← Тафсир

Тафсир · id 9231

تفسير الراغب الأصفهاني

الراغب الأصفهاني

Полный текст (2 001 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

وابن داود لم يتصوّر ما قاله الشافعي، وذاك أنه لم يُرِد إلا ما أراد غيره من حقيقة المعنى، وإنما تحرّى اشتقاق اللفظ، ولم يُرِد بالعيال الأولاد، وإنمّا أراد النساء، فقد يُسمَّى كل من تسمونه العيال، وإن لم يكن أولادًا، وأراد تعالى إن خفتم أن يكثر نساؤكم، فتحتاجوا إلى تفقدهن بأمور تقصرون عنها، ولا يكون في مراعاتها إقساط. وهذا راجع إلى ما ذهب إليه الآخرون. قوله تعالى: (وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤) فالنحلة: العطية التي لا يُطلب بها عوض، وأصله عندي من النحل. فكأنَّ نحلتهُ: أعطيته عطية النحل، وذلك ما قصده الحكماء من وصف النحل في أنه لا يضر بشيء، وينفع أعظم نفع، وكأنه إلى ذلك أشار بقوله: (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ) الآية،

стр. 1297

والنِّحلة أخصّ من الهبة، إذ كل هِبة نِحلة، وليس كل نِحلة هِبة. وسُمّي الصداق بها من حيث لا يجب في مقابلته أكثر من تمتُّع دون عوض مالي. وقول قتادة وابن زيد: النّحلة: الفريضة. فنظر منهم إلى حكم الآية، لا إلى موضوع اللفظ والاشتقاق. واقتضت إيجاب إيتائهن الصداق. ثم حكمه وقدره قبل الدخول وبعده، وقبل التسمية وبعدها. فمأخوذ من غير الآية. ودلّ بقوله تعالى: (فَإِنْ طِبْنَ) أن لا يتحرّج الإِنسان من قبول هبتها عن طيب نفس منها بها، ودلَّت الآية على أنه يجوز لها أن تهب صداقها إذا كانت بالغة، خلافًا لما قال مالك: إن ذلك إلى وليّها.

стр. 1298

وللأوزاعي حيث قال: لا يجوز لها حتى تلد. أو يحول عليها الحول في بيت زوجها. ولليث بن سعد حيث قال: لا يجوز عتق ذات الزوج ولا هبتها. إلا في اليسير من غير إذن زوجها. وذُكِرَ عن شريح أن رجلًا أتى بيّنة أن امرأته

стр. 1299

أبرأته من صداقها عن طيب نفس، وأنكرت المرأة ذلك. فقال شريح: هل رأيتم المال وقد دفع إليها؟ فقالوا: لا. فقال: لو طابت نفسها لم ترجع فيه، فلم يجُزه. إن قيل: لِمَ قال: (فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا) فأفرد وقال في الأخرى: (بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا) فجمع؟ قيل: التمييز على ثلاثة أضرب: الأول: أن يدلَّ ما قبله على عدد فلا يجُمع، نحو: عشرون درهماً. والثاني: أن يشتبه، فلابد من جمع إذا أريد الجمع نحو قولهم: أفره القوم عبيدًا. والثالث: أن يستوي الواحد والجمع لكونه معلومًا منها المعنى على حد، نحو قولهم: فلان أحسن القوم عينًا، لأنه يعلم أن القوم لم يشتركوا

стр. 1300

في عين واحدة، والآية على هذا فلا يحتاج فيها إلى الجمع. والضمير في (مِنْهُ) راجع إلى مصدر (فَأْتُوهُنَّ). قوله تعالى: (وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٥) السُّفَهَاء قيل: النساء،

стр. 1301

وقيل: الصبيان، ومنهم من اعتبر ذلك في كل من لم يكن حصيفا في تدبير المال، ومنهم من اعتبر ذلك مع الحصافة في الدين. وكُلّ واحد أشار إلى بعض من يتناوله الاسم على سبيل المثال. فمعلوم أنه لا يصحُّ صرفها إلى النساء مفردات، لقوله: (وَارْزُقُوهُمْ) والنهي عن إيتائهن المال على سبيل تفويض تدبير الأموال إليهن. وقيل: على سبيل تمليكهن على وجه التمكين، لا على نهي الإِعطاء بقدر ما يحتاجون إليه. وقال ابن جبير: معناه لا تعطوهم أموالهم. وإضافته إلى المخاطبين على اعتبار الجنس، نحو قوله: (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ)، ونظر بعضهم نظرًا آخر، فقال: عنى

стр. 1302

بالسفهاء الوارثين، الذين يُعلم من حالهم أن يتسفهوا في استعمال ما تناله أيديهم، فنهى عن جميع المال الذي يرثه السفهاء، ونبّه بقوله: (الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا) على الغرض الذي فصَّله الحكماء من فائدة المال الموصل به إلى السعادة الحقيقة، بل قد أبانه النبي ﷺ بأوجز لفظ، فقال: "من طلب الدنيا استعفافًا عن المسألة، وسعيًا على أهله. وتعطُّفًا على جاره، بعثه الله ووجهه كالقمر ليلة البدر. ومن طلبها حلالًا، مكاثرًا، مفاخرًا، مرائيًا، لقي الله وهو عليه غضبان ". والقيام يكون مصدرًا واسمًا، والقوام لا يكون إلا اسمًا.

стр. 1303

إن قيل: لِمَ قال: (فِيهَا) ولم يقل: منها. مع كون ذلك أظهر؟ قيل: قد ذكر بعضهم أن فيه تنبيهًا على ما قاله ﷺ : "ابتغوا في أموال اليتامى، لا تاكلها الزكاة". وأن المستحب أن يكون الإِنفاق عليها من فضلاتها المكتسبة. والقول المعروف متضمن للأمر بتأديبهم وإرشادهم ووعدهم الجميل، الذي ذكره ابن جريج، وقال: هو أن يُقال له: إن رشدت مكنَّاك من مالك،

стр. 1304

وفيه المنع عن قهرهم، وإليه ذهب مجاهد استدلالاً بقوله تعالى: (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ) قوله تعالى: (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٦) الإِيناس فيما رُئي مرّة بعد أخرى فأُنس به. وقد فسّره ابن عباس بالمعرفة. والخليل فسره بالإِحساس. والرشد،

стр. 1305

قال الحسن وقتادة: وهو الصلاح في الدين والإِصلاح للمال. وقال مجاهد: هو الإِصلاح للمال فقط، وأمر تعالى بدفع المال إلى اليتامى بعد البلوغ وإيناس الرشد منهم، وبعد الابتلاء، وجعل ذلك كلّه شرطا في تسليم المال إليه، ومعلوم من الآية أن من دُفع إليه المال، ثم فُقد منه الرشد أن يُعاد الحَجْرُ عليه، لأن الغرض بذلك حفظ ماله، فلا فرق بين أن يكون المعنى الموجب للحَجْرِ ابتداء أو انتهاء.

стр. 1306

والآية تقتضي أن كلَّ من حصل في يده مال لغيره لزمه حفظه له كمال المفقود، ومال الفقراء في بيت المال، واللُقطة في يد الملتقط. والابتلاء المراد في الآية، قيل: هو حال الصغر بأن يُدفع إليه قليل من المال، فيرُى حفظه له وتصرفه فيه. وقيل: هو بأن يجُرَّب في أمورِ أُخر. وقيل: هو أن يختبر بعد البلوغ، وسفاهم يتامى استصحابًا للحالة المتقدّمة، وقوله: (وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا) أي متجاوزين حد القصد المباح لكم، ومبادرة أن يكبروا، فيمنعوا أموالهم). وقوله: (وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ). قيل: لا يتناول منه شيئًا.

стр. 1307

(وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ) من مال نفسه لا من مال اليتيم، لئلا يحتاج إلى مدِّ اليد إلى ماله. وقيل: فليأكل بالمعروف من مال اليتيم. وقيل: ذلك منسوخ بقوله: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا) الآية، وقال الأصمُّ: فليأكل من مال اليتيم قرضًا. وإليه ذهب عمر، فقال: إني في مال الله كوالي اليتيم، إن استغنيت استعففت، وإن افتقرت أكلت بالمعروف،

стр. 1308

فإذا أيسرت قضيت. وقيل: يتناول الفقير الأقل من قدر حاجته، أو قدر أُجرةِ مثله. وقيل: ليس لوالي اليتيم أن يتناول ذلك، وإن تولى إصلاحه إلا بأمر من له الأمر، وإليه ينصرف ما رُوي أن رجلَا أتى النبي ﷺ فقال: إن في حجري يتيمًا أفآكل من ماله؟ قال: "نعم، ما لم تقِ مالك بماله، أو تتخذ منه ذخرًا"،

стр. 1309

وإلى نحوه صُرف قوله: (وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ). والأمر بالإِشهاد عليهم عند دفع أموالهم إليهم على سبيل الإِيجاب. وقوله: (وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا)، تنبيه منه تعالى أنه رقيب عليهم. يعلم أسرارهم، وأنه يحاسبهم على ما يكون منهم، فليس للولي أن يخون، ولا لليتيم أن يدعي ما ليس له. قوله تعالى: (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (٧)

стр. 1310

المفروض: المقطوع بإيجابه، والفرض الحزُّ في شِية القوس، والفُرْضَة مقطع الماء، إمّا اعتبارًا بقطع الماء أو قطع الخصومة فيه. وبعض الفقهاء فرّق بين الفرض والواجب، فجعل الفرض أخصّ. وقال: إنه يقتضي فارضا، والواجب لا يقتضيه. قال: ولذلك يُقال: ثواب المطيعين واجب على الله. ولا يقال: فرض عليه، ورُوي أن العرب كانوا يورثون الذكور دون الإِناث، وقيل: كانوا لا يورّثون إلا من طعن من الرُّمَّاح دون المستضعفين من الولدان، قيل: إن أوس بن ثابت مات

стр. 1311

وخلَّف بنات وابني عم، فعمدا إلى المال وأخذاه. فجاءت امرأة أوس ببناته إلى النبي ﷺ وأعلمته ذلك، فأخبرها أن لا شيء لها ولا لهن. فأنزل الله تعالى الآية، فبعث النبي ﷺ إلى ابني عم أوس، فأمرهما أن لا يُخرجا من المال شيئًا، ثم نزلت آية الميراث، فقسّم المال عليهم، فاستدل بهذه الآية أصحاب الإِمام أبي حنيفة على توريث ذوي الأرحام. وقالوا: الأخوال والخالات وأولاد البنات من الأقربين. وتعلَّق بذلك أيضًا من ورَّث الإِخوة مع الجد، وكذلك من ورّث العامل والمماليك.

стр. 1312

وقوله: (نَصِيبًا مَفْرُوضًا) يقتضي خلاف من ورّث ذوي الأرحام. إذ ليس لأحد منهم نصيب مفروض. فإن قيل: لِمَ أُعيد ذكر النصيب؟ قيل: لما أراد أن يبين كون نصيبهم مفروضا أعاد الموصوف معه. ليستبين أن المفروض هو النصيب لا غير. قوله تعالى: (وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٨) أراد بالقسمة المقسوم، ولذلك: (فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ) ردّ إلى المعنى. واختُلِفَ في الآية على أقوال: الأول: أنه عنى من ليس بوارث من أولي القربى، وذلك على الاستحباب، فإما أن يُعطوا،

стр. 1313

أو يُقال لهم قول معروف، وقيل: يجُمع لهم بين الأمرين. والثاني: قال مجاهد: هو واجب، لكن يُعطون على قدر ما تطيب به نفس الورثة، إذ كانوا وارثين. قال الحسن والنخعي: أدركنا الناس وهم يُقسّمون على الأقارب واليتامى والمساكين من الورِق والفِضة، فإذا صاروا إلى الأرضين والرقيق ونحوها، قالوا لهم قولاً معروفاً، أي قالوا لهم: بُورِك فيكم. الثالث: أن أولي القربى ضربان: وارث يُعطى، وغير وارث. فيُقال له قول معروف. الرابع: يُعطى الحاضر البالغ، ويتُحرَّى في أمر

стр. 1314

الغائب والصغير قولٌ معروف أي مصلحة. الخامس. قال زيد من أسلم: هذا شيء أمِرَ به الموصي في الوقت الذي يوصي، واستدلّ في ذلك بقوله بهد هذه الآية: (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً) الآية. السادس: أنّ ذلك كان في الورثة واجبًا، فنسخته آية الميراث. والصحيح أنه ليس بمنسوخ، وعلى ذلك قوله تعالى: (وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ)، ثم قال: (وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا).

стр. 1315

قوله تعالى: (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٩) أصل السداد: إزالة الاختلال، يقال: سددت الخرقَ. إذا ردمته. والسهمَ إذا قومته، والفقرَ إذا أزلته، والسّداد ما يسدُّ به، والسداد يُقال في معنى الفاعل، وفي معنى المفعول، ورجل سديد متردد بين المعنيين، فإنه مسدد من قبل متبوعه، ومسدِّد لتابعه، وفي الآية أقوال: الأول: أنه نهي للحاضرين عند الموصي أن يأمروه بما لا يجوز الوصية به. والثاني: أنه نهي لهم أن يأمروه بترك الوصية.

стр. 1316

الثالث: ما قد رُوِي عن ابن عباس أن ذلك وارد في الحث على حفظ مال اليتيم، وأن عليهم أن يعملوا فيه بمثل ما يحبون في ذريّتهم بعد موتهم. الرابع: أنه نهي للموصي أن يوصي بما لا يجوز. وكُلُّ هذه الأقوال يصح أن تكون مرادة بالآية، لأنه واجب أن لا يوصي بأكثر من الثلث، وواجب على من يحضره أن يحثَّه على ذلك، وأن لا يُوصي بأكثر من الثلث، وأن لا يخلّ بالوصية.

стр. 1317

إن قيل: لِمَ قال: (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا)، ثم قال: (فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ)؟ وهل بين الخشية والتقوى فرق؟ قيل: الخشية الاحتراز من الشيء بمقتضى العلم. ولذلك وصف به العلماء في قوله تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ). والتقوى جعل العبد نفسه في وقاية مما يخشاه، ولذلك قال: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ) إلى قوله: (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ). فالخشية مبدأ التقوى، والتقوى غاية الخشية. فأمر الله تعالى بمراعاة المبدأ والنهاية، إذ لا ينفع الأول دون الثاني. ولا يحصل الثاني من

стр. 1318

دون الأول، ثم أمر تعالى مع ذلك بتحرِّي القول السديد، وذلك متناول لكل قول مأمور به، وقول من قال: هو تلقين المحتضر الشهادة، وقول من قال: هو ترك الرفث في تولي القسمة. وقول من قال: هو الصدق في الشهادة - داخل في عموم الآية. قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠) الصّلا: النار، وصلي فلان بها وصليته: أدنيته منها. وصليت اللحم: شويته. فقوله: (وَسَيَصْلَوْنَ) من صِليَ، ويُصْلَون من أَصلَيتُ. نحو (فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا)، والسعير: المسعور. واستعرت النار والحرب تشبيهًا بذلك، وهذه الآية مؤكَدة لما قبلها من

стр. 1319

الأمو بالخشية والتقوى، ووعيد لمن تعدّى، وذكر الأكل لكونه أكثر ما يرُاد له المال. وقيل: إنه لما نزلت هذه الآية تحرَّج الناس من طعام اليتيم حتى أنزل الله تعْالى: (وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ)، وليس هذا ناسخًا للأول، كما ظنّه قوم، لأنه ليس في قوله: (وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ) إباحة لأكل مال اليتيم ظلمًا، فتكون هذه ناسخة لها، في

стр. 1320

قوله: (يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا) وجهان: أحدهما: أن ذلك تشبيه، إذ كان ذلك مؤدياً إليه. كقول النبي ﷺ : "يتهافتون في النار تهافت الجراد". وكقول الشاعر: إذا صُبَّ ما في الوَطْب فاعلم بأنه. . . دم الشيخ فاشرب من دم الشيخ أو دعا فسمّى اللبن دما لكونه بدلاً منه. والثاني ما رُوي أن النار تجُعل في بطنه يوم القيامة. والقولان صحيحان وسيان، فإنه من

стр. 1321

كان حاله في الآخرة هذه، هو الذي حاله في الدنيا ما قاله الأولون. قوله تعالى: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١) الوصية: تُقال فيما كان حتمًا، نحو قوله

стр. 1322

تعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ) ثم قال: (ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ). وقال ابن عباس: كان المال للولد في الجاهلية. والوصية للوالدين والأقربين، فنسخه هذه الآية. واستُدِلَّ بما رُوِيَ أنه لمّا نزلت هذه الآية قال ﷺ : "إن الله قد أعطى كُلَّ ذي حق حقَّه، فلا وصية لوارث ". وقال غيره: الآية غير ناسخة، بل هي تفسير لقوله: (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ). واختُلِفَ: هل يدخل ولد الابن في

стр. 1323

إطلاق الولد؟ فمنهم من قال: يدخل فيه، لقولهم: أولاد آدم. ولأن جميع ما علق بالولد من الأحكام فابن الابن داخل فيه، نحو (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ)، ثم قال: (وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ). وقوله: (أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ) ولا خلاف أن حكم ولد الابن إذا لم يكن ولد صلب حكمه، وقد استثني من ظاهر قوله: (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) الكافر والمملوك والقاتل وأهل ملَّتين، إلا عند معاذ. فإنه يُورِّث المسلم من الكافر. وقوله: (فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ) فإنَّ الله جعل للبنات إذا كُنَّ فوق اثنتين الثلثين، وللواحدة النصف، ولم يذكر فرض

стр. 1324

البنتين، قال ابن عباس: حكمهما حكم الواحدة. وقال سائر الفقهاء: حكمهما حكم ما فوقهما. ثم اختُلِفَ من أيِّ وجه صار حكم الاثنتين حكم ما فوقهما؟ فقال بعضهم: إن ذلك أُجْرِيَ مجرى الثلاث بالقياس، لأنه به أشبه. وقال بعضهم: بل اللفظ اقتضى ذلك، وهو الصحيح. وبيان ذلك أنه قال: (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ). ولا فرق بين أن يقال ذلك أو يقال: للأثثيين مثل حظ الذكر. وقد ثبت أن حظ الذكر إذا كان مع أنثى الثلثان. فاقتضى ذلك أن فرض الأنثيين الثلثان، فصار ذلك مدلولاً عليه بفحوى الكلام دون الصريح، وفرض الواحدة وما زاد على البنتين فبالصريح، قال: ويقوي ذلك أن القسمة العددية ضربان: مركب ومفرد، وقد ذكر حكم المركب بقوله: (فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً)، وحكم المفرد بقوله: (وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ)، والاثنان بدءُ المركب من الأعداد، فيجب أن يكون حكمه ملحقًا به. ويدلُّ على ذلك ما قاله في آخر السورة قوله:

стр. 1325

(وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ)، ثم قال: (فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ)، فجعل حظ البنتين الثلثين، ولم يبيّن حكم ما زاد عليهما. وبيّن في فرض البنات حكم ما فوق الابنتين، ليعلم من نطق كل واحد من الاثنين حكم المسكوت عنه في الأخرى. فإن قيل: متى جعل حكم الاثنتين حكم الثلاث فصاعدًا سقط فائدة قوله: (فَوْقَ اثْنَتَيْنِ)؟ قيل: مثل هذا راجع إلى المخالف، لأنه يقال له: متى جعلت حكم الاثنتين حكم الواحدة سقط فائدة قوله: (وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ)؟ وجوابه في ذلك جوابنا عما سأل، على أن ذكر ذلك على التنزيل الذي نزلناه ْلابد من ذكره، لأنه بيّن حكم الاثنتين بقوله: (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ)، ثم بيّن حكم ما فوق الاثنتين، ثم حكم الواحدة. ومن قال: تقدير الكلام: فإن كن نساء اثنتين، وإن قوله (فَوْقَ) زائد كقوله: (فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ)، لأنه أراد فاضربوا الأعناق، فغير موافق في ادعاء الزيادة في الموضعين، وغير موافقٍ في تأويل الابنتين، وبهلام الله تعالى منزه عن ذكر لفظ خلوةً عن قصد معنى صحيح، إذكان ذلك لغوًا، تعالى الله عنه.

стр. 1326

إن قيل: لِمَ ذكر فرض البنت إذا انفردت، ولم يذكر الابن على الانفراد؟ قيل: لأن العرب كانوا يورّثون البنين دون البنات، فاحتيج إلى تبيين ذلك، دون ما بقوا على ما كانوا عليه. وقوله: (وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ) ظاهره يقتضي أن يكون للأب السدس مع الولد: ذكرًا كان أو أنثى، كما أن فرض الأم كذلك، لأنه لا خلاف متى كان الولد بنتا لا يستحق أكثر من النصف، لقوله: (وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ) فيُعطى الأبوان السدسين بحكم النص، وبقي سدس يناوله الأب بما نبّه عليه بقوله: (وَوَرِثَهُ ؤأَبَوَاهُ فَلِأُئِهِ اَلثلمشأ)، لمّا جمع نصيبهما. ثم أفرد نصيب الأم على أن الباقي للأب. وقوله: (وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ) فالإِخوة ههنا متناولة للإِخوة والأخوات، لكن غلب التذكير، وبين تعالى ميراث

стр. 1327

الأم عند وجود الإِخوة، والظاهر يقتضي أن الأم تستحق السدس إذا كانت للميت ثلاثة إخوة فصاعدًا. وأما إذا كان أخوان فالظاهر لا يقتضي ذلك. وقال ابن عباس: إن الآية لا تتناول ذلك، فلم تحجب الأم عن الثلث بدون الثلاثة، ولا بالأخوات منفردات، وخالفه سائر الصحابة، وحجبوها باثنين من الإِخوة والأخوات، كما حجبوها بأكثر من ذلك. وقالوا: المراد بالأخوة حصول من له الإِخوة دون العدد. ودون الذكورية والأنوثية. ولا خلاف أن الواحد لا يحجب الأم.

стр. 1328

وقوله: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ) قال أمير المؤمنين عليّ ﵇: الوصيّة مقدّمة في اللفظ مؤخّرة في المعنى. فإن مراعاة الذين قبل مراعاة الوصية، وإنما قيل (أَوْ دَيْنٍ)

стр. 1329

ولم يقُل أو، دين، ليقتضيهما مجموعين ومفردين. وقوله: (آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ)، قيل: القصد بذلك أن المنفعة بهما متفاوتة، فإن المنفعة بالآباء في الصغر، وبالأبناء في الكِبَر. وقيل: معناه تحرَّوا ما أُمرتم، ولا تعتبروا نفع الولد والوالد، فإن ذلك يختلف عند اعتبار الآحاد. وقيل: معناه لا يدري أحدكم أهو أقرب وفاة، فينتفع ولده بماله. أم الولد أقرب وفاة فينتفع

стр. 1330

الوالدان بماله، وإلى هذا المعنى أشار الشاعر: ما عِلمُ ذي ولد أيثكله. . . أم الولدُ اليتيم؟ وهذا الذكر في الآية كالاستطراد، والقصد به يجب أن يتحرَّى في ماله الوجه الذي جُعل له المال، فلا يمنع ذا حق من حقّه، شفقة على ورثته، ولا يضعه في غير حقه "تفاديًا من انتقال ماله إلى ورثته. بل يجب أن يتحرى القصد في ذلك، فليس يدري عواقب الأمور. وجملة ذلك أن في الآية حثّا على تفويض الأمر إلى الله، والرضا بحكمه، وقوله: (فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ) اسم موضوع موضع المصدر، نحو قوله: (كِتَابًا مُؤَجَّلًا)، و (كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ). ومعناه قسمة مقدرة، وقيل: معناه حتمًا

стр. 1331

لازمًا، وكلا المعنيين يقتضيه لفظ الفريضة. قوله تعالى: (وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (١٢) الكلالة: اسم لمن عدا الولد والوالد. وقال ابن عباس: اسم لمن عدا الولد وورث الإخوة مع الأب، وإليه كان

стр. 1332

يذهب ابن عمر ثم رجع عنه، ويدل أن الأب ليس بكلالة قول الشاعر: وإن أبا المرء أحمى له. . . ومولى الكلالة لا يغضب ورُوي أن النبي ﷺ سُئل عن ذلك، فقال: "من مات وليس له ولد ولا والد فورثته كلالة". وقال بعضهم: الكلالة من لا ولد له ولا والد. فجعله اسم الميت، وكلا القولين صحيح،

стр. 1333

فإن الكلالة مصدر، وهو اسم للمعنى الذي يجمعهما. فسُمّي به الوارث تارة والموروث تارة، وتسميتها بذلك إما لأنَّ النسب قد لحق به من طرفيه، أو لأنه كلَّ عن اللحوق به، وذلك أن الانتساب ضربان: أحدهما: بالعمق كنسبة الأب والابن. والثاني: بالعرض كنسبة الأخ والعم. وقال قطرب: الكلالة لمن عدا الأبوين والأخ

стр. 1334

وليس بشيء، وقال بعضهم: هو اسم لكل وارث. لقول الشاعر: . . . وللكلالة ما يُسيم ولم يقصد الشاعر ما ظنّه هذا القائل، فإنه إنما خص الكلالة ليزهد الإِنسان في جمع المال، لأن تخليف المال لهم أشد من تركه الأولاد، وإذا قُرئِ يورِث فكلالة مفعول، وإذا قُرئِ

стр. 1335

يورَث فحال للميت. فرض الله تعالى للزوج النصف إذا لم يكن للميتة ولد، دخل بها أو لم يدخل، وجعل له الربُعَ إذا كان لها ولد، سواء كان منه أو من غيره، وفرض الربُعَ للزوجات إذا لم يكن للميت ولد، والثمُنَ إذا كان له ولد، وأجمعوا أن ولد الابن يقوم مقام ولد الصلب في حجب الزوجين، إلاّ حكاية عن بعض المتقدمين، وأجمعوا أن للزوجة الواحدة إذا انفردت ما للزوجات إذا اجتمعن، وذهبت طائفة إلى أن من لا يرث من مملوك وقاتل يحَجب الزوجين والأم، لأن اسم الولد يتناولهم، كما يحجب الإِخوة الأم مع الولد، وإن لم يرثوا،
следующие страницы →