Полный текст (2 001 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.
стр. 1331
لازمًا، وكلا المعنيين يقتضيه لفظ الفريضة.
قوله تعالى: (وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (١٢)
الكلالة: اسم لمن عدا الولد والوالد.
وقال ابن عباس: اسم لمن عدا الولد وورث الإخوة مع الأب، وإليه كان
стр. 1332
يذهب ابن عمر ثم رجع عنه، ويدل أن الأب ليس بكلالة
قول الشاعر:
وإن أبا المرء أحمى له. . . ومولى الكلالة لا يغضب
ورُوي أن النبي ﷺ سُئل عن ذلك، فقال:
"من مات وليس له ولد ولا والد فورثته كلالة".
وقال بعضهم: الكلالة من لا ولد له ولا والد.
فجعله اسم الميت، وكلا القولين صحيح،
стр. 1333
فإن الكلالة مصدر، وهو اسم للمعنى الذي يجمعهما.
فسُمّي به الوارث تارة والموروث تارة، وتسميتها بذلك إما
لأنَّ النسب قد لحق به من طرفيه، أو لأنه كلَّ عن اللحوق
به، وذلك أن الانتساب ضربان:
أحدهما: بالعمق كنسبة الأب والابن.
والثاني: بالعرض كنسبة الأخ والعم.
وقال قطرب: الكلالة لمن عدا الأبوين والأخ
стр. 1334
وليس بشيء، وقال بعضهم: هو اسم لكل وارث.
لقول الشاعر:
. . . وللكلالة ما يُسيم
ولم يقصد الشاعر ما ظنّه هذا القائل، فإنه إنما خص الكلالة
ليزهد الإِنسان في جمع المال، لأن تخليف المال لهم أشد من
تركه الأولاد، وإذا قُرئِ يورِث فكلالة مفعول، وإذا قُرئِ
стр. 1335
يورَث فحال للميت.
فرض الله تعالى للزوج النصف إذا لم يكن للميتة ولد، دخل بها
أو لم يدخل، وجعل له الربُعَ إذا كان لها ولد، سواء كان منه أو من
غيره، وفرض الربُعَ للزوجات إذا لم يكن للميت ولد، والثمُنَ إذا
كان له ولد، وأجمعوا أن ولد الابن يقوم مقام ولد الصلب في حجب
الزوجين، إلاّ حكاية عن بعض المتقدمين، وأجمعوا أن للزوجة
الواحدة إذا انفردت ما للزوجات إذا اجتمعن، وذهبت طائفة إلى
أن من لا يرث من مملوك وقاتل يحَجب الزوجين والأم، لأن اسم
الولد يتناولهم، كما يحجب الإِخوة الأم مع الولد، وإن لم يرثوا،
стр. 1336
وقوله: (وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ)، جعل لواحدهم السدس.
وأشرك بين جماعتهم في الثلت، ولم يُفضِّل ذكرهم على
أنثاهم، وعنى بذلك ولد الأم بدليل قوله في إخوة الأب
والأم، (وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ)
ورُوِيَ أن سعد بن مالك قرأ: وله أخ أو أخت من أم.
стр. 1337
قال بعضهم: لعله فسَّر الإِخوة بذلك، فظنَّ السامع أنه
قرأه في القرآن، كما روي عن عمر: فامضوا إلى ذكر الله على
معنى التفسير للسعي، فظنَّ أنه قرآن.
وقوله: (فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ) فذلك لتغليب المذكَّر.
وقُرىء يوصِي بها، فإذا قُرِئ يوصَى بالفتح فصفة الوصية، وإذا قُرئ بكسر الصاد احتمل أن تكون صفة للوصية وأن تكون حالاً للموصي
وقرأ الحسن: غير مضار وصيةٍ بالإِضافة.
والباقون بالتنوين، ونصب وصية على المصدر أو على المفعول به.
والإِضرار أن يُقرَّ بمالٍ لأجنبي، ردّا
стр. 1338
للميراث، أو يبيع ماله أو شيئا منه محابيا فيه، أو يهب، أو يُعتق.
أو يوصي لوارثه قصدًا للإِضرار بغيره.
قوله تعالى: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣)
بيّن بذكر الحدّ أن ذلك يؤدي بالإِنسان إلى العصيان.
ونبّه بقوله: (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) على وجوب مراعاة ما بيّنه تعالى في الكتاب من أحكام المواريث، وما بيّنه ﷺ من نحو قوله: " لا وصية لوارث "، وقوله: "لك الثلث والثلث. . . ".
قال ابن عباس: الضرار
стр. 1339
في الوصية من الكبائر، ثم قرأ (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ).
وقد روي ذلك عن النبي ﷺ
وقال ﷺ :
"إن أحدكم يعمل بعمل أهل الجنة سبعين سنة، فإذا أوصي حاف في وصيته، فيُختم له بسوء عمله ".
ووصف الفوز بالعظيم اعتبارًا بفوز الدنيا
стр. 1340
الموصوف بقوله تعالى: (قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ) والقليل والصغير
في وصفها متقاربان.
قوله تعالى: (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)
كما وصف في مراعاة الحدود ثواب مراعيها وصف في
تضييعها عقاب متعديها، وأطلق القول فيهما ليكون عامًّا في
ذلك وفي غيره من الحدود التي بيّنها، وذكر في العذاب الهوان.
كما ذكر في غيره الخزي لما عُرِف من عادة كثير من الناس أن
تقل مبالاتهم بالشدائد ما لم يضامَّها، الهوان حتى قالوا: المَنيَّة
ولا الدنيَّة، والنار ولا العار.
فبيّن أنه يجُمع لهم الأمران.
قوله تعالى: (وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥)
стр. 1341
فائدة الإِضافة في قوله: (مِنْ نِسَائِكُمْ) تنبيه على الحرائر.
وقيل: تنبيه على المحصنات دون الأبكار.
وقيل: على المزوجات أبكارًا كن أو ثيِّبات.
قال ابن عباس في هذه الآية، وفي قوله: (وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ) إن الزانيين كانا يُؤذيان بالتعيير والتعزير، والمرأة كانت تُحبس في البيت إلى أن أنزل الله قوله: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) الآية.
وقيل: المراد بالآيتين البكران.
وقوله: (أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا):
"البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثّيب بالثّيب جلد مائة
стр. 1342
والرجم "، وهذا مما استدلّ به من ادّعى جواز نسخ القرآن
بالسنة، ومن أنكر ذلك فله من ذلك أجوبة:
أحدها: أن هذا كان حكمًا مقيدًا بوقت، لقوله: (أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا)، وتقديره: أمسكوهن إلى أن يتبين لكم حكمهن، فصار ذلك
بالكتاب معلومًا، وإنما حظ السنة فيه بيان قدر الزمان، الذي
وقَّته الكتاب مجملًا.
والثاني: أن الأذى كان في الأبكار اللاتي لم يتزوجن.
والحبس في التزوجات منهن قبل الدخول، بدلالة
стр. 1343
قوله: (مِنْ نِسَائِكُمْ)، ثم نُسِخَ حكم الحبس والأذى في
الأبكار بآية الجلد، وأما الرجم فقد أُخذ حكمه عن السنة.
ولهذا قال عليّ ﵇ حيث جلد محصنًا ورجمه، فسُئل عن
ذلك؟ فقال: "أجلده بكتاب الله، وأرجمه بسنة رسوله ﷺ ، فدلَّ أنه لم يفهم من سنة النبي نسخ الآية.
والثالث: أن حُكم النسخ وقع بقرآن، قد رُفع تلاوته، وبقي حكمه.
وهو ما رُوي عن عمر ﵁: كان مما يقرأ في القرآن: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة نكالاً من الله، والله عزيز حكيم.
فهذه أقوال عامة المفسرين، وأما ابن بحر فإنه قال: المراد بقوله:
(وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ)، وبقوله:
стр. 1344
(وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ) ما يتعاطى الرجال بعضهم من بعض.
والنساء بعضهن مع بعض، وبقوله: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي) ما يتعاطى الرجل
مع المرأة، قال: ولا نسخ في ذلك، قال: ويدل على ذلك أن
(وَاللَّاتِي يَأْتِينَ) متضمنة للإِناث فقط، (وَاللَّذَانِ) يتضمن
المذكرين، قال: ولا يصحُّ أن يقال: إن الذكر والمؤنث إذا اجتمعا
غلب المذكر، لأن ذلك إنما يكون حيث تقدم لهما ذكر، نحو
قوله: (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ)
قال: وقد روي عنه ﷺ :
"مباشرة الرجل الرجل زنى، ومباشرة المرأة المرأة زنى".
وهذا الذي قاله وإن ساعده اللفظ فعدول عن سنن السلف.
стр. 1345
قوله تعالى: (وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا (١٦)
قد ذُكر تفسيرها في الآية المتقدمة.
وقال مجاهد: هما الرجلان
الزانيان، يعني المتعاطيين اللواطة، يُعبَّر عنها بالفاحشة.
وقد رُوِي عن النبي ﷺ أن "اللواطة الزنى الصغير "، وظاهر قوله: (فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا) يقتضي أن التوبة
تُسقط الحبس والأذى عن الزانيين، وقد قيل: الإِعراض عنهما
هو ترك التثريب المذكور في قوله ﷺ :
"إذا زنت أمة أحدكم .. " الخبر إلى قوله: "فليبعها ولو بضفير، ولا يُثرِّب عليها".
стр. 1346
قوله تعالى: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧)
تعني أن قبول التوبة قد أخذ الله على نفسه تفضُّلًا لمن تاب
من قريب إذا بدر منه سوء، وقوله: (بِجَهَالَةٍ) فيه أقوال:
الأول: يأتيه سهوًا من غير قصد إلى الفاحشة.
الثاني: عن جهل بكونه ذنبًا.
الثالث: أن يعلمه لكن لا يعلم كونه كبيرة، ولا قدر
عقوبته.
الرابع: أن يعلمه ويعلم عقوبته، لكن يتبع شهوته،
стр. 1347
ومرتكب الذنب وإن كان يعلم كونه ذنبا يقال له جاهل، ومن
هذا الوجه قال مجاهد: الجهالة: العمد، وقول من قال: الجهالة:
المعصية فعلى هذا، لأن كل معصية جهالة، وإن لم يكن كل
جهالة معصية، وقوله: (ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ) أي قبل
الموت، بدلالة قوله ﷺ :
"إن الله يغفر لعبده ما لم يقع الحجاب ".
стр. 1348
قيل: يا رسول الله: وما وقوع الحجاب؟ قال:
"موت النفس مشركة".
وروي: "من تاب قبل موته بساعة تاب الله عليه ".
وسُمِّي مرةً قليلًا لقوله: (قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ) والقريب والقليل
في نحو ذلك يتقاربان.
وقال بعضهم: نبّه بقوله: (ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ) على لطيفة، وهي أن الإِنسان إذا ارتكب ذنباً صدأ قلبه، فإن أقلع زال صدأه.
وإن استمرَ رِين على قلبه، وإن لم ينزع طُبعَ عليه وأُقفل.
ثم يتعذر عليه الرجوع، وعلى ذلك نبَّه بقوله في قصة
المنافقين) (إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ)
فإذا كان كذلك فحق لمن بدرت منه بادرة أن يتداركها قبل أن
стр. 1349
تصير الشهوة مستولية عليه، فتأبى الطباع على الناقل.
وقوله تعالى: (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٨)
أعتدنا. قيل: أصله: أعددنا، فأبدل من إحدى الدالين تاء.
وقيل: هو أفعلنا من العتاد أي العدة.
وهو ادخار الشيء قبل الحاجة إليه.
والله تعالى غني عن الإِعداد.
وإنما القصد أنه لا يعجزه عذابهم حيث شاء.
والسيئات ههنا عبارة عن الشرك والكبائر.
وحضور الموت: معاينة مَلَكِ الموت.
بيّن تعالى أن التوبة تفوت إذا أُخِّرت إلى ذلك، ولذلك لم ينفع
إيمان من آمن عند رؤية العذاب، حيث قال تعالى: (فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا)، وقال: (يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ) الآية، وقوله: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا) الآية.
стр. 1350
وجعل الناس قسمين: مقصرين في العمل غير تاركين للإِيمان.
وهم الذين عناهم الله بقوله: (لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ)
وتاركين للعمل والإِيمان وهم المعنيون بقوله: (وَهُمْ كُفَّارٌ).
قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (١٩)
العضل: التضييق عليها بالمنع من التزويج، وعضلت
الدجاجة بيضها، والمرأة بحملها، والبقعة بأهلها، وداء عضال
منه، ومعنى قوله: (أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا) ما روي أن الرجل إذا
مات في الجاهلية يرث امرأتَه ورثتهُ: أخًا كان أو ابنًا من غيرها، فإن
شاء تزوجها بالصداق الأول، وإن شاء زوّجها وأخذ مهرها،
стр. 1351
وقوله: (كَرها)، وقرئ: (كُرها). قال الفرّاء: ما أكره عليه
الإِنسان فكَره وما كان من قبيل نفسه فكُره.
وقوله: (وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ) قيل: هو نصب معطوف على قوله: (أَن تَرِثُواْ).
وذكر أن في قراءة عبد الله (ولا أن تعضلوهن)،
стр. 1352
وقيل: هو جزم على النهي.
قال ابن عباس وقتادة: المنهي عن العضل الزوج إذا لم يحتج إلى المرأة، فيمسكها رغبة في مالها.
وقيل: بل الوارث المانع لها من التزوُّج على سُنَّة الجاهلية.
وقيل: بل الولي، وكل هؤلاء منهيون في الشرع عن العضل.
فيصحُّ أن يكون خطاباً لجماعتهم.
والفاحشة المذكورة ههنا.
قال الحسن: هي الزنا، وللزوج أخذ الفدية إذا اطلع منها على ذلك،
стр. 1353
وقال ابن عباس: هي نشوزها، وقد تقدَّم الكلام في الخُلع وجواز
أخذ الفدية عن البضع.
وقال الزبيري: الاستمناء من العضل، وكان للزوج منعها على ما أمر به تعالى في قوله: (فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ)، وذلك قبل نزول الحد.
وقوله: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) أي حسب ما يعرفه العقل
стр. 1354
والشرع، وقيل: هو النصفة والنفقة والإِجمال في القول.
وفي قوله: (فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا) الآية.
أي ربّ شيء تكرهه، ويكون في ذلك خير، تنبيهًا على أمرين:
أحدهما: أن لا يجب للإِنسان أن يتبع الهوى، بل يفعل ما يقتضيه
العقل والشرع.
والثاني: التنبيه على كراهية الطلاق المدلول عليه بقوله ﷺ : "أبغض الحلال إلى الله تعالى الطلاق ".
ورُوي عنه ﷺ :
"تزوجوا ولا تطلقوا، فإن الله لا يحب الذواقين والذواقات ".
وقال بعضهم: ذلك تنبيه أنه ربما كانت الكراهية
стр. 1355
تعرُض لمصلحة، قال: وذلك حث على مفارقتها حيث عدم
موافقتها، وإن كانت النفس تكره ذلك، وعلى هذا نبّه بقوله
تعالى: (وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ).
قوله تعالى: (وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠)
البهتان: الكذب الذي يبهت سامعه لفظاعته.
ويُستعمل في الفعل استعمال الصدق والكذب.
ولذلك قال ابن عباس: بهتانا: ظلما كبيرًا.
(وَإِثْمًا مُبِينًا): ذنباً ظاهرًا، بيّن أنه لا يجوز لكم
стр. 1356
الرجوع فيما أعطيتموهن طلقتموهن أو أمسكتموهن، وخصَّ
حال الاستبدال ليدخل فيه الحالة الأخرى، وذلك توكيد لقوله:
(وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ) وقد استثنى من ذلك المطلقات قبل الدخول
بهن، لقوله: (وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ) واستثنى منه أيضًا حال الافتداء المذكور في قوله: (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ) الآية منسوخة بقوله: (إِلَّا أَنْ يَخَافَا)، والصحيح أنها ليست منسوخة، وقد تقدم ذلك في سورة البقرة،
стр. 1357
وروي أن رجلًا كان عليه لامرأته من صداقها ألف دينار، فوضعتها له.
فطلقها وتزوج غيرها، فارتفعا إلى عبد الملك فقال: رد عليها.
فقال:
أليس الله يقول: (فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ).
فقال: اقرأ الآية الأخرى: (وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ) الآية.
قوله تعالى: (وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٢١)
يقال: أفضى إلى فلان أي وصل إلى فضاء منه أي سعة غير محظورة.
فمن الفقهاء من جعل ذلك عبارة عن الخلوة حصل معها المسيس أو بم يحصل، ومنهم من جَعَلَهُ
стр. 1358
كناية عن المسيس، وإليه ذهب ابن عباس ومجاهد والسدي.
ونبه أن المهر بإزاء ذلك المعنى، وقد نلتموه منهن فلا حق لكم إذًا
عليهن، والميثاق الغليظ: قيل هو ما قاله ﷺ : "أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله ".
وقال مجاهد: الميثاق كلمة النكاح.
وقال الحسن: هو قول: (فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ)
стр. 1359
وقيل: قول الذين يزفونها، وكل ذلك يصح إرادته بالميثاق.
قوله تعالى: (وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا (٢٢)
اختلفوا في النكاح ههنا، فحمله أصحاب أبي حنيفة على الجماع.
وقال: هو حقيقة فيه، فَحَرَّموا كل امرأة باضعها الأب حلالا أو
حراما على الابن.
وحمله الشافعي على العقد، وقال: هو حقيقة فيه.
ولم يحرم من النساء على الابن إلا ما تزوج بها أبوه دون
стр. 1360
من زنى بها، والصحيح أنه للعقد، لأن أسماء الجماع والفرج
والغائط في لسانهم كنايات، وذلك أنهم لما عنوا بإخفاء هذه
الأشياء أخفوا أيضاً أسماءها، فعدلوا عن التصريح إلى الكنايات.
حتى إنهم متى عُرف فيما بينهم كناية في شيء من ذلك عدلوا إلى
كناية أخرى، ومن تتبع كلامهم عرف ما قلته، فكيف يستعيرون
لفظ الجماع لما هو أحسن عندهم منه، ثم لا خلاف أن العقدية
مراد، ولا خلاف أيضا أن الوطء بملك اليمين يجري مجرى العقد
في العقد بها، وقوله: (مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ) قيل: هو في موضع
المفعول، فوضع ما الذي هو للجنس موضع من الذي هو
стр. 1361
للنوع، وقيل: معناه لا تنكحوا كنكاح آبائكم، فما في موضع
المصدر، وقوله: (إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ).
قال: بعضهم: معناه بعدما قد سلف كقولك: لا تبع من متاعي إلا ما قد بعت.
وقول الشاعر:
هجاؤك إلا أنّ ما كان قد مضى. . . عليَّ كأثوابِ الحَرَامِ المُهيْمِ
وقيل: هو بمعنى لكن على الاستئناف، كأنه قيل: لكن ما قد
стр. 1362
سلف أنه كان فاحشة ومقتا.
وقال بعضهم: تقديره ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم، إنه كان فاحشة ومقتًا وساء سبيلًا، إلا مَا قَد سَلَفَ أي ما قد سلف ليس بفاحشة، وهذا لا يصح من أجل اللفظ، فإن ما يتصل بما بعد (أن) لا يقدم عليه، لا تقول:
عمرًا إن زيدًا يضرب، وتعنى أن زيدا يضرب عمرًا.
وتحقيق هذا الاستثناء أن قوله: (وَلَا تنكحُوا) دل على أنه محرم، وتعاطي
المحرم يقتضي العقوبة، فكأنه قيل: تستحقون العقوبة بنكاح ما
نكح آباؤكم إلا ما قد سلف، فإن، ذلك متجافى عن عقوبته عنكم.
ولا يجوز أن يكون معناه متجافى عن الإِقرار عليه، فإنه مجمع
أن لا يُقَارّ عليه أحد إلا حكاية عمن لا يعتد به.
стр. 1363
وقوله: (إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً)، قيل: معناه نكاحهن بعد النهي فاحشة.
وكان زائدة، وقيل: عنى أنه كان فاحشة.
من قبل تنبيهًا أن ذلك لم يكن من الأشياء التي ورد بها الشرع.
ثم نسخ، كذا كثير من الأحكام، بل كان ذلك من المستشنع
الممقوت، ولذلك كان يسمى ولد الرجل من امرأة أبيه المقتي.
وقوله: (إِنَّهُ) أي إن ذلك النكاح، ودل عليه بذكر الفعل،
стр. 1364
كما دل على السفه بلفظ السفيه في قول الشاعر:
إذا نهي السفيه جرى إليه. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٣)
قال ابن عباس: حرم الله أربع عشرة امرأة:
سبعًا من جهة النسب، وسبعًا من جهة السبب،
стр. 1365
فالمحرمات من جهة النسب: الأمهات والبنات والأخوات
والعمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت، ومن جهة
النسبب: أمهاتكم اللاتي أرضعنكم، وأخواتكم من الرضاعة.
وأمهات نسائكم، وربائبكم اللاتي في حجوركم، وحلائل
، أبنائكم الذين من أصلابكم، وأن تجمعوا بين الأختين، وقد
قال قبل: (وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ).
فقوله: (أُمَّهَاتُكُمْ) تناولهن والجدات وإن علون، وكذا البنات:
تناولهن وبنات الأولاد وإن سفلن، وكذلك الأخوات يتناول
التي للأب والتي للأم والتي لهما، وكذلك بنات الأخ وبنات
الأخت: يتناول بناتهما على ذلك الحد بناتهما وإن سفلن، وخص
تحريم العمات والخالات دون أولادهن، وجاز أن تكون بنات
الأخ وبنات الأخت مفردين، لأن الأخ والأخت يتناول كل واحد
منهما، وكان لفظ الواحد ههنا أخص لإِضافة الجمع إليهما،
стр. 1366
وإنما قال: (وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ) تنبيهاً على تأكيد
تحريم الرضاع أنها تجري مجرى النسب، ولأن في ذكر
(وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي) تنبيهًا أن ليس كل رضاع يحرم، إشارة
إلى ما روي من قوله ﷺ :
"لا تحرم الإِملاجة والإِملاجتان "
стр. 1367
وقوله: (مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ) لا خلاف أنه صفة
لربائبكم، وأنه لا يحرم التزوج بهن إلا بالدخول بأمهاتهن.
واختلف هل يرجع إلى قوله: (وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ) مع كونه
شرطاً في الربائب؟، فروي عن أمير المؤمنين علي ﵇
أنه يرجع إليهما، وأن من طلق امرأته قبل الدخول بها فله أن
يتزوج بأمها، وقال عمر وابنه وابن مسعود: ليس يرجع إلا إلى
الربائب، وذكروا أن أم المرأة تحرم بنفس العقد، وأكد ذلك
стр. 1368
بما روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده إلى النبي
ﷺ قال:
"أيما رجل نكح امرأة فدخل بها أو لم يدخل بها فلا يحل له نكاح أمها".
وحكي عن زيد أنه فصل بين أن يطلقها قبل الدخول أو تموت عنه.
ولم يحرم بالطلاق وحرم بالموت.
وأجرى الموت مجرى الدخول، كما جعل الفقهاء في استقرار المهر،
стр. 1369
وذهب عامة الفقهاء إلى أن لا فرق بين تحريم ربيبتك في حجرك
كانت أو لم تكن إلا ما حكى إسماعيل بن إسحاق: أن
امرأتي توفيت فلقيت عليّا ﵇ فقال: ألها بنت؟ فقلت:
نعم، وهي بالطائف، فقال: أكانت في حجرك؟ فقلت: لا.
فقال: انكحها، فقلت: فأين قوله: (وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ)
فقال: إنما ذلك إذا كان في حجرك، وما قاله
стр. 1370
فهو ظاهر الآية.
واختلف في قوله: (اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ) هل يقتضي الزنا؟
فمنهم من قال: يتناوله وعليه تأول (وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ) ومن قال: لا يتناوله، وقد تقدم ذلك.
وقوله: (وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ) إنما خص ذلك
ليخرج منه المتبنى، فذلك في معنى قوله: (فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا) الآية.
والحلائل ههنا كالأزواج، ثّمَّ.
وفي قوله: (وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ)
تنبيه أنه لا يصح العقد عليهما معًا في الإِسلام.
ومتى فعل فعقدهما باطل، ومتى عقد على إحداهما فعقد الثانية باطل،
следующие страницы →