← Тафсир

Тафсир · id 9231

تفسير الراغب الأصفهاني

الراغب الأصفهاني

Полный текст (2 001 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

فالمعنيُّ بها هم ومن جرى مجراهم، ونبّه بما حكى من جوابهم وفعلهم على نهاية ما يُطلب من إيمان العبد وتوكله لما أظهروا قولاً وفعلًا، وبيَّن أنهم عادوا بنعمة وفضل في دنياهم وأخراهم في أن لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، لا أنهم لا يَعْرض لهم في الدنيا ما يُحزن ويُخوّف من سوء، ولكن لا يؤثر فيهم، والمقصود بهذه النعمة والفضل أعظم مما قال بعض المفسرين من أن المسلمين لما حضروا بدراً الصغرى، ولم يحضروا للموعد صادفوا بها سوقاً،

стр. 1192

فاشتروا ما ربحوا فيه، فكان ذلك هو الفضل والنعمة، فإن أرباح التجارة الدنيوية أدون من أن يكون مقتصراً عليها في مقابلة المتوكلين على الله، الراضين عن الله تعالى، المرضي عنهم. وقوله (رِضْوَانَ اللَّهِ) يجوز من حيث تقدير الكلام: أن يكون على معنى،

стр. 1193

أن ﵃، وأن يكون على أن رضوا عن الله، فإن من رضي عن الله فقد ﵁، ولهذا قال تعالى: (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ) وذكر تعالى في الآيات الثلاث ثلاث فرق، بعضهم أخصُّ من بعض، وذاك أن المؤمنين المستجيبين لله عام، والذين أحسنوا واتقوا أخصّ،، فجعل تعالى للمستجيب لله أجرا غير مُعين، وللمحسن المتقي في ذلك أجراً عظيماً، وهذا شبيه بما تقدم في قوله (وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ) (وَاللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ). قوله تعالى: (إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥) إن قيل: إلى ماذا أشار بقوله: (ذَلِكُمُ)؟ قيل: فيه أقوال: الأول: أنه إشارة إلى من قال: (إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ)

стр. 1194

فسمّاه شيطاناً لمشابهته في فعله، والثاني: أنه إشارة إلى الشيطان المتعارف بين الناس، أي الشيطان الذي عرفتموه هو الذي يُخوّف. والثالث: إشارة إلى ما دل عليه قوله: (وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا). أي ذلك العارض الذي هو الوهن والحزن شيطان: كقول الشاعر: ما ليلة الفقير إلا شيطان. . .

стр. 1195

وأمّا (أَوْلِيَاءَهُ) فقد قال ابن عباس: معناه: يخوفكم أولياءه، فعلى هذا حذف المفعول الأول، كقوله: (لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا) ووقولهم: فلان يعطي الدراهم، فالأولياء على هذا هم المخوف بهم،

стр. 1196

وقيل: بل أولياؤه هم المخوَّفون، وذاك أن الناس ضربان: ضرب لا سبيل للشيطان عليه، وهم المعنيون بقوله: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ)، وضرب بخلافهم، وهم الذين قال فيهم: (أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ)، وقد صرّح تعالى بذلك في قوله: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ إلى قوله: (إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ). وحقيقة خوف الله أمتثال أمره، وعلى هذا

стр. 1197

قال: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) ثم قال: (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)، تنبيها أن من فرط الإِيمان التحققُ أن ليس للشيطان سلطان على الذين آمنوا، ومن علم ذلك علم أوامر الله، فاتّبعها في ترك ما يأمر به الشيطان. قوله تعالى: (وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٧٦) كما نهى تعالى عن الخوف مما يُتوقع من حزب الشيطان، نهى عن الحزن على ما يفوته منهم، ووصف الكفار بالمسارعة في الكفر. كما وصف المؤمنين بالمسارعة في الإِيمان، فقال: (يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ)، وحقيقة المسارعة في ذلك أن يترقى الإِنسان فيما يتحرّاه منزلة فمنزلة، خيرا كان أو شرا، فيتعوَّده فيتقوَّى به

стр. 1198

على المنزلة الثانية، لأن الشر حاصلٌ بعضه عن بعض، وحاملٌ بعضه بعضاً، وكذا الخير، وعلى هذا قال أمير المؤمنين: تبدو نكتة بيضاء في القلب، كلما ازداد الإِيمان ازداد البياض، فإذا استكمل الإِيمان ابيض القلب كلّه، وإن النفاق يبدو نكتة سوداء. كلما ازداد النفاق ازداد السواد، فإذا استكمل النفاق اسودّ القلب كلّه، وبيّن أن لا يعود إلى الله من مسارعتهم في الكفر

стр. 1199

مضرة، كقوله: (وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ). إن قيل: كيف جعل العلَّة في قوله: (وَلَا يَحْزُنْكَ) أنهم لن يضروا الله شيئاً، ولم يكن المسلمون يحزنون، لأجل أن خطر لهم أن هؤلاء يضرُّون الله، إنما كان حزنهم أن يضروهم؟ قيل: معنى ذلك لن يضروا أولياءه، ألا ترى أنه ﷺ قال: "إن الله تعالى يقول: من آذي لي وليّا قد آذاني ". وعلى التتبيه على هذا المعنى قال: (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ). وقوله: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ). وقوله: (يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ)

стр. 1200

يريد إحباط عملهم بما استحقوه من الذنوب. وقيل: يريد الحكم بحرمان ثوابهم، وأن لا يجعل لهم ما يستحقه المطيعون، والفرق بين السرعة والعجلة إذا اعتبرنا بنفس الفعل، هو أن السرعة أن لا يترك الأمر يتأخر عن وقته، والعجلة فيه أن يقدمه على وقته، وإذا اعتبرنا بقوى النفس فالعجلة ما يفعل على مقتضى الشهوة، والسرعة تقال فيها وفيما يُفعل على مقتضى الرأي والفكرة، ولذلك ذم العجلة على الإِطلاق، وقد حَمِدَ السرعة في مواضع. قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٧)

стр. 1201

قد تقدَّم حقيقة الشرى والبيع إذا استُعملا في الكفر والإِيمان. وقال كثير من المفسرين: هذه الآية في معنى الأولى، وقد أعيدت تأكيدا، والصحيح أن الأول ذمٌّ للذين تحرّوا الكفر وتزايدوا فيه متسارعين، وهذا ذمٌّ لمن حصّل الإِيمان فأفرج عنه، واستبدل به كفراً، وهم الذين وصفهم بالارتداد على أعقابهم، وذمّ لمن مُكَن من الإِيمان فرغِب عنه، وآثر الكفر عليه، فصار كالبائع إيمانه بكفر. وقوله: (شَيْئًا) في موضع المصدر، أو تقديره

стр. 1202

بشيء، فحذف الجارّ ونصبه، وجعل لمن بدّل الكفر بالإيمان عذابا أليماً، وهو أبلغ مما جعله للفرقة الأولى، حيث وصفه بالعِظَم، إذ يقال العظيم اعتباراً بغيره مما هو من جنسه، وقد لا يكون شديد الألم، وأليم يقال لما تناهى في الألم، إذ هو بناء المبالغة، ويقال: هو أليم، سواء اعتُبر بغيره أو لم يُعتبر. قوله تعالى: (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٧٨)

стр. 1203

الإملاء إطالة المدة، ومنه (وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا). وتملّيت حبيبا، وإملاء الكتاب على أحد القولين، والملوان. وإذا قرئ بالياء فسهل، واذا قرئ بالتاء فصعب، فالذين كفروا هو المفعول الأول، ولا يصح أن يجُعل (أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ) المفعول الثاني، لأن هذه الأفعال تدخل على مبتدأ وخبر. ويجبُ أن يكون المفعول الثاني هو الأول في المعنى. و (أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ) ليس في المعنى (الَّذِينَ كَفَرُوا)، ولا يصح أن يجعل بدلاً كما جُعِل في

стр. 1204

قوله: (وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ). وفي قوله: (وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ) فإنه حينئذ يلزم أن ننصب (خيراً) حتى يصير المفعول الثاني، فيجب أن يكون بالياء أجود، وقد اختلف في تأويل الآية من حيث إن ظاهرها يقتضي

стр. 1205

أن الله تعالى يريد بإملائهم أن يكفروا. قالوا: والله يتعالى عن هذا القصد، مع كون هذه الآية منافية لمقتضى قوله: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)

стр. 1206

فمنهم من قال: الآية على التقديم والتأخير. وتقديرها: لا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم ليزدادوا إثماً. بل إملاؤنا خير لهم، ويكون مفعول (وَلَا يَحْسَبَنَّ) هو (إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا)، وعلق أن، وجعل (أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ) كالعِلّة لتأخيرهم، تنبيهاً أن ذلك أولاهم ليصير معونة لاكتسابهم الخير لأنفسهم، وهذا فاسد، لأن إنما يصح أن يعلق حيث ما يدخل لام الابتداء في خبره، ومنهم من قال:

стр. 1207

الكلام على الترتيب، والمفعول هو (أَنَّمَا) وجعل اللام لام العاقبة، وتحقيق لام العاقبة هو أن اللام تارة تجيء تبييناً لقصد الفاعل بفعله نحو (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ). وتارة تبييناً لما أدى إليه الفعل، لا لقصد الفاعل، نحو (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ). إن قيل: لِمَ قال هاهنا: (عَذَابٌ مهِين)؟ قيل: لما ذكر هاهنا إملاء الإِنسان في الأعراض الدنيوية. وذلك قد يكون في الدنيا هواناً وعذاباً

стр. 1208

لصاحبه، وهو لفقدان بصيرته يقدر أن الهوان في فقدانه فلا يُفرج عنه؛ ذكر الهوان الذي هو أعمُّ الألفاظ الثلاثة من (العَظِيم) و (اَلأَليم) و (ألمُهِينِ) ليعم الدارين، وعلى هذا قال: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا). قوله تعالى: (مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٩) الخبيث: مستعار للعمل السيئ، والطيّب: للعمل الصالح

стр. 1209

تشبيهاً للذِكر المسموع بالنشر المشموم، وعلى هذا قال الشاعر: تبحثت عن أخباره فكأنما. . . نبشت صدأه بعد ثالثة الدفن وقال اَخر: . . . ثناء مثل ريح الجورب وعلى هذا حمُل (الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ)، (وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ) أي الأعمال في الخبث والطيب جارية مجرى فاعليها، وقيل: المؤمن أطيب من عمله، والكافر أخبث، والاجتباء: كالاصطفاء،

стр. 1210

وأصله الجمع، فكأن من اجتباه الله ضمَّه إلى نَفْسِه حتى يكون له بأجمعه، بخلاف من قال: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ) وإلى ذلك الإِشارة بقوله: (وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي) وتحقيق التمييز من الله لا على سبيل التعرف، بل ليحصِّل الخبيث خبيثاً والطيب طيبا، وذلك حقيقة التكليف، وقد كرر الله تعالى هذا المعنى مع كل فصل، فقال:

стр. 1211

(وَلِيَعلَمَ)، (وَليَبتَليَ) و، (وَليمحصَ) و (لِيَمِيزَ). وقال من بعد: (لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ)، كل ذلك تنبيهاً على أن التكليف في الحقيقة هذه الأشياء، وأما الغيب فكل ما لا تدركه الحواس وبداهة العقول، وهذا على القول المجمل ثلاثة أضرب: ضربٌ استبد تعالى به ولم يُطلع عليه أحداً لا الملائكة المقربين، ولا من دونهم، لاستغنائهم عنه. وضرب قد يُطلِع عليه أصفياء عباده، وهو حقائق العلوم، وذلك بحسب ما عُرف من حاجتهم إليه ومصلحتهم فيه، وإياه عنى بقوله: (سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ). وبيّن في الآية أن اطلاع العامة على غيبه وأقضيته

стр. 1212

منافٍ للحكمة، وذلك أن جماعة من الكفار سألوا النبى ﷺ وقالوا: هل نحن ممن يؤمن؟ ثم قال: (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ) تنبيهاً على التوكل على الله وحُسن الظن بنبيه، والتحقق أنه يفعل بعباده ما هو أصلح لهم، وأنّ بالإِيمان والتقوى يُستحق الأجر العظيم. قوله تعالى: (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٨٠) قُرئ بالياء على تقدير: لا يحسبن الباخلون البخل هو خير

стр. 1213

لهم، فحذف البخل الذي هو المقعول الأول، لدلالة (يبخَلونَ) عليه، كقولك: من كذب كان شرًّا له، وإذا قُرئ بالتاء فتقديره لا تحسبّن بخل الذين يبخلون هو خيراً لهم، فحذف المضاف لظهور المعنى، وبيّن بالآيتين أنهم جعلوا أعمارهم وأموالهم مصروفة إلى ما أورثهم إثما أو عقوبة يوم القيامة، وتطويقهم ما بخلوا به على طريق التشبيه والتقريب، نحو ما ذكر النبي ﷺ "يأتي كنز أحدهم يوم القيامة شجاعاً أقرع، له زبيبتان، فيطوق في حلقه،

стр. 1214

فيقول: أنا الزكاة التى منعتني ". وعلى هذا قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ) إلى قوله: (فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ)، ونبّه بقوله: (وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) على انتقال ما في أيديهم إليه، كما قال: (وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ)، ونبّه أن ما خوَّلهم لو أنفقوا على ما يجب وكما يجب لاستحقوا ثواباً، فلمّا لم يفعلوا ذلك انتقل عنهم، وصار عقوبة لهم، وكأنه إلى مقتضى معناه أشار من أوصى، فقال: اكتبوا هذا ما خلّف فلان يسوءه وبنوه

стр. 1215

انتقل عنه نفعه، وخفي عليه وزره، وبيّن أنه عالم ببخلهم، وما يؤول إليه حالهم، وما يخبرهم به. قوله تعالى: (لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (١٨١) لمّا أنزل الله (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا) قال قوم من اليهود تهكماً على النبي ﷺ : إن الله فقير ونحن أغنياء، يستقرض منّا، فأنزل الله تعالى ذلك، ولم يُعَيرِّهم أنهم اعتقدوا فقر الله. وإنما عيّرهم تجاهلهم وتكذيبهم وصرفهم الكلام إلى غير الوجه المقصود به، وعلى هذا قوله: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا).

стр. 1216

ونبّه بقوله: (وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ) أنهم ارتكبوا من المعاصي ما هو مثل هذا القول، أو أكثر منه، ولم يقل (بغير حق): أن في قتل بعض الأنبياء حقًّا، ولكن جعل ذلك حالهم على العموم، أي هو في كل حال على غير حق، وكَتْبُ ذلك قيل: هو على الحقيقة، وقيل: هو على طريق المثل، عبارة عن حفظه، وأنه لا ينسى، واعلم أن الكتابة جعلها الله لنا عوناً

стр. 1217

لحفظنا، وذاك أن اللفظ لا يُفهم إلا القريب دون البعيد، وإلا الشيء بعد الشيء، ويسرع إليه مع ذلك الاضمحلال، فربما لا يعيه السمع، وإذا وعاه فربما لم يتصوره، وإذا تصوَّره فربما أخلّ به الحفظ فأعانه الله بالكتابة، لتكون تكملة لقوة النطق، وواعية لما يضيع من الفهم، ومدركة جملةً في حالة واحدة، فعُلِم من ذلك أن الكتابة وإن كانت شريفة فإنما احتجنا إليها لنقصنا وتكميل أفهامنا، فمن حمل الكتابة على الحقيقة قال: كتب الملأ الأعلى أعمالنا، لا لجبران نقصهم وضعف فهمهم وخوف نسيانهم؛ ولكن لجبران نقيصة البشر، وليتذكَّر به ما لعله نسي، وليرى صورة أعماله المتفرِّقة دفعة، ومن حمله على التشبيه فإنه ذكر أن نقص القريحة والسهو والنسيان الموجودة فينا في الدنيا معدومة عنّا في الآخرة؛ فلا حاجة بنا إلى الكتابة، وحينئذ قال: وعلى ذلك وصف الكتابة بالنطق في قوله: (هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ). وقوله: (وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) وعلى هذا سمّى

стр. 1218

الوحي كتابا، فقال: (وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ)، ومعلوم أن المنزل لم يكن وقت الإِنزال مكتوبا، قال: وعلى هذا معنى قوله: تعالى (كِرَامًا كَاتِبِينَ) أي حافظين، وقال: (بِأَيْدِي سَفَرَةٍ). قال: وعلى هذا قول الشاعر: صحائف عندي للعتاب طويتها. . . ستُنشر يوماً والعتاب يطول وهذا القول وإن كان له مساغ في مجاز اللغة، فأهل الأثر على الوجه الأول، والله أعلم بحقائق أحوال القيامة، ومعنى

стр. 1219

(وَنَقُولُ ذُوقُوا) أي نُذَوِّقهم ذلك، ونوجب لهم. قوله تعالى: (ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (١٨٢) أي نكتب ما قالوا ونعاقبهم عليه جزاء لما ارتكبوه. إن قيل: لِمَ خصّ اليد، وفيما ذكره عنهم أفعال بغيرها من الجوارح؟

стр. 1220

قيل: لما كانت اليد هي الآلة الصانعة المختصة بالإِنسان، فإنه لما كفى كل واحد من الحيوانات بما احتاج إليه من الأسلحة والملابس، وسخّره لاستعمالها في الدفع عن نفسه، وخلق الإِنسان عارياً من كل ذلك، جعل له الرؤية واليد الصانعة. ليعلم برؤيته، وليعمل بيده فوق ما أعطى الحيوانات، فلما كان لليد هذه الخصوصية صارت تُخص بإضافة عمل الجملة إليها. إن قيل: لِمَ خص لفظ ظلَّام الذي هو للتكثير في نفي الظلم في هذا المكان، ولم يقل على ما قال في قوله: (لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ)، الذي هو يقتضي نفي الظلم قليله وكثيره؟ قيل: إنما خص ذلك لأنه لما كان في الدنيا قد يُظن بمن يعذب غيره عذابا

стр. 1221

شديداً أنه ظلَّام قبل أن يُفحص عن حال جُرمه، بيّن تعالى ذنبهم، وأنه إذا عاقبهم عقوبة شديدة فليس بظلَّام لهم، وإن كان قد يظن في الدنيا بمن يفعل ذلك أنه ظلَّام. تعالى الله عن الظلم. قوله تعالى: (الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٨٣) القربان: أصلُه مصدرٌ كالشُكران والكُفران، وفي التعارف

стр. 1222

اسم لما يُتقرَّبُ به إلى الله تعالى، وكَثُر استعمالُه في النسيكة، والعهدُ كالعقد، ولمّا تعورف في الوصية والأمر. كثُر استعماله مع: إلى، فقيل: عَهِدَ إليه، ولمّا ادعى اليهود على ما أوقع شبهةً للجهلة، وكان حلُّها يصعب عليهم على التحقيق، وربّما كان اليهود مع ذلك يشغبون فيه، سلّم دعواهم كتسليم جدل وناقضهم فيها، وكأنه قيل:

стр. 1223

هَبِ الأمر كما قلتم أليس من الحق أن لا تقتلوا من الأنبياء من جاءكم بالبيّنات وبالذي قلتم، وإذا قتلتموهم ولم تقبلوا قولهم، دلَّ ذلك أنكم كاذبون في دعواكم؟ أنه عَهِدَ إلينا بذلك، فهذا معنى قوله: (فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)، وهذا أوضح دلالة وأقربها مأخذاً وأخزاها لهم. قوله تعالى: (فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (١٨٤) إن قيل: لم قال: (وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ) والزبور هو الكتاب. لقول الشاعر: . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . كخطِّ زبور عسيب يمان

стр. 1224

قيل: قد قال بعضهم: الزبور هو الكتاب المقصور على الحكمة العقلية دون الأحكام الشرعيّة، والكتاب في تعارف القرآن ما يتضمن الأحكام، ولهذا جاء في عامة القرآن كتاب وحكمة. ففصل يينهما لهذا، واستعمل الكتابة في معنى الإيجاب، فعلى هذا اشتقاقه من زبرت الشيء أي حكمتُه. وقيل: الزبور اسم لما أجمل ولم يفصَّل، والكتاب يُقال لما قد فُصِّل. قيل: واشتقاقه من الزُّبرة أي القطعة من الحديد التي تُرِكت بحالها. وعلى هذا قال الشاعر:

стр. 1225

وما السيفُ إلا زبرة لو تركتها. . . على الحالة الأولى لما كان يقطع وقيل: الزبور ها هنا اسم للزاجر من قولهم: زبرته أي زجرته. قال: وبيّن أنه تعالى أتاهم بالآيات الدالة على الوحدانيّة والنبوة. وبالمزاجر المعنيّة بقوله: (فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ) وهذا تسلية للنبي ﷺ وعتاب له. فقد رُوِيَ أنه قال: "ما لقي أحد في الله ما لقيت". فنبّه أن حال الأنبياء قبله كحاله، وحال أقومهم كحال قومه، وليس الشرط في نحو هذا الموضع للشك، كما تصوره بعض المفسرين، فأخذ يتخبط في جوابه، وإنما ذلك

стр. 1226

للتحقيق، ومورده كقياس شرطي موجب للحكم، وبيانه إن كذَّبوك فقد كذبوا من صدَّقك، وقد صدَّقك الرسلُ قبلك. فإذا كذَّبوك فقد كذَّبوا رسُلًا من قبلك. قوله تعالى: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (١٨٥) الفوز،: إدراك الأمنيّة. والمفازة في قوله: (فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ) مصدر، ويُقال للمهلكة: مفازة تفاؤلاً، والصحيح أنهم لمّا رأوها تارة سببا للفوز، وتارة سبباً للهلاك سمّوها بالاسمين، وذلك بنظرين مختلفين، وكذا قولهم: هلك، وفاز، إذا مات،

стр. 1227

كأنه رُئيَ الموت في بعض الناس هلاكا له، وفي بعضهم فوزا له، إما لكونه متبلغا بذلك إلى فوز الآخرة ونعيم الأبد. وإما لخلاصهم من شدَّةِ يَرَى الموتَ في جنبها فوزا. وكذا النيّة أراها والأمنيّة من أصلِ واحد بنحو هذين النظرين. وتخصيص الذوق هاهنا من حيث إنه ذكر الباخلين بالمال. وهو قوله: (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ. . .) الآية. وأعظم البخل بالمال يكون خشيةً من فقدان الطعام الذي به قوام الأبدان، ولهذا ذكر

стр. 1228

ألأكل في عامة المواضع التي ذكر فيها احتجاز المال، نحو (وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ)، وقوله: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى) فبيّن بالذوق أن الذي يخافونه طعام لابد منه، والغرور: مصدر أو جمع غارّ، كرقود، وقعود، في جمع راقد وقاعد، والمتاع: التمتع،

стр. 1229

فنبّه أن السكون إلى الدنيا والتمتُّع بها غُرور، وأن الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، واقتصر على زاد يتبلَّغ به. قوله تعالى: (لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٨٦) قيل: سبب نزولها أن كعب بن الأشرف كان يهجو النبي ﷺ -

стр. 1230

ويحرِّضُ المشركين عليه حتى قتله محمد بن مسلمة. وقيل: بل هو أن سمع أبو بكر يهوديًّا يقول: ترى إله محمدٍ فقيراً حتى يستقرض منّا، فلطمه أبو بكر، وجُملة الأمر أنّ جميع ما يُبتلى به الإِنسان ويُتعبَّد به ثلاثة أشياء: إما متعلّق بالمال. وإمّا بالنفس، وإمّا بمجاهدة العدو، وأعظم المجاهدة الصبر
следующие страницы →