Полный текст (2 001 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.
стр. 1016
وأصله صوت النار، وكأنه حكى به الصرير والصرصرة.
ونحوهما، والآية قيل: نزلت في أبي سفيان وأهل مكة
стр. 1017
لإِنفاقهم المال في معاداة النبيّ ﷺ ، لما بيّن في الآية الأولى أن مالهم لا يغني عنهم، بين أن إنفاق هؤلاء مع كونه غير نافع ضار
لهم، وراجع بالوبال عليهم، فمن المفسرين من قال القصد
إلى تشبيه ما لهم المنفق بالحرث. المحرق، وكفرهم المهلك بريح
ذات صِرٍّ، لكن أخرج التشبيه ملفوفاً لا مكشوفاً، على تحقيق
مطابقة لفظ المشبّه والمشبّه به، وذلك نحو ما تقدم.
ومنهم من قال: القصد في ذلك تشبيه أموالهم في إهلاكها إياهم بريح
ذات صِرٍّ في كونها مهلكة لحرث قوم، ثم اختلفوا في هذه
النفقة، فمنهم من جعلها لما أنفقه هؤلاء وأمثالهم في معاداة
стр. 1018
المسلمين، كقوله: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ).
ومنهم من جعلها لكل ما ينفقه الكافر، أي شيء أنفقه فإن
الكافر معاقب في ذلك كله، كما أن المؤمن مثاب على ما أنفقه على
أي وجه أنفقه، وعلى هذا قال ﷺ لسعد:. "إنك لتؤجر في نفقتك كلها، حتى اللقمة تضعها في فيِّ امرأتك ".
ووجه ذلك أن المؤمن
стр. 1019
لا يأخذ إلا من حيث على ما يجب وكما يجب، ولا يضع
إلا كذلك، والكافر بخلاف ذلك، ومنهم من قال: (مَا يُنْفِقُونَ)
عبارة عن أعمالهم كلها، لكن خصّ الإِنفاق لكونه أظهر
وأكثر، وإنما خصّ حرث قوم ظلموا أنفسهم من أجل أن
الناس فيما يصيبهم أمن، الجائحة ضربان:
صالح لا يستحق عقوبة، فإذا نالته صار ذلك له أجراً مُدَّخرا.
فكأنه لم يضع ماله، وسيِّئ يستحق عقوبة، فإذا نالته فقد ضاع ماله في الحال وفي المآل، ومنهم من قال: معنى (ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) أي زرعوا
الحرث في غير وقته، تنبيها أن الكفار أساءوا فيما كان ينبغي
لهم أن يفعلوه إساءة هؤلاء الحرّاث في حرثهم من تقديم أو تأخير.
إن قيل: كيف قال: (رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ)، وقد قيل: متى
هبت الريح لم يؤثر الصِرُّ؟
قيل في ذلك أجوبة:
стр. 1020
الأول: أن كل صر لا ينفك من ريح معه، لكن التي معها الصرُّ ضعيفة بحيث
لا يحُسُّ بحركتها، وإنما تمنع الصرّ إذا تحركت حركة شديدة.
والثاني: أنه تعالى خصَّ ذلك تنبيهاً أن أموالهم بطلت من حيث لم
يحتسبوا: كبطلان حرث هؤلاء من حيث لم يحتسبوا، فإنهم كانوا
آمنين من الصرِّ لوجود الريح.
والثالث: أنه عنى بالصرِّ صوت الريح وشدة عصوفها، وعنى أنها أصابته الريح ففرقته، كقوله: (كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ)، ونحو هذه الآية في بطلان عمل الكفار قوله: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ).
وقوله: (وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ) فإنما عقب به لأنه لما كان أخذ مال الغير وإبطاله قد يتصوره من لا يعرف حقيقة الأمر بصورة الظلم بين أنه لم يظلمهم، بل هم ظلموا أنفسهم، حيث لم يضعوا مال الله حيث أمرهم.
قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (١١٨)
стр. 1021
البطانة في الثوب بإزاء الظهارة، ويستعمل لمن اختصصته كالشعار والدثار، ويقال: لبست فلاناً إذا اختصصته، وعلى ذلك قوله: (هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ)
وألوتُ في الحاجة: قصَّرت، وألوت، فلانا ألواً أي أوليته
تقصيراً بحسب الجهد، فقولك جهداً تمييز -
стр. 1022
(وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ) أي لا يقصروا، آلى أي حلف، هو أفعل من
ذلك، كأنه أزال التقصير ببذل ذلك القول.
فقوله: (لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا) أي لا يقصرون في إيصال الخبال إليكم.
والخبال: الفساد، الذي يلحق ذات الحيوان.
يقال: في قوائم الفرس خبل وخبال، أي فساد من جهة الاضطراب، وفلان مختبل الرأي، وقول زهير:
هنالك إدْ يستخبلوا المالَ يخبلوا. . .
стр. 1023
أي إن طلب المال منهم إفساد شيء من إبلهم فعلوا، والعنت
تحرّي المشقة، يقال: عَنِتَ فلان عنتاً، وأعنتة غيره، وعنّته.
قال تعالى: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ).
وأكمةُ عنوت: صعبة المسلك، وعنود والمعاندة والمعانتة يتقاربان، لكن المعاندة هي الممانعة، والمعانتة: أن يتحرى مع الممانعة مشقة.
قال ابن عباس: سبب نزول هذه الآية أن قوماً صافوا جماعة من اليهود، فنهاهم الله تعالى عن ذلك، والآية تقتضي النهي عن الركون إلى من وما
стр. 1024
يتحرى بك طريقة فساد: إنساناً كان أو شيطاناً أو قوة من قوى
نفسك تحيد بك عن الحق، كالهوى ونحوه، وقال ﷺ : "ما بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان.
بطانة تأمره بالخير، وتحضّه عليه، وبطانة تأمره بالشر وتحضّه
عليه ".
ونهى عمر عن الاستعانة بالكفار، واحتج بهذه الآية،
стр. 1025
وقد تقدم الكلام في أنه على أي وجه لا يصح الاستعانة بهم.
ونبه بالاستدلال بكلامهم على فساد اعتقادهم، وأن ذلك لا يخفى
منهم، كقوله: (وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ)، وعلى نحوه قال
الشاعر:
ولا حن بالبغضاء والنظرِ الشزر
ثم بيّن أن مالا يبدو منهم أكثر، وأخبر بقوله: (قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ)
أنه أظهر ما يمكنهم الاستدلال به على معاداتهم.
قوله تعالى: (هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١١٩) .
стр. 1026
العضُّ معروف، ومنه رجل عف: شديد الخصومة، كقولهم:.
أزوم، وفلان يازم المأزم ونيّب على كذا، والعضُّ: علف الأمهار
مما له مضغ شديد كالنوى والقت اليابس. والأنامل واحدتها
أُنملة، ولم يأت أفعل مفرداً إلا قولهم: بلغ
стр. 1027
أشده، وقد كثر ذلك في الجمع، نحو: أكلُب وأفلُس.
ويعبر عن التأسف بقرع السن وعض الأنامل، وذلك لا نشاهد من
حال المتأسف، قال الشاعر:
عضضت أناملي وقرعت سني
أكلت يدي لما جنته تندما
стр. 1028
والغيظ هو الغضب والغم، فإن الغضب يقال فيما معه القدرة.
على الانتقام، والغمّ فيما ليس معه قدرة الانتقام، والغيظ فيما
ليس معه تمام القدرة على الانتقام، ولذلك يُستعمل في صفات
الله الغضب دون الغيظ، والكتاب كله يعنى الكتب المنزلة.
فوضع موضع الجمع، إما لكونه للجنس كقولك: كَثُرَ الدرهم
في أيدي الناس، أو لكونه في الأصل مصدرا.
ولفظ الإِفراد أولى في هذا الموضع، لأنه يتضمن أنهم يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك، ويتضمن أنهم يؤمنون بتفاصيل كل كتاب.
بخلاف من قال فيهم: (وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ).
وقوله: (أُولَاءِ) قيل: معناه الذين، وتحبونهم صلته،
стр. 1029
وقيل: معناه هؤلاء، وفيه وجهان: الأول: أن يكون كقولك
ها أنا ذا، وها أنتم هؤلاء، فيكون هؤلاء خبر الابتداء.
و (تحبونهم) في موضع الحال، وهم راجع إلى ما تقدم ذكره.
والثاني: أن يكون هؤلاء مبتدأ ثانيا، و (تحبونهم) خبره.
والجملة خبر للأول، كقولك: أنت زيد تحبه، ويكون هم راجعاً إلى
هؤلاء. ومحبتهم لهم: إرادة الإِسلام لهم، لأن ثمرة المحبة
النصيحة وإرادة الخير، وبين أنهم لا يحبون ذلك لكم، لأنهم لا
يريدون لكم الإِسلام الذي هو الخير المحض، ثم بيّن أنكم
تؤمنون بكتب الله، وهم لا يؤمنون ببعض الكتاب.
وقوله: (وَإِذَا لَقُوكُمْ) كقوله: (وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا)،
стр. 1030
وقوله: (يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ).
وقوله: (آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ)
وقوله: (مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ) دعاء عليهم وإيجاب ذلك لهم، وإن لم يكن إيجاباً
عليهم، وقوله: (عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) كقوله (يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى).
وقوله: (يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ)
وقوله: (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ) ونحو ذلك.
قوله تعالى: (إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (١٢٠)
стр. 1031
الحسنة: عبارة عن كل ما يستحسنه الإِنسان مما يسّره
من نعمة ينالها في بدنه وماله، وجاهه، والسيئة تضادها.
والمسّ والإصابة يُستعملان في الخير والشر، إلا أن المصيبة
اختُصَّت، بما يسوء، ويقال: ضرّه يضره وضارّه
стр. 1032
يَضيره، وقُرئ: لا يَضُرُّكُم، والضمة فيه إتباع للضاد.
نحو مدُّ، ويجوز الفتح والكسر كما يجوز في مدّ.
وقال بعض النحويين لا يضركم مرفوع رفعاً صحيحاً، وتقديره: فلا
يضركم، وحذف الفاء كقول الشاعر:
стр. 1033
من يفعل الحسنات الله يشكرها. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وهذا إنما يجوز في ضرورة الشعر، والكيد: الاحتيال
للغير بمكر ومقاساة، وعلى سبيل تصور هذا المعنى قيل: فلان
يكيد بنفسه، والمكر مثله إلا أنه أعم، لأنه قد يقال في اجتلاب
المنفعة.
إن قيل: على أي وجه يمنعْ صَبرهم وتقواهم من أن
стр. 1034
يضيرهم كيدهم، قيل: من أوجه: الأول: من الفيض الإِلهي
والنصرة الموعود بها في نحو قوله: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) وقوله: (مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ).
والثاني: أن من عُرف منه الجد أحجم عنه العدو.
كما قال رجل ضئيل أسر رجلًا قويًّا، فسأله أمير المؤمنين:
كيف تمكنت منه؟
فقال: وقع في قلبي أني آخذه ولا أبالي بالقتل، ووقع
في قلبه أنه مأخوذ وخاف القتل، فنصرني عليه خوفه وجرأتي.
والثالث: أن المتذرّي بالصبر والتقوى تتحمل نفسه الشدائد.
فلا يبالى بمكايدة عدوه.
والرابع: أن الثقة بنصر الله أعظم ناصر.
والإِحاطة بالشيء يقال على وجهين:
أحدهما: في الأجسام.
والثاني: في العلم بالشيء والقدرة عليه.
فأما العلم فبأن يعلم حقيقة المحاط به ووجوده وجنسه وأوصافه، والغرض
стр. 1035
المقصود منه، وعلى ذلك: (أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا) فصار
قوله: (بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) كقوله: (لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ).
وقو له: (سَمِيعٌ عَلِيمٌ) ونحوه.
قوله تعالى: (وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٢١)
التبوء: التمكن، يقال بوَّأته مكان كذا، أو لمكان كذا، وقيل: في حرف ابن مسعود:
стр. 1036
تُبوئ للمؤمنين، وإذ قيل معطوف على قوله: (قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ) آية في غلبتكم - مع قلتكم - الكفار مع كثرتهم.
وآية إذ غدوت ترتاد للمؤمنين مكانا للقتال، فانكشف الحال عما
كان لهم فيه آية، ولما أمرهم بالصبر والتقوى ذكّرهم ما خوّلهم
ببدر حيث صبروا واتقوا، وبأحد حيث كان منهم ما كان.
وذاك أن النبي ﷺ شاور أصحابه حيث قصده المشركون: هل يخرج إليهم أو يقيم بالمدينة فيقاتلهم فيها، وذلك هو معنى تبَوُّئه للقتال أي موضع المشاورة، ولهذا خص المقاعد دون المقاوم، فقال له
стр. 1037
عبد الله بن أُبيّ: نقيم بالمدينة، فإن قاتلونا قاتلنا في الأزقة وإلا
رجعوا عنا بالمذلة، وقال أكثرهم: نخرج إليهم، فدخل ﷺ ولبس لأمته، وأعاد عبد الله قوله، فقال ﷺ : "ما كان لنبي أن يلبس لأمته ثم ينزعها حتى يقاتل "
فخرج النبي، وقوله: (وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) أي سميع بما يقول مؤمنهم ومنافقهم، عالم بما ينوي كل منهم.
قوله تعالى: (إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٢٢)
стр. 1038
الهمّة قد تكون عزماً، وقد تكون حديث
النفس من غير أن يصير عزيمة، والفشل: الضعف الذي يكون من
تحير الإِنسان ظهر أو لم يظهر، وقد يقال لا يظهر من الإِنسان من
الإِحجام فشل أيضا.
والطائفتان، قال المفسرون: هم بنو سلمة وبنو حارثة، لما رجع عبد الله همّا بالرجوع،. ثم لم يفعلا،
стр. 1039
وقوله: (وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا) أي وليهما في أن عصمهما عن الانصراف، ووليهما في أن جازاهما إذ لم يفعلا ما هما به، ورُوي أنه لما نزل ذلك قالت الطائفتان: ما يسرنا أنا لم نهم بالذي هممنا، وقد أخبر الله أنه ولينا.
ونبّه بقوله: (وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) أن التوكل على الله
هو العاصم، وهو الفرض الأقصى من العباد في الدنيا.
قوله تعالى: (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣)
بدر: اسم ماء
стр. 1040
كان لرجل يقال له: بدر، فسُمي به، فصار ذلك الحرب
مسمى به، وجعلهم أذلة لا على الحقيقة والمصدوقة، - فمن
نصره الله فغير ذليل، ولكن على اعتبار العامة لقلتهم وقلّة
عِدّتهم، وهذه أيام تابع الله ذكرها وذكّر المسلمين بعظم ما
أولاهم فيها تثبيتاً لقلوبهم، وتذكيراً بنعمه عليهم، وأمرهم
بالتقوى المؤدية إلى شكرهم لها.
стр. 1041
قوله تعالى: (إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥)
الكفاية: مقدار ما فيه سد خُلة، والفرق بين الاكتفاء والاستغناء:
أن الاكتفاء ما فيه سد الخُلة وسع أو ضاق، والاستغناء ما فيه
** السعة فهو أعم.
والإِمداد: اتصال الشيء بالشيء، وأصله من مد الحبل
والمد يقال تارة في الماء، ومده ماء آخر، وتارة في السير.
والمدة امتداد الوقت، والمادة زيادة ممتدة، والمداد المُدّ الذي هو
المكيال منه، والفَوْر أصله من فارت القدر والتنور، والفور
стр. 1042
منهم من تصور منه الوجهة والعجلة، وإليه ذهب ابن عباس
والحسن وجماعة، ومنهم من تصور منه فوران الغضب.
وإليه ذهب مجاهد والضحاك، والتسويم ترك الشيء وسومه،
стр. 1043
ومنه قيل: أسمت الإِبل وسومته، والتسويم أيضأ إظهار
سيماء في الشيء، وقد فُسر المسومة على الأمرين.
وقُرئ: مسوِّمَة أي معلمة لأنفسها.
وقد روي أنه نزلت الملائكة يوم بدر على خيل بلق، وعليهم عمائم. . . . . . . . . .
стр. 1044
صفر، قال ابن عباس وغيره: عنى بذلك يوم بدر.
قال: ولم تقاتل الملائكة إلا في ذلك اليوم، وقال الحسن: أمدّهم
بخمسة آلاف، لأنه عنى مع الأولين، وقال غيره: بل خمسة
آلاف غير الثلاثة آلاف، وكانوا ثمانية آلاف، وقال بعضهم:
стр. 1045
إنما أمدهم بألف، لقوله: (فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ)
ولم يمدهم بخمسة آلاف، بل المسلمون قالوا: إن كرز بن جابر يمدّ المشركين. فأنزل الله ذلك تسكيناً للمسلمين، ثم لم يُمِدّ المشركين.
فلم يمدّ الله المسلمين بهم،
стр. 1046
ولهذا قال: (وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ).
قوله تعالى: (وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١٢٦)
الضمير في قوله: (جَعَلَهُ) للإِمداد والوعد، ونبَّه أنه إنما أراد بوعدهم
وإمدادهم الملائكة نعمة عليهم، وهي مسرتهم وسكون
جأشهم، فأما النصر في الحقيقة فليس إلا منه بلا حاجة إلى
استعانة، وفيه حثٌّ أن لا يبالوا بمن تأخّر عن نصرتهم.
وتنبيه أنه يعين تارة بالمدد وتارة بغير المدد، وأنه ناصر كل
منصور أينما كان، وممن كان، إذ هو المسبب لجميعه، والفاعل
стр. 1047
الذي لا يستغني فاعل عنه، ثم وصف نفسه بالعزة والحكمة.
تنبيها أن كل عِز منه، وكل حكمة عنه.
قوله تعالى: (لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ (١٢٧)
الكبت: الصرع على الوجه والرد.
والخيبة: حرمان البغية. وتخصيص قطع الطرف من حيث
إنّ نقص الأطراف من الشيء موصّل إلى توهينه وإزالته، وعلى
ذلك قال: (نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا).
وقال: (قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ).
وقيل: عنى بالأطراف
стр. 1048
أعيانهم وصناديدهم.
وقوله: (ليقطع) أي نصركم ليقطع، أو وما النصر إلا من عند الله، ليقطع.
قوله تعالى: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (١٢٨)
هو راجع إلى قوله: (وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ)، أي ليس لك ولا لغيرك من هذا النصر شيء، وهو نجو
стр. 1049
قوله: (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ)
وقال بعضهم: ليس للنبي ﷺ أمر وإنما إليه.
ونبّه أنك مأمور لا آمر، ومرتسم لا مُرسِم، قيل: بل أراد النبي ﷺ أن يستغفر للمشركين.
وقيل: بل أراد أن يدعو عليهم بالاستئصال لما كسروا رباعيته، فقال الله ذلك.
وقوله: (أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ) معطوف على قوله: (لِيَقْطَعَ).
وقيل: بل معناه: إلا أن يتوب
стр. 1050
أو يعذب، تنبيهاً أن أمرك تابع لأمر الله.
قوله تعالى: (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢٩)
بيّن بهذه الآية تحقيق ما قدّمه بأنه هو المالك للكل، وله المشيئة في غفران من شاء وتعذيب من شاء.
قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠)
إن قيل: ما اتصال هذه الآية بما قبلها؟
قيل: إنه لما نهى عن الكفر فيما تقدَّم، وقبَّح صورته.
وحذَّر منه، وبيّن قدرته عليهم حث قال: (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ) نهى هاهنا عن تعاطي أفعال الكفرة، وقد
стр. 1051
تقدم الكلام في قُبح الربا، وأما أكله أضعافا فقد قال عطاء
ومجاهد هو أنهم كانوا في الجاهلية إذا باعوا أو أقرضوا إلى مدة
ثم تأخر القضاء زادوا على أصل المال لزيابة الأجل
المضروب.
إن قيل: لِمَ قال: (أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً) فجمع بين اللفظتين؟
стр. 1052
قيل: قال بعضهم ذلك للتأكيد.
وقيل مضاعفة من الضَّعْف لا من الضِّعف، ومعناه ما تعدونه ضِعْفا
هو ضَعْف، أي نقص، كقوله: (وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو) وقوله: (يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا).
ومن هذا أخذ بعض المحدثين:
زيادة شيبٍ وهي نقصُ زيادتي. . . وقوة جسمٍ وهي من قوتي ضعفُ.
стр. 1053
ثُمَّ حثَّ على تقوى الله، وذكر أن ببلوغها ترجون الفلاح.
واستدل بعض الحنفية بهذه الآية على فساد بعض ما يدعيه الشافعية
من دلالة الخطاب، فقال: لو كان ذلك صحيحا لكان يجوز أكل
الربا إذا لم يكن أضعافا، وهذا لأن يكون دلالة عليهم أولى.
لأنه لما زهَّدنا في الكثير منه فلأن نزهد في القليل أولى، على أن
القضية بذلك على مقتضى العموم، فمجيء ما ترك دلالة خطابه
في بعض المواضع لا يفسد هذا الأصل، كمجيء لفظ عام ترك
عمومه، وتكرير النهي عن الربا تفظيع لأمره، وتقبيح لشأنه.
стр. 1054
قوله تعالى: (وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (١٣١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢)
إعداد الشيء تهيئته قبل الحاجة إليه.
وإنما أراد تقديره وإيجاده، فلا حاجة به تعالى إلى الإِعداد.
وأصله من العدّ، وقولك: أعددت كذا لكذا، أي اعتبرت قدره
بقدره.
إن قيل: ما وجه ذكر اتقوا النار بعد قوله: (اتَّقُوا اللَّهَ)؟
قيل: قد تقدّم أن قوله: (اتَّقُوا اللَّهَ) يقال باعتبار
ذاته، واتقوا النار باعتبار عقابه، فالأول للأولياء الأصفياء.
ولذلك وصله بالفلاح الذي هو أعلى درجة الثواب.
والثاني للمذنبين، فلذلك وصله بالرحمة، ولما كانت المنزلة
الأولى لا تحصل إلا لمن حصلت له المنزلة الثانية، حثَّ كافة
стр. 1055
الناس على الاستعانة بتقوى عقوبته، والطاعة له ولرسوله في ترك
الربا وغيره من المعاصي؛ ليصلوا إلى الرحمة ذريعةً إلى الفلاح.
إن قيل: الفلاح لا يخرج من أن يكون رحمة؟
قيل: صحيح، ولكن الرحمة أعم من الفلاح، فكُلُّ فلاح رحمة، وليس كُلُّ رحمة فلاحاً، ومن قال في قوله: (أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ) دلالة أن لا فاسق فيها، فليس باستدلال يوجب الركون إليه، لأن ما يصحُّ أن يشترك فيه أقوامْ إذا
قيل: أُعِدَّ لفلان. فليس فيه أنه لم يُعدّ لغيره.
ثم قد ثبت أن النار دركات، فأكثر ما في ذلك أن النار المعدَّة للكافر ليست للفاسق.
قوله تعالى: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣)
إن قيل: ما الفرق بين
следующие страницы →