← Тафсир

Тафсир · id 9231

تفسير الراغب الأصفهاني

الراغب الأصفهاني

Полный текст (2 001 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

قيل: المختال هو الذي يظن أن له بماله كرمًا، من قولهم: خِلْتُ، وكأنما إلى معناه أشار تعالى بقوله: (الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ (٢) يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (٣). والفخور: من يتبجح بالقُنْيَات الزائلة، فبيَّن تعالى أن من أمسك ماله، وصرفه عن الوجوه المذكورة فذلك لظنه أن له بماله خيلاء وفخرًا فيضنّ به، ويُبيِّن أن هذين سبب البخل ما روي: "أهلك الناس شيئان: حبّ الفخر، وخوف الفقر ". ولهذا عقبه بقوله تعالى: (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ) الآية. فجعل تفسير الاحتيال والفخر البخل بالمال، والإِنفاق على وجه الرياء. قوله تعالى: (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (٣٧)

стр. 1437

البخل: أعظم المعايب، لقوله ﷺ : "أي داء أدوى من البخل؟ " وأعظم منه حثُّ الغير عليه، وكأن الشاعر بهذه الآية ألمَّ في قوله: وإن امرأً ضَمنَّت يداه على امرئ. . . بنيل يد من غيره لبخيل وقالوا: فلان يمنع دَرَّه ودرَّ غيره، والحرُّ يعطي والعبد يألم قلبه، ولم يرُد تعالى بالبخل البخل بالمال فقط، بل بجميع ما منه نفع الغير، من نصرة وعلم، ودخل في عموم الأمر بالبخل: من ترك شكر من أحسن إليه، أو أخل بقضاء دين فيصير سببًا لمنع الإِسداء إلى الغير، ولهذا قيل: لعن الله قاطعي المعروف. وقال بعضهم: معناه يبخلون ويتأمرون على الناس، ويأمرونهم

стр. 1438

بشكرهم مع بخلهم، فيكون قوله (بِالْبُخْلِ) في موضع الحال. وإلى هذا أشار الشاعر بقوله: جمعت أمرين ضاع الحزم بينهما. . . تيه الملوك وأفعال المماليك وقوله: (وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ. يدخل فيه من يستحقر ما آتاه الله من نعمته مالاً كان أو عافية، ومن خُوِّل علمًا ولم يفده مقتبسه منه، ومن ينسى كثير ما أنعم الله عليه ويتذكر قليل ما يناله من نائبة، كقوله تعالى: (إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ) قيل في تفسيره: ينسى النعم وي) كر المحن، ونبه بقوله: (وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ) أن من

стр. 1439

فعل ذلك فهوكافر للنعمة، ومن كفر نعمة الله فقد أعدَّ له عذابَا. قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (٣٨) ذم في هذه الآية السّرف، كما ذمّ في الأولى البخل. فمن السرف أن يتشبَّع الإِنسان بإنفاقه، فلا ينفقه على ما يجب. وكما يجب فصار الإتيان كقوله تعالى: (وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا) وليس يعني بقوله: (وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) جحود ذلك باللسان فقط، بل عنى معه ترك ما تقتضيه هذه المعرفة، تنبيهَا أن المنفق رياء لو كان له حقيقة إيمان لتذكر في تناول ما يتناوله، ولأدّاه ذلك إلى أن يتفكّر أين يضعه،

стр. 1440

فإن قيل: فأيّ تعلُق لقوله: (وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا) قيل: هذا الكلام فيه إيجاز، كأته قيل: الذين ينفقون أموالهم رياء الناس زين لهم الشيطان الذين هم قرناؤهم (وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا) كقوله تعالى: (إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ)، وعلى ذلك قوله: (وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ) ولم يعن بالشيطان إبليس فقط، بل عناه والهوى. وكل ما دعاه إلى باطل، وصرفه عن حق. وقوله: (وَمَاذَا عَلَيْهِمْ) في قوله: (وَمَاذَا عَلَيْهِمْ) استدعاء لطيف إلى تحرّي الإِيمان والإِنفاق على ما يجب، لأن لفظه استخبار يستدعي جوابًا، ولا يمكن جواب المستخبر عنه المشتبه إلا بعد التفكُّر فيه، والتفكُّر فيما ذكره تعالى يؤدّي إلى أن ليس على

стр. 1441

متحري ذلك ضير، بل له كل خير. إن قيل: لِمَ قدّم الإِنفاق في الآية الأولى وأخَّره ههنا؟ قيل: لما قصد في الأولى إلى ذمهم بالإِنفاق رياء لكونهم غير مؤمنين، قدّم ذكره، وجعل قوله: (وَلَا يُؤمِنُونَ) في مو ضع الحال تنبيهًا أن ذلك منهم لكونهم غير مؤمنين، ولما حثّهم في هذه الآية على ما يجب أن يتحروه ابتدأ بذكر الإِيمان، تنبيهًا أن إنفاقهم غير معتد به إلا بعد الإِيمان بهما. قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠) عنى بالظلم

стр. 1442

ههنا بخس الحق ومثقال: مفعال: من الثقل، وضرب تعالى الذَّرَّ مثلًا للشيء الصغير، تقريبًا على المخاطب. واستُعمل لفظ المثقال تنبيهًا أن ذلك يعظم جزاؤه وإن صَغُر قدره. وفي قراءة ابن مسعود: مثقال نملة. وإذا قرئ (حَسَنَةً) بالنصب فتقديره: إن تكن الذرة حسنة، وردّ الضمير إلى المضاف إليه دون المضاف. وإذا رفع فمعناه: إن تقع حسنة، ولا تحتاج كان ههنا إلى

стр. 1443

خبر، ويضاعِف ويُضَعِّفُ يتقاربان. وقال القتيبي: يُضاعِف للمرة ويُضِعِّف للتكثير، وقد قال

стр. 1444

تعالى: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا)، وقال: (أَضْعَافًا كَثِيرَةً) و (أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً). وفائدة قوله: (مِنْ لَدُنْهُ) أن كلَّ ما أريد تعظيمه ينسب إلى الله، فيقال: (مِنْ عِنْدِ اللَّهِ)، و (مِنْ لَدُنْهُ)، و (له). و (بيت الله)، و (نَاقَةُ اللَّهِ)، وعلى هذا قوله تعالى: (فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا)، ووصْفُ الأجر بالعظيم اعتبار بالأجور الدنيوية.

стр. 1445

تقديره: كيف حالهم في ذلك الوقت استعظامًا لأمرهم؟! وقوله: (وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا) فيه أقوال: أحدها: أنه أشار إلى أُمته، ويكون قوله: (مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ) عامًّا. وخصّ النبي ﷺ وأمته بالذكر تعظيمًا لهم. والثاني: ما قاله ابن عباس: إن هذه الأمة تشهد للأنبياء، والنبي ﷺ يشهد لأمته تزكيةً لهم. واستدلَّ بقوله: (لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدً). والثالث: إن قوله: (عَلَى هَؤُلَاءِ)

стр. 1446

إشارة إلى الأنبياء الذين هم الشهداء على أممهم. إن قيل: كيف يصح أن يكون النبي ﷺ شاهدًا للأنبياء الذين قبله وهو لم يحضرهم؟ وأي فائدة لشهادته وشهادتهم؟ قيل: إن الأنبياء لم يختلفوا في أصول ما دعوا إليه. بل كلُهم لسان واحد في الدعاء إلى التوحيد. وأصول الاعتقادات والعبادات، وسائر جمل الشريعة. وعلى ذلك نبَّه بقوله تعالى: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ) الآية. وكل واحد منهم معتقد لما اعتقده الآخر، ومبلِّغ ذلك مثل ما بلَّغه الآخر. ثم شريعة النبي ﷺ جامعة لأصول شرائع من تقدّمه، ولذلك قيل له: خاتم الأنبياء، وعليه نبّه ﷺ بقوله: "مثلي ومثل الأنبياء كمثل رجل بنى بيتًا، وترك موضع لبنة منه، فكنت موضع اللبنة"،

стр. 1447

وبهذا المعنى ألم بعض المُحدثين فقال: نُسِقوا لنا نَسْقَ الحساب مقدّمًا. . . وأتى فذلك إذ أتيت مؤخرًا وأما فائدة إقامتها عليهم فتبكيت للعاصين، وتشنيع عليهم. وتزكية للمؤمنين، على ما ذكر في قوله: (بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ). وقوله: (يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (٤٢) منهم من جعل الصفتين لفريق واحد، أي الذين جمعوا بين الكفر ومخالفة الأمر، ومنهم من جعلهما وصفين لفريقين، أي الذين كفروا وعصوا الرسول؛ فالأول للكفار، والثاني لأهل الكبائر،

стр. 1448

وقوله: (لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ) أي تمنوا أن لم يُبعثوا من القبور. وقيل: أن جعلوا ترابًا كالبهائم، وقيل: أن لم يخلقوا رأسًا. ونحوه قوله تعالى: (وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا)،

стр. 1449

وقوله: (لَوْ تُسَّوَّى) بتشديد السين على إدغام التاء في السين. وتُسَوّى بالتخفيف على حذف إحدى التاءين. وقوله: (وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا) قيل: فيه أقوال: أحدها: ما رُوِيَ عن ابن عباس وقد سُئِلَ عن هذه الآية. وقوله: (وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ) فقال: إن المشركين يوم القيامة لما رأوا أن لا يدخل الجنة إلا من كان مسلمًا. قال بعضهم لبعض: تعالوا نجحد، نقول: ما كنا مشركين. فلما قالوا ذلك ختم الله على ألسنتهم، وتكلّمت جوارحهم، فشهدت عليهم، فودّوا لو ساخت بهم الأرض ولا يكتمون الله.

стр. 1450

والثاني: ما قاله الحسن: إن الآخرة مواقف، وفي بعضها يظهرون. ورُوِيَ عنه أن في بعضها لا يتكمون. والثالث: أنهم لا يكتمون الله حديثًا، لنطق جوارحهم بذنوبهم. فعلى هذا لا يكون قوله: (وَلَا يَكْتُمُونَ) داخلًا في التمنِّي. بل هو استئنافُ كلام. والرابع: أنه لم يقصد بقوله: (وَلَا يَكْتُمُونَ) أنهم لا يقصدون كتمانه. بل عنى أنه لا يتكتم، وذلك كقولك لمن كتم عنك شيئًا فاطلعت عليه: لِمَ تكتم أسرارك عني. والخامس: أن ذلك داخل في التمني، ولكن إشارة إلى حالهم في الدنيا وجحودهم، فإن كفرهم جحود لما ركَّز الله تعالى في فطرتهم. ونقضٌ لما أخذ عليهم من الميثاق المدلول عليه بقوله: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ).

стр. 1451

قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (٤٣) السُّكر: هو من السَّكْر، أي سُدّ مجرى الماء، وذلك لسد البخار الصاعد من المعدة قوة الفهم، وسكرت الريح: أي سكنت، تشبيهًا بسكون الماء إذا سُدّ مجراه، وكذلك سكرت أبصارنا: أي سُدّ مجراها، والسكر قد يقال لما يعرض من الهوى والشباب والغنى. قال الشاعر: سكران سكر هوى وسكر شراب.

стр. 1452

ويقال: سُكارى وسكرى. والغائط: المنهبط من الأرض فكنى به عن الحدث؛ كالنجو في كونه للمرتفع من الأرض. والعذرة للفناء، والحشُّ للبستان، والكنيف للحظيرة. والصَّعيد كالصعود، لكن الصعيد يقال لوجه الأرض.

стр. 1453

والصعود للعقبة، ولما كان الصعيد يقال لوجه الأرض وللساطع منه. اختلف الفقهاء لاختلاف نظرهم في أنه هل يجب أن يعلق باليد شيء من التراب أم لا؟ فجوز الكوفيون أن لا يعلق باليد شيء من الأرض. لكون الصعيد اسمًا لوجه الأرض. ولم يجوِّز الحجازيون ذلك اعتبارًا بالصعود. ولقوله: (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ) وكذلك اختلفوا في أنه هل يجوز التيمم بما يخرج من الأرض سوى التراب كالخل والزرنيخ؟ فجوز ذلك بعضهم ومنع منه آخرون. فمن جوّزه قال: لأن الصعيد اسم لما تصاعد من الأرض. والتيمُّم والتأمُّم: " التعمُّد، وفي قراءة عبد الله "فتأمَّموا".

стр. 1454

و (عابري سبيل): قال علي وابن عباس: هم المسافرون. قالوا: ويجوز لهم التيمم عند الجنابة. والصلاة عندهما اسم الفعل. وقال الحسن وسعيد: عابر السبيل: المجتاز. والصلاة يريد به موضعها، كقوله: (لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ).

стр. 1455

والمريض الذي جُوّز له التيمّم: الجريح والقريح دون المحموم والمصدّع. والملامسة: الجماع، عن علي وعن ابن عباس. وقيل: اللمس

стр. 1456

باليد وما دون الجماع؛ عن ابن مسعود، وابن عمر. وقُرِئ: "لمستم"، والأول في الجماع أكثر. وقوله: (لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى) ليس بنهي للسكران عن قربان الصلاة، كما تصوره بعض الناس فأطال فيه الكلام. وقال: كيف يصح نهي من لا يعقل ما يقول، وإنما ذلك نهي المؤمنين عن السكر المانع

стр. 1457

من الصلاة، كقوله تعالى: (وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ). وقيل: إن ذلك نهي عن الشرب، وكان هذا تعريضًا بالتحريم. فلما أنزل الله ذلك تحرَّج قوم فتركوها، وشربه قوم في غير أوقات الصلوات إلى أن ورد تصريح التحريم. وقال بعض أهل الورع: ليس النهي عن تعاطي الخمر. بل ذلك عنه، وعن مقتضى سكر الهوى. وسكر الاشتغال بالدنيا، وأمر بأن يجمع الإِنسان

стр. 1458

نفسه ويفرِّغ للعبادة همّه، قال: وليست الجنابة للحالة المعروفة فقط، بل هي عبارة عن نجاسة النفس بالذنوب، وحثٌّ على تجنُّبها وتطهير النفس منها بقوله: (لِيُطَهِّرَكُمْ). فإن قيل: فما وجه تعلق هذه الآية بما قبلها. والإِتيان بحكم التيمُّم عقب ما تقدم؟ قيل: لما أمر فيما تقدّم بالعبادة بقوله: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) وأعظم العبادة الصلاة، ولا تصحّ بغير طهارة بين عقيبها حكم ما يُطَهِّر، وحكم ما ينوب منابه إذا فُقِدَ. قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (٤٤) رَأَيت: يُعدّى بإلى تنبيهًا على معنى النظر والاعتبار. وذلك في رؤية القلب دون الحاسة. واشتراء الضلالة بالهدى:

стр. 1459

استبدالها به بغد حصوله، والرغبة في الضلالة بعد التمكّن من الهدى، وقد أعاد تعالى هذا المعنى في مواضع تحذيرًا منهم. وتخويفًا من الاغترار بهم، وعلى ذلك قوله من قبل: (وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا). ونحوه قوله: (وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ) وقوله: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا (٤٥) ظاهره كالبعيد من الأول، وكذلك قوله: (كَفَى بِاللَّهِ) وذلك لتحرِّي الاختصار فيه، وتقدير الكلام: يريدون أن تضلوا السبيل. وإذا أرادوا ذلك فهم أعداؤكم، والله أعلم منكم بعداوتهم لكم. وهو تعالى وليكم ونصيركم، فإذن الواجبُ عليكم أن تتركوا

стр. 1460

موالاتهم، واستنصارهم، وتَسْتكْفوا بولاية الله ونصرته، وكفى به وليا ونصيرًا. قوله تعالى: (مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (٤٦) الليّ: أصله الفَتْلُ فاستعير لصرف الإِنسان عما يريده، وصرف الكلام من وجه إلى وجه استعارة الجدل في الجدال، ومنه ليّ الغريم، ولواء الجيش لكونه في الأصل خيطًا ملويا. واللِّوى: الملوئ من الرمل؛ لا يصنعه البشر. وقوله: (بِأَلْسِنَتِهِمْ) أي جارحتهم أوكلامهم، وكلا هما في الحقيقة واحد (وَطَعْنًا فِي الدِّينِ) أي يطعنون بِأَلْسِنَتِهِمْ في الدين،

стр. 1461

وقوله (غَيْرَ مُسْمَعٍ) يقال على وجهين: أحدهما: دعاء على الإِنسان بالصمم. والثاني: دعاء له، فقد تُعورِف قوله: أسمعته؛ في السب. ورُوِيَ أن أهل الكتاب كانوا يقولون ذلك. يرون أنهم يعظمون النبيَّ، وأنهم يدعون له، لأن قولهم (سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا) يقتضي ظاهره: أنا قْد عصينا من أمرتنا بعصيانه. واسمع غير مشتوم؛ وحافظنا، وهم يقصدون بقولهم (وَعَصَيْنَا) أنا عصيناك، واسمع لا سمعت، وراعنا أي رَاعنًا، وذلك شتم فيما بينهم، فذكر تعالى أن ذلك ليّ

стр. 1462

وطعن في الدين بألسنتهم، أي لُغتهم، ولو عدلوا عن هذه الألفاظ إلى ما أُمِرُوا به لكان أنفع لهم، ولكن لما كفروا لعنهم الله، أي منعهم التوفيق وشرح الصدر، وقد تقدّم معنى اللعنة وتفسير قوله: (فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا). وقوله: (مِنَ الَّذِينَ هَادُوا) فيه قولان: الأول: أنه متعلّق بما تقدَّم، كأنه قال: ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب من الذين هادوا فيكم. فتكون (مِن) للجنس أو للتبيين، وتكون للوقف على قوله: (مِنَ الَّذِينَ هَادُوا). والثاني: أن تكون استئنافًا على تقدير: من الذين هادوا فريق، كقوله: (وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ).

стр. 1463

واستقبح المبرّد هذا الوجه لحذف الموصول وترك الصلة. قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٤٧) الطمس والطلس والدرس يتقارب، ولكن الطمس زوال الأعلام المماثلة، قال: وبلدة طامسة أعلامها، والطلس زوال الصورة، ومنه قيل: درهم مطلس، إذا لم يكن عليه نقش، والدرس قد يقال في الأثر الخفي. وطمس الوجوه منهم من أخذه

стр. 1464

محسوسًا ثم اختلفوا؛ فمنهم من قال: عنى ذلك في الدنيا، وهو أن ينبت الشعر على وجوههم فتصير صورتهم كصورة القردة والخنازير، وتكون وجوههم إلى أقفائهم، ومنهم من قال: عنى ذلك في الآخرة، وعلى ذلك قوله: (وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ)، لأن وجوههم التي فيها العيون إلى ظهورهم. ومنهم من أخذه معقولا، ثم اختلفوا: كيف يكون ذلك؟ فمنهم من قال: عنى أنا نردهم عن الهداية إلى الضلالة لما ارتكبوه من المعاصي،

стр. 1465

نحو قوله: (وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ) الآية. والثاني: أن تكون الوجوه الأعيان والرؤساء. والمعنى قيل: أن يجعل الرؤساء منكم أذنابًا. وعلى ذلك قوله تعالى: (إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ) الآية. وقيل: إن ذلك في الآخرة، وهو أن قومًا من الكفار كانوا يسخرون في الدنيا من المؤمنين، فيعرضون على الجنة ثم يُردّون على أعقابهم فيدخلون النار. وقوله: (أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ) إشارة إلى ما تقدّم ذكره في قوله: (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ) في سورة البقرة.

стр. 1466

(وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا) أي نافذًا في حكم المفروغ منه. وقيل: هو إشارة إلى ما قال ﷺ : "أول ما خلق الله القلم، فقال له: اجر بما هو كائن إلى يوم القيامة". وقيل: الأمر ههنا إشارة إلى الإِبداع، وهو اختراع الشيء من غير أصل. لا في زمان ولا في مكان، ولا بآلة، وذلك يعبر عنه بالأمر. وعلى ذلك قوله: (أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ). قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨)

стр. 1467

معنى أن يشرك به: أن يديم الإِنسان الشرك، فلا خلاف أن من لم يُدم ذلك بل أقلع عنه بالتوبة على الوجه الذي يجب يُغفر له. لكن اختُلِف في قوله (لِمَنْ يَشَاءُ) لكونه مجملًا. فقال بعضهم: عنى به غير المشركين، فكأنه قيل: يغفر ما دون ذلك لغير المشركين، ففيه توعُّد أن المشرك مأخوذ بكل ذنب مع الشرك بخلاف المؤمنين، الذين قال لهم: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ). ومنهم من قال: عنى به التائب بدلالة قوله تعالى: (إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ). وقول من قال: (لِمَنْ يَشَاءُ) يقتضي ذلك، أن فيما دون الكفر ما يُغفر، وهو الصغائر، وفيه ما لا يغفر وهو الكبائر، وإلا لم يكن لقوله: (لِمَنْ يَشَاءُ) فائدة، فليس بصحيح لأن قوله: (مَا دُونَ ذَلِكَ) عام للذنوب صغائرها وكبائرها، والمغفور له هو

стр. 1468

الذي جعله خاصَّا منهما، فيقتضي أن ما دون الشرك كله يُغفر. لكن يُغفر لبعض دون بعض، واشتراط (لِمَنْ يَشَاءُ) لئلا يقرر أن ذلك عامٌّ للمشرك وغير المشرك، فصار قوله: (لِمَنْ يَشَاءُ) عبارة عن غير المشركين. وقولهم: إن الكبائر دون الشرك لو صح غفرانها لم يثبت فيها اللعن ولا الحد على وجه النكال ليس بشيء. فليس في ذكر اللعن ما يقتضي أن لا يُغفر لصاحبه. وأما النكال في الدنيا فتعلُقهم به جهل أو تجاهل، لأن موضوع النكال ليكون قمعًا للمنكَّل به عن معاودته وقمع غيره عن أن يحذو حذوه، وليس ذلك من عقوبة الآخرة في شيء، بل قد قيل هو مُسقطٌ لعقوبة الآخرة، لقوله ﷺ : "الحدود كفّارات لأهلها "،

стр. 1469

ألا ترى أنه قد يُحدّ التائب مع أن العقوبة في الآخرة قد سقطت عنه بالتوبة؟! وما رواه جابر أنا كنا نمسك عن الاستغفار لأهل الكبائر حتى نزل قوله: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) الآية. دلالة على فساد قولهم، وما قالوه بأن هذا من أخبار الآحاد فلا يقبل فيما هو من باب التدين والعلم، فإن أخبار

стр. 1470

الآحاد تُردّ فيما تعافه العقول الصحيحة، وقد علم أن العفو من باب الإِحسان الذي حثنا عليه العقل والشرع، وبتحريه يصير العبد من الصديقين والشهداء والصالحين. والافتراء: يقال في القول والفعل كالصدق والكذب. بل الافتراء وإن تُعوُرِف في القول فهو بالفعل أولى. وكذا الاختلاق، لأنهما من فريت الأديم وخلقته. ومعنى الإِثم العظيم هو الذي إذا اعتبر بالآثام كان

стр. 1471

أكثرها عقوبة. قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٤٩) التزكية ضربان: أحدهما: بالفعل، وهو أن يتحرى الإِنسان ما فيه تطهير بدنه، وذلك يصحّ أن ينسب إلى العبد تارة نحو قوله: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا) وإلى من يؤمر بفعله، نحو قوله: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا). والثاني: بالقول، وذلك بالإِخبار عنه بذلك، ومدحه به. ومحظور على الإِنسان أن يفعل ذلك بنفسه، لا بالشرع فقط. بل بمقتضى العقل، من غير داعٍ إلى ذلك، ولمّا قالت اليهود والنصارى (نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ)، (وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى) ذمّهم الله تعالى بذلك، وذمّ من

стр. 1472

يفعل فعلهم، وحظر أن يمدح الإِنسان نفسه، بل أن يزكي غيره إلا على وجه مخصوص، فالتزكية في الحقيقة هي الإِخبار عما ينطوي عليه الإِنسان، ولا يعرف ذلك إلا الله تعالى. ولهذا قال: (بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ) ونبّه بقوله: (وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا) أن تزكيته ليست لضرب من الميل. فهو منزه عن كبير الظلم وصغيره. والفتيل: هو الخيط الذي في شق النواة. وقيل: هو ما فتل من الوسخ بين الأصبعين. تشبيهًا بالفتيلة هيئة وصغر قدر،

стр. 1473

قوله تعالى: (انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا (٥٠) ذكر ذلك تعظيمًا لزعمهم (نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ) ونبّه بقوله: (وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا) أنه لايخفى كونه مأثمًا. قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١) الجبت والطاغوت: في الأصل اسمان لصنمين، ثم صارا يستعملان في كُل باطل، ولذلك قيل: ما عُبِدَ من دون الله فهو طاغوت،

стр. 1474

ولذلك فُسِّر مرة بالصنم، ومرة بالشيطان، ومرة بالسحر، ومرة بكل معظّم من دون الله، وإنما ذكرهم بإيتاء نصيب من الكتاب تقبيحًا لفعلهم، فمن جحد الحق مع معرفته به فهو أقبح فعلًا وأعظم مأثمًا. وعنى بالذين كفروا مشركي العرب، حيث زعموا أنهم أهدى سبيلًا من المسلمين، ومعنى قوله: (لِلَّذِينَ) أي لأجلهم وفيهم،

стр. 1475

ولهذا قال: هؤلاء ولم يقل: أنتم، وباقي الآية مفهوم. قوله تعالى: (أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (٥٣) النقير: النقطة في ظهر النواة، وقيل: حبة فيها، وقيل: ما نُقِرَ بالأصبع من الحصى، وكيفما كان فذلك كالفتيل والقطمير فيما يضرب به المثل في الشيء الحقير، و (إذن) متى تقدّمه حرف عطف فقد يُترك إعماله، نحو قوله:
следующие страницы →