← Тафсир

Тафсир · id 9231

تفسير الراغب الأصفهاني

الراغب الأصفهاني

Полный текст (2 001 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

للتحقيق، ومورده كقياس شرطي موجب للحكم، وبيانه إن كذَّبوك فقد كذبوا من صدَّقك، وقد صدَّقك الرسلُ قبلك. فإذا كذَّبوك فقد كذَّبوا رسُلًا من قبلك. قوله تعالى: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (١٨٥) الفوز،: إدراك الأمنيّة. والمفازة في قوله: (فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ) مصدر، ويُقال للمهلكة: مفازة تفاؤلاً، والصحيح أنهم لمّا رأوها تارة سببا للفوز، وتارة سبباً للهلاك سمّوها بالاسمين، وذلك بنظرين مختلفين، وكذا قولهم: هلك، وفاز، إذا مات،

стр. 1227

كأنه رُئيَ الموت في بعض الناس هلاكا له، وفي بعضهم فوزا له، إما لكونه متبلغا بذلك إلى فوز الآخرة ونعيم الأبد. وإما لخلاصهم من شدَّةِ يَرَى الموتَ في جنبها فوزا. وكذا النيّة أراها والأمنيّة من أصلِ واحد بنحو هذين النظرين. وتخصيص الذوق هاهنا من حيث إنه ذكر الباخلين بالمال. وهو قوله: (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ. . .) الآية. وأعظم البخل بالمال يكون خشيةً من فقدان الطعام الذي به قوام الأبدان، ولهذا ذكر

стр. 1228

ألأكل في عامة المواضع التي ذكر فيها احتجاز المال، نحو (وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ)، وقوله: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى) فبيّن بالذوق أن الذي يخافونه طعام لابد منه، والغرور: مصدر أو جمع غارّ، كرقود، وقعود، في جمع راقد وقاعد، والمتاع: التمتع،

стр. 1229

فنبّه أن السكون إلى الدنيا والتمتُّع بها غُرور، وأن الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، واقتصر على زاد يتبلَّغ به. قوله تعالى: (لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٨٦) قيل: سبب نزولها أن كعب بن الأشرف كان يهجو النبي ﷺ -

стр. 1230

ويحرِّضُ المشركين عليه حتى قتله محمد بن مسلمة. وقيل: بل هو أن سمع أبو بكر يهوديًّا يقول: ترى إله محمدٍ فقيراً حتى يستقرض منّا، فلطمه أبو بكر، وجُملة الأمر أنّ جميع ما يُبتلى به الإِنسان ويُتعبَّد به ثلاثة أشياء: إما متعلّق بالمال. وإمّا بالنفس، وإمّا بمجاهدة العدو، وأعظم المجاهدة الصبر

стр. 1231

على الأذى المسموع من الأعداء، إذ هو سبب الشرور، ولهذا قال الشاعر: . . . وإن الحرب أولها كلام فبيّن تعالى أنكم إن صبرتم - واتقيتم في هذه الأمور التي تُبلون بها، فإن ذلك من عزم الأمور. إن قيل: ما معنى: من عزم الأمور، وما الأمور التي جعل تعالى هذه الأشياء من عزمها؟ قيل: العزم: ثبات الشيء على الشيء، وإمضاؤه، والحزم يقاربه، إلا أن العزم بالإِمضاء أشبه، إذ هو من العزم،

стр. 1232

أي القطع، والحزم بجمع الرأي أشبه، إذ هو من حزمت الحطب والقصب، أي جمعتُ، ولذلك قيل،: أحزم لو أعزم. وأما الأمور التي عناها فيجوز أنها الثواب الذي جعل للصابرين والصالحين والمتقين، وما أشبه ذلك، ويجوز أن تكون الأمور إشارة إلى ما تقدم، ونبَّه أن بالصبر والتقوى يُتوصَّل إليه.

стр. 1233

قوله تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (١٨٧) النبذ: طرح الشيء لقلّة الاعتداد به، وقولهم: جعلت كذا خلف ظهري أي أهملته. وقيل: تقدير الآية على ما يقرب من فهم العامة. وإذ نَبَذَ أهل الكتاب وراء ظهورهم ما أخذ الله عليهم من الميثاق من تبيين ما أوتوه من الكتاب للناس، واشتروا به ثمناً قليلًا، وقد تقدّم الكلام في أخذ الميثاق عليهم، وكيفية ذلك

стр. 1234

وفي معاني الثمن القليل. قوله تعالى: (لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨٨) المفازة من العذاب: هي المنجاة في قول الشاعر: تحل بمنجاة من اللوم بيتها. . . والكلام في تكرير (لَا تَحْسَبَنَّ)، ودخول "الفاء في الأخير

стр. 1235

منه صعب، وقد قال الزجاج: لا تحسبن، مكرر لطول القصة. قال: والعرب تعيده إذا طالت القصة حسبت وما أشبهها. إعلاما أنّ الذي جرى متصل بالأول، تقول: لا تظنن زيداً إذا جاءك وكلمك بكذا فلا تظننّه صادقا. وقيل: الفاء زائدة. والوجه في ذلك عندي أن قوله: (لَا تَحْسَبَنَّ) على الخبر وتقدير الكلام فيه، وذلك إشارة إلى يوم القيامة بعد أن يدخل الكفار النار، ويقال لهم: (اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ) والمعنى: والله إنك لا تحسبهم حينئذٍ أنهّم بمفازةٍ من العذاب. أي لهم سبيل إلى الخلاص فلا تحسبنهم الآن، وهذا نهي والأوّل خبر،

стр. 1236

وحذف مفعول أحد الفاعلين، وإذا قُرئ بالياء، فكذلك، ويكون بتقديره: لا تحسبنّ أنفسهم كذلك. والآية قيل: نزلت في قوم دخلوا على النبي ﷺ فنافقوه، فلمّا خرجوا، أثنى عليهم بعض الناس ففرحوا بذلك. وقيل: نزلت في الذين كتموا أمر النبي ﷺ وادعّوا علماً وعبادة أثنى عليهم بها قومهم،

стр. 1237

وقيل: نزلت في المنافقين المتخلفين عن الجهاد، المدعين دعاوى يُحبون أن يُحمدوا عليها، وكيف ما كان. فالآية عامة في النهي عن الرياء والتشبُّع، والذمّ لمن فعل خيراً ففرح به، وإلحاق الوعيد بمن أحب أن يُحمد بما لم يفعل. وقد رُوي أنّ إبليس قال: إذا ظفرت من ابن آدم بثلاث لم أطالبه بغيرها: إذا أُعجب بنفسه،

стр. 1238

واستكثر عمله، وسُرَّ بمدحه بما لم يفعله. إن قيل: - فكيف قال ﵇: "من سرّته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن "؟ قيل: السرور بذلك محمود، والفرح به مذموم. وقد تقدَّم الفرق بينهما، وبين بقوله: (وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) مع أنهم لا ينجون، فإنهم يعُذَبون عذاباً أليما. قوله تعالى: (وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٨٩)

стр. 1239

أتبع تكذيبهم فيما قالوا: إن الله فقير. وتبكيتهم فيما فعلوه، وما وعدهم به من العذاب بما أنبأ عن قدرته وسعة ملكه. وأن لا سبيل لهم إلى النجاة وإلى الخروج عن ملكه وسلطانه، وهذا هو المعنى الذي تحرّاه النابغة بقوله: فإنك كالليل الذي هو مدركي. . . لكن على الآية رونق الإِلهية وتعميم الملك والقدرة بلا مثنويّة. وإضافة الفعل إلى موجد الليل والنهار. قول تعالى: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠)

стр. 1240

نبه تعالى أن التفكر في ذلك يدل على وحدانية الله تعالى، وأن جميع هذه الأشياء لا تنفك من ثلاثة أضرب: إمّا موجود العين، قائم الجوهر، قابل للانتقال وتبذل الأمكنة بأجزائه: كالسماء والنجوم. وإمّا قابلٌ للاستحالة والتغير بجملته وأجزائه. وذلك كالأرض وما عليها، وإما أن يكون مما لا بقاء له بحاله. بل ينصرم، ويقابله نظيره كالليل والنهار، وقد ذكر ثلاثتها. ونبه على حدوثها، لأن المتنقل لا ثبات له، والمستحيل لا بقاء له. وما كان هذا حاله فغير منفك من دلالة الحدث، وما لم يخل من محدِثٍ فمسخّر له، ومحال أن يكون المسخَّر المُحدَث أزليًّا واجب الوجود، فإذن لابد له من موجد يوجده، وموجده واجب الوجود، وذلك هو الباري تعالى، (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ).

стр. 1241

ونبّه بقوله: (لِأُولِي الْأَلْبَابِ) أن من لم يكن ذا لُبٍّ قلَّ عناؤه في التفكُّر فيها، واللب هو اسم للعقل أزيل عنه الدرن، وذاك أن العقل وإن كان أشرف مُدرك من الأشياء فهو في الأصل كسيف حديد لم يُطبع ولم يُصقل. فإذا تُفُقِّد وتُعُهِّد بالحكمة صار كسيف طبع، فأُزيل خبثه، وشُحذ حَدُّه، وكل موضع يذكر الله تعالى فيه أجلَّ مُدرَكٍ لا يمكن إدراكه إلا بأجلِّ مُدرِك. قال بعض الصوفية: هذه المنزلة وإن خُصَّ بها أولوا الألباب فمنزلة الأنبياء والأولياء أشرف منها، لأنهم ينظرون من خالق السموات والأرض إليها، ولهذا قال لنبيه ﷺ -

стр. 1242

(أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ)، وهذا الذي قاله صحيح. فإن الإِنسان يمكنه أن يعرف حكمة الصانع أولاً بتدبر مصنوعه، ومتى عرف حكمة الصانع حينئذ عرف مصنوعاته به، فيصير ما كان دالا مدلولاً، وما كان مدلولاً دالا، وبهذا النظر قال من سُئل: بِمَ عرفت الله؟ فقال: به عرفت كل ما سواه.

стр. 1243

قوله تعالى: (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١) الذكر: ذكر باللسان، وذكر بالقلب. وذكر القلب ذكران: ذكر عن نسيان، وهو إعادة ما انحذف عن الحفظ، وذلك هو التذكر في الحقيقة، وذكر هو إدامة مراعاة ما ثبت في الحفظ. وقوله: (وَعَلَى جُنُوبِهِمْ) عبارة عن حال الاضطجاع، وعلى ذلك قوله: (وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا) فمن حمل الآية على الصلاة، وقال: معناه لا يخلون بها في شيء من أحوالهم قائمين إذا قدروا، قاعدين إذا عجزوا،

стр. 1244

وعلى جنوبهم إذا مرضوا. وقد رُوي في ذلك أن النبي ﷺ قال لسهل بن حنيف: "صلّ قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب ". ثم تلا الآية، ومنهم من جعله أعم من

стр. 1245

ذلك، وقال: لا ينفكون من ذكر الله في جميع أحوالهم. كقولك: (رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ). ومنهم من جعله أعمّ من ذلك أيضا، وقال: معناه لا يتحرُّون بجميع أفعالهم إلا وجهه، وبيان ذلك أن مباحات أولياء الله كلها قُرَبٌ يُستحق بها الثواب، وذاك أنهم لا يأكلون ولا ينامون إلا وقت الضرورة، ومقدار ما يستعينون به على العبادة، وما لا تتم عبادتهم إلا به فذاك واجب كوجوبها. وذلك قوله (وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) إشارة إلى ما قال ﷺ :

стр. 1246

"تفكّروا في آلاء الله، ولا تفكروا في الله ". وقوله: (رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا) أي يقولون وليس يعني بذلك القول من دون العلم. فإن ذلك إقامة شهادة، ومن شهد بشيء وهو على ما شهد به، لكن لا يعلم كونه كذلك فشهادته مردودة بدلالة قوله: (إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ). ومن عرف حقيقة ذلك وأقام هذه الشهادة فكأنهم شهدوا الله وهو يخلق

стр. 1247

السموات، ولهذا قال تعالى في ذم الكفار حيث ثكلوا هذه الفضيلة، فقال: (مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ) وفي قوله: (رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا) تنبيه أنه قصد تعالى بخلق هذه الأشياء قصداً صحيحا. وذلك ما قاله الحكماء أن القصد بخلق السموات والأرض إنّما هو الإِنسان، وإنّما خلق النبات والحيوانات قواماً له. قال: (خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا). والقصد بخلق الإِنسان أن يستخلفه في الأرض، فيقوم بحق الخلافة. ويبلغُ بها إلى أعظم السعادة في جواره. وعلى ذلك قال تعالى: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا)، فلما تحقق المتفكرون ما لأجله خُلقت السموات والأرض، وعرفوا مآلهم سبَّحوه، واستعاذوا به من النار.

стр. 1248

قوله تعالى: (رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (١٩٢) يقال: خَزِي الرجل: إذا لحقه انكسار. إمّا من نفسه بإفراط، يقال في مصدره الخزاية. وإمّا من غيره، ويقال في مصدره الخزي. وعلى هذا هان وذل، متى كان ذلك من نفسه. يقال له الهُون والذُل، ومتى كان من غيره يُقال له الهوان والذل،

стр. 1249

والآية من تمام الحكاية عن المتفكرين في خلق السموات والأرض. قوله تعالى: (رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (١٩٣) الأبرار جمع بر وبارٍّ، نحو جَدّ وأجدادٍ، وصاحبٍ وأصحاب. وأصله من البرّ أي المكان الواسع، فبرّه خوله برًّا، أي سعْة. ويُقال للإِنسان إذا أكرم من دونه وأكرمه من فوقه برّه،

стр. 1250

كما يقال فيهما: أحبَّ ووالى، والأبرار: هم الموصوفون بقوله: (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ). والمنادي للإِيمان والداعي إليه: قد يكون العقل. وكتابه المنزَّل، ورسوله المرسل، وآياته الدالة. وإن كان الأظهر في هذا الموضع أن يكون الرسول. لقوله: (اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ)،

стр. 1251

وقوله: (أَنْ آمِنُوا) يعني أي آمنوا، أو بأن آمنوا. إن قيل: فعلى أي وجه قال: (فَآمَنَّا)؟ أعلى طريق الامتنان، أو الإِعلام. فإن كُلًّا مستشنع إيراده على الله تعالى؟ قيل: بل على طريق الامتثال، وليس هذا إشارة إلى أنهم قالوه نطقاً فقط، بل إلى أنهم حققوه فعلًا. إن قيل: كيف جعل غُفران الذنوب وتكفير السيئات قبل التوقِّي؟ قيل: لأن تمام غُفران الذنوب وتكفير السيئات أن يوفّق العبد في الدنيا لمرضاته، ويحرسه عن تعاطي السيئات، ليكتسب ما يترشح به لاستحقاق الثواب. وقوله: (وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ) نحو ما حكى عن غيره في قوله: (تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ)

стр. 1252

وفيه تنبيه أنهم لا يكرهون لقاء الله. وقد قال ﷺ : "من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه ". قوله تعالى: (رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (١٩٤) إن قيل: ما فائدةُ استنجازِ وعده مع العلم بأنه لا يُخلف؟

стр. 1253

قيل: إن وعده تعالى عِبادَه على طريق الجملة، نحو قوله تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا). وليس هذا السؤال خوفاً من إخلاف وعده، ولكن سؤالا أن يرشحه لأن يكون من جملة من دخل في الوعد. ولهذا قال: (إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ) تنبيهاً أني لست أخشى خُلْفَ وعدك، لكني أخشى أن لا أكون من جملة الموعودين. وقد قيل ذلك هو على جهة العبادة، وقد تقدم أن ليس القصد التفوُّه بذلك، بل فعل ما يقتضيه. وقوله: (عَلَى رُسُلِكَ) أي على ألسنتهم، وعلى ما وعدت بإجابتهم.

стр. 1254

قوله تعالى: (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (١٩٥) استجاب: أراد إجابتهم، والاستجابة في الحقيقة غير الإِجابة. وإن كان يفهم منه ذلك، وقول الشاعر: وداعٍ دعا بعد الهدوءِ من السرى. . . فلم يستجبه عند ذاك مجيبُ

стр. 1255

فهو أبلغ من قولك: لم يجبه، إذ فيه تنبيه أنه تعالى لا يضيع عمل من لم يخرج عن الإِيمان بشرك، كما قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ). وذَكَر الذكر والأنثى، فقد رُوي أنّ أمّ سلمة قالت: يا رسول الله، ما بال الرجال يُذكرون في الهجرة دون النساء؟ فأنزل الله ذلك،

стр. 1256

و (مِن) للتبيين، أو لاستغراق الجنس لتقدُّم النفي. إن قيل: ما معنى قوله: (بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ) في هذا الموضع؟ قيل: تنبيهاً أن الأنوثية والذكورية لا تقتضي اختلاف الحكم في هذا الباب، وإنما الاعتبار بالأعمال والنيات، فمن قصد فيما يتحراه وجه الله فله بقدره ثواب، ثم بيّن أنّ للذين هاجروا فضل رتبة، كما قال: (وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥) دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً). ولم يعن بالمهاجرة والإِخراج من الديار ما كان من الكفّار فقط. بل عناه ومن هاجر الأفعال القبيحة

стр. 1257

والأخلاق الكريهة، وقاتل نفسه حتى قهرها. والظاهر من قوله: (لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ) أن ذلك حكم الآخرة، وعليه أهل الأثر. وقال بعض الصوفية: عنى بتكفير سيئاتهم إزالة درنهم عنهم في الدنيا. قال: وهذا المعنى هو المراد بقوله: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)، وإدخالهم الجنّات التي تجري من تحتها الأنهار التمكين من زهرات العلوم والاطلاع على كثير من الغيوب، التي وصفها حارثة في حقيقة الإِيمان. حيث قال: وكأني بعرش ربي بارزا. وقال: والأنهار هي أنهار الماء

стр. 1258

المذكور في قوله: (أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً). قال ابن عباس: قرآنا، ثم قال: (ثَوَابًا فِن عِندِ اَللَّه) تنبيهاً أن هذا ثوابه عاجلًا في الدنيا. ثم قال: (ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) إشارة إلى ما له في الآخرة من الثواب، والله أعلم بما ادعاه هذا القائل). إن قيل: ما وجه قوله: (وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ)

стр. 1259

بعد قوله: (ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) على القول الأول؟ قيل: يحتمل ذلك وجهين: أحدهما: أنه بيّن بقوله: (ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) أن ما ذكره ثواب لهم. ثم أخبر أن هذا الثواب لا يوجد إلا عنده. فيكون قوله (أحسن، الثواب) إشارة إلى المذكور قبله. والثاني: أن يكؤن حسن الثواب غير المذكور أولاً، فنبه أنّ ما ذكرت أولاً هو الذي عرفتكم، وعند الله حسن الثواب، الذي لم يُعَرِّفْكُموه لعجزكم عن الوقوف عليه إشارة إلى المذكور في قوله: (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ) وفي قوله: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ).

стр. 1260

قوله تعالى: (لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (١٩٦) أصل الغًرِّ: الطيُّ الذي ينكسر عليه المطوي، فجُعِلَ عبارة عمن انطوى على اعتقاد يمنع عن رفع بصيرته، ولذلك سُمي الاعتمّاد طَوِية، ونحو الغرِّ الاستدراج تشبيها بالمدرج، ومن هذا قال: (يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ)؛ والتقلب في البلاد ليس يعني المشي فيها، وإنما يعني التوسع في أعراض الدنيا،

стр. 1261

والمتاع: ما فيه تمتع ما، والآية تحتمل وجهين: أحدهما: أن جعل ما يتمتع به في الدنيا وإن كَثُرَ. قليلًا في جنب ثواب الله تعالى. فلا يجب أن يُغتر به، إذا اعتُبر بما يحصل لأربابها في المآل من العذاب. والثاني: أنه أراد بالقليل قلة الفناء. وأراد بجهنم: جهنّم الدنيا وجهنّم الآخرة، تنبيهاً أن من حصل له مال لا ينفك من شُغلٍ لا ينقضى عناؤه، وفقر لا يُدرك غناؤه، وحزنٍ على فوت محبوب، وخوفٍ على فقد مطلوب. كأنهم في جهنم من سَلْب ما لهم، وفي جهنم عند مآلهم، كما قال: (فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا). وذكر (الْمِهَادُ) على سبيل المثل،

стр. 1262

كقوله: (لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ). قوله تعالى: (لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ (١٩٨) ذكره تعالى لـ (لَكِنِ) لكون حكم ما بعده منافياً لما قبله. وقد ذكر في قوله: (لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) الوجهان اللذان ذكرا في قوله: (وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ). وقيل: عنى به أنهم من طيب عيشهم في القناعة. ورفضهم فضولات الدنيا في جنّاتٍ صفتها كذلك. وذلك على التشبيه، وإياه قصد بقوله: (فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً).

стр. 1263

قال: والذي يدلّ على هذا قوله: (نُزُلًا). والنزُلُ ما يجُعل للإِنسان في طريقه، ليستعين به على سفره. وانتصابه على أنه مصدر مؤكد أو تفسير، كقولك: هذا لك هبة، وفي قوله: (وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ)،

стр. 1264

الوجهان المذكوران في قوله: (وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ). وقيل: عنى بذلك ما قاله ﷺ : "الدنيا جنّة الكافر وسجن المؤمن ". تنبيهًا أن المؤمن يتبرم بها شوقا إلى ما أُعِدَّ له. والكافر يطمئن إليها، ويشتاق إليها عند فراقها مع ما فيها من الشوائب لما أُعِدَّ له من العذاب. وقال عبد الله: ما من نفس برّة ولا فاجرة إلا والموت خير لها. ثم تلا هذه الآية في الأبرار. وتلا قوله: (إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا) في الفجار.

стр. 1265

قوله تعالى: (وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩٩) الخشوع: كالخضوع، لكن أكثر ما يقال في الخشوع ما اعتُبر فيه حال القلب، والخضوع فيما اعتُبر فيه حال الجوارح. وإن كان يُستعمل كل واحد منهما في موضع الآخر. فقول الحسن: الخشوع ثبات الخوف في القلب. وقول غيره: هو ما يظهر من الخضوع الدال على الخوف من عقاب الله، واحد في الحقيقة،
следующие страницы →