Полный текст (2 001 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
قيل: الاختلاف ضربان: اختلاف في الأصول الجارية من الطرق
مجرى طريق الشرق من طريق الغرب، وذلك هو المذموم، فإن
ما عدا الجهة المأمور بسلوكها مؤد إلى الباطل. وإلى هذا يوجه
قوله: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ).
والثاني: اختلاف في الفروع الجارية من الطرق مجرى بنيات طريق إلى مقصد واحد يسلكها، كل على حسب اجتهاده، ومقصد جميعهم واحد، فإن إباحة الله سلوك كل واحد من تلك الطرق فسحة لهم ورحمة، وإياه قصد بقوله:
стр. 982
(وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ).
قوله تعالى: (يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (١٠٦)
ابيضاض الوجه عبارة عن المسرة، واسودادها عن الغم.
وعلى ذلك (ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا)، ثم قال: (مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ).
стр. 983
وعلى ذلك قوله: (وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ).
وهذا الابيضاض والاسوداد أبلغ من المحسوسين.
وقال بعض المتكلمين: يحمل ذلك على المحسوس.
لكونه حقيقة فيه، وهذا خطأ، وذلك لأنه لم يعلم
أن ذلك حقيقة فيهما جميعاً، فليس الاسوداد والابيضاض
أكثر من كيفية عارضة في الوجه، قلّ ذلك أم كثر،
стр. 984
ومعلوم أن من ناله غمّ شديد يعرض لوجهه - لتبرّمه وتكدره -
اسوداد في وجهه، وليس قلّة السواد والبياض مما يخرج اللفظ
عن الحقيقة، ثم حمل الآية على هذا أولى، لأن ذلك حاصل لأهل
القيامة باتفاق، سواء كانوا في الدنيا سودانا أو بيضانا، وعلى
ذلك (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ) وقوله: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ).
وأما كفرهم بعد إيمانهم فقد قال الحسن: بعد إظهارهم الإِيمان بالنفاق)، وقال قتادة: كفروا بالارتداد بعد
стр. 985
الإسلام، وقيل: بعد الإِقرار الذي اقتضاه قوله تعالى: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى).
وقيل: كفروا بالنبي ﷺ بعد أن أقرّوا به قبل
بعثته، وعموم اللفظ يقتضي كل ذلك، ولا تنافي بينها.
وقوله: (أَكَفَرْتُمْ) تقديره: فيقال لهم: أكفرتم؟، وحذف القول
من نحو ذلك كثير نحو: (وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ).
وقوله: (وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا)
стр. 986
أي يقولون، ولما حذف الفعل حذف معه الفاء
الذي يكون جواب أما، ويوم ظرف لقوله عظيم، ولا يكون
عند البصريين ظرفاً لقوله عذاب، لأن الاسم إذا وُصِف لا يعمل
عندهم.
إن قيل: لِمَ كرر لفظة (فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)؟
قيل: قال بعض النحويين: إن ذلك للتأكيد.
وتمكين المعنى في النفس، وقيل: (قوله: (فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ) تمام
الكلام، و (هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) تنبيهاً أن ذلك لهم مؤبدا،
стр. 987
وقيل: قوله: (هُمْ فِيهَا) راجع إلى مقتضى قوله: (ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ) وهو المسرة، تنبيها أن تلك المسرة دائمة لا كمسرّات الدنيا التي تنقطع.
وإن بقيت أسبابها. فأحوال الدنيا وإن كانت سارة متبرم منها بدوامها.
ولهذا قيل: لَلعافية تمُل أكثر مما يُملُّ البلاء.
إن قيل: المقابلة في الاثنين غير صحيحة، فإن التقابل الصحيح أن يكون المذكور في الثانية عكس المذكور في الأولى، وليس قوله: (فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) عكسا لقوله: (أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ)؟
قيل: مراعاة التقابُل على ضربين: تقابل اللفظ، وتقابل المعنى.
وهو أفضلهما عند أصحاب المعاني.
فالتقابل حاصل من حيث المعنى، وعدل عن لفظ الخبر في قوله:
(أَكَفَرْتُمْ) وقوله: (فَذُوقُوا الْعَذَابَ) إشارة إلى ما يقال لهم،
стр. 988
ونبّه أنهم يُقابلون مع العقوبة بالتبكيت، وقد قيل: التبكيت
أعظم العقوبتين، وأن يقال لهم: (ذوقوا)، وذلك دلالة على مبالغة
الغضب عليهم.
إن قيل: كان الوجه أن يقال: ألستم قد كفرتم؟
فلفظ الاستفهام في القرآن محمول على الإِنكار، والإِنكار متى تجرد
عن حرف النفي يكون للنفي نحو قوله: (أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ) وإذا
كان للإِثبات قرن به حرف النفي؟
قيل: الألف في الأصل للاستخبار، والاستخبار أعمّ من الاستفهام.
وكل استفهام استخبار، وليس كل استخبار استفهاماً.
والمستخبر قد يقصد إلى أخذ إقرار المستخبر أو إلى إلجائه إلى الإِقرار بما ينكره، وقوله: (أَكَفَرْتُمْ) استخبار على هذا الوجه، وتقريع لهم، وعلى ذلك
стр. 989
قوله تعالى: (أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ).
قوله تعالى: (تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ (١٠٨)
قال الفراء: معناه هذه آيات الله، وقد تقدم الكلام في
قوله: (ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ)، وآيات الله يصح أن تكون
الكتاب، وأن تكون جميع الآيات المسموعة والمعقولة مما يظهره الله.
ويكون معنى (نَتْلُوهَا) نُبينُها بوجوه التبينات،
стр. 990
قوله: (بِالْحَقِّ) أي الحق يقارنه، أو هو الحق، وفي قوله: (وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا) تنبيه على اعتبار ما تقدم ذكره لما اقتضى عدله في معاقبة الكفار.
قوله تعالى: (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (١٠٩)
قد تقدم تفسير ذلك، ونبه بقوله: (وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ) على شيئين: أحدهما: إبطال قول من زعم أن الأشياء تبقى عناصرها فلا تفنى.
والثاني: على أنه يصحُّ أن يتوهم ارتفاع الأمور كلها مع بقائه تعالى.
وأنه لا ينكر عدمها انتهاءً، كما لا يُنكر ذلك ابتداءً.
إن قيل: وما وجه إيراد هذا القول
стр. 991
في هذا الموضع؟
قيل: إنه لما بيّن تعالى ما اقتضى عدالته وعقبه
بذكر التبرؤ من ظلمهم بيّن بهذا القول استغناءه عن الظلم، وأن
الظلم يتحرّاه من يروم ما لغيره، ومحال أن يُعتقدَ في مالكِ الكلِّ
ومن منه البدءُ وإليه العودُ الظلمُ.
قوله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)
إن قيل: لمَ قالْ: (كُنْتُمْ) ولم يقل: أنتم؟
قيل: في ذلك أجوبة: الأول:
كنتم فيما قضيت وقدرت وبنيت عليه الشرائع خير أمة بشريطة
أن تأمروا بالمعروف، وتنهوا عن المنكر، وتؤمنوا بالله)،
стр. 992
فقد تقدم إن هذه الشريعة أكمل الشرائع، ولهذا قال ﷺ :
"أنتم تتمون سبعين أمة، أنتم خيرها وأكرمها على الله تعالى".
والثاني: أن الإِشارة بذلك إلى من آمن بالنبي ﷺ في ابتداء الإِسلام، وإلى هذا ذهب عمر، وقال: هذا لأولنا، ولو شاء الله لجعله لآخرنا أيضاً.
فقال: أنتم، فكنا كلنا أخيارا.
ويؤكّد ذلك ما روي
стр. 993
عن عبد الله قال: جمعنا رسول الله، ونحن أربعون رجلا، فقال:
"إنكم منصورون ومفتوح لكم، فمن أدرك ذلك منكم فليأمر
بالمعروف ولينه عن المنكر".
الثالث: أن ما تشارك فيه الأحوال الثلاث: الماضي والحال والمستقبل.
لا فرق بين أن تقول: كنت كذا أو أنت كذا، لأن القصد ليس إلى تخصيص الزمان، بل إلى ذكر ثبوت ذلك الشيء، وأيًّا من ذلك ذكرت، فإنه لا يقتضي من حيث اللفظ نفي الآخر، وإذا كان كذلك كان أولى الألفاظ بمثله: كان، لأنه يقتضي الحصول، ولا يقتضي تغيير ذلك الشيء من حيث
اللفظ، وإذا أورد تعالى جل أوصافه على ذلك، نحو (وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا)، وقيل: (كُنْتُمْ) في اللوح
стр. 994
المحفوظ، وهذا كالأول.
إن قيل: لأي شيء وصفهم بأنهم خير أمة.
وقد علم أن أشرار الناس في هذه الأمة أكثر من
الأخيار، وأن كثيراً من الأمم المتقدمة كانوا حْيراً من كثير هذه الأمة؟
قيل: ليس الاعتبار بأشخاص الناس، وإنما الاعتبار بما
صارت الأمة به أمة، والشريعة به شريعة، وقد تقدم أن هذه
الشريعة أفضل الشرائع إذا اعتبرت بها، على أنه قد قيد
فقال: (تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ)، أي أنتم خير أمة على هذه
الشريطة لأن قوله: (تَأْمُرُونَ) في موضع الحال.
стр. 995
قال ابن عباس ومجاهد وأبو هريرة: كونهم خيرا هو أنه لم
يؤمر نبي قبله بالقتال، وقهر الناس على الدخول فيما فيه
صلاحهم إلا هذه الأمة، فإن الله يقودهم بالسلاسل من
الكفر إلى الإِيمان، وقال غيرهم: لم يكن في أمة من الآمرين
стр. 996
بالمعروف، والناهين عن المنكر أكثر مما في هذه الأمة.
إن قيل: لم أخَّر الإِيمان بالله عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟
стр. 997
قيل: الإِيمان هاهنا ليس هو الإِقرار بالله فقط، بل هو الوفاء
بشروطه والقيام بشرائعه، الذي هو تمام الإِيمان وكماله
على ما ذكرناه فيما تقدم، وقال: (وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ)
فقابل به المؤمنين، لأن الفسق أعم من الكفر، فبيّن أن
المؤمنين المخلصين قليل جدًّا، وأن أكثرهم فاسق: إما كافر.
وإما منافق.
قوله تعالى: (لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (١١١)
قال ابن عباس والحسن: عنى بالأذى الكلام المؤذي.
وجعل بعضهم الآية مخصوصة
стр. 998
في بني قريظة، قال: ووحد المخبر على ما أخبر به تعالى، وجعلها
بعضهم عامة، وقال: إن كان ما ينال المؤمنين من الكفار كلاما
كان أو قتالاً فهو أذى عارض (وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)، كما
قال في غير موضع.
وقوله: (ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ) لم يجزمه، لأنه إذا جُعِلَ جواباً اقتضى أن النصرة عنهم ممنوعة في حال المقابلة فقط،
стр. 999
وإذا رُفِعَ اقتضى أنهم ممنوعون عنها في كل حال.
وقال بعض النحويين: رفع ذلك ليكون كماخر سائر الآيات المتقدمة.
وهذا القول هو بحسب مراعاة اللفظ دون المعنى.
قوله تعالى: (ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (١١٢)
قيل: هي مخصوصة في بني قريظة على ما تقدم.
وقيل: هو أمر وإن كان لفظه خبراً، فأمر بتذليل أهل
الكتاب، وأخذ الجزية منهم على ما ذكره الفقهاء وبينوه.
وقيل: هو خبر عام عن جميعهم.
فإن قيل: كيف يصحُّ ذلك
стр. 1000
مع أنه قد يُرى من أهل الكتاب من لا يكون في مذلة ولا فقر.
قيل: المذلّة هي التي تلزمهم ليس يجب أن تُعتبر في الأشخاص.
ولا في الأعراض الدنيوية من الجاه والمال، بل يجب أن يُعتبر ذلك
بالأحوال الشرعية، والعز والذل الحقيقيين، اللذين يقتضيهما الدين.
وإياه قصد بقوله: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ) وقد قيل: كل عز مصيره إلى ذل فهو ذل، وما يتصوره بعض الناس عزًّا من غرور الدنيا فهو المذلة عند التحقيق.
وكذلك المسكنة ليست قلة المال، وإنما هي الحرص، وفقر النفس.
ولهذا روي عن النبي ﷺ أنه قال:
"الغنى غنى النفس "
стр. 1001
وقيل لحكيم: هل لفلان غنى؟
فقال: أما الغنى فلا أدري، إلا أن له مالا كثيراَ.
وقال الشاعر:
. . . قد يكثر المال والإِنسانُ مفتقر.
وقيل: إن ذلك على سبيل الدعاء عليهم، كقوله تعالى:
(قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ)، وقوله: (قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ)، وهذا في الحقيقة يرجع إلى الأول، فالدعاء من الله واجب.
إن قيل: لم قال: (إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ)
فأعاد ذكر الحبل، وفصل؟
قيل: لأن الكافر يحتاج إلى حبلين أي عهدين، عهد من الله.
وهو أن يكون من أهل كتاب أنزله الله، وإلا لم يكن مقرًّا على دينه بالذمة، ثم يحتاج إلى حبل من الناس،
стр. 1002
أي أمان وعهد يبذلونه على ما بيّنه الفقهاء.
والناس هاهنا خاص للمسلمين، وقوله: (وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ)
أي استحقوا عقابا منه، وقوله: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ) أي نالهم ذلك بكفرهم.
وقوله من بعد: (ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا) قيل: هو بدل من الأول.
فإن كفرهم ليس هو إلا عصيانهم، واعتداؤهم.
وقيل: بل جعل الكفر علّةً لما نالهم من الذِّلة والمسكنة.
وجعل عصيانهم علة لكفرهم، وذلك أن الذنوب الصغائر
إذا استمر عليها الإنسان أفضت إلى الكبائر.
والكبائر تفضي إلى الكفر، ولهذا قال
стр. 1003
تعالى: (ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ).
وقال ﷺ : "الذنب على الذنب حتى يسودّ القلب ".
وفي قوله: (ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا) تحذير لنا وتنبيه، كأنه قال: اجتنبوا
المعصية، وهي التي أدّت بهم إلى الكفر المقتضي لعظم العقوبة
إن قيل: كيف قال: (إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ)، ولا يصح في الإِثبات
أن يقال: اعتصمت إلا بحبل فلان، والاستثناء في الإِثبات لا يكون
إلا من لفظ عام؟
قيل: إن قوله: (أَيْنَ مَا ثُقِفُوا) مقتض لمعنى
стр. 1004
العموم، كأنَّه قيل: بكل حال، فيصح أن يقال: إلا بحبلٍ.
قوله تعالى: (لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣)
الأمّة: الجماعة، وقد تقدم.
وجعلها الزجاج هاهنا الاستقامة.
وقال: تقديره: ذوو طريقة مستقيمة، والأول أولى.
لأنه لا يحتاج فيها إلى إضمار.
والقائمة: العادلة،
стр. 1005
وقال مقاتل: مطيعة، وقال بعضهم: مسلمة، وهذا
كلة واحد، فإن العادل لا يكون عادلا حتى يكون مسلما مطيعا.
والمطيع لا يكون مطيعا حتى يكون مسلما عادلا.
والآناء: جمع إنْي كانحاء في جمع نِحْي، وقيل: هو جمع إِنى نحو مِعًا وأمعاء.
وقوله: (لَيْسُوا سَوَاءً) كلام تام أي لا يستوون.
ثم قال: (أُمَّةٌ قَائِمَةٌ) أي منهم أمة قائمة.
وقال بعضهم: تقديره:
стр. 1006
أي ليسوا سواء هم وأمة قائمة، يعني أمة محمد ﷺ ، وإليه ذهب ابن مسعود، وقال: لا يستوي أهل الكتاب، وأمة محمد.
وقال الفراء: ذكر أمة قائمة، وحذف الأخرى كقول الشاعر:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فما أدري أرشد طلابها
وتقديره: أم غي، وما قاله إنما يصح إذا جعل (أُمَّةٌ) بدلاً
стр. 1007
من الضمير في (لَيْسُوا)، أو جعل الواو فيه كالواو في أكلوني
البراغيث، ويجعل (أُمَّةٌ) اسم ليس، وتكون المفاضلة
بين أمة قائمة وأمة غير قائمة.
وقوله: (يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ)
قيل: عنى به صلاة العتمة، لأنها لم تكن إلا لهذه الأمة.
واستدل بما رُوِيَ أن النبي ﷺ أخْر صلاة العشاء
ليلة، ثم خرج إلى المسجد، فإذا الناس ينتظرونه.
فقال: "إنه ليس أحد من أهل الأديان يذكر الله في هذه الساعة غيركم ".
فأنزل الله تعالى هذه الآية، وقيل: عنى الصلاة بين
стр. 1008
العشائين، وقيل: تلاوة القرآن بينهما، والسجود.
قيل: عبارة عن الصلاة.
وقوله: (يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ)
كلاهما في موضع الصفة لـ (أُمَّةٌ قَائِمَةٌ).
قوله تعالى: (يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٤)
стр. 1009
ذكر تعالى حال الأمّة التي تقدم ذكرها، وابتدأ بذكر الإِيمان بالله.
وعنى الإِيمان الذي لا تصحُّ عبادة من دونه.
والمسارعة والمبادرة والعجلة تتقارب، لكن السرعة أعمها
والمبادرة لا تكاد تستعمل إلا في البدن، والعجلة أكثر ما
تستعمل فيما يتحرى عن غير فكر ورويَّة، أو في إمضاء العزيمة
قبل استكمال الروية، ولهذا يقال: "العجلة من الشيطان "،
стр. 1010
وقال تعالى: (وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ)
فإن قيل: لو كانت مذمومة لما قال موسى: (وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى).
قيل: موسى ﵇ أورد ذلك على سبيل الاعتذار إبانة أنه قصد فعلا محمودا، وإن تحرى العجلة فيه، ومن قصد فعلا محمودا فقد يعذر في وقوع ما يكره منه، والمسارعة في الخير هي أن يتدرج الإِنسان في ازدياد العرفة بفضله، واختياره والسرور بتعاطيه، وتقديمه على الأمور الدنيوية، وأن لا تؤخره عن أول وقت إمكان فعله وعلى ذلك قوله تعالى: (سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ)، ومدح تعالى قوماً فقال: (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ).
أي يسابقون بهممهم وأبدانهم، فلذلك كرره، ولمراعاة
المسارعة وكون بعض المسارعين أعلى منزلة من بعض،
стр. 1011
قال تعالى: (هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ)، وبين تعالى في آخر الآية أن
فاعل ذلك من الصالحين، والأقرب في مِن أن تكون للتبيين.
وأنهم هم الصالحون، ولذلك قال في الأول (وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).
قوله تعالى: (وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (١١٥)
قُرئ بالياء ردَّا إلى قوله: (أُمَّةٌ قَائِمَةٌ).
وقُرئ بالتاء لإِدخال المخاطبين فيهم وتغليبا للخطاب،
стр. 1012
وقوله: (فَلَنْ يُكْفَرُوهُ) كقوله: (وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ)
وقوله: (وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ)، كل ذلك تنبيه على
أن عمل المحسنين لا يضيع المدلول بقوله: (إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ)، وقوله: (فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ).
وقوله: (إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا).
وأنهم بخلاف الكفار الذين قال فيهم: (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ) الآية. وقوله: (هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا) الآية.
وقال الجبّائي: (فَلَنْ يُكْفَرُوهُ) مجاز في هذا الموضع، لأن
стр. 1013
وصف الله بانه يشكر مجاز، وقوله ذلك لتصوره الشكر على
وجه واحد، والشكر باعتبار الشاكر والمشكور على ثلاثة أوجه:
شكر الإِنسان لمن فوقه، وذلك بالخدمة والحمد، وشكره لنظيره.
وذلك بالمقابلة، وشكره لمن دونه، وذلك بالإِثابة، ولذلك يمدح
تعالى بأنه شكور، وقال: (وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ)
تنبيهاً أنه يقابله بالشكر الذي هو الثواب، ولعله تصور أن
الشكر لا يكون إلا بالقول، ومن الأدون للأعلى، وذلك فاسد
стр. 1014
لقوله تعالى: (اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا) فجعل الشكر
معمولا، ووصَفَه بأنه شكور وشاكر.
قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١٦)
أغناه: إذا جعل له غنى، وأغنى عنه: جعل له غَنَاءً في
الدفع، ولما ذكر في الآية الأولى أن ما يفعله الإِنسان من الخير لن
يُكفَر، بيّن أن ما يعدونه خيراً إنما ينفع بعد الإِيمان، فأما مع
стр. 1015
افتقاده فلا نفع، وذكر أجلّ ما هو عندهم خير، وهو الأموال
والأولاد، وأنها لا تغني عنهم، وعلى ذلك ما حكى عن الكفار:
(مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ) وجعلهم أصحاب النار لملازمتهم إياها.
قوله تعالى: (مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٧) .
الصّر: برد يحرق النبات.
وقال مجاهد: هو النار.
стр. 1016
وأصله صوت النار، وكأنه حكى به الصرير والصرصرة.
ونحوهما، والآية قيل: نزلت في أبي سفيان وأهل مكة
стр. 1017
لإِنفاقهم المال في معاداة النبيّ ﷺ ، لما بيّن في الآية الأولى أن مالهم لا يغني عنهم، بين أن إنفاق هؤلاء مع كونه غير نافع ضار
لهم، وراجع بالوبال عليهم، فمن المفسرين من قال القصد
إلى تشبيه ما لهم المنفق بالحرث. المحرق، وكفرهم المهلك بريح
ذات صِرٍّ، لكن أخرج التشبيه ملفوفاً لا مكشوفاً، على تحقيق
مطابقة لفظ المشبّه والمشبّه به، وذلك نحو ما تقدم.
ومنهم من قال: القصد في ذلك تشبيه أموالهم في إهلاكها إياهم بريح
ذات صِرٍّ في كونها مهلكة لحرث قوم، ثم اختلفوا في هذه
النفقة، فمنهم من جعلها لما أنفقه هؤلاء وأمثالهم في معاداة
стр. 1018
المسلمين، كقوله: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ).
ومنهم من جعلها لكل ما ينفقه الكافر، أي شيء أنفقه فإن
الكافر معاقب في ذلك كله، كما أن المؤمن مثاب على ما أنفقه على
أي وجه أنفقه، وعلى هذا قال ﷺ لسعد:. "إنك لتؤجر في نفقتك كلها، حتى اللقمة تضعها في فيِّ امرأتك ".
ووجه ذلك أن المؤمن
стр. 1019
لا يأخذ إلا من حيث على ما يجب وكما يجب، ولا يضع
إلا كذلك، والكافر بخلاف ذلك، ومنهم من قال: (مَا يُنْفِقُونَ)
عبارة عن أعمالهم كلها، لكن خصّ الإِنفاق لكونه أظهر
وأكثر، وإنما خصّ حرث قوم ظلموا أنفسهم من أجل أن
الناس فيما يصيبهم أمن، الجائحة ضربان:
صالح لا يستحق عقوبة، فإذا نالته صار ذلك له أجراً مُدَّخرا.
فكأنه لم يضع ماله، وسيِّئ يستحق عقوبة، فإذا نالته فقد ضاع ماله في الحال وفي المآل، ومنهم من قال: معنى (ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) أي زرعوا
الحرث في غير وقته، تنبيها أن الكفار أساءوا فيما كان ينبغي
لهم أن يفعلوه إساءة هؤلاء الحرّاث في حرثهم من تقديم أو تأخير.
إن قيل: كيف قال: (رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ)، وقد قيل: متى
هبت الريح لم يؤثر الصِرُّ؟
قيل في ذلك أجوبة:
стр. 1020
الأول: أن كل صر لا ينفك من ريح معه، لكن التي معها الصرُّ ضعيفة بحيث
لا يحُسُّ بحركتها، وإنما تمنع الصرّ إذا تحركت حركة شديدة.
والثاني: أنه تعالى خصَّ ذلك تنبيهاً أن أموالهم بطلت من حيث لم
يحتسبوا: كبطلان حرث هؤلاء من حيث لم يحتسبوا، فإنهم كانوا
آمنين من الصرِّ لوجود الريح.
والثالث: أنه عنى بالصرِّ صوت الريح وشدة عصوفها، وعنى أنها أصابته الريح ففرقته، كقوله: (كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ)، ونحو هذه الآية في بطلان عمل الكفار قوله: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ).
وقوله: (وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ) فإنما عقب به لأنه لما كان أخذ مال الغير وإبطاله قد يتصوره من لا يعرف حقيقة الأمر بصورة الظلم بين أنه لم يظلمهم، بل هم ظلموا أنفسهم، حيث لم يضعوا مال الله حيث أمرهم.
قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (١١٨)
следующие страницы →