← Тафсир

Тафсир · id 9231

تفسير الراغب الأصفهاني

الراغب الأصفهاني

Полный текст (2 001 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

والمتاع: ما فيه تمتع ما، والآية تحتمل وجهين: أحدهما: أن جعل ما يتمتع به في الدنيا وإن كَثُرَ. قليلًا في جنب ثواب الله تعالى. فلا يجب أن يُغتر به، إذا اعتُبر بما يحصل لأربابها في المآل من العذاب. والثاني: أنه أراد بالقليل قلة الفناء. وأراد بجهنم: جهنّم الدنيا وجهنّم الآخرة، تنبيهاً أن من حصل له مال لا ينفك من شُغلٍ لا ينقضى عناؤه، وفقر لا يُدرك غناؤه، وحزنٍ على فوت محبوب، وخوفٍ على فقد مطلوب. كأنهم في جهنم من سَلْب ما لهم، وفي جهنم عند مآلهم، كما قال: (فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا). وذكر (الْمِهَادُ) على سبيل المثل،

стр. 1262

كقوله: (لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ). قوله تعالى: (لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ (١٩٨) ذكره تعالى لـ (لَكِنِ) لكون حكم ما بعده منافياً لما قبله. وقد ذكر في قوله: (لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) الوجهان اللذان ذكرا في قوله: (وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ). وقيل: عنى به أنهم من طيب عيشهم في القناعة. ورفضهم فضولات الدنيا في جنّاتٍ صفتها كذلك. وذلك على التشبيه، وإياه قصد بقوله: (فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً).

стр. 1263

قال: والذي يدلّ على هذا قوله: (نُزُلًا). والنزُلُ ما يجُعل للإِنسان في طريقه، ليستعين به على سفره. وانتصابه على أنه مصدر مؤكد أو تفسير، كقولك: هذا لك هبة، وفي قوله: (وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ)،

стр. 1264

الوجهان المذكوران في قوله: (وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ). وقيل: عنى بذلك ما قاله ﷺ : "الدنيا جنّة الكافر وسجن المؤمن ". تنبيهًا أن المؤمن يتبرم بها شوقا إلى ما أُعِدَّ له. والكافر يطمئن إليها، ويشتاق إليها عند فراقها مع ما فيها من الشوائب لما أُعِدَّ له من العذاب. وقال عبد الله: ما من نفس برّة ولا فاجرة إلا والموت خير لها. ثم تلا هذه الآية في الأبرار. وتلا قوله: (إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا) في الفجار.

стр. 1265

قوله تعالى: (وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩٩) الخشوع: كالخضوع، لكن أكثر ما يقال في الخشوع ما اعتُبر فيه حال القلب، والخضوع فيما اعتُبر فيه حال الجوارح. وإن كان يُستعمل كل واحد منهما في موضع الآخر. فقول الحسن: الخشوع ثبات الخوف في القلب. وقول غيره: هو ما يظهر من الخضوع الدال على الخوف من عقاب الله، واحد في الحقيقة،

стр. 1266

ولما ذم فيما تقدم كفار أهل الكتاب بيَّن هاهنا: أن من خالفهم في سوء اعتقادهم وأفعالهم فحكمهم بخلاف حكمهم. وذكر ما فيه تنبيه على الإِيمان والأعمال الصالحة، وترك تتبُّع دِقَاق المطامع، وذلك أحكام الشرع. إن قيل: ما فائدة قوله: (إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) ها هنا؟ قيل: الحساب إشارة إلى الثواب المجعول لهم في مقابلة فعلهم. وسقاه حساباً لقوله: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا) وبيّن بقوله: سريع الحساب أن ذلك لا يتأخر عنهم. لما كانت النفس مولعة بحب العاجل. ونبّه على أمرين: أحدهما: ما يجعل لهم في الدنيا المدلول عليه بقوله: (فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ).

стр. 1267

الثاني: أن المدعُوَّ به في الآخرة سريعٌ وقوعه وإن كان في ظنِّ الكافرين بطيئاً حصوله. قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠) الصبر أعمُّ من المصابرة، إذ كان يقال فيما يُتصوَّر فيه فاعل واحد، والمصابرة، يقال فيما يُتصوَّر فيه فاعلان متقابلان. والصبر: حبس النفس على ما يحمد،

стр. 1268

وعما يُذمُّ، ولهذا قيل: هو اسم لأعم الفضائل. وله ثلاث منازل: إمساك الجوارح الظاهرة عن الإِقدام على ما يُكره. وإمساك اللسان عن إظهار التألُم منه. وإمساك القوى عن تحرُّكها بالتألُم منه. وهذه منزلة الصدّيقين. والمصابرة ضربان: مصابرة العِدى، وإليه ذهب الحسن ومجاهد في الآية. ومصابرة قوى النفس في مدافعة الحرص والبخل والجبن وسائر الرذائل. وهي عظماهما، والمرابطة كذلك على ضربين:

стр. 1269

مرابطة في ثغور المسلمين، ومرابطة النفس البدن، فإنها كمن أُقيم في ثغر، وفُوِّض إليه مراعاته، فيحتاج أن يراعيه غير مُخل به إلى أن يُعزَل عنه أو يُستردّ منه، وقد دخل في عموم ما قلناه قول من قال: اصبروا في أنفسكم، وصابروا عدوكم، ورابطوا الثغور. وقول من قال: اصبروا بجوارحكم على الطاعة، وصابروا بقلوبكم مع الله، ورابطوا بأسراركم في سبيل المحبة، وقد نبّه

стр. 1270

على - عموم ذلك النبي ﷺ ، حيث قال: "من الرباط انتظار الصلاة بعد الصلاة". إن قيل: كيف أخّر ذكر التقوى؟ قيل: يحتمل وجهين: أن يكون ذلك إشارة إلى غاية التقوى. وهي التبرؤ من كل شيء سوى الله، وذلك لا يكون إلا بعد هذه الأشياء، وكأنه قال: إذا فعلتم ذلك فاتقوا الله راجين أن تدركوا الفلاح، إشارة إلى ما ذكر من الصبر والمصابرة والمرابطة. فلمّا أمر تعالى بهذه الثلاثة، قال: (وَاتَّقُوا اللَّهَ) أي اتركوا القبائح له، فبتركها تُدرك هذه الثلاث، ويكون الفلاح عبارة

стр. 1271

عن هذه الثلاث، فعلى هذا التقوى في المعنى متقدم، وعلى الأول متأخر. والله أعلم.

стр. 1272

سورة النساء (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١) قد تقدّم الكلام في الفرق بين (يَا أَيُّهَا النَّاسُ)، و (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا). وأنه ذكر مع النّاس (الربُّ) ومع الذين آمنوا (اللهُ)، فيا أيها الّناس خطاب عام، ويا أيها الذين آمنوا أخصّ منه، ويا عبادي أخصُّ منهما، وحيث يقصد خاصَّ الخاصِّ قال:

стр. 1273

(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ) و (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ) وإن كان الخطاب له ولغيره نحو (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ). وقد تقدّم البهلام في أن أدنى منازل التقوى اجتناب الكفر. وأعلاها أن لا تراعي من الدنيا والآخرة سوى الله. وقوله: (خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ) ذكر عامة المفسرين أنه عنى بالنفس آدم، وزوجها: حواء. وذكر بعضهم أنه عنى بالنفس الروح المذكورة في قوله ﷺ : "إن الله خلق الأوواح قبل الأجسام بكذا سنة". وعنى بزوجها البدن. وقيل: عنى به التركيب، وإلى

стр. 1274

نحوه أشار بقوله: (وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ). وقوله: (سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ)، ولا يصحُّ معنى ذلك في النبات إلاّ على معنى التركيب، ونبّه بذكر الزوجين والأزواج في الأشياء على أنها لا تنفك من ترتيب ما، وأن الواحد في الحقيقة ليس إلا هو تعالى، قال: وعلى هذا نبّه بقوله: (وَاَلشَفعِ وَاَلوَترِ)، وقال معنى الشفع: الخلق، والوتر: الخالق. وهذا القول في الآية

стр. 1275

وإن كان متجهًا، فأهل الأثر على"ما تقدم. إن قيل: على أي وجه خلق زوجها منها أخذ جزءًا فجعل زوجها؟ قيل: قال بعضهم: الشيئان قد يُقال لأحدهما: هو من الآخر. إذا كان من عنصره وأصله. كقولك: هذا القميص من قميصك. وقد يقال ذلك إذا كانا مشتركَين في صفة، نحو (بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ). وقال بعضهم: أخذ جزءًا من آدم، وجعل منه حواء. وعلى ذلك رُوِيَ: "خُلِقَتْ حواء من ضلع من أضلاع "،

стр. 1276

وقال بعضهم: نبّه بقوله: (وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا) أن المرأة بعض من الرجل. تنبيهًا على نقصانها وكماله، وآنجه نبّه ﷺ بقوله ذلك أنها مخلوقة خلقة مُعْوَجة، لا ينتفع بها إلا كذلك، فلا يهمنّك تنقيتها، وعلى ذلك قال ﷺ : "إن المرأة خُلقت من ضلع، وإنك إن أردت أن تقيمها كسرتها، وإن تركتها وفيها عوج استمتعت بها ". وبهذا النظر قيل: أَخسُّ صفات الرجل الشحُّ والجبنُ، وهما أشرف صفات المرأة. إن قيل: ما وجه عطف الأرحام على الله، والتقوى في الحقيقة من الله ومن عذابه، لا من الرحِم، وقد كان الوجه أن يُقال:

стр. 1277

اتقوا الله في الأرحام أو للأرحام؟ قيل: أجيب عن ذلك بأوجه: الأول: أنه لما كان يقال: اتق الله، أي اتق عقوبة عصيانه. واتق ذنبك، أي عقوبة ذنبك، قال ههنا: (اتَّقُوا اللَّهَ)، أي اتقوا عقوبته على طريق الجملة. ثم قال: والأرحام. أي عقوبته في قطع الأرحام. وخصّها بالذكر تعظيمًا لأمرها، وكأنه قيل: اتقوا عقوبات الله عامة، وعقوبته في قطع الأرحام خاصة، وذلك لتعظيمه أمر الرحم. والوجه الثاني: أن تقديره: اتقوا الله في الرَّحِم، لكن حُذِف الجارّ، وأُقيم حرف العطف مقامه، كقولهم: يدك والسكين. أي احفظ يدك من السكين.

стр. 1278

والوجه الثالث: أن تقديره: اتقوا الله وقوا الأرحام. فأحدهما متقى، والآخر موقى، نحو قولهم: أعور عينك والحجر. أي: قِ عينك، واتق الحجر. إن قيل: ما وجه إعادة التقوى وعطف أحدهما على الآخر؟ قيل: إنه أمر في الأول بالتقوى أمرًا عامًا، ولهذا قال: (رَبَّكُمُ) تنبيهًا على أفضاله، وإحالتهم على ما لا يمكن لأحد إنكاره. ولما قصد الحث على الحافظة على الرَّحِم قذم ذكر الموجد باللفظ الذي فيه التنبيه على القدرة التامة. إن قيل: ما وجه ذكر (تَسَاءَلُونَ بِهِ)؟

стр. 1279

قيل: زيادة في الترغيب في تقواه، وتنبيهًا على كون تعظيمه منغرسًا في قلوبنا، حتى إنا إليه نفزع إذا سألنا، ونبّه أنا كما نقول: أسألك بالله. نقول: أسألك بالرحم، وتقدير الكلام: اتقوا الله الذي تسألون به، والأرحام التي تسألون بها، لكن نبّه بوصف الأول على وصف الثاني، وللقصد إلى هذا المعنى قرأ من قرأ: " الأرحامِ " بالخفض. إن قيل: ما فائدة قوله: (خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ)؟ قيل: تنبيهًا على وجوب مواصلة بعضنا بعضًا، لكوننا من ذات واحدة، وأنا

стр. 1280

كبنيان يشدُّ بعضه بعضًا، وأمّا بخفض قوله: (وَالْأَرْحَامَ) فقد قيل: فيه ضعف من حيث الإِعراب، ومن حيث المعنى (١)؛ أمّا من حيث الإِعراب فلأن ضمير المجرور لمّا كان على حرف واحد قائم مقام التنوين، والتنوين لا يصحُّ أن يعطف عليه، كذلك الضمير المجرور، وأيضًا فلأنّ كلَّ ما يُعطف عليه يصحّ أن يُعطف هو. ولمّا كان ضمير المجرور لم يصحَّ أن يعطف عليه، وبيان ذلك أنّ للمرفوع والمنصوب ضميرًا منفصلًا، نحو: هو وهما وإيّا. فيصح أن يُقال: رأيتك وزيدًا، أو رأيت زيدًا وإياك، وأتيتني وزيد. وأتاني زيد وأنت، ولم يكن للمجرور ضمير منفصل يقع موقع المتصل فيُعطف به، فلم يجز لذلك أن يُعطف عليه أيضًا.

стр. 1281

وأمّا من حيث المعنى: فإن إعادة الأمر بالتقوى فلاقتران ذكرها بصفة تحثُّ سامعها على استعمال التقوى، كقولك: اتقِ الله الذي تخافه، واتقِ الله الذي بيده الخير. فهذه الصفات هي التي تُحَسِّنُ التكرير. فإذا نصبت الأرحام ففيه هذا المعنى. وإذا جررته لم يكن في ضمنه من التحذير ما فيه إذا نصبتَه. وإنما قال: (وَخَلَقَ مِنْهَا) ردًّا إلى لفظ النفس، وكلُّ اسم جنس، لفظه

стр. 1282

مخالف لمعناه أي، التذكير والتأنيث، فلك اعتبار اللفظ طورًا والمعنى طورًا، نحو: حمامة ونفس، وإذا كان عَلمًا نحو: طلحة. أو صفة نحو: علَّامة ونسَّابة، فليس إلا اعتبار المعنى دون اللفظ. والرَّقيب. قال مجاهد: هو الحفيظ، وقال ابن زيد: عليم). وكلاهما صحيح، فحافظ الشيء يقتضي أن يكون عالمًا به ليمكنه أن يحفظه، وبيَّن بقوله: (كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) أنه قبل أن خلقكم وأوجدكم كان مراعيًا لكم، تنبيهًا أنه لا يخفى عليه أمركم في كل حال.

стр. 1283

قوله تعالى: (وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (٢) الخبيث والطيِّب: عبارتان عن الحرام والحلال، أي تدفعوا إليهم شيئًا هو طيِّب لكم، وتأخذوا من مالهم ما هو خبيث لكم. طلبًا للربح. هذا قول الضّحّاك والسُّدِّي. وقيل: لا تتبدلوا الهزيل بالسمين. وقيل: الطيِّب مقدار ما أبُيح تناوله من مال

стр. 1284

اليتيم، والخبيث ما لم يُبح منه، وهو المشار إليه بقوله: (وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا). وكل هذه الأقوال إشارات إلى ما يقتضيه عموم الخبيث والطيب. والحَوب: الإِثم لكونه مزجورًا عنه، من قولهم: حاب حَوْبًا وحُوبًا وحِيَابة، والأصل فيه حَوْب لزجر الإِبل، وتحوّب نحو تأثم، وإيتاء اليتامى أموالهم، قيل: دفعها إليهم بعد البلوغ، وسمّاهم حينئذ يتامى استصحابًا للحالة المتقدمة،

стр. 1285

ويكون ذلك كقوله: (حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ) وقيل: هو إنفاقها عليهم، ودفعها شيئًا بمعد شيء على قدر الحاجة. والضمير في قوله: (إِنَّهُ) قيل: للأكل. وقيل: للتبدُّل. وقيل: للأموال، لكن اعتُبر المعنى

стр. 1286

لمّا كان المال والأموال في هذا الموضع سواء، كقول الشاعر: . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .، فإن الحوادث أودى بها لمّا كان معنى الحوادث والحدثان واحدًا. قوله تعالى: (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (٣) العَولُ: الخروج عن حد الاستقامة، والعول في الفريضة خروج عن حدِّ السهام المسماة، والعويل: الصياح الخارج عن حد الاستقامة في الكلام، وذلك نحو الألفاظ التي يتحرّاها المصاب. وعوَّلت عليه مِلتُ نحوه بالاعتماد، والِمعْول على بناء الآلة، كأنه آلة العول.

стр. 1287

والآية تُؤوِلَتْ على وجهين: أحدهما: قيل: إن الرجل قبل الإِسلام إذا مات كان وليُّه يسير في أيتامه سيرة غير قاصدة، ويأكل أمو الهم إسرافًا وبدارًا، وكانوا يسيرون في يتامى النساء خاصة بأقبح سيرة، فإنها متى كانت اليتيمة ذات مال وجمال تزوّجوا بها بأقلّ من مهرها، ثم لم يحُسنوا إليها، وإن كان أحدهم لا يرغب فيها عَضَلها عن النكاح، طمعًا في مالها، فلما جاء الإِسلام نُهوا عن ذلك بهذه الآية. وقوله: (وَإِنْ خِفْتُمْ) أي إن خفتم أن لا تستعملوا العدالة - أي إذا تزوّجتم بهن فتزوجوا من غيرهن. وإلى هذا ذهب ابن عباس وعائشة. والثاني: أنهم يتحرجون في أموال اليتامى، لمّا

стр. 1288

عظَّم الله تعالى من أمرهم في نحو قوله: (وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ) الآية. ولم يكونوا يتحرّجون من التزوُّج بعدد من النساء، فقال تعالى إن تحرَّجتم عن تناول مال اليتيم خشية أن لا تُقسطوا. فتحرجوا النساء أن لا تعدلوا بينهن، وانكحوا مقدار ما يمكنكم الوفاء بحقوقهن. وقيل: معناه إن خفتم أن لا تُقسطوا في حفظ أموال اليتامى. وأن تجوروا في الإِنفاق على نسائكم. فانكحوا عددًا مخصوصًا لا يحوجكم إلى أن تقسطوا. إن قيل: فما معنى ذكر هذه الأعداد إن كان الأمر على ما وصفت؟ وهلّا قيل: فانكحوا ماطاب لكم من النساء سواهن؟

стр. 1289

قيل: يجوز للحكيم إذا سئل عن حكم أن يجيب عنه، ويقرن إليه ما علم أنّ بالسائل حاجة إليه. فلمّا سُئل عن ذلك، وكان فيهم من لا يُبالي أن يتزوّج بالعدد الكثير من النساء، بيّن العدد الذي لا يجوز أن يتعداه الإِنسان في وقت واحد، ولذلك أحيلوا على هذه الآية لما استفتوا في يتامى النساء، فقال تعالى: (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ) الآية. وقد اختُلف في العدد الذي يجوز أن ينتهى إليه في النكاح. فمذهب عامة الفقهاء أنه لا يجوز مجاوزة الأربع، ومذهب بعض الشيعة أنه يجوز بلا عدد كالسراري. وقال: الآية ليست بتوقيفٍ، بل هي إباحة: كقولك: تناول ما أحببت واحدًا واثنين وثلاثة، وأنّ تخصيص بعض مقتضى العموم على طريق التبيين لا يقتضي الاقتصار عليه، وذهب بعضهم ممن لا يعرف شرط الكلام إلى أن المباح منهن تسع، وقال: الواو تقتضي الجمع، فصار كقولك: اثنين وثلاثًا وأربعًا، وذلك تسع. وأكد ذلك بأن النبي ﷺ مات عن تسغ نسوة. قال: وغير منكر أن

стр. 1290

يذكر عدد واحد بلفظين، كما قال: (ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ). وهذا فاسد، أما أولاً: فإن العدول عن ذكر الشيء بلفظة واحدة إلى لفظين، إما أن يكون لغرض نحو (ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ)، لمّا خالف بين حكميهما أورده بلفظين. أو يكون ذلك للعيّ والاستدراك عن نسيان، وكلام الله تعالى منزَّه عن ذلك، ومنهم من ردَّ إلى واحدة، لتأويلٍ انتزعه من الآيتين: إحداهما هذه، والأخرى قوله: (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ) الآية. قال: فبيَّن أنكم لا تستطيعون تحري العدالة في النساء، وقال ههنا: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً). فكأنه قال: انكحوا واحدة إن لم تستطيعوا أن تعدلوا.

стр. 1291

فقد ثبت أن لا تستطيعوا، فإذًا، فانحكوا واحدة، وهذا القائل خفي عليه الفرق بين العدلين، فإن العدل في تلك الآية تركُ ميل القلب، وذلك مرفوع عن الإِنسان، لقوله تعالى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا). وقوله: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً) عنى به العدل الذي هو حق القسم والنفقة، ولهذا قال: (فَإِنْ خِفْتُمْ) فإن الخوف يُقال فيما فيه رجاء ما، ولهذا لا يُقال: خفت أن لا أقدر على بلوغ السماء أو نسف الجبل. وهذه الأقوال المتقدّمة يُبطلها ما رُوي أنه لمّا نزلت هذه الآية كانت تحت قيس بن الحارث ثمان نسوة، فقال له ﷺ : "خل سبيل أربع ".

стр. 1292

وكذا قال لابن مسعود الثقفي، وكان قد أسلم وتحته تسع نسوة، واستدلَّ أهل الظاهر بالآية على وجوب النكاح. واستدل بها بعض الفقهاء على أنه غير واجب، وبيان هذا أن

стр. 1293

ما في قوله: (فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ) إمّا أن يكون عبارة عن المنكوحة، أو عن الزمان، أو العدد. فلا يصح الأول. لأن (ما) لا يُعبَّر به عن أعيان العقلاء مجردًا، ولا عن العدد، لأنه محال أن يعني نكاح العدد، وإن عنى المعدود فالكلام راجع إلى أن يكون عبارة عن العقلاء، فيجب أن يكون عبارة عن الزمان، فكأنه قال: اعقدوا وقت ما يطيب لكم، والمخالف يوجبه طاب لنا أو لم يطب.

стр. 1294

فإن قيل: معناه ما تاقت أنفسكم إليه، قيل: إن عنى ما تاقت نفسه إلى العقد فليس ذلك مذهبًا لأحد، وإن عنى المخالف: ما تاقت نفسه إلى الجماع، فلم يجر للجماع ذكر. وقد تقدَّم الكلام في العول، فقول من قال: ذلك أدنى أن لا تجاوزوا ما فرض الله. وقول من قال: أن لا تميلوا، يرجعان إلى أصل واحد. وقول الشافعي معناه: أن لا يكثر عيالكم. وقد ذهب إلى هذا التأويل

стр. 1295

زيد بن أسلم، وأجازه الأصمعي، وابن الأعرابي. ومنه قيل: فلان يعول عشرة، وقال ابن داود: غلط الشافعي، لأن صاحب الإِماء في العيال كصاحب الأزواج.

стр. 1296

وابن داود لم يتصوّر ما قاله الشافعي، وذاك أنه لم يُرِد إلا ما أراد غيره من حقيقة المعنى، وإنما تحرّى اشتقاق اللفظ، ولم يُرِد بالعيال الأولاد، وإنمّا أراد النساء، فقد يُسمَّى كل من تسمونه العيال، وإن لم يكن أولادًا، وأراد تعالى إن خفتم أن يكثر نساؤكم، فتحتاجوا إلى تفقدهن بأمور تقصرون عنها، ولا يكون في مراعاتها إقساط. وهذا راجع إلى ما ذهب إليه الآخرون. قوله تعالى: (وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤) فالنحلة: العطية التي لا يُطلب بها عوض، وأصله عندي من النحل. فكأنَّ نحلتهُ: أعطيته عطية النحل، وذلك ما قصده الحكماء من وصف النحل في أنه لا يضر بشيء، وينفع أعظم نفع، وكأنه إلى ذلك أشار بقوله: (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ) الآية،

стр. 1297

والنِّحلة أخصّ من الهبة، إذ كل هِبة نِحلة، وليس كل نِحلة هِبة. وسُمّي الصداق بها من حيث لا يجب في مقابلته أكثر من تمتُّع دون عوض مالي. وقول قتادة وابن زيد: النّحلة: الفريضة. فنظر منهم إلى حكم الآية، لا إلى موضوع اللفظ والاشتقاق. واقتضت إيجاب إيتائهن الصداق. ثم حكمه وقدره قبل الدخول وبعده، وقبل التسمية وبعدها. فمأخوذ من غير الآية. ودلّ بقوله تعالى: (فَإِنْ طِبْنَ) أن لا يتحرّج الإِنسان من قبول هبتها عن طيب نفس منها بها، ودلَّت الآية على أنه يجوز لها أن تهب صداقها إذا كانت بالغة، خلافًا لما قال مالك: إن ذلك إلى وليّها.

стр. 1298

وللأوزاعي حيث قال: لا يجوز لها حتى تلد. أو يحول عليها الحول في بيت زوجها. ولليث بن سعد حيث قال: لا يجوز عتق ذات الزوج ولا هبتها. إلا في اليسير من غير إذن زوجها. وذُكِرَ عن شريح أن رجلًا أتى بيّنة أن امرأته

стр. 1299

أبرأته من صداقها عن طيب نفس، وأنكرت المرأة ذلك. فقال شريح: هل رأيتم المال وقد دفع إليها؟ فقالوا: لا. فقال: لو طابت نفسها لم ترجع فيه، فلم يجُزه. إن قيل: لِمَ قال: (فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا) فأفرد وقال في الأخرى: (بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا) فجمع؟ قيل: التمييز على ثلاثة أضرب: الأول: أن يدلَّ ما قبله على عدد فلا يجُمع، نحو: عشرون درهماً. والثاني: أن يشتبه، فلابد من جمع إذا أريد الجمع نحو قولهم: أفره القوم عبيدًا. والثالث: أن يستوي الواحد والجمع لكونه معلومًا منها المعنى على حد، نحو قولهم: فلان أحسن القوم عينًا، لأنه يعلم أن القوم لم يشتركوا

стр. 1300

في عين واحدة، والآية على هذا فلا يحتاج فيها إلى الجمع. والضمير في (مِنْهُ) راجع إلى مصدر (فَأْتُوهُنَّ). قوله تعالى: (وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٥) السُّفَهَاء قيل: النساء،
следующие страницы →