← Тафсир

Тафсир · id 9231

تفسير الراغب الأصفهاني

الراغب الأصفهاني

Полный текст (2 001 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

تقدم الكلام في قُبح الربا، وأما أكله أضعافا فقد قال عطاء ومجاهد هو أنهم كانوا في الجاهلية إذا باعوا أو أقرضوا إلى مدة ثم تأخر القضاء زادوا على أصل المال لزيابة الأجل المضروب. إن قيل: لِمَ قال: (أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً) فجمع بين اللفظتين؟

стр. 1052

قيل: قال بعضهم ذلك للتأكيد. وقيل مضاعفة من الضَّعْف لا من الضِّعف، ومعناه ما تعدونه ضِعْفا هو ضَعْف، أي نقص، كقوله: (وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو) وقوله: (يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا). ومن هذا أخذ بعض المحدثين: زيادة شيبٍ وهي نقصُ زيادتي. . . وقوة جسمٍ وهي من قوتي ضعفُ.

стр. 1053

ثُمَّ حثَّ على تقوى الله، وذكر أن ببلوغها ترجون الفلاح. واستدل بعض الحنفية بهذه الآية على فساد بعض ما يدعيه الشافعية من دلالة الخطاب، فقال: لو كان ذلك صحيحا لكان يجوز أكل الربا إذا لم يكن أضعافا، وهذا لأن يكون دلالة عليهم أولى. لأنه لما زهَّدنا في الكثير منه فلأن نزهد في القليل أولى، على أن القضية بذلك على مقتضى العموم، فمجيء ما ترك دلالة خطابه في بعض المواضع لا يفسد هذا الأصل، كمجيء لفظ عام ترك عمومه، وتكرير النهي عن الربا تفظيع لأمره، وتقبيح لشأنه.

стр. 1054

قوله تعالى: (وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (١٣١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢) إعداد الشيء تهيئته قبل الحاجة إليه. وإنما أراد تقديره وإيجاده، فلا حاجة به تعالى إلى الإِعداد. وأصله من العدّ، وقولك: أعددت كذا لكذا، أي اعتبرت قدره بقدره. إن قيل: ما وجه ذكر اتقوا النار بعد قوله: (اتَّقُوا اللَّهَ)؟ قيل: قد تقدّم أن قوله: (اتَّقُوا اللَّهَ) يقال باعتبار ذاته، واتقوا النار باعتبار عقابه، فالأول للأولياء الأصفياء. ولذلك وصله بالفلاح الذي هو أعلى درجة الثواب. والثاني للمذنبين، فلذلك وصله بالرحمة، ولما كانت المنزلة الأولى لا تحصل إلا لمن حصلت له المنزلة الثانية، حثَّ كافة

стр. 1055

الناس على الاستعانة بتقوى عقوبته، والطاعة له ولرسوله في ترك الربا وغيره من المعاصي؛ ليصلوا إلى الرحمة ذريعةً إلى الفلاح. إن قيل: الفلاح لا يخرج من أن يكون رحمة؟ قيل: صحيح، ولكن الرحمة أعم من الفلاح، فكُلُّ فلاح رحمة، وليس كُلُّ رحمة فلاحاً، ومن قال في قوله: (أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ) دلالة أن لا فاسق فيها، فليس باستدلال يوجب الركون إليه، لأن ما يصحُّ أن يشترك فيه أقوامْ إذا قيل: أُعِدَّ لفلان. فليس فيه أنه لم يُعدّ لغيره. ثم قد ثبت أن النار دركات، فأكثر ما في ذلك أن النار المعدَّة للكافر ليست للفاسق. قوله تعالى: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) إن قيل: ما الفرق بين

стр. 1056

الطول والعرض؟ وهل هما على تقديرك ووضعك كالصعود والحدور، أم هما شيئان مختلفان بالذات؟ وذاك أن الطول والعرض من خواص الجسم، فالطول معتبر بالجانب الذي منه ينشأ وإليه ينشأ. والعرض بالجانبين الآخرين، وذلكْ متصور في الحائط والثوب والبيت، وقد يقال ذلك باعتبار الوضع في أشياء كثيرة، وقد وقع شبهة على من لم يتمهر في المعقولات، ولم يتجاوز منزل المحسوسات، وقال: إذا كانت الجنة في السماء الرابعة على ما رُويَ في الخبر فكيف يكون عرضها عرض السموات؛ فجاء قوم من اليهود إلى الرسول ﷺ فقالوا: إذا كانت الجنة عرضها السموات والأرض فأين النار؟ فأجابهم ﷺ فقال: "سبحان الله إذا جاء النهار فأين الليل "؟،

стр. 1057

وهذه معارضة تقنع العامة بما فيه المقنع، وتطلع الخاصة على ما نبه عليه بقوله: "ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت " وقد رُويَ عن ابن عباس: أن لله عوالم، هذا أحدها.

стр. 1058

وقال أبو مسلم بن بحر: العرض هاهنا من قولهم: عرضت الشيء بالشيء في البيع، وذلك قائم مقام المساواة. والمعنى: لو عرضت الجنة بالسموات والأرض لكانتا ثمناً لها، وذلك

стр. 1059

يفسده قوله في غير هذه الآية: (كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ). وقال بعضهم: هو من قولهم: فلان في جاه عريض، وفي سعة ورحب، وقد يقال للكبير عريض، نحو: (فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ). والمغفرة أصلها إزالة العقوبة، وإن كان قد يقال لها وللإِعطاء. ولمّا أمَر تعالى بالاتقاء من النار، والاتقاء منها مقتضٍ للمغفرة، وذلك منزلة التاركين للذنب، أمره في هذه الآية أن لا يقتصر على التقوى من النار، التي هي مقتضية للمغفرة، بل يتجاوز إلى طلب الجنة، فقال: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ).

стр. 1060

قوله تعالى: (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤) السّرّاء والضرّاء إشارة إلى حالي السعة والضيق، كاليسر والعسر، وإلى حالي السرور والاغتمام، وقد فُسر بهما. واللفظ يتناولهما، فإن السراء يقابلها الغم، والضراء يقابلها النفع، فأخذ اللفظان المختلفا التقابل ليدل كل واحد على مقابله، وهذا من دقائق إيجازات البلاغة، فمن نظر إلى معنى السراء قال السرور والغم، ومن نظر إلى معنى الضراء قال النفع والضر، ولما كان الناس في الإِنفاق أربعة أضرب: ضرب لا ينفق في حالي السّعة والضيق، وهو اللئيم على الإطلاق. وضرب ينفق في حالي الضيق دون السعة، كما قال الشاعر: وكان غنيَّ النفس في حال فقره. . . فصار فقيراً في الغنى خيفة الفقر

стр. 1061

وضرب ينفق في السعة دون الضيق، وهو من وجه جبان يخاف الفقر، ومن وَجه حازم يأخد بالوثيقة في أمور الدنيا، وضرب ينفق في الحالين، وذلك أحد رجلين: إما متهورَ لا يتفكر في العواقب، ولا يُبالي من أين يأخذ وأين يضع، وذلك هو الموصوفِ بأنه من إخوان الشياطين، وإما واثق بكفاية الله ينفق ما يحصل في يده اعتماداً على خزائن ربه، لكن لا يتناول إلا من حيث ما يجب وكما يجب، ولا يضع إلا كذلك، وهو الذي يتناول كل آية مُدحَ فيها المنفقون. وكظم الغيظ: هو الحلم، فقد قيل: الحلم: كظم الغيظ، وهو والعفو منزلتان شريفتان، ولهذا قال ﷺ : "من كظم الغيظ وهو يقدر أن ينفذه خيَّره الله في أي الحور شاء".

стр. 1062

وقال تعالى: (وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا)، وقال: (وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى)، وقال ﷺ : "ينادي يوم القيامة مناد: من كان له أجر على الله فليقم، فيقوم العافون عن الناس "، ثم تلا هذه الآية. والفرق بين الحلم والعفو، أن الحلم راجع إلى حال الإِنسان في نفسه، والعفو إلى ما بينه وبين غيره، وإن كان قلما ينفك أحدهما عن الآخر، ووجه الآية أن الله حث في الآية الأولى

стр. 1063

على طلب الجنة المعدة للمتقين، ثم بيَّن حالهم وأفعالهم، فذكر ما دلّ على جماع مكارم الأخلاق، وهو السخاء في حالي السرّاء والضراء والحلم والعفو، وذلك أشرف ضربي الشرع، وذاك أن الشرع ضربان: أحكام ومكارم، ولن يستكمل الإِنسان مكارمه إلا بعد أن يستكمل أحكامه، فإن تحرِّي أحكام الشرع من باب العدل، وتحرّي العدالة فرض، ومكارمه من باب الإِحسان، أي التفضل، وتحرِّي التفضل نفل، ولا تقبل نافلة من أهمل الفرض، ولا يفضل من ترك العدل، بل لا يصح تعاطي التفضل إلا بعد العدل، فإن العدل فعل ما يجب، والفضل الزيادة على ما يجب، وكيف تصح الزيادة على الشيء الذي هو غير حاصل في ذاته، وبيَّن تعالى أن من تخصص بمكارم الشرع فهو محسن، والله يحب المحسنين، وإحسان العبد ومحبته الله إياه هو أن يُرى متخصصاً بعامة أوصاف الله على غاية وسع

стр. 1064

البشر، فيصدق عليه أن يقال: هو جواد وكريم وحليم، وودود إلى سائر ما يصح أن يوصف به أولياء الله. قوله تعالى: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (١٣٦) الفاحشة: ما تناه قبحه مما يدرك بالبصر أو بالبصيرة، ولكونها مستعملة فيهما قيل: فلان فاحش الطول. اعتبارا باستقباح البصر إياه، وقيل للزنى والبخل المتناهي: فاحشة. اعتباراً باستقباح البصيرة إياهما، ويقال: فلان ظلم نفسه. على ثلاثة أوجه:

стр. 1065

أحدها: إذا جنى على نفسه جناية لا يتخطاها. والثاني: إذا ظلم ذويه الذين هم بمنزلة نفسه. وعلى نحو ذلك قال الشاعر فيمن ظلم ذويه: وما كنت إلا مثل قاطع كفِّه. . . بكفٍّ له أخري فأصبح أجذما وعلى هذا الوجه قد يُقال ذلك فيمن ظلم واحدا من كافة الناس. إذا كان الناس كنفس واحدة وآحادهم كأعضائها. والثالث: أن ظلم الإِنسان غيره لما كان وباله راجعاً إليه. يقال فيمن ظلم غيره: قد ظلم نفسه، وعامة ما ذكر تعالى: ظلموا أنفسهم. ذكره مقرونا بنفي ظلمه تعالى إياهم، نحو: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)، وقد ذكر حيث نهى عن ظلم الغير تنبيهاً على المعنى المتقدم، نحو قوله: (وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا)، ثم قال: (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ)

стр. 1066

والإِصرار: الإِقامة على القبيح. مأخوذ - من الصّرار والصُّرَّة، كأن المصر على الذنب جعل ذنبه مصروراً على نفسه. أي معقودا لا يجد سبيلًا إلى حله. وقوله: (وَهُمْ يَعْلَمُونَ) في موضع الحال، أي لم يكن منهم إصراراً مع العلم، واشتراط العلم أنه قد يُعذر الإِنسان مع الجهل في ارتكابه بعض المآثم. كمن تزوج أخته من الرضاعة وهو لا يعلم ذلك، وهذه الآية مع الأولى مشكلة، يقال: هل قوله: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا) صفة للمتقين كقوله: (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ) أم استئناف حكم؟ ولم أُعيدَ ذكر الجنة منكّراً مقروناً بوصف آخر؟ ووجه ذلك أن الله تعالى

стр. 1067

لما أمر الناس بتقواه وتقوى ناره أولاً، وأمرهم بالمسارعة إلى المنزلتين أولا: إلى طلب المغفرة التي يستحقها المتقي من النار، ثمِ إلى الجنة العريضة التي يستحقها المتقي من الله، ذكر بقوله: (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ) حال المتقين لله، المستحقين لتلك الجنة. وقال: هم الذين تجاوزوا تعاطي أحكام الشرع إلى تعاطي مكارمه، والذين اقتدوا بالله على غاية جهدهم في اكتساب صفاته، ثم ذكر حال المستغفرين لوقوع فاحشة منهم أو ظلم، وبين أن لهم جنات أدون من تلك الجنة، فقال: الذين إذا أخلوا بشيء من الواجبات ذكروا الله فأقلعوا، كقوله: (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ)

стр. 1068

ولم يستمروا على فعل الشر، ثم قال: (وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ) على سبيل الاعتراض بينه وبين تمام الكلام؟ تنبيها أن الإِنسان لا يجب أن يلتجئ إلا إلى الله، وبين أنه من فعل ذلك لم يقتصر تعالى معه على ترك الذنب عليه، بل يجعل له جنات، وجعل هذه الجنات على أوصاف يتصورها الوهم، ويدرك مثلها الحس، وجعل للفرقة الأولى جنة لا يتصورها الوهم، ولا يحيط بها الحسّ، فإن جنّة عرضها السموات والأرض مع كونها في السماء إشارة إلى ما قاله ﷺ : "ما لا عين رأت "، وذلك مما لا يتصوّره الوهم، ولا كانت الفرقة الأولى عاملت أنفسهم وعباد الله بضرب عامل الله به عباد الله وهو الجود والحلم والعفو، سماهم هو تعالى بما استحقه، وهو المحسن، وقابلهم بمقابلةٍ يطلبها هو من العباد أن يقابلوه بها. وهي المحبة، فقال: (وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) والفرقة الثانية: عاملت أنفسها وعباد الله بما لا يصح أن يوصف الله به. بل يوصف به العبد المتدارك لتقصيره، جعلهم من العَمَلة

стр. 1069

المستحقة للأجر، وسمى نفسه حيث ذكر مقابلة الفرقة الأولى فقال: (وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)، وهو أعم الأسماء وأخصها به، تنبيها أنهم يراعونه بالإِلهية، وسمى نفسه حيث ذكر مقابلة الفرقة الثانية ربهم، تنبيهاً أنهم يراعونه بالنعمة الواصلة إليهم، التي هي سبب تربيتهم، وعلم أن منزلة الفرقة الأولى منزلة الشاكرين الموصوفين بقوله: (وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ)، ومنزلة الفرقة الثانية منزلة الصابرين الموصوفين بقوله: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ)، فذكر في الشاكرين المجازاة الجارية بين الأحباء، وذكر في الصابرين الأجرة كفاءَ ما يجعل للأجراء، وإن كان قد جعلها بلا حساب، وشتّان ما بين الأجير والحبيب، وهذه من المواضع التي لم أر من تحرى مذهب التحقيق، واشتغل به مع صعوبته، غير أن ابن بحر لما انتهى إلى قوله: (أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ)، قال: إن المغفرة المذكورة

стр. 1070

هي المذكورة في قوله: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ) وكذلك الجنات هي الجنة التي عرضها السموات، وإن ذلك أجرتهم بتلك الأفعال، وهو مع أنه لم يتدبر التفصيل واختلاف المجازين والجزائين وأوصافها لم يتفكر في أن الفكرة إذا أُعيد ذكرها تُعاد معرفة،، وإلا كان الثاني غير الأول، فلو كانت المغفرة والجنات هي التي تقدم ذكرها لقال المغفرة والجنات. قوله تعالى: (قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١٣٧) الخلاء: المكان الذي لا ساتر فيه، من بنية وغيرها، وقد يقال للمكان الذي لا ساكن فيه، وخليته تركته في خلاء، ثم يقال لكل تَرْكٍ: تخلية حتى قيل: ناقة خلية: مخلاة عن الحلب، وامرأة خلية مخلاة عن الزوج، وسميت السفينة المتروكة تمر بذاتها خلية، وزمان خالٍ أي ماض، كأنه خلا عما كان فيه، وأصل السُّنّة من السنيّ أي

стр. 1071

صب الماء على وجه الأرض، وعلى التشبيه به قيل: سننت الدرع، ووجه مسنون، والسنّة: الطريقة المجعولة للاقتداء بها محسوسة كانت أو معقولة، وعُنِي بالسنة هاهنا ما كان من القرون الأولى، أخيارهم وأشرارهم، وما كان في مقابلتهم

стр. 1072

منه تعالى ومجازاته إياهم إن خيراً فخيراً، وإن شرًّا فشرًّا في الدنيا تارة وفي الآخرة تارة، على ما بينه تعالى بكلامه، وشُوهد من أحكامه، فنبهنا على اعتبار ما جرى به سننه، وأمرنا بالسير في الأرض والنظر إليه، ولم يعن بالسير السعي بالأرجل، ولا بالنظر نظر العين، فذلك غير مغنٍ بانفراده في معرفة سنة الله في الذين خلوا، وإنما عنى إجالة الخاطر فيها، والنظر بالبصيرة للمتحرين للحكم، والمنبهين على العبر، وعلى هذا قوله: (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ)، وقوله: (فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا)، وقد

стр. 1073

حمل بعض الصوفية قوله ﷺ "سافروا تغنموا" على هذا. قوله تعالى: (هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٨) جعل تعالى القرآن بياناً للعامة والخاصة، فلهذا قال للناس لأنه ما من ذي فكرة استمع إليه إلا حصل منه بيان ما، وجعله هدى وموعظة للمتقين خاصة، وقد تقدم الكلام في تخصيصه هدى لهم في قوله: (هُدًى لِلْمُتَّقِينَ)، فالفرق بين الهدى والموعظة: أن الهدى يقال باعتبار معرفة الشريعة وسلوك طرقها إلى ثواب الله تعالى، والوعظ يقال باعتبار معرفة الثواب والعقاب، إن

стр. 1074

قيل: أيراد بذلك أنهم يهتدون ويتعظون، أم انهم يهدون ويعظون؟ قيل: يحتمل الوجهين، ويضحّ حمله عليهما، فهم في الحقيقة يهتدون به ويتعظون، ويهدون به غيرهم ويعظون. قوله تعالى: (وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) الوَهن والوهْي يتقاربان، لكن الوهْن ضعف، والوهْي يقال فيه وفي التخرق، فهو أعم. والحزن: ألم موجع للنفس من فوت مطلوب أو فقد محبوب. إن قيل: كيف أُمِرَ

стр. 1075

الإِنسان بأن لا يهن ولا يحزن، وليس ذلك باختياره، بل هو شيء يعرض له بالاضطرار؟ قيل: النهي في الحقيقة متوجه إلى تعاطي فعل ما يورث ذلك، وإن كان في اللفظ متناولا للحزن والوهن، وذلك أن الحزن يعرض بأن لا يستشعر الإِنسان ما عليه جُبلت الدنيا. ولا يعرف أن أموالنا وأبداننا عارية مستردَّة، ولا يحتمل صغار المكاره، فيتوصل بها إلى احتمال ما هو أعظم منها، وعلى هذا قوله: (لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ). وقوله: (وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ): قيل: عنى في الاستقبال إشارة إلى نحو قوله: (وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)، فيكون هذا وعداً لهم،

стр. 1076

وقيل: أراد في الحال فإنهم الأعلون بالحجة ورجاء المعفرة. إشارة إلى نحو قوله: (إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ) ومثله: (لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى). وسبب نزول ذلك، قيل: هو أن النبي ﷺ أمر بطلب القوم بعد يوم أحد، وقال: "لا يخرج معنا إلا من شهدنا بالأمس "، فاشتد على المسلمين، وقالوا: فينا جرحى، فأنزل الله تعالى ذلك، ونبَّه بقوله: (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) أن من شرط

стр. 1077

الإِيمان رفض الوهن والحزن وأنتم مؤمنون، فواجب أن لا تهنوا ولا تحزنوا سيما والعلو لكم. قوله تعالى: (إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠) الفرق بين المسّ واللمس: أن اللمس أخص، فإنه بالحاسة، والمس به وبغيره، وهو ههنا

стр. 1078

عبارة عن الإِصابة والقرح أعم من الجرح، فإن الجرح إصابة الجارحة في الأصل، والقرح يقال له ولما يحدث من ذاته، نحو قَرِحَ البعير إذا خرجِ به قَرْحَة، وهي شِبه جرب. والقرح مصدر ثم يسمى المقروح قرِحا. والقُرْح الاسم، وقال بعض أهل اللغة: القَرْح: الجراحة. والقُرْح: ألمها. والدول والدور يتقاربان، لكن الدور أعم، فإن الدولة لا تقال إلا في الحظ الدنيوي،

стр. 1079

وكذلك الجد، ولهذا قيل: "لا ينفع ذا الجدَ منك الجد" أي الحظوظ الدنيوية غير نافعة في القيامة،، نحو: (يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ)، وقوله: (وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ) قيل ليعرف، ولهذا تعدى إلى مفعول واحد. وقيل: إن مفعوله الثاني محذوف ومتى قيل في الله: إنه علم كذا أو لم يعلمه، فليس القصد إلى إثبات علمه أو نفيه. وإنما القصد إلى إثبات ذلك الشيء أو نفيه، وإذا استعمل في غيره

стр. 1080

فإنه يقال على الوجهين، وأما الشهداء فقد قيل: هم المذكورون في قوله (لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ). وقال الحسن وقتادة: عنى بها المقتولين في الحرب، وسُمُّوا بذلك لقوله: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) الآية،

стр. 1081

لما جعلهم أحياء عند ربهم سُموا شهداء، وأصل ذلك أن غاية ما يستحقه الإِنسان في الآخرة القرب من الله، وكونه عنده، ولما وعد الله القتيل في سبيله بذلك سُمي شهيداً، ونبَّه تعالى بالآية أنه غير إنصاف لمن ساوى العدو في المغالبة الدنيوية أن يحزن، فكيف بمن كان غالباً، وبين بقوله: (وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا) أن من حق العاقل أن لا يبالي بما يفوته مالاً كان أو جاهاً أو قهراً. فإن الله جعل بِنْيَةَ الدنيا على أن تكون أعراضها دولاً بين أخيارهم وأشرارهم، وليصبر الأخيار فيما يصيبهم من المحن، ويشكروا ما ينيلهم من المنح، فيصلوا بذلك إلى ثوابه، وعلى ذلك (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ) إن قيل: هل يصح أن تكون الدولة للكافرين على المؤمنين؟ قيل: يجوز ذلك إذا كانت الدولة من الحظوظ الدنيوية، التي قد يُعطى الكافر منها أكثر مما يُعطى المؤمنون، قال قتادة: ولولا الدولة ما أوذي المؤمنون،

стр. 1082

لكن قد يدال الكافر من المؤمن، ويبتلى المؤمن بالكافر، ليتميز المطيع من العاصي، وقد حكم تعالى في كل ذلك أن الغلبة للمؤمنين في الحقيقة بقوله: (فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ). وفي قوله: (وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ)، تنبيه أنه لا ينصر الكافرين في الحقيقة، وإن تصور بعض الناس ما يعطيهم في بعض الأحوال نصرة منه، تنبيه أنه لا يظلم، فمحال أنه مع حكمه بأنه لا يحب الظالمين يفعل فعلهم. قوله تعالى: (وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (١٤١) المحص كالفحص، لكن الفحص يقال في إبراز الشيء من

стр. 1083

خلال أشياء منفصلة عنه، والمحص في إبرازه عن أشياء متصلة به. قال الخليل: التمحيص: التخليص، عن العبث، يقال: محِّص عنا ذنوبنا، والمحق هو إبطال الشيء حالا فحالا.

стр. 1084

والقصد بتمحيص المؤمن ما ذكره في قوله: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا). وقوله: (وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ) وعلى معنى المحص ما ورد من لفظ الفتنة والابتلاء، والقصد بمعني الآية أن المؤمن والفاسق كسبيكتي ذهب: إبريز كَلف، وبهرج من خزف إذا فتِنَا خلص الإِبريز، وانمحق البهرج، فكما أن السبك سبب لاختيار الإِبريز وإعداده في خاصّ الخزانة، وسبب لاجتواء البهرج وطرحه بالمبعد، كذا التكليف سبب لاصطفاء المؤمن لكريم جوارِه، وطرد الكافر إلى حرق ناره، كما قال في المؤمنين. (فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ)، وقال في الكافرين: (كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ).

стр. 1085

قوله تعالى: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (١٤٢) معنى أم حسبتم: لا تحسبوا، واستعارة الاستفهام للنهي، مبالغة في المعنى،

стр. 1086

و (أَمْ): على وجهين: معادلة للألف، ولاستئناف استفهام، ويُفسر ببل، ومن النحويين من قال: لا تنفك من أن تكون تابعاً للألف. إما ملفوظاً به أو مقدراً، وقال: وتقدير الكلام ههنا لما ذكر قوله: (وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا) أعلمتم ذلك (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ). وقد تقدم أن كل موضع نُفي فيه علم الله فإنما هو نفي لما يتعلق به، ويدل على صحة ذلك قولهم: ما علمت أحداً

стр. 1087

يخرج إلا زيدٌ، فجاز الرفع في زيد لما كان معناه ما يخرج أحد فيما علمت إلا زيد، وأما قوله: (وَيعْلَمَ) فمنصوب على الصرف،

стр. 1088

وقد قُرئ (وَيَعْلَمْ الصَّابِرِينَ) بالجزم، والفرق بين العطف والنصب على الصرف هو أنه إذا كان عطفا يراد حصول الفعلين مجتمعين كانا أو مفترقين، وإذا نصب فالمراد حصول الفعلين معاً، ونفيهما معا، على ذلك قول الشاعر: لا تنه عن خلق وتأتي مثله. . . معناه لا تجمع بين الأمرين معاً، ويحتمل أن يكون (وَيَعلَمَ)

стр. 1089

معطوفاً على قوله: (أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ)، وذاك أنه لما ضمن للصابرين دخول الجنة في غير موضع، بين ههنا أن لا يدخلوها محكوماً لهم بالصبر، ولما يجاهدوا، إذ كان الصبر لا يثبت إلا بمجاهدة النفس، ولم يعن بالمجاهدة الجهاد في حرب الكفار فقط، بل أراد ذلك ومجاهدة الشيطان والنفس المدلول عليها بقوله ﷺ "جاهدوا أهواءكم كما تجاهدون أعداءكم "، ونحو هذه الآية قوله: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ). قوله تعالى: (وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (١٤٣) سبب نزولها أن قوماً لم يحضروا بدراً كانوا يقولون: ليت لنا يوماً مثله، حتى نجاهد.

стр. 1090

وقيل: سببه أن قوماً سألوا النبي ﷺ أن يأذن لهم أن يأتوا المشركين في رحالهم ويقاتلوهم، فقال ﷺ : "لم أؤمر بذلك ". والموت عبارة عن الحرب، كقول الشاعر: إذا استنزلوا عنهن للطعن أرقلوا. . . إلى الموت إرقال الجمال المصاعب وأراد أنكم تمنيتم الحرب فلِمَ تحيّرتم؟ والنظر يكنى به عن التحيرّ، نحو:
следующие страницы →