Полный текст (2 001 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.
стр. 1086
و (أَمْ): على وجهين: معادلة للألف، ولاستئناف استفهام، ويُفسر ببل، ومن النحويين من قال: لا تنفك من أن تكون تابعاً للألف.
إما ملفوظاً به أو مقدراً، وقال: وتقدير الكلام ههنا لما ذكر قوله:
(وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا) أعلمتم ذلك (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ).
وقد تقدم أن كل موضع نُفي فيه علم الله فإنما هو نفي
لما يتعلق به، ويدل على صحة ذلك قولهم: ما علمت أحداً
стр. 1087
يخرج إلا زيدٌ، فجاز الرفع في زيد لما كان معناه ما يخرج أحد فيما
علمت إلا زيد، وأما قوله: (وَيعْلَمَ) فمنصوب على الصرف،
стр. 1088
وقد قُرئ (وَيَعْلَمْ الصَّابِرِينَ) بالجزم، والفرق بين العطف
والنصب على الصرف هو أنه إذا كان عطفا يراد حصول الفعلين
مجتمعين كانا أو مفترقين، وإذا نصب فالمراد حصول الفعلين
معاً، ونفيهما معا، على ذلك قول الشاعر:
لا تنه عن خلق وتأتي مثله. . .
معناه لا تجمع بين الأمرين معاً، ويحتمل أن يكون (وَيَعلَمَ)
стр. 1089
معطوفاً على قوله: (أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ)، وذاك أنه لما ضمن
للصابرين دخول الجنة في غير موضع، بين ههنا أن لا يدخلوها
محكوماً لهم بالصبر، ولما يجاهدوا، إذ كان الصبر لا يثبت إلا
بمجاهدة النفس، ولم يعن بالمجاهدة الجهاد في حرب الكفار
فقط، بل أراد ذلك ومجاهدة الشيطان والنفس المدلول عليها
بقوله ﷺ "جاهدوا أهواءكم كما تجاهدون أعداءكم "، ونحو هذه الآية قوله: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ).
قوله تعالى: (وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (١٤٣)
سبب نزولها أن قوماً لم يحضروا بدراً كانوا يقولون: ليت لنا يوماً مثله، حتى نجاهد.
стр. 1090
وقيل: سببه أن قوماً سألوا النبي ﷺ أن يأذن لهم أن يأتوا المشركين في رحالهم ويقاتلوهم، فقال ﷺ :
"لم أؤمر بذلك ".
والموت عبارة عن الحرب، كقول الشاعر:
إذا استنزلوا عنهن للطعن أرقلوا. . . إلى الموت إرقال الجمال المصاعب
وأراد أنكم تمنيتم الحرب فلِمَ تحيّرتم؟ والنظر يكنى به عن
التحيرّ، نحو:
стр. 1091
والموت خزْيان ينظر
وقيل: وأنتم تنظرون إلى النبي ﷺ لكونه بين أظهركم، وذلك تبكيت لهم، وقول النحويين: أراد بالموت سببه، فحذف
المضاف، فقريب، وقول أبي علي الجبائي: إنه لا يجوز أن
стр. 1092
يتمنّوا قتل المشركين لهم، "فإن قتل المشركين لهم كفر بالله، ولا
يجوز للمؤمن أن يتمنّى الكفر بالله، وإنما تمنّوا الموت الذي هو
فعل الله في الحال، التي يكون فيها أبعد من العاصي، فهذا تحَيُّل
لمراد القوم إنما تمنوا حرباً ليبلوا فيها بلاءً حسناً.
قوله تعالى: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤)
رُوي أنه لما كان يوم أحد نادى منادٍ: قُتِلَ محُمّد، فقال قوم: علام نقاتل وقد قُتِلَ رسول الله؟! فأنزل الله ذلك.
والإِشارة بالمعنى إلى ما قال أبو بكر لما مات النبي ﷺ من كان يعبد محمداً فإنه قد مات، ومن كان
стр. 1093
يعبد الله فإن الله حي لا يموت، أيها القوم إن الله قد نعى إليكم
نبيكم " ثم تلا الآية، ولفظ الاستخبار يتناول: (انْقَلَبْتُمْ).
وقوله: (فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا) تعريض بهم بأنهم يضرون أنفسهم.
إن قيل: كيفْ تعلق قوله: (وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ) بما قبله؟
قيل: إن ذلك قضية حُذِفَ بعضُها، تقديرها: ومن أحسن يجزه الله.
فإنه سيجزي الشاكرين.
قوله تعالى: (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (١٤٥) .
стр. 1094
اللام في قوله: (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ) على سبيل نسبة الانفعال إلى المنفعل، كقولك: الموت للنفس والنسج للثوب، ولما توهَّم المنافقون أن القتل غير
الموت، وأن الإِنسان سيجد سبيلًا إلى الخلاص منه، ولم يتصوروا
تقدير الله وأن ذلك مقضي لا انفكاك منه، حتى قالوا: (لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا)، بين تعالى أن الموت شيء مقضي محكوم به، وهذا
معنى (كِتَابًا مُؤَجَّلًا)، فلا تأخير له، ودل على ذلك بآيات الله.
نحو قوله تعالى: (لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ)
وقوله: (فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ).
وقوله: (أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ)
стр. 1095
وقوله في هذه السورة: (يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا)
وعلى ذلك قول الشاعر:
. . . أن الفرار لا يزيد في الأجل
ولما كان أكثر الأعمال مشتبه الصور، وإنما يتميز الخبيث من
الطيب بالنيات، ولهذا قال ﷺ : "الأعمال بالنيَّات ولكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله " الخبر.
والمجاهد في سبيل الله ثلاثة:
إما قاصد به الآخرة غير ملتفت إلى الدنيا،
стр. 1096
وإما قاصد عرضا دنيويًّا مراعيا فيه حكم النّه على ما ورد الأمر في
قوله: (وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ).
وإما قاصد عرضاً دنيويَّا غير مراع فيه حكم الله على ما دل عليه قوله: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ) فُسِّر على الوجهين:
أحدهما: أن لفظ الثواب ههنا على التوسع، وإنما هو على نحو الحرث في
قوله: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ)
ويكون المعنى على نحو ما بينه في قوله: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ).
والثاني: أن الثواب هو الذي يحصُل للإِنسان ولا يلحقه فيه تبعة.
فالمراد به ما ذكره في قوله:
стр. 1097
(وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ)، وقوله ﷺ :
"من طلب الدنيا استعفافاً عن المسألة، وسعياً على أهله، بعثه الله ووجهه كالقمر ".
وقو له: (وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ) قد تقدم الكلام فيه.
قوله تعالى: (وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (١٤٦) .
كأين: بمعنى كم، وأصله أي دخله الكاف، والنون في
стр. 1098
آخره هو التنوين، قيل: وإذا وقف يقال كأيْ على قول من قال
مررت بزيدْ، وكأيى على قول من قال بزيدي، وقال بعض
النحويين: يجوز أن يُقال كأيِّن في الوقف، لأنه لمّا تركبا صار التنوين.
كحرفٍ من الكلمة، كقولهم: رعملي ولعمري.
والرِّبيّ: قيل: التقيِّ العالم المنسوب إلى الربّ، وكذلك الرّباني وغُيِّرَ في النسبة كقولهم في أمس إمْسِيٌّ، وفي الجُمَّةِ جُمّانيّ، وقيل الرِّبيّون
الجماعات الكثيرة، ومنه قيل للجماعة رِبَّة، ولما يجمع فيه القِداح
رِباية، والفرق بين الوهن والضعف: أن الوهن إخلال يغير
стр. 1099
الإِنسان، ويضادّه الشّدة، والضعف أختلال بنقصه ويُضادّه
القوى، والاستكانة: الخشوعُ والتضرعُ للمخافة.
وقيل: قُتِل هو فعل مسند إلى قوله: (وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ)، " و (مَعَهُ رِبِّيُّونَ)، استئناف في موضع الحال، كأنه قُتل ومعه.
وقال الحسن: ما قُتل نبي قط في حرب.
وقال بعضهم ما قال الحسن؛
стр. 1100
وإن صح فإنّه لا ينفي أنه قُتل في غير حرب.
وقيل: إن قوله: (قُتل) فعل لقوله (ربيون) أي قُتِل جماعة منهم، فلم يهن الباقون منهم، ومن قرأ: (قَاتَلَ) فيحتمل الوجهين.
وقوله: (وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ).
فقد جعلهم محبوبيه تعظيماً لقدرهم، وإلى معنى المحبة أشار بقوله:
(إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ)، وقوله: (وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا).
وقال ﷺ : "الصبر خير كله ".
وقال: " الصبر من الإِيمان بمنزلة الرأس من الجسد".
стр. 1101
قوله تعالى: (وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (١٤٧)
الفرق بين الدْنب والإسراف من وجهين:
أحدهما: أن الإسراف نجاوز الحد فى فعل ما يجب، والذنبُ عام فيه وفي التقصير، فإذاً كل إسراف ذنب، وليس كل ذنب إسرافاً.
والثاني: أن حقيقة الذنب: التقصير وترك الأمر حتى يفوت، ثم يؤخذ بالذنب. والذنب إذن في الأصل مقابل الإِسراف، وكلاهما مذمومان، أحدهما: من جهة التفريط. والآخر: من جهة الإِفراط.
стр. 1102
والمحمود هو العدالة، والقصد المنفك منهما، وثباتَ القدم في الأمر
اللزوم، وعلى هذا قوله: (فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا)، وكيفيّة
تثبيت الأقدام، قيل بإلطاف من جهته، وقيل بإنزال الملائكة
عليهم، وذلك عام في كل نصرةٍ ينصر الله بها عبده من قوة نفسه.
ومما يعينه من خارج.
وقيل: أشار بذلك إلى سؤال الصيانة عما يحبط ما تقدم من الأعمال.
وهذا السؤال نحو ما رُوي
стр. 1103
عن النبي ﷺ : "يا مقلب القلوب ثبِّت قلبي على دينك ".
والآية هى من جملة الحكاية عن الرِّبيين، وتحقيقٌ لما قال: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ) الآية، وحثٌّ على الاقتداء بمن
تقدّم في أحوالهم التي وصفوا بها، وهذه الجملة من التضرّع إلى
الله وهو جِماع سؤال الخيرات، فقد سألوا الله العفو عنهم فيما
كان منهم من إفراطٍ وتفريط، والحراسة في أنفسهم ونصرهم
على أعدائهم.
قوله تعالى: (فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٤٨) .
ذكر في ثواب الآخرة الحُسن تنبيها أن ثواب الدنيا بالإِضافة إليها غير
مُستحسنٍ لانقطاعه، ونبّه بالآية أنّ من أراد ثوابَ الدنيا
стр. 1104
لم يحصل له ثواب الآخرة، وأنّ من أراد الآخرة حصلت له الدنيا
والآخرة معا، وعلى هذا قال ﷺ : "من كانت همّته للدنيا شتت الله عليه أمره، وجعل فقره بين عَينيه، ولم يؤته من الدنيا إلا ما كتِبَ له، ومن كانت همّته الآخرة جمع الله شمله، وجعل غِناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة"
وهذا المعنى الذي اقتضاه الخبر ذكره
стр. 1105
ابن الرومي في قوله:
وتاجر الأجر لا يزال له. . . أمران كل متجرٍ تجره
أجر وحمد وإنما قصد الـ. . . أجر ولكن كلاهما اعتوره
وسئل سفيان بن عيينة: هل يُعطى المسلم ثواب عمله في
الدنيا؟ فقال: نعم، وتلا هذه الآية، وقوله تعالى: (وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ).
وقوله في قصة يوسف: (وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ. . .) الآية، تْم
стр. 1106
قال: (وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا. . .) الآية.
قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (١٤٩) .
هذا هو المعنى المذكور في قوله: (إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ)، لكنه لما ذكر هناك باللفظ العام وهو أهل الكتاب الواقع على مؤمنهم وكافرهم خصَّ فريقاً منهم.
فإن قيل: لم غيّر العبارتين؟ ولم كرر ذلك؟
قيل: إنه عرّض في الأول بالنهي، فلما بيّن أحوال المنهيّ عن
طاعتهم، ونبّه على فساد طريقتهم وإرادتهم الشر بالمسلمين أعاد
النهي عن طاعتهم مصرِّحًا، وهذه الطريقة يسلكها الوعظة
المهرة، فنهي الإِنسان عما يهواه إذا لم يعرف قبحه إغراء بفعله،
стр. 1107
فحقٌّ للواعظ أن يتوصل أولاً إلى كشف قبحه، وما يعرض فيه
من الفساد، ثم يصرحُ بتحريمه، والنفي عنه.
وقول الحسن: إنه عنى بالذين كفروا: اليهود والنصارى.
وقول السدّي: إنه أراد المشركين أبا سفيان وأصحابه، فكلاهما صحيح.
فاللفظ عام، ومطاوعتهما ترد على الأعقاب وتورث الخسران.
قوله تعالى: (بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (١٥٠)
لما تقرر في العقول: أن المولى يَعُزُّ بحسب عِزَّة مواليه.
وتقرر عند المسلمين أن الله هو العزيز في الحقيقة، وأن كل
عزيز فمنه وبه يَعزُّ، وقد كان نهاهم في الآية المتقدمة عن
موالاة الكفار، والدخول تحت طاعتهم بيّن، أن من
стр. 1108
كان، الله مولاه فهو غني عنهم فهو خير مولى وناصر.
وهذا المعنى قد نبه تعالى عليه في مواضع بألفاظ كثيرة، نحو (نِعْمَ الْمَوْلَى)، وقوله: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا).
وفي لفظة بل تلطف وتنبيه أن من المحال أن يكون من تخصص
بموالاة الله، وعرف أن العزَّ منه أن يعتمد غيره أو يقصد سواه.
قوله تعالى: (سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (١٥١)
الرعب: استرخاء القوى وتقطُعُها من الخوف، ومنه:
стр. 1109
جارية رعبوبة، ورعبت السنام قطعته، وبهذا النظر
قالوا: تقطَّع نياط قلبه، وانخلع قلبه، وتوزَع خاطره.
والسلطان: الحجة، وقد تقدم.
والمثوى: إطالة الملازمة.
وقوله: (بِمَا أَشْرَكُوا) أي إشراكهم،
стр. 1110
وقوله: (مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ) بدل من ما الأولى، لكن بمعنى
المصدر، إذ لا ضمير يرجع إليه، والثاني بمعنى الذي، إذ
فيما بعده ضمير، ويجوز أن يكون خبر ابتداء مضمر.
أو على تقدير: أعني شيئا لم ينزل به سلطانا.
والمعنى لا يختلف، ونبّه أنه لم يجعل لهم حجة فيما قالوا: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى)، ولقوله: (سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ)، ولظهور حكمه، وما شوهد
стр. 1111
من صدقه. قال : "نُصرتُ بالرُّعبِ ".
وتصديق ذلك قد شوهد، فقد كان الصناديد يقصدونه ﵇ لمكاوحته أو الاغتيال عليه، فما كانوا إلا أن يُمكِّنوا أبصارهم منه فيذلوا.
ولمشاهدة الحالة قال فيه الشاعر:
لو لم تكن فيه آيات مبينة. . . كانت بداهته تُغنيك عن خبر
وهذا أحد دلائل للنبوات التي يعتمدها من عرف الحقائق.
وليس هذا الرعب للنبي ﷺ فقط، بل لأحزابه والمقتدين به، حتى نرى من رجح عقله وحسن في قمع الشهوة حاله مهيب.
وجعل جهنم مثوى مذموما بالإِضافة إلى الطباع، واعتبارها
بكراهتها لها،
стр. 1112
وعلى ذلك قوله: (وَسَاءَتْ مَصِيرًا).
قوله تعالى: (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (١٥٢) .
الحسُّ: يُقال للإِصابة بالحاسّة نحو عِنْتُه ويَدَيْتُه، أي أصبته بهما.
ويُقال تارة لإِصابة الحاسّ نحو بطنته وظهرته، أي أصبتهما.
ولمّا كان إصابة الحاسّة قد يتولد منه فقد الروح استُعير للقتل،
стр. 1113
وإذنه هاهنا يصح أن يكون أمره، وأن يكون تسهيله وتوفيقه.
والفشل: ضعف النجيزة، وذلك يكون عن الحرب، وعن
السخاء، بل عن تحمل المضض، وجعل تعالى ميلهم إلى
الغنيمة فشلًا، فإن الحرص والبخل من فشل النجيزة، وسبب
نزول هذه الآية فيما رُوِيَ أن النبي ﷺ كان قد وعد المؤمنين بقهر الكفار يوم أحد، ولما صفّ الصفوف جعل أُحُداً خلف ظهره.
واستقبل المدينة، وجعل عَيْنَينَ وهو جبل عن يساره، ورتب
стр. 1114
عليه رماة خمسين، واستعمل غليهم عبد الله بن جبير، وأوعز
إليهم أن قوموا في مصافكم، فإن رأيتمونا وقد غنمنا فلا تشاركونا.
وإن رأيتمونا نُقتل فلا تنصرونا، فلما رأوا الكفار يهزمون.
اختلفوا فبادر بعضٌ إلى المعركة، ونظر خالد بن الوليد إلى
الجبل وكان كمينًا للمشركين، فكَرَّ بالخيل، فقتل من بقي من
الرماة، وانتقضت صفوف المسلمين حتى كان ما كان، فقال
стр. 1115
قوم: إن الله قد وعدنا نصرنا، فتغيّرت قلوبهم، فبيّن تعالى أنه
قد صدقكم وعده، وأخذتم تقتلونهم إلى أن اعتراكم الفشل.
ووقع بينكم تنازع، فصرفكم عنهم.
وقوله: (مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا) قيل: الغنيمة.
(وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ) أي نصرة النبي في ترك
المكان والمبادرة إلى القتال.
стр. 1116
وقيل: بل عنى بمن يريد الآخرة من أقام حافظاً لما استُحفظ.
وقوله: (ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ) قيل: صرفهم إنما كان.
بمنع النُّصُرة وترك إنزال الملائكة عليهم والسكينة، وبإخراج
ما في قلوب الذين كفروا من الرعب، فبيّن أن لم يكن صَرفكم
عنهم خذلاناً لكم، بل كان مؤاخذة لميلكم إلى الدنيا وابتلاءً
لكم، كما بينه بقوله: (وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ)
стр. 1117
وذكر أنه عفا عما كان منهم من مخالفتهم النبي ﷺ .
وإخلالهم بالمركز، قال الحسن: عفا عنهم، إذ لم يستأصلهم.
فقد قتل منهم من قتل، وكسر رباعيّة الرسول ﷺ ، وقيل: (عَفَا عَنْكُمْ) حيث عاقبكم في عاجل الدنيا، وأفضل
عليكم بذلك لكونه موعظة لكم في معاودة مثله)، ثم بيّن أن
стр. 1118
الله ذو فضل في عفوه عنكم في انهزأمكم وفي صرفكم عنهم، الذي
صار سببا لتهذيبكم وتمحيصكم، وسبباً لأن تصيروا مجاهدين
في المستقبل، فيعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء، فكل
ما هو سبب خير وإن كُره ففضل.
واختُلفَ في جواب (إِذَا) فقال الفرّاء: تقديره تنازعتم.
والواو مقحمة، قال: وذلك يكثر مع إذا نحو (حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ) وقوله: (حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ) أي: فتحت.
وقوله: (فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ) أي ناديناه.
وقال ابن بحر:
ثم صرفكم جواب، وتقديره صرفك، وقال: ودخل (ثُمَّ)
стр. 1119
في الكلام، لأنه في المعنى مثل: إذا، وكأنه رد لفظ إذا لما طال
الكلام، كقوله: (وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ)، ثم قال:
(فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ) فأعاد لمَّا لمَّا طال.
فكذلك القول في (ثُمَّ صَرَفَكُمْ) وهذا القول أستطرفه.
فإني أراه تصور ثُمَّ بمعنى ثَمَّ على التقدير الذي ذكره.
وقال البصريون: جوابه في هذه الأمكنة كلها محذوف.
قوله تعالى: (إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٥٣)
إذ: متعلق بقوله: (عَفَا) وبقوله: (ذُو فَضْلٍ).
والإصعاد: الإِبعاد في الأرض، سواء كان
стр. 1120
في صعودٍ أو حدورٍ، وإن كان أصله من الصعود كقولهم:
تعال في أنْ صار في التعارف، قد يقال لغير معنى العلو.
والصعود: الذهاب في صعود. ولما روى قتادة والربيع: أن
стр. 1121
من هرب من المؤمنين ذهبوا في الوادي.
وروى الحسن أنهم صعدوا في الجبل.
وقرئ (تُصْعِدُونَ) اعتباراً بالرواية الأولى
و (تَصعَدون) اعتباراً بالرواية الثانية، وإنمّا ذلك باعتبار علوِّ
الإِنسان في أمرٍ تحرَّاه، كقولك: أبعدت في كذا، وارتقيت في
كذا كل مرتقى، فكأنه قيل: إذ تبعدون في استشعار الخوف،
стр. 1122
الاستمرار على الهزيمة.
وقوله: (وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ) تعريض بهم في الهزيمة.
ونحوه تحرّاه حسان، بقوله.
ترك الأحبةَ أن يُقاتل دونهم. . . ونجا برأس طِمِرَّة وثّاب
стр. 1123
وقرأ الحسن: (وَلَا تَلْوُونَ) من ولي.
وقال بعضهم: هو خطأ.
ووجهه أن ذلك تبكيت لهم، وأنهم لم يلو ما وُلُو بل أخلّوا.
وقوله: (يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ)، أي هو بين جماعة
المتأخرين منكم.
وروي أن رسول الله) مم كان يناديهم: "يا عباد الله ارجعوا".
إن قيل: كيف قال (فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ)،
стр. 1124
والإِثابة تُقال في المحبوب دون المكروه؟!
قيل: قد قال بعضهم: إن ذلك يستعمل في المكروه على أحد وجهين:
إمّا لأن الثواب في الأصل ما يرجع إلى الإِنسان من ثمرة فعله خيراً كان أو شرّاً، ولكن تعورف في الخير، فإذا استعمل في المكروه فعلى اعتبار الأصل.
والثاني: أن ذلك على الاستعارة، وضرب من التهكُّم
في كلامهم، كقوله:
. . . تحيه بينهم ضرب وجيع
стр. 1125
وقال بعض المحققين. إنما ذكر لفظ الإثابة هاهنا في الغمّ، لأن
غمّهم وإن كان مكروهاً بالطبع فهو ثواب من الله من وجه، لأنه
كان سبب تهذيب نفوسهم، الذي بيّنه تعالى بقوله: (لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ)، وكل أمر يؤدي بالإنسان إلى أن يجعله بحيث
لا يقلقه فوت مطلوب وفقد محبوب فيا له من ثواب، ولهذا
قال حكيم: جماع الزهْادة في قوله: (لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ)
فقوله: (غَمَّا) من المفسرين
следующие страницы →