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٣٠)
стр. 948
(هنالك) ظرف.
المعنى: في ذلك الوقت تبلو، وهو منصوب بـ تبلو إلا أنه
غير متمكن، واللام زائدة، والأصل هناك، وكسرت اللام لسكونها وسكون الألف، والكاف للمخاطبة.
ومعنى (تَبْلُو) تُخْبَرُ، أي تعلم كل نفس ما قدمت.
ومثل هنالك قول زهير
هُنالِكَ إنْ يستخْبِلُوا المال يَخْبلوا. . . وإن يُسْألُوا يُعطُوا وإن يَيسروا يُغْلوا
وقرئت - هنالك (تَتْلو) بتاءين، وفسرها الأخفش وغيره من النحويين تتلو من التلاوة، أي تقرأ كل نفس، ودليل ذلك قوله: (وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ) - إلى قوله: (اقْرَأْ كِتَابَكَ).
وفسروه أيضاً: تَتْبَعُ كُل نَفْس ما أسلفت.
ومثله قول الشاعر:
قد جعلت دَلْوِي تَسْتَتْلِيْني. . . ولا أحب تبع القرين
أي تستتبعني، أي تستدعي اتباعي لها.
(وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ).
القراءة (الْحَقِّ) من صفة اللٌه ويجوز الحقُّ والحقَّ.
والنصب
стр. 949
من جهتين إحداهما رُدُّو حَقا، ثم أدخِلت الألف واللام، ويجوز على تقدير هو مَوْلَاهُمُ الحق، أي يحق ذلك حقاً، وفيه جهة ثالثة في النصب على المدح:
هي: اذكر مولاهم الحق.
ومن قرأ " الحقُّ " - بضم القاف - فعلى هو مولاهم الحق، لا من جعلوا
معه من الشركاء.
(وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ).
(فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ).
بعد أنْ قُرِّروا فقيل لهم:
(قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١) فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ).
لما خوطبوا بما لا يقدر عليه إلا اللَّه - جلَّ وعزَّ - كان فيه دليل على
توحيده.
* * *
وقوله: (كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٣)
الكاف في موضع نَصْبٍ، أي مثل أفعالهم جَازَاهُمْ رَبُّكَ.
وقوله: (أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ).
أي حق عليهم أنهم لا يؤمنون، فإنهم لا يؤمنون بدل من كلمة رَبِّكَ.
أعلم اللَّه أنهم بأعمالهم قد مُنِعُوا من الِإيمان، وجائز أن تكون الكلمة
حَقت علَيهم لأنهم لا يؤمنون، فإنهم لا يؤمنون بدل من كلمة ربك وتكون
الكلمة ما وُعِدوا به من العقاب.
стр. 950
وقوله: (قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٥)
(قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ).
تَقول هديت إلى الحق، وهدَيتُ الحقَّ بمعنى واحدٍ، لأن " هَدَيْتُ "
يتعدى إلى المهدِيين وإلى الحقِّ. يتعدى بحرف جر.
المعنى يهدي من يشاء للحق.
(أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى)
أي: قُررُوُا، فقيلَ لهم: أيٌّ أولى بالاتباع؛ الذي يهدي أم الذي لا يَهْدِي إلَّا
أَنْ يُهْدَى.
وجاء في التفسير أنه يعنى به الأصنام.
وفي يهدي قراءات، قرأ بعضهم أَمَّنْ لَا يَهْدْي بإسْكان الهاءِ والدال.
وهذه القراءة مَرْوِيَة إلا أن اللفظ بها ممتنع، فلست أدري كيف قرئ بها وهي
شاذَّة. وقد حكى سيبويه أن مثلها قد يتكلم به.
وقرأ أبو عمرو بن العلاء أَمَّنْ لَا يَهَدِّي - بفتح الهاء - وهذا صحيح جَيدٌ
بالغ - الأصل يَهْتَدِي فأدْغَم التاء في الدال وطرح فتحتها على الهاء والذين
جمعوا بين ساكنين. الأصل عندهم أيضاً يَهْتَدِي، فأدغمت التاء في الدال
وتركت الهاء ساكنة، فاجتمع ساكنان.
وقرأ عاصم أَمَّنْ لَا يَهِدِّي، وهي في الجودة كفتح الهاء في الجودة.
والهاء على هذه القراءة مكسورة لالتقاء السَّاكنين.
ورويت عن عاصم أيضاً " يَهِدِّي " بكسر الهاء والياء.
أتْبَعَ الكسرةَ الكسرةَ، وهي رديئة لنقل الكسر في الياء.
стр. 951
وقرئت أَمَّنْ لَا يَهْدِي بدال خفيفة.
فهذه خمسة أوجه قد قرئ بها هذَا الحرفُ
وقوله: (فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ).
(مَا لَكُمْ) كلام تام، كأنَّه قيل لهم: أي شيء لكم في عِبادَةِ الأوثانِ، ثم
قيل لهم: (كيْفَ تحكُمُون) أي: على أي حال تحكمون، فموضع كيف نصب بـ (تحكُمُون).
* * *
وقوله: (وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٧)
هذا جواب لقولهم: (ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ).
وجَوَابٌ لقولهم افتراه، والمعنى وما كان هذا القرآن لأن يفترى من دون الله ويجوز ُ أن يكون المعنى: وما كان هذا القرآن افتراءً، كما تقول: وما كان هذا الكلام كِذباً.
(وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بيْنَ يَدَيْهِ).
وفيه وجهان أحدهما أن يكون تصديق الشيء الذي القرآن بين يديه، أي
الذي قبل سماعكم القرآن، أي تصديقٌ من أنباء الأمَمِ السالفة وأقاصيص
أنْبائِهِم.
ويجوز أن يكون " ولكن تصديق الذي بين يدي القرآن "، أي تصديق
الشيء الذي تقدمَه القرآن أي يدل على البعث والنشور.
وقرئ ولكن تَصْدِيقٌ الذي بين يديه، فمن نصب فإن المعنى ولكن كان
تصديق الذي بين يديه، ومن رفع فعلى ولكن تصديق الذي هو بين يديه.
ومن رفع قال: (وَتَفْصِيلُ الكِتَابِ).
стр. 952
وقوله: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٨)
المعنى بل أيَقَولُونَ افْتَراهُ هذا تقرير لهم لإقامةِ الحجةِ عليهِمْ:
(قُلْ فَأتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ).
أي أتقولون النبى اختلقه وأتَى به من ذَاتِ نَفْسِه، فَأتُوا بسُورةٍ من مثله.
أي بسورة مثل سُوَرِةٍ منه، وإنما قيل مثله، يراد سُورةٌ منه لأنه إنما التمس من
هذا شبه الجنس.
(وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ).
ممن هو في التكذيب مثلكم، وإنْ خالفكم في أشياء.
(إنْ كُنْتُم صَادِقِينَ) في أنَّه اختلقه.
* * *
(بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٣٩)
هذا - واللَّه أعلم - قيل في الذين كذبوا، وهم شَاكوُنَ (وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ).
أي لم يكن معهم عِلْمُ تَأويله، وهذا دليلٌ أن علم التأويل ينبغي أن يُنْظَرَ
فِيه، ويجوز أن يكون: (وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ) لَمْ يأتِهمْ ما يؤول إليه أمرهم في
التكذيبِ به من العقوبة.
ودليل هذا القول: (كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ).
(كيْفَ) فِي مَوْضِع نَصْبٍ على خبر كان، ولا يجوز أن يعمل فيها. . " انْظَر "
لأن ما قبل الاستفهام لا يعمل فيه.
* * *
وقوله: (وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ (٤٠)
أي منهم من يعلم أنه حق فيصدِّق به، أو يعاند فيظهر الكفر،
стр. 953
(وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ) أي منهم من يشك ولا يُصَدِّقُ.
* * *
(وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ (٤٢)
أي ظاهرهم ظاهر من يستمع، وهم لِشَدةِ عَدَاوَتهم وبغضهم للنبي ﷺ وسوء استماعهم بمنزله الصُّم.
(وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ).
أي ولو كانوا مع ذلك جُهَّالاً.
وهذا مثل قول الشَّاعر.
أصم عما ساءه سميعُ
* * *
(وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ (٤٣)
أي يُقْبل عليك بالنظر وهو كالأعمى من بُغْضه لك وكراهته لما يراه من
آياتك، كما قال اللَّه - جل ثناؤه -
(يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ).
* * *
وقوله: (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (٤٥)
أي قَرُب عندهم ما بين مَوْتهِم وبَعْثِهِم، كما قال :
(لَبِثْنَا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ).
(يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ).
يَعْرفً بعضهُم بعضاً، وفي معرفة بعضِهِم بعضاً وعلم بعضهم بإضلال
بعض، التوبيخُ لهم وإثبات الحجةِ عَلَيْهِمَ.
* * *
(قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ).
يجوز - واللَّه أعلم - أن يكون هَذا إعْلَاماً من اللَّه - جَلَّ وعَزَ - بعد أن
стр. 954
بيَّن الدَلالة على أمْرِ البَعْثِ والنُشُورِ، أنَّه من كذبَْ بَعْدِ هذه الآية فقد خَسِرَ
وَيجوز أن يكون - والله أعلم - بِتَعارُفِهِمْ بَيْنَهُم يقولون قَدْ خَسر الَّذِينَ كَذَبُوا بلقاء اللَّه.
* * *
وقوله: (وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ (٤٦)
يقال في التفسير إنه يعنى به وَقْعَةُ بَدْرٍ، وقيل إنَّ اللَّهِ - جلَّ وعزَّ - أعلم
النبي ﷺ أنه ينتقم من بعض هذه الأمَّةِ ولم يُعْلِمْه أيكونُ ذلك قبل وفاته أم بَعْدَهَا.
والذي تدل عليه الآية أنَّ اللَّه - جَل وعز - أعلمَه أنه إن لم ينتقم منهم في
العاجل انتقم منهم في الآجل، لأن قوله: (أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ) يدل على ذلك.
وقد أعلم كيف المجازاة على الكفر والمعاصي.
* * *
وقوله: (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٤٧)
المعنى - واللَّه أعلم - أنَّ كل رسول شَاهِدٌ على أمَّتِه بإيمانهم وكُفْرهم.
كما قال - جلَّ وعزَّ - (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا).
وكما قال جلَّ وعزَّ: (وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (٣٠).
ويجوز - واللَّه أعلم - أنَّ اللَّه أعلم أنه لا يعذِّبُ قوماً إلا بعد الإعذَارِ
إليهم والإِنذار، أي لم يعذبهم حتى يجيئهم الرسول، كما قال - جلَّ وعزَّ -:
стр. 955
(وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا).
وكَما قال: (رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ).
* * *
وقوله - جلّ وعزَّ: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ (٥٠)
البَيَاتُ كلً ما كان بِليْلٍ، وهو منصوبٌ على الوَقْتِ.
وقوله: (مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ).
(ما) في موضع رفع من جهتين:
إحداهما أن يكون ذَا بمعنى. . " ما الَّذِي "
يستعجِلُ منه المُجرِمُونَ، ويجوز أن يكون " مَاذَا " اسماً وَاحِداً، ويكون
المعنى: أي شيء يستعجل منه المجْرِمُون والهاء في منه يعود على العذاب
نصب، فيكون المعنى: أي شيء يستعجل المجرمون من اللَّه - جلَّ وعزَّ -.
والأجْوَدُ أن تكون الهاء تعود على العذاب، لقوله: (أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ).
وقوله: (آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ).
المعنى: آلْآنَ تْؤمِنُونَ، فَزعمَ القراءُ أن. . " آلأن " إنما هو " أَأَنْ كَذَا
وكَذَا "، وأن الألف واللام دخلت على جهة الحكاية.
وما كان على جهة الحكاية نحو قولك " قام " إذا سميت به فجعلته مبنياً
على الفتح لم تدخله الألف واللام.
وَ " الآن " عِند سيبويه مبني على الفتح. نحو " نحن لِنَ الآنَ نصيرُ
إليك). فتفتح لأن الألف واللام إنما تدخلُ لِعهْدٍ.
و" الآنَ " لم تعهده قبل هذا
стр. 956
الوقت، فدخلت الألف واللام للِإشارة إلى الوقتِ.
والمعني نحن من هذا الوقت نفعل، فلما تضمنت معنى هذا، وجب أنْ تَكُونَ موقوفة ففتحت لالتقاء السَّاكنين، وهما الألف واللام.
* * *
وقوله: (وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥٣)
أي لستم ممن يُعْجِزُ أن يُجازَى عَلى كفْره.
* * *
(وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٥٤)
(وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ).
هَؤُلاء الدُّعاةُ الرؤَسَاءُ الكفرة، أسَروا ندامتهم.
* * *
وقوله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧)
(قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ).
يعني القرآنَ.
* * *
وقوله: (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨)
اللام أصلها الكسر. و (فَبِذَلك) بدل من قوله. . (بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ).
وهو يدل على أنه يعني به القرآن أيضاً.
* * *
وقوله: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩)
" مَا " في موضع نصب بـ (أَنْزَلَ)، والمعنى إنكم جعلتم البحائر والسوائب
حراماً واللَّه لم يحَرَّمْ ذلك.
стр. 957
وقوله: (وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦١)
أيْ أيُّ وَقْتٍ تكونُ في شأن من عبادة اللَّه، وما تلوتَ بهِ - من الشَأنِ مِنْ
قُرآنٍ.
(إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ)
أي إذ تَنْتَشِرُونَ فيه، يُقال: أفاض القوم في الحديث إذَا انْتَشَرُوا فيه
وخاضوا.
(وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ).
يقرأ يَعْزُبُ وَيعْزِبُ - بضم الزاي وكسرها - ومعناه ما يبْعُد، والمثقال:
والثقْلُ في معنًى واحدٍ.
(وَلَا أصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أكْبَرَ).
فالفتح على. . ما يعزب عن ربك من مثقال ذَرة ولا مِثْقَالٍ أصْغَرَ مِنْ
ذَلِكَ ولا أكبرَ، والموضع موضع جر إلا أنه فتح لأنه لا يصرف.
ومن رفع فالمعنى: ما يَعْزُبُ عن ربك مثقالُ ذرَّةٍ ولا أصْغَرُ من ذلك ولا أكبَرُ إلا في كِتَابٍ مُبين.
والخبر قوله: (إِلَا في كِتَابٍ مُبينٍ).
* * *
وقَولُه: (لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٤)
جاء في أكثر التفسير. البشرى، الرؤيا الصالحة يراها المؤمن في منامه.
وفي الآخرة، الجنة، وهو - واللَّه أعلم - أن البشرى ما بشرهم الله به، وهو
стр. 958
قوله: (يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (٢١).
وهذا يدل عليه: (لَا تَبْدِيلَ لِكلِمَاتِ اللَّهِ).
وقوله (وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٥)
أي لا يحزنك إيَعادُهمْ وتكذيبهم وتظاهرهم عليكَ.
(إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ).
إن الغلبة للَّهِ فهو ناصِركَ وناصر دينه.
* * *
(أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (٦٦)
يفعل فيهم ما يشاء.
* * *
وقوله: (قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦٨)
(إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا).
المعنى ما عندكم من حجة بهذا.
* * *
(قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (٦٩)
هذا وقف التمام، وقوله:
(مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠)
مَرْفُوع على معنى ذلك متاع في الدنيا، ولو كانت نصباً لجَازَتْ، إِلا أنه
لا يقرأ بها لمخالفة المصحف.
* * *
وقوله: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ (٧١)
(فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ).
ويقرأ. . فاجْمَعُوا أمرَكم وشُركاءَكُمْ.
زعم القراءُ أنَّ معناه: فاجْمَعُوا أمرَكم وادْعُوا شركاءكم.
وهذا غلط لأن الكلام لا فائدة فيه، لأنهم إن كانوا يدعون شركاءهم لأنْ يجمعوا أمرهم،
стр. 959
فالمعنى فأجمعوا أمركم مع شركائكم، كما تقول لو ترِكَتِ الناقَةُ وفصِيلَها
لَرَضعها، المعنى لو تُرِكَت مَعَ فصيلها لَرَضعَها.
ومن قرأ - " وشُرَكَاؤُكُمْ " جاز أن يعطف به على الواو، لأن المنصوب قد
قوَّى الكلام.
لو قلت لو تُرِكْتَ اليومَ وزيد لعلمت جاز، ولو قلت لو تركت
وزيدٌ لقبح، لأنك لا تعطف على الضمير المرفوع حتى تقوِّيَ المرفوع بلفظ
معه.
ومن قرأ. . " وشُركاءَكم " في قوله فاجْمَعُو أمركم - بوصل الألف.
فنصبه على ضربين:
أحدهما العطف على الأمر، المعنى فاجْمَعوا أمركم
واجمَعُوا شُركاءكم، ويكون فاجمعوا مع شركائكم أمْرَكُم.
(ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً).
أي ليكن أمركم ظاهراً منكشفاً، كما قال رؤبة:
بَلْ لَو شَهِدتَ النَّاسَ إذ تُكُمُّوا. . . بغمة لو لم تُفَرّجْ غُمُّوا
غُمُوا بالمكروه، بِغُمَّةٍ، أي ما يَسْتَرهم، واشتقاق ذَلكَ من الغَمَامَةِ التي
تستُر، ويجوز ثم لا يكن أمركم عليكم غُمَّةً أي غَمًّا.
стр. 960
(ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ).
قرئت ثم أفضوا إِلَيَّ، فمن قال: (ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ) فالمعنى: ثم افعلوا ما
تريدون. و " ثُمَّ افْضوا " - بالفاء - وهي قريبة المعنى منها.
* * *
وقوله: (قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ (٧٧)
هذا الكلام تقرير لقولهم:
(فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ (٧٦) قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ).
هذا اللفظ؛ أيْ إنَّ هذا لسحر مبين. ثُمَّ قَررَهُمْ فقال:
(أَسِحْرٌ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ).
والمفلح الذي يفوز بإرادته أي فكيف يكون هذا سحراً وقد أفلح
الذي أتى به، أي فاز، وفلح في حجتَه.
* * *
(قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ (٧٨)
أيْ لتَصْرِفَنَا وَتَعْدِلَنَا، يقال لفَتُّه عن الأمر ألفِته لَفْتاً إذا عَدَلْته عنه، ومن
هذا قولهم التفت إليه أي عدل وجْهَه إليه.
(وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ).
الْكِبْرِيَاءُ: الملك، وإنما سُمِّيَ الملك كبرياء لأنه أكبر ما يطلَب من أمر
الدنيا.
وقوله: (فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (٨١)
(مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ).
стр. 961
أي قال موسى: الذي جئتم به السِّحْر، ويقرأ ما جئتم به، آلسِّحرَ.
والمعنى أي شىء جئتم به آلسِّحرُ. هوعلى جهة التوبيخ لهم.
* * *
(فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَإِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ (٨٣)
قيل إنه مكث يدعو الآباء فلم يؤمنوا، وآمنت طائفة من أوْلادِهم.
(عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهمْ أنْ يَفْتِنَهُمْ).
جاز أن يقال - مَلَئِهِمْ لأن فرعون ذو أصحابٍ يأتمرون له، والملأ من
القوم الرُؤَسَاءُ الًذِينَ يُرْجَعُ إلىَ قولهم.
* * *
وقوله: (فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٨٥)
أي لا تُهلكنا وتعَذَبْنَا فَيَظُنُ آلُ فرعون إنا إنما عُذَبْنَا لأنَنَا على ضلال.
* * *
وقوله: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٨٧)
(وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً).
جاء في التفسير: اجعلوا صلاتكم إلى البيت الحرام، وقيل: اجعلوا
بيوتكم قبلة أي صلوا في بيوتكم لتأمنوا من الخوف لأنهم آمنوا على خوف من فرعون.
* * *
وقوله: (وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٨٨)
(رَبَّنَا لِيَضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ).
ويقرأ (لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ) أي، إنك آتيت فرعون وملأه زينةً وأمْوَالاً في
الحياة الدنيا فأصَارَهم ذلك إلى الضلال كما قال - جلَّ وعزَّ - (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا) أي فالتَقَطُوهُ وآلَ أمرُه أنْ صار لهم عَدُوًّا وَحَزَنًا، لا أنهم قصدوا إلى أتى يكون لهم عدواً وحزناً.
(رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ).
стр. 962
جاء في التفسير أي اجعل سُكَرَهُمْ حجارة. وتأويل تطميس الشيء
إذهابُه عن صورتِه والانتفاع به على الحال الأولى التي كان عليها.
(وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ).
أي اطبع على قلوبهم.
(فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ).
دعاءٌ أيضاً عليهم.
ويجوز - واللَّه أعلم - ما قاله محمد بن يزيد.
ذكر أن قوله: (فَلَا يُومِنُوا) عطف على قوله: (لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ)
أي ربنا إنك آتيتهم ليضلوا فلا يؤمنوا.
* * *
* وقوله: (قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨٩)
يروى في التفسير أن موسى دعا، وأن هارون أمَّن عَلَى دُعائِهِ.
وفي الآية دليل أنهما دَعَوَا جَميعاً لأن قوله: (قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا)
يدل أن الدعْوةَ منهما جميعاً، والمُؤَمِّنُ عِلى دُعاء الداعي دَاعٍ أيْضاً لأن قوله " آمين " تأويله استجب فهو سائل كسؤال الداعي.
وقوله: (وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ).
موضع (تَتَّبِعَانِّ) جزم، إلا أن النون الشديدةَ دخلت للنهي مؤكِّدةً.
وكُسِرتْ لسكونها وسُكون النون التي قبلها، واختير لها الكسر لأنها بعد
الألف، فشبهت بنون الاثنين.
(وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠)
стр. 963
جعلهُ الله يَبَساً حتى جَاوَزُوه.
* * *
وقوله: (فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ (٩٢)
(نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ) نلقيك عُرياناً وقيل ننجيك ببدنك نلقيك على نَجْوةٍ
من الأرض، وإنما كان ذلك آيةً لأنه كان يَدَّعِي أنَّه إلهٌ وكان يعبُده قومُه، فبيَّنَ اللَّه أمْرَه وأنه عَبْدٌ.
وفيه من الآية أنه غرِق القومُ وأُخْرِجَ هو مِنْ بيْنهم فكان في ذلك آية.
* * *
وقوله: (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٩٤)
هذه آية قد كثر سُؤَالُ الناسِ عنها وخوضُهم فيها جِدَّا، وفي السورة ما
يدل على بيانها وكشف حقيقتها:
والمعنى أن اللَّه - جلَّ وعزَّ - خاطب النبي ﷺ وذلك الخطاب شامل للخلق فالمعنى: إن كنتم في شك فاسألوا.
والدليل على ذلك قوله في آخر السورة:
(قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ).
فأعلم اللَّه - جلَّ وعزَّ - أن نبيه ﷺ ليس في شَكٍّ، وأمرُه أن يتْلُو عليهم ذَلِكَ.
ويروى عن الحسن أنه قال: لم يَسألْ ولم يَشُد، فهذا بَيِّن جداً.
والدليل على أن المخاطبة للنبي مخاطبةٌ للناس قوله:
(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ).
فقال (طَلَّقْتُمُ) ولفظ أول الخَطاب للنبي ﷺ -
стр. 964
وحده فهذا أحسن الأقوال وفيها قولان آخران.
(فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ)، كما تقول للرجل: إن
كنت أبي فتعطف عليَّ، أي إن كنت أبي فواجِبٌ أن تتعطف على، ليس أنه
شك في أنه أبوه.
وفيها وجْهٌ ثَالِثٌ: أن تكون " أنْ " في معنى " مَا " فَيكون المعنى ما كنت
في شك مِما أنْزَلنا إليْكَ، فاسأل الذين يقرأون، أي لسنا نأمرك لأنك شاك.
ولكن لتزداد، كما قال إبراهيم: (أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي)
فالزيادة في التثبيت ليست مما يبطل صحة القَصد (١).
* * *
(فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (٩٨)
فهلَّا كانت قرية.
قال الشاعر.
تَعُّدُونَ عَقْرَ النِّيبِ أَفْضَلَ مَجْدِكُم. . . بَنِي ضَوْطَرَى لَوْلا الكَمِيَّ المُقَنَّعَا
стр. 965
أي فهلَّا تَعُدُّون الكميَّ، والكمي الداخل في السلاح.
والمعنى: فهلَّا كان أهل قرية آمنوا.
وقوله (إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ).
استثناء ليس من الأول، كأنه قال لكن قوم يونس لما آمنوا.
وقوله: (فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا).
معناه هلَّا كانت قرية آمنت في وقت ينفعهم الِإيمان، وجرى هذا بعقب
قول فرعون لما أدركه الغرق: (آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ).
فأعلم اللَّه - جلَّ وعزَّ - أن الِإيمان لا ينفع عند وقوع العذاب ولا عند حُضُورِ الموت الذي لَا يُشَك فيه.
قال اللَّه - جلَّ وعزَّ -: (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ).
وقوم يونس - واللَّه أعلم - لم يقع بهم العذاب، إنما رأوا الآية التي تدل
على العذاب، فلما آمنوا كُشِفَتْ عنهم.
ومثل ذلك العليل الذي يتوب في مَرَضِه وهو يرجو في مرضه العافيةَ ولا
يخافُ الموتَ فتوْبتُه صحيحة
أما الذي يعاين فلا توبة له، قال اللَّه في قِصتِه: (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ).
فأمَا النصب في قوله (إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ) فمثله من الشعر قول النابغة:
стр. 966
وَقَفْتُ فيها أُصَيْلالاً أسائلُها. . . عَيَّتْ جواباً وما بالرَّبْعِ مِنْ أحدِ
إلاَّ الأَوارِيَّ لأْياً ما أُبَيِّنُها. . . والنُّؤْيُ كالحَوضِ بالمَظلُومة الجَلَدِ
ويجوز الرفع على أن يكون على معنى فَهَلَّا كانت قرية آمنت غير قومِ
يونس، فيكون. . (إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ) صفة.
ويجوز أن يكون بدلاً من الأول، لأن معنى قوم يونس محمول على
معنى هَلَّا كان قوْمُ قريةٍ، أو قوم نبي آمنوا إلا قوم يونس.
ولا أعلم أحداً قرأ بالرفع.
وفي الرفع وجه آخر وهو البدل، وإن لم يكن الثاني من جنس
الأول، كما قال الشاعر.
وبلدة ليس بها أنيس. . . إلا اليعافير وإلا العيس
* * *
وقوله: (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٠)
стр. 967
معناها وما كان لنفس الوصلة إلى الِإيمان إلا بمَا أعْلَمها اللَّهُ منه.
ويكون أيضاً إلا بتوفيق اللَّه، وهو إذنه.
(وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ).
والرجس العذاب، ويقال هو الرجزُ.
* * *
وقوله: (ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٣)
ونُنْجِى، أي إذا أهلكت قرية أنجى الله الأنبياء، والمؤمنين مما يَنْزِل
بأهْلها.
فإن قال قائل: فهلَّا كانت قرية آمَنَت، ألم يؤمن أحَدٌ من أهل القرى؟
فالمعنى أن أهل القرى ذكر الله في جمهورهم الكفر، فقال:
(وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦).
فأما من قرأ. . " نجِّي المومِنِينَ " فلا وجه له.
وقد نجِّي النجاء المؤمنين. .
وهذا روي في القراءة عن عاصم في سورة الأنبياء ولا وجْهَ له. .
стр. 968
سورة هود
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله: (الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١)
كتاب مرفوع بإضمارِ هذا كتابٌ.
وقال بعضهم: (كتابٌ) خبرُ " الر "
وهَذَا غلض، لأن قوله: (كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ) ليس هو (الر) وحدها.
وفي التفسير (أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ) بالأمر والنهي والحلال والحرام ثم فصلت بالوعد
والوعيد.
والمعنى - واللَّه أعلم - أنَّ آيَاتِه أحْكِمتْ وَفُصِّلَت بجميع ما يحتاج إليه
من الدلالة على التوحيد، وإثبات نبوة الأنبياء ﵈ وإقَامَةِ
الشرائع.
والدليل على ذلك قوله: (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ)
وقوله: (وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ).
ويدل على هذا قوله: (أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ).
المعنى (أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ).
стр. 969
أي من عند حكيم خبير، لِـ أنْ لا تعبدوا إلا اللَّه.
وموضع أن نصب على كل حال.
(وقوله: (إنني) مقول قول مقَدرٍ، أي قل يا محمد لهم إنَّنِي لكم منه.
أي من جهة اللَّه " نَذِيرٌ " أي مُخَوِّفٌ من عَذَابِه لمنْ كفرَ.
و" بَشِير " بالجنة لمن آمَنَ.
وقوله: (وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (٣)
أي وأمركم بالاستغفار.
(ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا).
أي يُبْقِيكمْ ولا يَسْتَأصِلُكمْ بالعذاب كما استأصلَ أهل القرى الذين
كفروا.
(وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ).
أي من كان ذا فَضْلٍ في دينه فَضَله اللَّه بالثواب، وفَضله بالمنزلة (في
الدنيا) بالدين كما فَضلَ أصْحَاب نبيه ﵇.
* * *
وقوله: (أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٥)
(أَلَا) معناها التنبيه ولا حَظَّ لها في الإعراب، وما بَعْدَها مبتدأ.
ومعنى (يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا)، أي يُسِرون عداوة النبي ﷺ .
وقيل إن طائفة من المشركين قالت: إذَا أغْلَقْنَا أبوَابَنَا وأرْخَيْنَا سُتُورَنا.
واسْتَغْشَيْنَا ثِيَابَنَا، وثَنَيْنَا صُدُورَنَا على عداوةِ محمد ﷺ كيف يعلم بِنَا، فأعْلَمَ -
стр. 970
بما كتموه فقال جلّ ثناؤه: (أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ).
وقرِئَتْ " أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنَوْني صدورُهم ".
قرأها الأعمش ورُوِيتْ عن ابن عباس " تَثْنَوْني " صدورُهم.
عَلَى مِثال تَفْعَوْعِلُ ومعناها المبالغة في الشيء، ومثل
ذلك قد احْلَوْلَى الشيء إذَا بلغ الغايةَ في الحلاوة.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦)
(وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا).
قِيلَ (مُسْتَقَرَّهَا) مَأواها على ظهر الأرض، (وَمُسْتَوْدَعَهَا) ما تصير
إليه، وقيل أيضاً: (مُسْتَقَرَّهَا) في الأصْلاب (وَمُسْتَوْدَعَهَا) من الأرحام.
وقوله: (كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ).
أى ذلك ثابت من علم اللَّه. فجائزٌ أن يكون في كتاب، وكذلك قوله
- جلَّ وعز -: (إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا).
* * *
وقوله: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧)
الله قادر على أن يخلقَها في لحظة، لأنه على كل شيء قدير، وإذا خَلَقَهمَا وقَدَّرَهمَا هذا القدْر العَظِيم - والسَّمَاء ليسَ بينها وبَيْنَ الأرْضِ عَمَدٌ يُرَى - في سِتَة أَيَّامٍ علم أنَّ مَنْ كانَتْ قدرَته هذه القدرة لم يُعْجزْه شَيءٌ.
قال اللَّه - جلَّ وعزَّ -: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى).
وكان المشركون يُكذِّبُونَ بأنَّه يَبعَث الموتَى، ويُقِرُونَ أنه خَالِق السماوات
والأرض.
стр. 971
وقوله: (وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الماءِ).
هذا يدل على أن العرشَ والماءَ كانا قبلَ السَّمَاوَاتِ والأرضِ.
وقوله: (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا).
معناه ليختبركم الاختبار الذي يجازيكم عليه، وهو قد علم قبل ذلك
أيُّهم أحْسنُ عملاً، إلا أنَّه يجازيهم على أعمالهم لَا عَلى عِلْمِه فيهم.
* * *
(وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ).
ويقرأ إلا ساحِر مبين، والسحر باطل عندهم، فكأنَّهم قالوا: إنْ هَذَا إلا
بَاطِل بَيِّنٌ.
وأعلمهم اللَّه أنَّ القدرةَ عَلَى خَلْقِ السَّمَاواتِ والأرْضِ تدل
على بَعْث الموْتى. وأهلُ الكفر مختلفون في البعث فالمشركون يقولون أنهم
لا يُبْعَثُونَ ألبتَّةَ ولا يرْجعُونَ بعد موتهم، واليهود والنصارى يَزْعُمُ أن لا أكْلَ
ولا شُربَ ولَا غَشْياً للنساءِ في الجنة وكل كافر بالبعث على جهته.
* * *
(وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ (٨)
معناه إلى أجل وحين معلوم، كما قال الله تعالى. .
(وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ). أي بعد حين.
وقوله: (أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا).
(يَوْمَ يَأْتِيهِمْ) منصوبٌ بمصروف، المعنى ليس العذاب مصروفاً عَنْهُمْ
يَوْمَ يأتيهمْ.
стр. 972
(وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئونَ).
كما تقول أحاط بفلان عَمَلُه، وأهلَكَة كَسْبُه، أي أهلكه جزاءُ كسبِه
وعاقبتُه.
* * *
وقوله - جلَّ وعزَّ -: (وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (٩)
يعني الكافر، والرحْمَة الرزق، ههنا، والإِنسان اسم للجنس في معنى
الناس.
* * *
وقوله: (إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١١)
استثناء ليس من الأول، المعنى لكن الذين صبروا وعملوا الصالحات
(لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ).
* * *
وقوله: (فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٢)
يُرْوَى أن المشركين قالوا للنبِى ﷺ لَوْ تَرَكْتَ عيْبَنَا وسَبَّ آلِهتِنَا لجالسناك، ومعنى (أن يقولوا لَوْلَا أنْزِلَ عليه كنْزٌ)
معناه كراهةَ أن يَقولُوا.
(إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ).
أي إنما عليك أن تنْذِرَهُم وتَأتِيهُمُ من الآيات بما يُوحَى إليك وليس
عليك أن تأتيهم بشهواتهم واقتراحهم الآيات.
ثم أعلمهم وجه الاحتجاج عليهم فقال جلَّ وعزَّ.
(أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٣)
أي، أيقولون افتراه.
стр. 973
(قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ).
أي مثل سورة منه، أيّ سورة منها.
(وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ).
أي اطلبوا أن يعاونكم على ذلك كل من قدرْتم عَليه، ورجَوْتمْ مُظَاهَرَتَه
ومعاوَنَتَه.
* * *
(فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٤)
ومعنى (أنْزِلَ بِعلْمِ اللَّهِ)، أي أنْزِلَ واللَّه عَالِم بإنْزَاله، وعالم أنه حق من
عنده.
ويجوز أن يكون - واللَّه أعلم - (بِعِلْمِ اللَّهِ) أي بما أنبأَ الله فِيهِ من غَيْب
وَدَلَّ على ما سَيكون وما سلف مما لم يَقْرأ بِه النبي ﷺ كتاباً وهذا دليل على أنه من عند اللَّه.
* * *
وقوله تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥)
أي نجازيهم على أعمالهم في الدُّنْيَا.
فأمَّا كان في باب حروفِ الجزاء ففيها قولان:
قال أبو العباس محمد بنُ يزيد: جائزٌ أن تكون لِقُوَّتهَا عَلى معنى
المضِيِّ عبارةً عن كل فعل مَاضٍ، فهذا هو قوتها، وكذلك تتأوَلُ قوله (إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ).
стр. 974
وحقيقها - واللَّه أعلم - من تعلم منه هذا، فهذا على باب سائر الأفعال.
إلا أنَّ معنى (كان) إخبار عن الحالِ فيما مضى من الدهر، فإذا قلت سيكون
عالماً فقد أنْبأتَ أن حاله سَتَقع فيما يستقبل، فإنما معنى كان ويكون العبارة
عن الأفعال والأحوال.
* * *
وقوله - جلَّ وعزَّ: (أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (١٧)
قيل في التفسير إنه يعنيْ محمداَ ﷺ ويتلوه شاهد منه، أي شاهد مِنْ رَبِّه، والشاهِد جبْريل، وقيل يَتْلوه البرهان، والذي جرى ذكر البَيِّنَة، لأن البينة والبرهان بمعنىً واحدٍ.
وقيل (وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ) يعني لسان النبي ﷺ
أي أفمن كان على بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّه، وكان معه من الفضل ما يبين تلك البينة كان هو وغيره سواء، وترك ذكر المضادِّ لَه لأن فيما بعده دليلاً - عليه.
* * *
وقوله: (مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ).
ويجوز أن يكون - واللَّه أعلم - أفمن كان على بينة من ربه يعني به
النبي ﷺ وسائر المؤمنين.
ويكون معنى. . (وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ) يتلوه ويتبعه.
أي يتبع البيانَ شاهدٌ من ذَلِكَ البيانِ، ويكون الدليل على هذا القول: (أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ) ويكون دليله أيضاً: (الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ)، فاتباع الشاهد بعد البيان كاتباع التفصيل بعد الأحْكَامِ.
* * *
وقوله: (وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً).
стр. 975
أي وكان من قبل هذا كتابُ موسى دَليلاً على أمر النبي ﷺ ، ويكون كتاب موسى على العطف على: قوله (وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى)
أي وكان يتلوه كتاب موسى، لأن النبي بَشَر به موسى وعيسى في التورَاةِ
والإِنجيلِ، قال اللَّه - جلَّ وعزَّْ -: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ).
ونصب (إمَاماً) على الحال، لأن كِتَابَ موسى معرفة.
(فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ).
يجوز كسر الميم في مِرْيةٍ وضمها، وقد قُرئ بهما جَميعاً في مِرْيَةَ
وفرْية.
ويجوز نصب (كتاب موسى)، ويكون المعنى: ويتلوه شاهدٌ منه وهو
الذي كان يتْلِو كتابَ موسى. والأجْودُ الرفعُ، والقِراءةُ بالرْفع لا غير.
* * *
وقوله: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (١٨)
الأشهاد هم الأنبياء والمؤمنون، وقال أولئك يعْرضون على رَبِّهم.
والخلقُ كلهم يُعْرضون على ربهم، كما قال جلَّ ثناؤه
(إليْنَا مَرْجِعُهُمْ) (إلَيْنَا يُرْجَعُونَ) فذكر عرضهم على ربهم توكيداً لحالهم في الانتقام منهم.
* * *
وقوله: (أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ).
لعنة الله إبعاده من يلعنه من عفوه ورحمته.
* * *
(الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (١٩)
стр. 976
أي: يَصُدُّونَعن طريق الِإيمان بالنبي ﷺ يريدون رَدَّ السبيل التي هي الِإيمان والاستواء إلى الكُفْرِ والاعوجاجِ عن القصد.
(وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ).
ذكرت هم ثانية على جهة التوكيد لثشأنِهِمْ في الكًفْر.
* * *
وقوله: (أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ (٢٠)
أي اللَّه لا يعجزه انتقامٌ من دَارِ الدنيا، ولا وَليٌّ يمنع من انتقام الله لمن
أراد به النقمة، ثم استأنف فقال: (يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ).
فوصف مضاعفة العذاب على قَدْر ما وَصَفَ من عِظَم كًفْرهم بنبيه ﷺ وبالبعث والنشور.
* * *
(مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ).
أي مِنْ شدةِ كًفْرِهم وعَداوَتهم للنبي ﷺ لا يستطيعون أن يسمعوا ما يقول.
ثم بيّنَ - جلَّ وعزَّ - ضَرَرَ ذلك عليهم فقال:
(أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢١).
* * *
وقوله: (لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (٢٢)
قال المفسرون: المعنى جزاء حقاً، أنهم في الآخرة هم الأخسرون
وزعم سيبويه أن جرم بمعنى حَق.
قال الشاعر.
стр. 977
ولقد طَعَنْت أبا عيينة طعنة. . . جَرمَت فزَارَة بعدها أن يَغضبُوا
معناه أحقَّت فزَارةَ الطعنةُ بالغضب.
ومعنى " لا " نفي لما ظنُّوا أنَّه ينفعُهم، كأن المعنى لا ينفعهم ذلك جرَمَ
أَنَّهم في الآخِرةِ هُمُ الَأخْسرون، أي كَسَبَ ذلكَ الفعلُ لهم الخسرانَ ثم
ضرب اللَّهُ مثلاً للمؤمنين والكافرين فقال:
(مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٢٤)
ومثل فريق الكافرين كالأعمى والأصم لأنهم في عداوتهم وتركهم التفهم
كمن لا يسمع ولا يبصر.
* * *
وقوله: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٥)
كسر إنَّ في القراءة على معنى قال لهم إنِّي لكم نذير مُبين، ويجوز
أَنِّي لكم نذير مبينٌ على معنى: لقد أرسلنا نوحاً إلى قومه بالِإنذار أنْ لاَ تَعْبُدوا إِلَّا اللَّه إِنِّي أنذركم لتُوَحدوا اللَّهَ، وأن تَتْركوا عبادَة غيره.
(أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٢٦)
يجوز في غير القراءة: إني أخاف عليكم عذاب يومٍ ألِيماً، لأن الأليم
صفة للعذاب، وإنما وصف اليوم بالألم، لأن الألمَ فيه يقع، والمعنى عذاب
يومٍ مُؤلمٍ، أي مُوجِعٍ.
(فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ (٢٧)
стр. 978
(الملأ) رُوسَاء القَوْمِ وكبراؤهم الَّذِينَ هم مُلاءٌ بالرأي وبما يحتاج إليه
منهم.
أي فأجابوه بهذا الجوابِ وَالْقوْلِ.
(مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا).
أي ما نراك إلا إنساناً مثلنا، (وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا).
أي لم يتَبِعْكَ الملأُ مِنا، وإنما اتبعك أخِسَّاؤُنا.
وقوله: (بَادِيَ الرَّأْيِ).
بغبر همزٍ في بادي، وأبو عَمْروٍ يهْمِزُ بَادِئَ الرأي، أي اتبعوا اتباعاً في
ظاهر ما يرى، هذا فيمن لم يهْمزْ، ويكون التفسير على نوعين في هذا
أحَدهمَا أن يكون اتبعُوكَ في الظاهر، وبَاطِنُهم عَلَى خلاف ذلِك.
ويجوز أن يكونَ اتبعوك في ظاهر الرأي ولم يتَدَبًرُوا مَا قُلتَ ولم يفكًرُوا فيه وقراءة أبي عمرو على هذا التفسير الثاني.
أي: اتبعوكَ ابتداء الرأي، أي حين ابتدأوا ينظرون وإذا فكروا لم يتبعوك.
فأما نصب بَاديَ الرأيِ فعلى: اتبعوك في ظاهر الرأي، وعلى ظاهر
الرأي، كأنَّه قال: الاتباع الذي لم يفكروا فيه.
ومن قال باديَ الرأي فعلى ذلك نَصَبَه.
* * *
(قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ (٢٨)
(فَعَمِيَتْ)
كذا أكثر القراءة - بفتح العين والتخفيف - وقد قرِئَتْ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ -
بضم العَيْن وتَشْدِيد الميم -
هذا ما أجابهم به في أن قالوا: إن الذين اتبعُوكَ إنما اتبعوك غير
стр. 979
محقِّقِين. فأعلمهم أنهم مُحَققونَ بهذا القول لأنه إذا كان على بَينةٍ، ممن آمن
به فعالِمٌ بَصِير مَفْضُول له، وأن من لم يفهم البينَةَ فقد عَمِيَ عليه الصواب.
وقوله: (فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ).
أي فعَمِيتِ البينَةُ عليكم
(أَنُلْزِمُكُمُوهَا).
القراءة بضم الميم، ويجوز إسْكانُها عَلَى بُعْدٍ لِكثْرةِ الحركات وثقَل
الضَمَّةِ بعدَ الكسرة.
وسيبَوَيه والخليل لا يُجيزَانِ إسكانَ حرف الإعراب إلا في اضطرارٍ.
فأما ما رُوِيَ عن أبي عَمْرو مِن الِإسْكانِ فلم يُضبْط ذلك عنه، ورواه
عنه سيبويه أنه كان يخفف الحركات ويختلسها، وهذا هو الوجه.
* * *
وقوله: (وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (٢٩)
(وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ).
وَإذَا لَاقُوا ربًهُمْ جَازَى مَنْ ظَلَمهُمْ وطردَهُم، بجزائِه من العَذَاب.
* * *
وقوله: (وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٣١)
(وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا).
(تَزْدَرِي) تستسفِل وتستخس.
يقال: ززيْت على الرجُل إذَا عِبْتُ عَلَيْه وخسَّسْتَ فِعْلَه.
وأزْريْتُ إذَا قَصَّرتُ به وتَزْدَرِي أصله تزتَرِي بالتاء، إلا أن هذه
التاءَ تبدل بعد الزَّاي دَالًا، لأن التاء من حروف الهمس، وحروف الهمس
خفيَّة فالتاء بعد الزاي تخفى، فأُبدِلَتْ منها الدال لِجَهْرِهَا، وكذلك يفتعل من الزينة يَزْدَان، تقول: أنت تزدان يا هذا.
وقوله: (وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا).
стр. 980
لأنهم قالوا: (اتَبَعَكَ أرَاذِلُنَا).
وقوله: (اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ).
أي إن كنتم تزعمون أنهم إنما اتبعُوني في ظَاهِر الرَّأْي والذي أدعو إليه
توحيد اللَّه، فإذا رأيت من يُوَحد الله جل ثناؤه عملتُ على ظاهره، واللَّه أعلم بما في نفْسِه، لا يعلم الغيب إلَّا اللَّه.
* * *
وقوله: (قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣٢)
(فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا) ويقرأ فأكْثرتَ جَدَلنا، والجَدَل والجِدال المبالَغة في الخصُومةِ
والمنافَرة، وهو مأخوذٌ مِنَ الجَدْل وهو لتعدة الفتْل، والصَّقْر يقال له أَجْدَل لأنَّه من أشَدِّ الطير.
* * *
وقوله: (وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٣٤)
(يُغْوِيَكُمْ) يُضِلكم ويهلككم.
* * *
وقوله: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ (٣٥)
معناه بل أيقولون افتراه.
(قل إن افتَريتُهُ فَعَلَى إِجْرَامِي).
من قولك أجرم الرجل إجرَاماً، ويقال جَرمَ في معنى أجْرَمَ، وأكثر ما
تستعمل أجرم فِي كَسْبِ الِإثم خاصَّةً يقال رجل مجْرِم وجَارم.
ويجوز فَعَليَّ أَجْرامي على جمع جُرْم وهو على نحو قوله:
(وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ) وأَسْرَارَهُمْ إلا أن القراءة بكسر الألف.
وإجرامي على المصدَرِ.
* * *
(وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦)
فلذلك - واللَّه أعلم - استجارَ نوح بقوله: (لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (٢٧).
стр. 981
أعْلِمَ أنَّهم لَا يَلدُون إلاً الكَفَرةَ.
بقوله تعالى: (أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ).
مَعْناهُ لا تحزن ولا تَسْتَكِنْ.
* * *
وقوله: (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٣٧)
الفلْك السفينة، والفَلَك يكون واحداً ويكونُ جمعاً كما أنهم قالوا أَسَدٌ
وأُسْد، قالوا في الواحد فَلَك وفي الجمع فلْك، لأن فَعْلا وفَعَلا جمعها واحدٍ
ويأتيان بمعنى كثيراً، يقال العُجْم والعَجَم، والعُرْب والعَرَبِ والفُلكْ والفَلَكَ.
والفَلْكة يُقَال لكلّ شيءٍ مسْتَديرٍ أو في استدارة.
ومعنى: (بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا).
أي بإبْصَارنا إليْكَ وحفظنا لك، وبما أوحيْنا إليْك
(وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ).
المعنى: لا تخاطبني في إمهال الذين كفروا إنهم مغرقون.
ثم أخبر اللَّه - جَلً ثناؤه - بعَمله الفلك فقال:
(وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (٣٨)
يقال في التفسير إنهم كانوا يَقولون: هذا الذي يزعم أنه نبي مُرْسَل صار
نجَّاراً، فقال: (إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ).
أي نحن نستجهِلكُمْ كما تستجهلوننا، ثم أعْلَمَهمْ بِمَا يَكون عاقبة
أمْرِهم فقال:
стр. 982
(فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٣٩)
أي فسوف تعْلَمون من هو أحق بالخْري، ومن هو أحْمدُ عاقِبةً.
* * *
(حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ (٤٠)
أعلم اللَّه - جلَّ وعزَّ - نوحاً أنْ وَقْتَ إهلاكهم فَوْرُ التَّنُور.
وقيل في التَّنُور أقْوالٌ. قيل إن التَّنُورَ وجه الأرْض.
ويقال إن الماء فارَ من ناحيةِ مَسْجد الكُوفَةِ
ويقال إن الماء فار من تَنُورِ الخابزَةِ، وقيل التَنُور تنوير الصبْح.
والجملة أن الماء فار من الأرض وجاءَ من السَّماء قال اللَّه - جلَّ وعزّ -
(فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢).
فالماء فَوْرُه من تَنُّورٍ أو من ناحية المسجد أو من وجه الأرض، أو في
وقت الصبح لا يمنع أن يكون ذلك العلامةَ لِإهلاكِ القوم.
(قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ).
أي: من كل شيء، والزوج في كلام العرب واحدٌ ويجوز أن يكون معه
واحد، والاثنان يقال لهما زَوْجَانِ يقول الرجل: على زوجان من الخفاف.
وتقول: عِنْدي زوجان من الطير، وإنما تريد ذكر أو أنثى فقط.
وتقرأ من كلِّ زوجين - على الِإضافة - والمعنى واحد في الزَوْجين أضَفْتَ أم لم تضِفْ.
(وَأهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ).
стр. 983
أي واحملْ مَنْ آمَن، ويقال إن الذين آمنوا معه كانوا ثمانين نفساً.
فقال تعالى: (وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ).
لأن ثمانمين قليل في جُمْلَةِ أُمَّةِ قَوْمِ نوحِ.
* * *
(وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (٤١)
أي باللَّهِ تجري، وبه تستقرُّ.
ومعنى قًلْنَا بِاسْمِ اللَّه أي باللَّه.
وقد قرئت على وجوه، قرئت مَجْرَاها بفتح الميم، ومُرسَاهَا بضم
الميم. وقرئت مُجْراها ومُرْسَاها بضم الميمين جميعاً. ويجوز مَجْرَاها
ومَرْسَاها، وكل صواب حسن.
فأما من قرأ مجراها بفتح الميم، فالمعنى جَرْيُها ومُرْسَاها المعنى وباللَّه
يقع إرساؤها، أي إِقْرارها.
ومن قرأ مُجْراها ومُرْسَاهَا. فمعنى ذلك باللَّه إجرأؤها وباللَّه إِرْسَاؤها يقال: أجريته مُجْرى وإجْراءً في معنى واحد.
ومن قال مَجرَاها ومَرسَاهَا، فهو على جَرَتْ جَرْياً ومَجرى، وَرَسَتْ رسُوَّا ومَرْسىً.
والْمُرسَى مستقرها.
والمعنى أن الله جلَّ وعزَّ أمَرَهُمْ أن يُسَمُّوا في وقت جريها ووقت
استقرارها.
ومُرْساها في موضع جر على الصفة للَّهِ - جلَّ وعزَّ -.
ويجوز فيه شيء لم يقرأ به ولا ينبغي أن يقرأ به لأن القراءة سنة متبعة:
стр. 984
باسم اللَّه مُجْرِيَها علي وَجْهيْنِ:
أحدهما الحال، المعنى مُجْرِياً لَهَا ومُرْسِياً لها.
كما تقول مررت بزيدٍ ضَارِبَها على الحال.
ويجوز أن يكون منصوباً على
المدح، أعني مُجرِيَها ومُرْسِيَهَا.
ويجوز أن يكون مُجْرِيها ومُرْسِيها في موضع
رفع على إضمار هو مجريها ومرسيها.
* * *
وقوله: (وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ (٤٢)
قيل إن السَّمَاءَ والأرضَ التقى ماؤهما فطبق بينَهُمَا وجرت السفينة في
ذلك الماء.
وقوله: (وَهِيَ تَجْرِيِ بِهِمْ فِي مَوْجٍ كالجِبَالِ).
إن الموج لا يكون إلا فوقِ الماء، وجاء في التفسير أن الماء جَاوَزَ كل
شيء خَمَسَةَ عَشَر ذِرَاعاً، قال اللَّه : (فالْتَفَى الماءُعلى أمْرٍ قَدْ
قُدِرَ).
فجائز أن يكون يلتقي ماء السماء وماء الأرض وما يطبق ما بينهما.
وجائز أن يطبق ما بينهما.
والموج تَمَوُّجُ المَاءِ، وأكثر ما يُعْرَفُ تكونُه في عُلُوِّ الماء، وجائز أن
يتموج داخل الماء. .
والرواية في السفينة أكثر ما قيل في طولها أنه كان ألفاً ومائتي ذراع.
وقيل ستمائة ذراع. وقيل إن نوحاً بعث وله أربعون سنةً ولبث في قومه كما قال الله - جل ثناؤه - ألْفَ سَنَةٍ إلا خَمْسين عَاماً. .
وعمل السفينة في خمسين سنة ولبث بعد الطوفان ستين سنة.
стр. 985
وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ (٤٢)
(وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ).
يجوز أن يكون كان في معزل من دينه، أي دين أبيه ويجوز أنْ يكونَ
- وهو أشبه - أن يكون في معزل من السفينة -
(يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا).
الكسر أجود القراءة أعني كسر الياء، ويجوز كسرها وفتحها من
جهتين، إحداهما أن الأصل با بُنَيي، والياء تحذف في النداء، أعني ياء
الِإضافة، وتبقى الكسرة تدل عليها، ويجوز أن تحذَفَ الياء لسكون الراء منَ
ارْكبْ، وتقَرُّ في الكتاب على ما هي في اللفظ.
والفتح من جهتين، الأصل يا بُنيَّا فتبدل الألف من ياء الِإضافة.
العرب تقول: يا غلاما أقبل، ثم تحذف الألف لسكونها وسكون الراء.
ويقَرُّ في الكتاب على حذفها في اللفظ ويجوز أن تحذف ألف النداء كما تحذف ياء الإضافة، وإنما حذفت ياء الإضافة وألف الِإضافة في النداء كما يحْذَفُ
التنوين، لأن ياء الِإضافة زيادة في الاسم كما أن التنوين زيادة فيه، ويجوز
وجه آخر لم يقرأ به وهو إثبات الياء، يا بُنَيِّي، وهذه تَثْقُل لاجتماع الياءات.
* * *
(قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (٤٣)
أي يمنعني من الماء، والمعنى من تَغْرِيقِ الماء
(قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ).
هذا استثناء ليس من الأول، وموضع " مَنْ " نَصْبٌ المعنى لكن مَنْ رَحم
اللَّهُ، فإنه مَعْصُوم، ويكون (لاَ عَاصِمَ) معناه لا ذَا عِصْمَةٍ، كما قالوا: (عِيشَة رَاضِيَةٌ)، مَعناه مُرْضية وجاز راضية على جهة النسب أي في عيشةٍ ذات رضا.