← Тафсир

Тафсир · id 9231

تفسير الراغب الأصفهاني

الراغب الأصفهاني

Полный текст (2 001 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

وكذا مراجعة عمر له بما همَ به من كتاب القضية عام الحديبية. فثبت أن ما يتعلق بالأمور الدنيوية حال الرسول ﵇ وغيره فيه سواء، والمشاورة مستحبة له كما هي مستحبة لغيره. قوله تعالى: (إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٦٠) أكثر المفسرين جعلوا نصرة الله للعبد في الحقيقة تقويته بأعظم السلطانين الذي هو الحجّة القاهرة وأعظم التمكينين الذي هو العاقبة المذكورة في قوله: (وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) وفي أشرف الدارين

стр. 1157

حيث لا ينفع مال ولا بنون. فقالوا: معناه: إن حصل لكم النصرة فلا تعتدُّوا ما يعرض من العوارض الدنيوية في بعض الأحوال غَلَبة، وإن خذلكم في ذلك فلا تعتدّوا ما يحصل لكم من القهر في الدنيا نصرة، فالنصرة والخذلان معتبران بالمآل. ومنهم من اعتبر ذلك في أمر الدنيا، فقال: معناه: إن نصركم الله في الدنيا بموافقتكم ﷺ فلا غالب لكم، وإن لم ينصركم فلا ناصر لكم. وحَمله على الأول يدخل فيه الثاني، فإن من نُصِر في آخرته فهو في الدنيا منصور، وإن لم يدرك نصرته إلا بالبصيرة دون البصر، وحمله على الثاني قد ينفك من نصرة الآخرة. وقوله. (وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) أمرهم بالتوكل عليه، كما أمر النبي ﷺ في الآية الأولى، وأن يستجلبوا النصرة منه بذلك.

стр. 1158

قو له تعالى: (وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦١) الغلول: تناول مال الغير بضرب من المكيدة، وكثر استعماله في الغنيمة، وسبب نزول ذلك، قال ابن عباس: هو أن فُقِد قطيفة حمراء يوم بدر، فقال بعض الناس: لعل النبي ﷺ أخذها، وقال الضحاك: هو عتاب لمن استُحفظوا الثنيّة

стр. 1159

يوم أحد، حيث قال بعضهم: ربما يقول النبي ﷺ : "من تناول شيئاً فهو له " فَنَبقى بلا غنيمة، فعلى هذا يكون هذا القول ثناء عليه ﷺ ، وقال بعضهم: بل ذلك حثٌّ، للنبي على التعفف، وإن كان معلوماً أنه لا يغُل، كقوله: (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ). ومن قرأ (يُغَلَّ) فقد قيل: نهي للناس أن ينسبوا ذلك إلى النبي ﷺ -

стр. 1160

من قولهم: أغللت فلانا. كقولهم: أكذبته. وقرأ رجل بحضرة ابن عباس "يُغَل" فقال: بلى ويُقَتل. فكأنه حمله على الخبر، ولم يرتض قراءته. وقال الحسن: نَهْي أن يَخُونوه. فإن قيل: فلم خصّه والخيانة معه ومع غيره مذمومة؟ قيل: قد قال بعض الناس: إن تخصيصه تعظيم له. فإن الخيانة وإن كانت مستقبحة مع كل أحد. فمع من يُرشح لهداية الناس أقبح،

стр. 1161

وقال بعض الناس: إن ذلك في الحقيقة نهي عن الخيانة رأسا في كل ما أتى به النبيِ ﷺ من الأحكام، كقوله: (لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ). وقال بعض الناس: قراءة من قرأ؟ (يَغُلَّ) أولى، لأن كل ما جاء في التنزيل من هذا النحو فمسندٌ إلى الفاعل دون المفعول. نحو (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ). وقوله: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ). وقوله: (وَمَن يَغلُل) تعظيم للغلول، وأنه لا انفكاك له من جزائه، فكأنّ ما قد غلّه يَصحبُه، وعلى هذا ما قال النبي ﷺ : "لا أعرفنُّ رجلًا يأتي بفرسٍ له حَمْحَمة"). وعلى هذا ما قاله ﷺ : "لا أعرفن رجلًا يأتي ببعير قد غلّه له رغاء".

стр. 1162

، وعلى هذا ما حُكِي عن لقمان: (يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ) وقد تقدم الكلام في باقي الآية. قوله تعالى: (أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦٢)

стр. 1163

قَرِئ: رُضوان، وهما مصدران نحو: كفران وحسبان. وهو غاية الرضا، و (باء) بكذا رجع به، ومنه البَوَاء في القصاص. إذا كان فيه مرجوع فيمن قتل. والسخط: حصول غضب يقتضي عقوبة. وإذا استعمل في الله فبمعنى إيجابه العقوبة.

стр. 1164

والغيظ يقاربه، إلا أنه يُقال إذا كان معه تغيّر منكر، ولا يُوصف به الله، والفرق بين المصير والمرجع: أن الرجوع هو انقلاب الشيء إلى حال كان عليها، أو ما هو مُقدّر تقديرها. والمصير: التنفل من حال إلى حال أخرى، فهو أعمُّ من الرجوع. والقصد بالآية تبعيد ما بين الفريقين كقوله: (لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ). قوله تعالى: (هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٦٣)

стр. 1165

قيل: هي صفة لـ (من اتبع رضوان)، وبيّن أنه كما أن من باء بسخطٍ من الله مأواه جهنم، فمن اتبع رضوانه هم ذوو درجات عند الله أي ثواب كبير، والصحيح أنه قسّم الناس في الأولى قسمين: فائزاً برضوانه وبائياً بسخطه، وبيّن في هذه أن القسمين كل واحد بين البعض والبعض تفاوتا، وذاك أن الناس إذا اعتبروا فمن بين ملكٍ مقرب، كما قال: (إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ). وبين أخسّ بهيمة، كما قال: (وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ). وما بينهما بحيث لا يمكننا حصره، ولذلك قيل في المثل:

стр. 1166

الناس أخيافٌ وشتّى في الشيم وكلُهم يجمعهم بيتُ الأدم ولتفاوت درجاتهم وتفاوت ثوابهم وعقابهم ما روي أن الجنة درجات والنار دركات، ونبَّه بقوله: (وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ)، أنه لا يخفى عليه ما يتحرّاه كل واحد، فإذن

стр. 1167

يقف كل موقفَه الذي يستحقه. قوله تعالى: (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤) المِنَّة: استكبار النعمة بالفعل أو بالقول، فأما بالفعل فحسن، وأما بالقول فما لم يكن فيه وعظٌ ممن له الوعظ فمستقبح، ولذلك قيل: المنّة تهدم الصنيعة، وقوله:

стр. 1168

(رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ)، وقوله: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ) قيل: عنى من أهل بيتهم ومن العرب. وقال بعضهم: ليس هذا بسائغ، إذ لم يُخصّ أهل بيته به ولا العرب خاصة، بل هو مبعوث إلى العالمين، فالوجه في قوله: (مِنْ أَنْفُسِكُمْ) أي من البشر، وذاك أن كل ما أوجده الله في هذا العالم لا يأخذ نفعه إلا مما بينه وبين المأخوذ منه ملاءمة ما، وذلك حكم مستمر في كل شيء، فلما كان كذلك جعل الله تعالى الأنبياء المبعوثين إلى كافة البشر بشراً مثلهم في الخلقة والصورة، وخصّهم بفضل قوة التمييز والمعرفة، يأخذون من ملائكته وحْيَهُ. ويولونهم، ولولا كونهم من جنسهم لما قدروا على أخذهم

стр. 1169

منهم، ولهذا قال: (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا)، فبيّن تعالى نعمته عليهم أن رشح لهم من سَهُل تناولهم منه. وقوله: (يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ) لم يعن تلاوة آيات القرآن فقط. بل عنى بذلك تنبيههم على آيات الله في السموات والأرض. وفي أنفسهم، ولهذا حَسُنَ عطف قوله: (وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ) عليه، وقد تقدم الفصل بين الكتاب والحكمة، ومعنى التزكية. قوله تعالى: (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٦٥)

стр. 1170

دخل ألف الاستفهام على واو العطف ليفيد مع الاستفهام تعلق ما بعده بما قبله، وكذلك إذا قلت: أوَ كانَ كما تقول؟ إذا أردت بناء كلامك على كلام المخاطب، وكان المسلمون قتلوا من المشركين يوم بدر سبعين، وأسروا سبعين، فلمّا كان يوم أحد، وقُتل جماعة من المسلمين تغيّر قلوب قوم، فخاطبهم الله بذلك، وعنى أنكم أنكرتم أن نالكم منهم شطر ما نالهم منكم. وأخذتم تقولون: آَنى نالنا ذلك؟! فأجابهم الله بأن ذلك من عند أنفسكم، فإن الله وعدكم أن ينصركم بشريطة أن تصبروا وتتقوا،

стр. 1171

فخالفتم، وقد قيل: مخالفتهم أنهم دُعُوا إلى التحصُّن بالمدينة فأبوا إلا الخروج، وقيل لاختيارهم الفداء يوم بدر. وقيل لمخالفة الرماة، والأولى أن يكون عامّاً في جميعها، وهو

стр. 1172

إشارة إلى ما فضله قبل بقوله: (حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ) الآية. إن قيل: ما وجه قوله: (إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) عقب هذه الآية؟ قيل: نبّه بذلك أن لم يصبكم ما أصابكم لوهن في دينكم أو ضعف في قدرة الله، فكأنه قيل: هو من عند أنفسكم، لا من خلل دخل في أمره، فإن الله على كل شيء قدير، ومن كان هذه حاله فهو قادرعلى دفاعهم. قوله تعالى: (وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦) دخول الفاء في قوله: (فَبِإِذْنِ اللَّهِ) لتضمن الذي معنى الشرط، كأنَّه قيل: إن أصابتكم مصيبة فإصابتها بإذن الله،

стр. 1173

وقد أصابتكم، فإذا كان بإذن الله، وأصل الإِذن العلم بالشيء من أذنت له، أي استمعت إليه فعلمته، ثم يُقال في التعارف لمن لا يمنع من فعل شيء مع العلم به، والقدرة عليه على منعه. سواء أمر به أو لم يأمر: فعل كذا بإذنه، فإذا حُمل على العلم فنحو قوله: (وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا) وإذا حُمِلَ على الأمر فليس يعني أنه أمر الكفار بذلك، وإنما عنى أنه أمر الملائكة المذكورين في قوله: (فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا).

стр. 1174

إن قيل: وإذا حُمِلَ على الأمر فليس يعني العلم. فكيف يصح وقد قال بعده: (وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ)؟ قيل: ليعلم المؤمنين أي ليحصل إيمان المؤمنين، وقد تقدم حقيقة ذلك. ثم بيّن تعالى ما كان من ذنوبهم، فقال: (وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا) أي استعملوا النفاق في أعمالهم. ولمّا قيل لهم إمّا أن تحاربوا أو تحضروا مكثّرين للسواد دافعين عن الحوزة، قالوا مجيبين بما حكي عنهم، وقول السدّي: ادفعوا بتكثير سوادنا إن لم تقاتلوا، وقول غيره: رابطوا

стр. 1175

بالقيام على الجبل إن لم تقاتلوا، وقول غيرهما: احضروا موضع الحرب. ليست بأقوال مختلفة في المعنى، كما قدره بعض النَقَلَة، وإلا ذلك اختلاف عبارات وتعيين أمثلة لمقصد واحد. وحمل بعض الصوفية ذلك على الجهاد فيَقول: معناه إما أن تبلغوا منازل الصديقين في مجاهدة وإماتة الشهوات أو ادفعوها عن

стр. 1176

ارتكاب المحارم، وزُفُوها عن احتقاب الماَثم إلط لم تقدروا على الأول، ثم عيّرهم بقولهم: (لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ)، أي لو صادفنا من أنفسنا منكرا لارتسمنا ما رسمتم، تنبيهًا أنه خفي عليهم عيوب أنفسهم، وقوله: (هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ) تنبيه على نفاقهم؛ وذاك أن المنافق كأنه بين الكافر والمؤمن، فإنه من حيث ما يُظهر الشهادتين، ويلتزم ظواهر الشريعة بالقول، وظواهر الأعمال محكوم له بالإِيمان، ومن حيث يتحرى في اعتقاده تحري الكفار كافر، وبين أحوال المنافقين تفاوت، بيّن تعالى بهذا القول أنهم في هذا القول بالكفار أشبه منهم بالمسلمين،

стр. 1177

وأقرب: قيل: هو من القُرب وقيل: من القَرَب من الماءِ. ثم بيّن تعالى علة قربهم من الكفر، فقال: (يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ)، تنبيهاً أن الاعتبار في الإِيمان المستحق به الثواب بالنيات والضمائر، لا بالأقوال المجردة عن الاعتقاد، ولهذا شهد للمنافقين في قولهم: (نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ) بالكذب، فقال: (وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ)، وحكم لمن تلفظ بالكفر من غير مطابقة الاعتقاد له بالإِيمان، فقال: (إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ)، ثم حذّرهم عن اعتقاد غير الحق بقوله: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ)،

стр. 1178

كقوله: (أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ). وقوله تعالى: (يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى) وقوله: (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ). وهذه الآية كالشرح لما أجمله في الأولى، حيث قال: (قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ). قوله تعالى: (الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٦٨) هذه الآية من تمام صفة المنافقين عبد الله بن أُبّي وأصحابه. قالوا: إن قتلى أُحُد لو أطاعونا في التأخُّر عن القتال ولزموا بيوتهم ما قُتلوا، وإعراب (الَّذِينَ): إما نصب على البدل من (الذين نافقوا)، أو رفع على خبر الابتداء المضمر، أو بدل من الضمير في (يَكتمُونَ). إن قيل: لم أخّر ذكر القعود عن القول

стр. 1179

الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٦٨) مع كونه مُقدّما في المعنى؟ قيل: إن قوله: (وَقَعَدُوا) في تقدير الحال، أي قالوا وهم قاعدون، كقولك:، خرج زيد وقد ركب. ويكون ركوبه قبل الخروج، وقد أكذبهم الله في ذلك بقو له: (قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ) وكأنه قال: القتل ضرب من الموت، فإن كان لكم سبيل إلى دفعه عن أنفسكم بفعل اختياري فادفعوا عنها الموت، وإذ لم يمكنكم ذلك دلّ أنكم مبطلون قي دعواكم. قوله تعالى: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)

стр. 1180

روي عن ابن عباس والحسن أن النبي ﷺ قال: "لما أُصيب إخوانكم بأحُدٍ جعل الله أرواحهم في أجواف طيرٍ خُضرٍ ترِدُ أنهار الجنّة، وتأكل من أثمارها، وتأوي إلى قناديل معلّقة في ظلّ العرش. فلما وجدوا طِيب مأكلهم ومشربهم ومقيلهم قالوا: من يُبلِّغُ إخواننا عنّا: أنّا أحياء في الجنّة، نُرزق، كي لا ينكلوا عن الحرب؟ فقال تعالى: أنا أبلّغهم عنكم، فأنزل هذه الآية". فدل ذلك أن الأرواح أحياء تُثاب وتُعاقب قبل أن تُعاد إلى الأجسام يوم القيامة، وعلى هذا قال في صفة آل فرعون: (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا)، ودل عطف قوله: (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ)

стр. 1181

أن عرضهم على النار قبل يوم القيامة. وروي: "إنّ أحدَكم إذا مات عُرضَ عليه مقعده بكرة وعشية. فيقال: هذا مقعدُك حتى تُبعثَ إليه ". وهذا قول السلف وأصحاب الحقائق، الذين عرفوا حقيقة الروح المعنيّة هاهنا، وكونه جوهرا.

стр. 1182

له بذاته قوام، وأما متأخرو المعتزلة الذين لم يتجاوزوا منزلي الِحسّ والوهم، ولم يروا الروح إلا ريحا أو عرضا، فبعضهم

стр. 1183

قال: يعني أحياء يوم القيامة، ووصفهم بذلك في الحال لقرب القيامة عند الله، كقوله: (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ)، ومعنى (عِنْدَ رَبِّهِمْ) أي في علم الله، وبعضهم قال: أحياء بالذكر، وبعضهم قال: أحياء بالإِيمان، وإرادة هذه المعاني بالآية غير ممتنعة، فإن المؤمنين أحياء بكل ذلك، كما قالوا، ولكنهم مع ذلك أحياء بالأرواح على ما ورد به الخبر، وزعمهم أن ما ورد من الأخبار في أرواح الشهداء ليس بصحيح، فإن العقل لا يقتضي ذلك. فهم إن عنوا العقول الصدئة التي عناها من قال:

стр. 1184

فلان لم يؤت من العقل إلا مقدار ما يلزم به حجة الله فقد صدقوا، وإن عنوا العقولَ المجلوة السليمة من درن الهوى المعنيّة بقوله: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ). وبقوله: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ) فليس كما ظنوا. ومن زعم أن القول بحياة الأرواح يؤدِّي إلى القول بالرجعة فوهم فاسد، ولئن كان ذلك يؤدي إلى ما قالوه فإحياء الله مَن وصفهم بقوله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ) الآية.

стр. 1185

وإحياء عيسى الأموات أكثر تأدية إليه، وأما على طريقة المتصوفة المذكورة في قوله: (قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا) فإنهم قالوا: لما كان الإِنسان مركباً من بدن وروح، والعقل تابع للروح. والهوى تابع للبدن، وبتوهين أحدهما تقوية الآخر، نبّه تعالى أن من جاهد نفسه، وقتل هواه في سبيل الله فلا تحسبنّه ميتاً، وعلى هذا قيل: قتل النفس في الدنيا حياة الآخرة. إن قيل: لم وصفهم بالفرح، وقد قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ)؟ قيل: الفرح تجاوز الحد في السرور بالملاذّ، ولما كانت

стр. 1186

الملاذّ الدنيوية غير متنافس فيها ذمّ الفرحين بها، ولما كانت الملاذّ الأخروية متنافساً فيها، كما قال: (وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ) أباح لهم الفرح بها، حتى قال: (فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا). وأما استبشارهم بالذين لم يلحقوا بهم، فتنبيه أنهم يعرفون نعمة الله بالموت والقتل في سبيله، ويسرون إذا أخبروا بقتل أو موت إخوانهم بخلاف أبناء الدنيا، وقوله: (أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) متضمنٌ لذكر كل شيء يكدر الحياة، فإن ما يعرض في الدنيا: إما خوف لوقوع محذور، أو حزن لفوت محبوب. والضمير في: (عَلَيْهِمْ) يجوز أن يكون ضميراً للذين لم يلحقوا بهم، وأن يكون للمستبشرين، وأن يكون لهما. إن قيل: لم رفع (أَحْيَاءٌ) ونصب (فَرِحِينَ)؟ قيل: لأن (فَرِحِينَ) حال للذين قتلوا، والنصب به أولى، و (أَحْيَاءٌ) استئناف، ولو نصب لكان معناه: بل احسبهم أحياء، ولم يُرد ذلك، وإنما أراد بتّ الحكم بكونهم أحياء.

стр. 1187

قوله تعالى: (يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (١٧١) إن قيل: ما الفرق بين النعمة والفضل هاهنا؟ قيل: الإشارة بهما إلى المذكورين في قوله: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ)، فالنعمة هي الحسنى والفضل هاهنا الزيادة. إن قيل: لِمَ نكرهما؟ قيل: التنكير في مثله على وجهين: أحدهما: ليدل على بعض غير معين. والثاني: قصد إلى إبهام المراد تعظيما لأمره، وتنبيهًا أنه

стр. 1188

يصعب إدراك شرحه، وكأن التنكير في هذا إشارة إلى نحو ما قال: "فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت " إن قيل: ما حقيقة (لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ)؟ قيل: لما كان من الأعمال التي صورتها في الدنيا صورة العبادات التي يستحق بها الثواب ما هو في الحقيقة غير عبادة يستحق بها الأجر. وإياها قصد بقوله: (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا) بيّن هاهنا أن عمل المؤمنين لا يجري مجرى أعمال هؤلاء. إن قيل: ما الفرق بين الإِفضال والإِحسان؟ قيل: كلاهما اسم الزيادة على فعل العدالة. وتجاوز ما يجب إلى ما يستحب، لكن الإِحسان يُقال باعتبار جمال الفعل في نفسه وتحرِّي تحسينه، والإِفضال يقال باعتبار فعل بفعل أو فاعل، فيقال للزائد على الإجزاء فاضل.

стр. 1189

فالاستجابة لله وللرسول، وإن جمع بينهما في الإِيجاب فالواجب بالقصد الأول استجابة الله، لكن لمّا لم تتم استجابته إلا باستجابة رسوله صار ذلك واجباً، لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، والاستجابتان مختلفتان، فإن استجابة الله بتوجيده وعبادته، واستجابة رسوله بتلقي الرسالة عنه وقبول النصح منه. قوله تعالى: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣)

стр. 1190

قيل: سبب نزول ذلك أن أبا سِفيان وأصحابه تقدموا إلى نُعيم ابن مسعود ورضخوا له شيئاً، وقالوا: إذا مررت بمحمدٍ وأصحابه، فقل: إنا قد أجمعنا على قصدهم بخيلٍ لا قبل لهم بها. فلما أتاهم، وقال لهم ذلك، قالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل. إن قيل: لِمَ: (قال لهم الناس) وإنما قال ذلك رجل واحد؟ قيل: لمّا كان القائل لنُعيم أبا سفيان وأصحابه المعبرّ عنهم بقوله: (إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ) سُمي الُمنبّئ عنهم بذلك (النَّاسَ)، تنبيهاً أن المخوِّفين في الحقيقة هم المخوَّف منهم، والآية وإن نزلت فيهم

стр. 1191

فالمعنيُّ بها هم ومن جرى مجراهم، ونبّه بما حكى من جوابهم وفعلهم على نهاية ما يُطلب من إيمان العبد وتوكله لما أظهروا قولاً وفعلًا، وبيَّن أنهم عادوا بنعمة وفضل في دنياهم وأخراهم في أن لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، لا أنهم لا يَعْرض لهم في الدنيا ما يُحزن ويُخوّف من سوء، ولكن لا يؤثر فيهم، والمقصود بهذه النعمة والفضل أعظم مما قال بعض المفسرين من أن المسلمين لما حضروا بدراً الصغرى، ولم يحضروا للموعد صادفوا بها سوقاً،

стр. 1192

فاشتروا ما ربحوا فيه، فكان ذلك هو الفضل والنعمة، فإن أرباح التجارة الدنيوية أدون من أن يكون مقتصراً عليها في مقابلة المتوكلين على الله، الراضين عن الله تعالى، المرضي عنهم. وقوله (رِضْوَانَ اللَّهِ) يجوز من حيث تقدير الكلام: أن يكون على معنى،

стр. 1193

أن ﵃، وأن يكون على أن رضوا عن الله، فإن من رضي عن الله فقد ﵁، ولهذا قال تعالى: (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ) وذكر تعالى في الآيات الثلاث ثلاث فرق، بعضهم أخصُّ من بعض، وذاك أن المؤمنين المستجيبين لله عام، والذين أحسنوا واتقوا أخصّ،، فجعل تعالى للمستجيب لله أجرا غير مُعين، وللمحسن المتقي في ذلك أجراً عظيماً، وهذا شبيه بما تقدم في قوله (وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ) (وَاللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ). قوله تعالى: (إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥) إن قيل: إلى ماذا أشار بقوله: (ذَلِكُمُ)؟ قيل: فيه أقوال: الأول: أنه إشارة إلى من قال: (إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ)

стр. 1194

فسمّاه شيطاناً لمشابهته في فعله، والثاني: أنه إشارة إلى الشيطان المتعارف بين الناس، أي الشيطان الذي عرفتموه هو الذي يُخوّف. والثالث: إشارة إلى ما دل عليه قوله: (وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا). أي ذلك العارض الذي هو الوهن والحزن شيطان: كقول الشاعر: ما ليلة الفقير إلا شيطان. . .

стр. 1195

وأمّا (أَوْلِيَاءَهُ) فقد قال ابن عباس: معناه: يخوفكم أولياءه، فعلى هذا حذف المفعول الأول، كقوله: (لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا) ووقولهم: فلان يعطي الدراهم، فالأولياء على هذا هم المخوف بهم،
следующие страницы →