← Тафсир

Тафсир · id 9231

تفسير الراغب الأصفهاني

الراغب الأصفهاني

Полный текст (2 001 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

إليه من الثواب العظيم لتعرفوه، فيخف عليكم الصبر في تحريه. فالإِنسان لا يمكنه الصبر فيما لا يعرف ثمرة الصبر فيه، ولهذا قال: (وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا). الخامس: يريد الله أن يخفف عنكم بما يحُمّلكم من التعب. فإن كل تعب يفضي إلى راحة عظيمة، فذلك في الحقيقة راحة. ولهذا قيل للرجل يتحمل تعبًا عظيمًا في عبادة: ألا تريح نفسك؟ فقال: راحتها أريد. السادس: إنه لم يعن بالتخفيف ما يستخفه الطبع وتميل إليه النفس، وإنما عنى ما يخف به تحمل ما يبلغنا إلى ثوابه، وعلى نحو هذه الآية قوله: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) وقوله: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ). ووصف الإِنسان بأنه خلق ضعيفًا إنما هو باعتباره بالملأ الأعلى نحو:

стр. 1402

(أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ) أو باعتباره بنفسه دون ما يقويه من فيض الله ومعونته، أو اعتبارًا بكثرة حاجاته، وافتقار بعضهم إلى بعض، أو اعتبارًا بمبدئه ومنتهاه، كما قال تعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً) فأما إذا اعتُبر بعقله، وما أعطاه الله من القوة التي يتمكّن بها من خلافة الله في أرضه، ويتبلّغ بها في الآخرة إلى جواره تعالى - فهو أقوى ما في هذا العالم. ولهذا قال تعالى: (وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا). قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩) روي أنه لما نزلت هذه الآية امتنع بعضهم من أن يأكل عند غيره. حتى نزل قوله:

стр. 1403

(وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ) إلى آخر الآية. ولم يكن نسخًا لكن تبيينا. وقوله: (بِالْبَاطِلِ) إشارة إلى الوجوه التي حظر تناول المال منها ووضعه فيها، واستثنى التجارة تنبيهًا على إباحة الكسب إذا كان من وجهه. فمن نظر نظرًا فقهيًّا قال: ظاهرها يقتضي أن لا يجوز تناول الغير منها، كالصلاة والزكاة والميراث وغير ذلك. وقال بعضهمْ: لم يعن بالتجارة المبايعة فقط. بل عنى كل معاملة مباحة من قرض وفرض، كما قال ﷺ : "لا يحل مال امرى مسلم إلا بطيب نفس منه "،

стр. 1404

ومنهم من عنى بذلك المنع من وضع المال وإنفاقه في غير الوجه المباح. وقال: عنى بالتجارة الوجهة المباحة التي يحلُّ صرف المال إليها. وأما من نظر نظرًا أدق من ذلك، فإنه جعل أكل المال بالباطل تناوله من حيث لا يسوغه العقل، ولا يجوّزه الشرع، من استنزال الناس عما في أيديهم بالخدع، ومساعدتهم على الباطل طمعًا في نفع. وجعل من ذلك أيضاً وضعه حيث لا يجوز، وإنفاقه رياء كما قال تعالى: (لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ)، وجعل هذه التجارة هي التجارة المذكورة بقوله تعالى: (هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) الآية. وفي قوله: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ) الآية.

стр. 1405

وشرط فيها التراضي، تنبيهًا أنه يحمد ذلك متى أنفق الإِنسان في سبيل الله عن طيب نفس على الوجه الذي ينبغي وبمقدار ما ينبغي، حسب ما بيّنه الله تعالى، ودل على رضاه في صرفه إليه. وقوله: (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) نظر إليه نظرات مختلفة. ففسر بحسبها، الأول: لا يقتل بعضكم بعضًا. قال: والنهي لا يصح إلا على هذا. فإن الإِنسان مضطر إلى أن لا يقتل نفسه ما لم تعرض له شبهة كشبهة أهل الهند في قتلهم أنفسهم. قال: واستعار لفظ الخطاب في قوله (أَنْفُسَكُمْ) تنبيهًا أنه يجب أن تكون نفس كل واحد منكم عند صاحبه كنفسه، قال: وعلى

стр. 1406

ذلك نبّه بقوله: (مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ). قال: وعلى هذا قال: (فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ). الثاني: من حمل الخطاب على ذلك لكن خصّص، وقال: لا يأكل بعضكم مال بعض، الذي به قوامه، فيكون فيه قتله. الثالث: لا يقتل بعضكم بعضا فيقتص منه فيكون كمن قتل نفسه. الرابع: لا تقتلوا أنفسكم بضجر وغضب. الخامس: لا تركبوا ما يؤدي بكم إلى القتل. فتكونوا قد قتلتم أنفسكم. وهذا كالرابع إلا أن مأخذه أعم منه. السادس: قول من نظر نظرًا أشرف فقال: لا تفعلوا ما يؤدي بكم إلى هلاك الأبد، فتكونوا قد قتلتم أنفسكم. وذلك بتصريف النفس في غير ما خُلِقَتْ له، وبيَّن للناس من

стр. 1407

العلم والعمل الصالح المدلول عليه بقوله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) ولذلك سمى من صرف نفسه في غير ذلك خاسرًا. حيث قال: (إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ) الآية. قال: وقتل النفس في الحقيقة ترفيهها في الدنيا. وباعتبار الدنيا والآخرة أُمِر الإِنسان تارة بقتل نفسه أي قمعها وتذليلها، ونهي تارة عن قتلها، ومثل هذه الآية قوله تعالى: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ) ويجري مجراها في احتمال النظرين قوله: (وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ). قوله تعالى: (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠) العدوان تجاوز العدالة بإفراط، وذلك أن العدل هو الوسط الذي تجاوزه الإِفراط والقصور عنه جميعا، فمن حاد عنه قيل: جار، ومن بالغ في

стр. 1408

الجور قيل: طغى، ومن تخطاه بإفراط قيل: تعدى، وقيل لجميع ذلك: الظلم، فالظلم أعم الأسماء. إن قيل: كيف جمع بين الظلم والعدوان، وقدم العدوان مع كونه أخصَّ من الظلم، وحكم العام والخاص إذا اجتمعا أن يقدم العام على الخاص. نحو قوله: (مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ)؟ قيل: في ذلك جوابان: الأول: أن يكون العدوان إشارة إلى الظلم الذي يتجاوزه الإِنسان إلى غيره، وعنى بالظلم ظلم النفس المعني في قوله: (ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) وهو الإِثم المذكور في قوله تعالى: (وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) فبيّن أن من جمع بين الأمرين فقد ظلم نفسه، وظلم غيره، فهو مستوجب للنار، على هذا يكون العني بالظلم غير المعني بالعدوان. الثاني: أنه قدم العدوان الذي هو أخص من الظلم تنبيهًا أن من ارتكب صغيرة ولم يقمع نفسه عنها جرَّته إلى ما هو أعظم منها، فنبه أن حق

стр. 1409

الإِنسان أن يحفظ نفسه عن الصغيرة خشية أن يقع فيما هو أعظم منها، ومعنى الآية أن من يفعل ما نهُي عنه من قتل النفس وأكل المال بالباطل وسائر ما تقدم النهي عنه فسوف يجعله صلا كما قال: (وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ). ونبّه بقوله (وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا) أنه لا يتعذر عليه عقابهم. قوله تعالى: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١) من المفسرين - وهو أكثرهم - من حمل السيئات على الصغائر. وقال: معنى الآية: إن تجتنبوا كبائر الذنوب نُكفّر عنكم صغائرها. ثم اختلفوا على أي وجه اعتبار الصغيرة والكبيرة. وذاك أن الصغير والكبير من الأسماء المتضايفة التي لا يعرف أحدهما إلا باعتبار الآخر،

стр. 1410

وقال بعضهم: في الذنوب كبيرة لا أكبر منها كالشرك، وصغيرة لا أصغر منها كحديث النفس أو همّه بسيئة ونحو ذلك. وبينهما وسائط كل واحد بالإِضافة إلى ما فوقه صغير، وبالإِضافة إلى ما دونه كبير، وقال: ومعنى الآية أن من عنَّ له أمران فيهما مأثم، واضطر إلى ارتكاب أحدهما فارتكب أصغرهما وترك أكبرهما: كمن أكره على أنْ يقتل مسلمًا، أو يشرب قدح خمر فارتكب أصغرهما كُفِّر عنه ما ارتكبه. وقال بعضهم: الذنوب كلها ضربان: ضرب: كبيرة كالشرك، وقتل النفس بغير حق، والزنا. وضرب: صغيرة، وهؤلاء اختلفوا فمنهم من قال: الصغيرة غير معلومة، وهي كل ما عُلِّق به وعيد في

стр. 1411

الآخرة، أو جُعِل له عقوبة في الدنيا، وبعضها غير معلوم. قالوا: والصغائر كلها يجب أن تكون غير معلومة، وإلا كان إغراءً بالمعصية، وذلك أن الله تعالى وعد أن يغفر بتجنُّب الكبائرِ الصغائرَ، فلو بيّنا جميعًا لكان المكلَّف لا يبالي بارتكاب الصغائر مع تجنب الكبائر، فكان يؤدي ذلك إلى مفسدة، ومنهم من قال: يجب أن يكونا معلومين، وإلا لم يصح أن تكون الكبيرة معلومة من حيث ما هي كبيرة لما تقدم أن ذلك من الأسماء المتضايفة، التي لا يُعرف أحدهما إلا بالآخر، قال: فالكبائر هي

стр. 1412

محارم الله التي علم كونها محجورة، والصغائر ما هو متشكك فيه المعني بقوله: "دع مما يريبك إلى ما لا يريبك ". وعليه) دل النبي ﷺ بقوله: "الحلال بيِّن والحرام بيِّن، وبين ذلك أمور مشتبهات. وسأضرب لكم مثلًا: إن الله حمى حمىً، وإن حمى الله محارمه. ومن رتع حول الحمى أوشك أن يقع فيه ". فمرتكب الكبائر

стр. 1413

جار مجرىً داخل الحمى، ومرتكب الصغائر جار مجرىً حوله. والإِنسان منهي عن الدنو منه، ومن لا يعرف ذلك فهو مُعَرَّض الوقوع فيه، ثم كما قد بين تعالى في كتابه أن يغتفر الصغائر بشرط اجتناب الكبائر، فقد بين ﷺ أن الصغيرة إنما تكون صغيرة ما لم يكن عليها إصرار. فقال: "لا صغيرة مع إصرار". وقال: "إن المحرمات تجتمع على الرجل فتهلكه". وإذا كانت الصغيرة منهيّا عنها محذرًا منها فلا ضير بتعريفها. بل يجب تعريفها، فالإِنسان بتجنُّب الكبيرة يصير مطيعا غير فاسق. وبتجنُّب الصغيرة وهي المتشكك فيها يصير ورعًا، ولذلك قيل لبعض الصحابة: ما أشد الورع؟ فقال: ما أيسر الورع، إذا شككت في شيء فدعه،

стр. 1414

وقال بعض الصوفية: اعتبار الصغيرة والكبيرة بمرتكب الذنب. فقد يكون الذنب من زيد صغيرًا ومن عمرو كبيرًا، وذلك بحسب مراتبهم في المعارف والأحوال، فالأولياء الذين بلغوا المنازل قد يستعظم منهم ما لا يستعظم ممن لم يترشح لمنزلتهم، وذلك معروف في السياسة الدنيوية، قال: ولهذا عاتب الله تعالى نبيه في كثير من خطراته التي قد تجاوز بها عن غيره. وقال بعض المفسرين: معنى الآية: إن تجتنبوا هذه الكبائر التي نهيتم عنها في الآيات المتقدمة كفَّرنا عنكم ما قد أسأتم فيه من

стр. 1415

قبل، والمدخل الكريم: ما وعد به من الثواب العظيم، وأشار به إلى جميع منازله على اختلاف مراتبها، ونبه أن كل مدخل لا يخرج عن كونه كريمًا أي مكرمًا. قوله تعالى: (وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٣٢) التمني: تشهي الإِنسان أن يُمنى له شيء، أي يُقدر، وذلك مذموم. فإن تمنيّه إن كان لشيء قَدَرُهُ أن لا يُبلَغ إلا بالطلب فيجب أن يطلبه لا أن يتشهّاه، وإن كان لشيء يأتيه بغير طلب فتشهيه محال، وإن كان الشيء لم يُقدَّر ففي تشهيه معارضة حكمة

стр. 1416

الله فيما قدر، ولذلك قيل: من تمنى فقد أساء الظن بالله. ولكون ذلك غير مغن، قال الشاعر: . . . إنَّ لَيْتًا وإنَّ لواً عناء وقال: . . . وما يغني عن الحدثان ليتُ وهو مع ذلك ذريعة إلى التحاسد والبخل والظلم. وقد رُوِيَ في الآية أن أم سلمة قالت: ليتنا كنا رجالاً فنجاهد،

стр. 1417

فأنزل الله تعالى ذلك، وقوله: (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ) قيل: إنها قالت: ليتنا لم يجعل ثوابنا في الآخرة على نصف ثواب الرجل. كما جعل نصيبنا من الميراث، فأنزل الله تعالى تنبيهًا على أن لا اعتبار في مجازاة الأعمال بالذكورية والأنوثية. وقيل: هو تبيين لفضل الرجال كقوله: (وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ). وقيل: هو تبيين أن الحسد لا يُغني، وأن الله لا يغير لحسد حاسد. وقيل: هو حث على طلب منزلة الحسود بالعمل الصالح دون الحسد والتمني، كما قال ﷺ : "ليس الإِيمان بالتمني ولا بالتحلي " وقال محمد بن بحر: معناه ليس كل ما للميت واجبًا للورثة. بل له نصيب يوصي به. قال: وذلك نحو ما ذكر الله تعالى في قوله:

стр. 1418

(كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ). وبين بقوله: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) أنه أعلم بما يستحق كل إنسان، كقوله تعالى: (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ). قوله تعالى: (وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (٣٣) المولى من الولاء، وهو تتابع الشيء من غير حائل. وجعل المولى لمن تولى حفظ الشيء، وتُعورف في المعتِق، والمعتَق. وابن العم، والحليف، وولي الأمر، والعصبة،

стр. 1419

قال ابن عباس: هم الورثة ههنا، وقال مجاهد وقتادة: العصبة لقول النبي ﷺ : "من مات وترك مالًا فماله للموالي العصبة، ومن ترك كلًّا فأنا وليه ". بيّن أن لكل مال تركه الوالدان والأقربون موالي يرثونه. وقوله: (وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ) قيل: عنى به

стр. 1420

عقد الحلف، وكانت العرب تتوارث به، ثم نُسِخَ بقوله: (وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ) وذلك عن ابن عباس والحسن وسعيد وقتادة. وقال أصحاب أبي حنيفة: الآية تقتضي أن المعاقدة يُستحقُّ بها الإرث. قالوا: ويقوِّي ذلك قوله: (وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ). فجعلِ ذوي الأرحام أولى من المعاقد، فدل ذلك أن المعاقد فيه حقّا. قالوا: وروى تميم الداري أنه قال: يا رسول الله: ما السنّة في الرجل يسلم على يد مسلم؟ فقال: "هو أولى بمحياه ومماته ".

стр. 1421

وقيل: عنى الذين عقدت أيمانهم في الجاهلية، فجعل تعالى لهم نصيبًا كنصيب الأخ من الأم، وسقط حكمهم بموتهم. وقيل: جعل لهم النصيب من النصرة دون الإِرث. وقد روي ذلك عن ابن عباس ومجاهد وعطاء. قالوا: وحكم الأول قديم بقوله: (وَالْأَقْرَبُونَ). واستؤنف قوله: (وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ) قال ابن الحسن: عنى بالذين عاقدت أيمانكم: الأزواج لقوله تعالى: (وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ) قال: وصار المذكور في هذه الآية جملة ما فصَّله في آيات المواريث. فصار هذه الآية كقوله ﷺ : "إن الله أعطى كل ذي حق حقَّه "،

стр. 1422

قال: والأيمان جمع اليمين التي هي الجارحة. وسُمي الحلف بها اعتبارًا بالصفقة في المبالغة. قوله تعالى: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (٣٤) القنوت: القيام على وجه الطاعة، ويُستعمل في كل واحد منهما. والنشوز: بغض المرأة للزوج، وأصله من النشز. فكأنها هي المرتفعة بنفسها أو طرفها عن التزام ما يلزمها للزوج. وبهذا النظر قال الشاعر:

стр. 1423

إذا جَلسَت عند الإِمام كأنها. . . ترى رفقةً من ساعة تستحيلها بيّن تعالى أن السياسة للرجل دون المرأة، وأن لكلِّ واحد من الرجل والمرأة فضيلتين: إحداهما: تسخير من الله تعالى. والأخرى من كسبه، فإحدى فضيلتي الرجل: ما خصّه به من علوه على المرأة، والثانية: بإنفاق المال، وإحدى فضيلتي المرأة: قيامها بما يلزمها من طاعة الأزواج، وحفظ غيبهم، وتحصين ما سلّموه إليهن. والثانية: إسبال الله ستر رحمته عليها وحفظها بوصية الزوج بها، وتسخيره للقيام بمراعاتها. وقرأ أبو جعفر المدني: "بما حفظ اللهَ" بالنصب،

стр. 1424

أي فعل ذلك بهن بحفظهن الله، وجعل بما بمنزلة المصدر. وقوله: (وَاللَّاتِي تَخَافُونَ) قال بعض أهل اللغة: أي تعلمون. وأنشد: فلا تدفنني في الفلاة فإنني. . . أخاف إذا ما مت أن لا أذوقها

стр. 1425

وأرى قائل هذا تصور الظَن بصورة العلم، فأطلق عليه اسمه. فأكثر الخوف مضمّن بالظن. وقوله: (فَعِظُوهُنَّ) تنبيه على أنها تُوعظ أولاً، ثم تُهجر، ثم تُضرب. وهذا مقتضى حكمة السياسة، وعليه بني قول الشاعر: أناة فإن لم تغن عَقَّبَ بعدها. . . وعيد فإن أتغن أغنت عزائمه وقوله: (وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ) كالتصريح في الكناية عن الجماع. وقول من قال: هجر الكلام فليس بشيء،

стр. 1426

وقد قال ﷺ : "لا تهجروا النساء إلا في بيوتهن، ولا تهجروهن إلا في المضاجع. فإن أبين فاضربوهن ضربًا غير مبرح ". وقوله: (فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ) تنبيه على أن الذي يلزم هو بذل الطاعة في الظاهر. فأما المحبة بالقلب فليس من فعلها فتؤخذ به. ونبّه بقوله: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا) على أن الله تعالى مع هذه الحالة يقتصر من عباده في كثير من عبادتهم على الظاهر،

стр. 1427

وقيل: نبه أن لا يظن أحد الزوجين إن كلفه إلا الحق، فإنه يتعالى ويكبر عن الظلم. قوله تعالى: (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا (٣٥) الشقاق: التعادي، ومنه قيل: شقّ فلان العصى، إذا تباعد في الخروج عن الطاعة، ومنه المشقة، وشقّ على فلان كذا. والتوفيق كالمساواة، ومنه توفيق الله تعالى، فإنه موافقة قضائه فعل العبد فيما يقصده، ويقال الاتفاق في كل متطابقين على بعض الوجوه،

стр. 1428

ولما بيّن تعالى من حال نشوزها ما يمكن للزوج إصلاحه، بين ههنا ما يشتبه الحال فيه، واحتيج إلى ناظر فيما بينهما. وأكثر العلماء على أن المأمور ببعث الحكمين الإِمام أو صاحبه. وإليه ذهب مالك، والأصم، وجعلوا للحاكم الطلاق والخلع كالوكيل، وإليه ذهب ابن عباس. ومن الفقهاء من لم يجوِّز لهما الخلع والطلاق. فإن ظاهر الآية لم يقتضهما، ولا فرق

стр. 1429

بين أن يكون الحكمان من أقاربهما، أو من قبلهما. وقال ابن عباس: إرادتهما الإِصلاح أن يخلو كل واحد من الحكمين بأحد الزوجين، فيتعرف حاله في السِّرِّ ليبني الأمر عليه. وفي الآية دلالة على أن كُلّ أمرٍ وقع فيه تنازُع يجوز فيه التحكيم. وبهذه الآية استدل في أمر الحكمين. ونبَّه بقوله: (إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا) أن من أصلح نيته في أمر يتحرّاه أصلح الله مبتغاه، كما رُوِيَ في الخبر أن "من أصلح سريرته أصلح الله علانيته ". وقيل: إذا فسدت النيّة وقعت البلية. قوله تعالى: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (٣٦) الجار اعتبارًا بكونه من ناحية دارك، من قولهم: جار عن الطريق، ثم جُعِلَ أصلًا في بابه، فقيل: استجرت فلانًا

стр. 1430

وآجرته. إذا رعيته مراعاة الجار. والجنب أصله في الجارحة، ثم قيل في المكان اعتبارًا به. فقيل: جنبته إذا أخذته في ناحية الجنب، واجتنب عنه إذا تركه وتباعد عنه. والأجنبي: الغريب، والجنابة: الاعتزال والتباعُد. ومنه قيل للحالة المقتضية لترك الصلاة: جنابة. والجار ذي القربى والجار الجنب: قيل: عنى به قرب الرحم وبعده. وقيل: عنى به قرب المسافة

стр. 1431

وبعدها، والصاحب بالجنب: قيل: جار البيت، دانيا كان نسبه أو نائيا. وقيل: هو الرفيق في السفر، وقيل: هو المنقطع إليك رجاء خيرك، وقيل: المرأة. (وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) قيل: وقد أمر بالإِحسان إليهم، وأن لا يكلَّفوا ما لا يطيقون،

стр. 1432

إن قيل: لم قدم الأمر بالإِيمان على النهي عن الشرك. ومعلوم أن تجنُّب الشرك مقدَّم على حقيقة الإِتيان با لإِيمان؟ قيل: إن الشرك يقال على ضربين: أحدهما: الشرك الأكبر، وهو إثبات صانع غير الله. والثاني: الرياء، وإياه

стр. 1433

عنى النبي ﷺ فيما روى شداد بن أوس أن النبي ﷺ قال: "أمران أتخوَّفهما على أمتي من بعدي: الشرك، والشهوة الخفية. ألا إنهم لا يعبدون شمسًا ولا قمرًا، ولكنهم يراءون ". فقلت: أشرك ذلك؟ قال: " نعم "، وإياه عنى تعالى بقوله: (فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا) الآية. إن قيل: لِمَ ذكر ههنا تسعة أصناف وأمر بالتوفُّر عليهم. وذكر في سورة البقرة: (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ)

стр. 1434

وقال بعده: (وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ)؟ قيل: إن المذكور أولاً في سورة البقرة ما أمر به بني إسرائيل. وأما قوله: (وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ) فهو أمر بإيتاء المال الذي يقتضيه البر، لأنه قال: (وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ)، وهذه الآية حتّ على فعل الإِحسان كلّه، نصرة كان أو صلة. وقيل: إن قوله: (وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ) عنى المال كله على سبيل التبرُّع. وذلك إذا طلب الإِنسان غاية البر، ولهذا قال الشعبي: ما بَقَّى قول الله: (وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى) على

стр. 1435

أحد شيئا من المال، ولإِرادة إخراج المال كلّه على التبرُّع خصَّ الزكاة بعده بالذكر، فقال: (وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ). وأراد بهذه الآية ما يحصل للإِنسان به تمام العبادة. وفعل الإِحسان. وذلك لعبادة الله المتعرية عن الرياء، ومراعاة هؤلاء بالإِحسان. فإن قيل: لم قدم الجار على ابن السبيل وله حق واجب في المال؟ قيل: ابن السبيل الذي له حقٌّ في المال هو الفقير، ولم يقصده بهذه الآية، وإنما المقصود تفقُّد المذكورين على سبيل التبرُّع، وحقُّ الجار أوكد من حقِّ الغُرباء. ألا ترى أن النبي ﷺ قال: "ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه يورثه "؟ إن قيل: كيف قال: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا)؟

стр. 1436

قيل: المختال هو الذي يظن أن له بماله كرمًا، من قولهم: خِلْتُ، وكأنما إلى معناه أشار تعالى بقوله: (الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ (٢) يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (٣). والفخور: من يتبجح بالقُنْيَات الزائلة، فبيَّن تعالى أن من أمسك ماله، وصرفه عن الوجوه المذكورة فذلك لظنه أن له بماله خيلاء وفخرًا فيضنّ به، ويُبيِّن أن هذين سبب البخل ما روي: "أهلك الناس شيئان: حبّ الفخر، وخوف الفقر ". ولهذا عقبه بقوله تعالى: (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ) الآية. فجعل تفسير الاحتيال والفخر البخل بالمال، والإِنفاق على وجه الرياء. قوله تعالى: (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (٣٧)

стр. 1437

البخل: أعظم المعايب، لقوله ﷺ : "أي داء أدوى من البخل؟ " وأعظم منه حثُّ الغير عليه، وكأن الشاعر بهذه الآية ألمَّ في قوله: وإن امرأً ضَمنَّت يداه على امرئ. . . بنيل يد من غيره لبخيل وقالوا: فلان يمنع دَرَّه ودرَّ غيره، والحرُّ يعطي والعبد يألم قلبه، ولم يرُد تعالى بالبخل البخل بالمال فقط، بل بجميع ما منه نفع الغير، من نصرة وعلم، ودخل في عموم الأمر بالبخل: من ترك شكر من أحسن إليه، أو أخل بقضاء دين فيصير سببًا لمنع الإِسداء إلى الغير، ولهذا قيل: لعن الله قاطعي المعروف. وقال بعضهم: معناه يبخلون ويتأمرون على الناس، ويأمرونهم

стр. 1438

بشكرهم مع بخلهم، فيكون قوله (بِالْبُخْلِ) في موضع الحال. وإلى هذا أشار الشاعر بقوله: جمعت أمرين ضاع الحزم بينهما. . . تيه الملوك وأفعال المماليك وقوله: (وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ. يدخل فيه من يستحقر ما آتاه الله من نعمته مالاً كان أو عافية، ومن خُوِّل علمًا ولم يفده مقتبسه منه، ومن ينسى كثير ما أنعم الله عليه ويتذكر قليل ما يناله من نائبة، كقوله تعالى: (إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ) قيل في تفسيره: ينسى النعم وي) كر المحن، ونبه بقوله: (وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ) أن من

стр. 1439

فعل ذلك فهوكافر للنعمة، ومن كفر نعمة الله فقد أعدَّ له عذابَا. قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (٣٨) ذم في هذه الآية السّرف، كما ذمّ في الأولى البخل. فمن السرف أن يتشبَّع الإِنسان بإنفاقه، فلا ينفقه على ما يجب. وكما يجب فصار الإتيان كقوله تعالى: (وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا) وليس يعني بقوله: (وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) جحود ذلك باللسان فقط، بل عنى معه ترك ما تقتضيه هذه المعرفة، تنبيهَا أن المنفق رياء لو كان له حقيقة إيمان لتذكر في تناول ما يتناوله، ولأدّاه ذلك إلى أن يتفكّر أين يضعه،

стр. 1440

فإن قيل: فأيّ تعلُق لقوله: (وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا) قيل: هذا الكلام فيه إيجاز، كأته قيل: الذين ينفقون أموالهم رياء الناس زين لهم الشيطان الذين هم قرناؤهم (وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا) كقوله تعالى: (إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ)، وعلى ذلك قوله: (وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ) ولم يعن بالشيطان إبليس فقط، بل عناه والهوى. وكل ما دعاه إلى باطل، وصرفه عن حق. وقوله: (وَمَاذَا عَلَيْهِمْ) في قوله: (وَمَاذَا عَلَيْهِمْ) استدعاء لطيف إلى تحرّي الإِيمان والإِنفاق على ما يجب، لأن لفظه استخبار يستدعي جوابًا، ولا يمكن جواب المستخبر عنه المشتبه إلا بعد التفكُّر فيه، والتفكُّر فيما ذكره تعالى يؤدّي إلى أن ليس على
следующие страницы →