← Тафсир

Тафсир · id 9231

تفسير الراغب الأصفهاني

الراغب الأصفهاني

Полный текст (2 001 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

أكثرها عقوبة. قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٤٩) التزكية ضربان: أحدهما: بالفعل، وهو أن يتحرى الإِنسان ما فيه تطهير بدنه، وذلك يصحّ أن ينسب إلى العبد تارة نحو قوله: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا) وإلى من يؤمر بفعله، نحو قوله: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا). والثاني: بالقول، وذلك بالإِخبار عنه بذلك، ومدحه به. ومحظور على الإِنسان أن يفعل ذلك بنفسه، لا بالشرع فقط. بل بمقتضى العقل، من غير داعٍ إلى ذلك، ولمّا قالت اليهود والنصارى (نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ)، (وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى) ذمّهم الله تعالى بذلك، وذمّ من

стр. 1472

يفعل فعلهم، وحظر أن يمدح الإِنسان نفسه، بل أن يزكي غيره إلا على وجه مخصوص، فالتزكية في الحقيقة هي الإِخبار عما ينطوي عليه الإِنسان، ولا يعرف ذلك إلا الله تعالى. ولهذا قال: (بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ) ونبّه بقوله: (وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا) أن تزكيته ليست لضرب من الميل. فهو منزه عن كبير الظلم وصغيره. والفتيل: هو الخيط الذي في شق النواة. وقيل: هو ما فتل من الوسخ بين الأصبعين. تشبيهًا بالفتيلة هيئة وصغر قدر،

стр. 1473

قوله تعالى: (انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا (٥٠) ذكر ذلك تعظيمًا لزعمهم (نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ) ونبّه بقوله: (وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا) أنه لايخفى كونه مأثمًا. قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١) الجبت والطاغوت: في الأصل اسمان لصنمين، ثم صارا يستعملان في كُل باطل، ولذلك قيل: ما عُبِدَ من دون الله فهو طاغوت،

стр. 1474

ولذلك فُسِّر مرة بالصنم، ومرة بالشيطان، ومرة بالسحر، ومرة بكل معظّم من دون الله، وإنما ذكرهم بإيتاء نصيب من الكتاب تقبيحًا لفعلهم، فمن جحد الحق مع معرفته به فهو أقبح فعلًا وأعظم مأثمًا. وعنى بالذين كفروا مشركي العرب، حيث زعموا أنهم أهدى سبيلًا من المسلمين، ومعنى قوله: (لِلَّذِينَ) أي لأجلهم وفيهم،

стр. 1475

ولهذا قال: هؤلاء ولم يقل: أنتم، وباقي الآية مفهوم. قوله تعالى: (أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (٥٣) النقير: النقطة في ظهر النواة، وقيل: حبة فيها، وقيل: ما نُقِرَ بالأصبع من الحصى، وكيفما كان فذلك كالفتيل والقطمير فيما يضرب به المثل في الشيء الحقير، و (إذن) متى تقدّمه حرف عطف فقد يُترك إعماله، نحو قوله:

стр. 1476

(وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا). وعطف بالجملة على ما قبله بأم على تقدير كلام قبله. كأنه قيل: أهم أولى بالنبوة أم لهم نصيب من الملك. فيلزم الناس طاعتهم؟ وقيل: أم بدل على معنى بل. وكذلك قيل في قوله تعالى: (الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ)، ونبَّه على بخلهم مع تمكُّنهم من المال. قوله تعالى: (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (٥٤) الحسد: غم يلحق الإِنسان بسبب خير ناله مستحقه،

стр. 1477

قال ابن عباس: عنى بالناس ههنا النبيَّ ﷺ وقال قتادة: عنى به العرب، وقيل: عنى به المسلمين. والفضل: ما خصّ به ﷺ من النبوة. وإنما ذكر الناس - وإن قصد به مخصوصًا - لأنهم إذا كرهوا ما آُنزل على النبي ﷺ فقد حسدوا الناس بما

стр. 1478

أولاهم كمال الإِنسانية، وفيه تنبيه أنهم خارجون عن جملتهم. ونبّه أنه كما آتاهم الفضل فقد آتى آل إبراهيم ما ذكره. وأنه لو كان ما آتى محمدًا يقتضي أن يحسد عليه فما آتى آل إبراهيم أولى بذلك، فيكون الكتاب والحكمة راجعًا إلى ما أوتي موسى وعيسى ﵉ وغيرهما. ويجوز أن يكون الكتاب والحكمة إشارة إلى ما أوتي النبي ﷺ ، ويكون فيه تنبيه. وما أنعم الله عليه هو إنعام عليهم إذ كان معرضاً لانتفاعهم به. والملك العظيم قيل: ملك سليمان، والأصحّ أنه عامٌّ. وأنه لم يعن به تملُك الغير، بل هو عام في ذلك. وفيما اقتضى تملُك الإِنسان على نفسه وقمعه لحرصه وسائر شهواته، فذلك هو أعظم الملكين. وقوله: (فَمِنهُم) قال مجاهد: أي من أهل الكتاب من آمن بمحمد ﷺ . وقيل: منهم من آمن بإبراهيم من أمته، كما أنكم في أمر

стр. 1479

محمد كذلك تنبيهًا أنه ليس في صدّ بعضهم عن محمد توهين لأمره، كما لم يكن في صدّ بعضهم عن إبراهيم توهين لأمره. وفي قوله: (وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا) تنبيه أنهم وإن لم تلحقهم العقوبة معجّلة فقدكفاهم ما أُعِدَّ لهم من سعير جهنم. قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (٥٦) إصلاؤهم بالنار: جعلهم صَلىً لها، كقوله:

стр. 1480

(وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ). وقوله: (كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا) فيه قولان؟ أحدهما: أنه يُعاد ذلك الجلد بعينه على صورة أخرى. كقولك: بدّلت الخاتم قرطا، إذا خالفت بين الصورتين. الثاثي: أنه يُخلَق لهم جلود إذا نضجت لهم جلود، فالعذاب والألم يصل إلى ما تحت الجلود من الروح وغيرها بوساطة الجلود كوصول النار إليه بوساطة سرابيل القطران المذكور في قوله: (سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ)، وتبيين ذلك أن الجلد واللحم متى تعريا

стр. 1481

عن الروح لم يلحقهما ألم، فعُلِمَ أن المقصود بالألم ما فيه الروح دون الجلود والأغشية، ولكون البدن للروح كالثياب للبدن. يعبّر بالثياب عن البدن كقوله: (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) وقول الشاعر: ثياب بني عوف طهارى نقية. . . . . . . . . . . . . . . وقو له تعالى: (لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ) استعارة متناهية في وصول الألم إلى الباطن، وعلى ذلك استُعير لهم الطعام في قوله: (وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا) ذُكِرَ مع الذوق المس في قوله: (ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ) تنبيهًا أن ذلك استعارة، ونبَّه بقوله: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا) أن لا سبيل إلى الامتناع عليه والفرار من عذابه. وبقوله: (حَكِيمًا) أن ذلك تقتضيه الحكمة.

стр. 1482

قوله تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا (٥٧) قد تقدّم الكلام في ذكر الإِيمان والأعمال الصالحة، ومعنى الجنات التي تجري من تحتها الأنهار، وذكر الخلود فيها أبدًا، والأزواج المطهّرة، فأما قوله: (ظِلًّا ظَلِيلًا) فإشارة إلى النعمة، والنعمة الدائمة، كما يقال: أنا في ظلك، وكما رُوي في الخبر: "سبعة يظلهم الله في ظلِّ عرشه يوم لا ظل إلا ظله "، والظليل إشارة

стр. 1483

إلى تمام وجود معنى الظلّية فيه، كقولهم: شمس شمامس. وليل ألْيَل. قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨) قال ابن جريج: نزل ذلك في عثمان بن طلحة ﵁ لما أخذ منه رسول الله ﷺ مفتاح الكعبة. فأمره الله أن يردَّه

стр. 1484

إليه، وقال: زيد ومكحول: نزل في ولاة الأمر. قال ابن عباس: في كل مؤتمن على شيء، وهو أصحّ. فإنه عام،

стр. 1485

وقد عظَّم الله أمر الأمانة، وبين أنه من خصائص الإِنسان، حيث قال تعالى: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ) وقال ﷺ : "ثلاث يؤدين إلى البَّر والفاجر: الأمانة، والعهد، وصلة الرحم ". وتأدية الأمانة استحفاظ المستودع ووضعه حيث ما أمر بوضعه فيه. وليس ذلك في ردّ الوديعة فقط، بل في جميع ما خصّ الله تعالى به الإِنسان من ماله ونفسه، فكلُّ ذلك أمانة من الله عليه بحفظه حيث ما يجب حفظه، ويضعه حيث ما يجب وضعه، ولذلك قال تعالى:

стр. 1486

(إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ). ولهذا قال ﷺ : "كلُكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته ". وقد دخل في عمومه: النهي عن كتمان العلم عن أهله. وحفظه عن غير أهله، ولهذا قيل: لا تضع الحكمة في غير أهلها فتظلمها، ولا تمنعها أهلها فتظلمهم، وقد حثَّ الله تعالى على حفظ جميع العدالات بهذه، وبيانه أن العدالة في شيئين: أحدهما: في حكم يختص به الإِنسان في نفسه، أو فيما بينه وبين

стр. 1487

غيره، وقد تناول ذلك قوله: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا)، والثاني: في حكم يتولاّه ألإِنسان بين اثنين، وذلك قد تناوله في قوله: (وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ). ثم قال: (إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ) تنبيهًا أن من سمع وعظه، واستعمله فقد فاز فوزا عظيمًا، ونبّه بذكر السمع على حكم الأول على علمه بما يحدِّث الإِنسان به نفسه، وبالبصر على حكم مشاهدته لما يتعاطاه. قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩) قيل: أولو الأمر الأمراء على عهد رسول الله ﷺ . ولذلك قال: (فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ). وقيل: الأمراء في زمانه وبعده، ورده إليهما إنما هو إلى حكمهما. وحمل الشيعة ذلك

стр. 1488

على الأئمة من أهل البيت. وقال أبو هريرة: أولو الأمر أمراء السرايا. وقد رُوِي أن النبي ﷺ قال: "من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله ". وقال ابن عباس: هم أهل الفقه والدين، وأهل طاعة الله الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. وكل هذه الأقوال صحيح، ومراد بالآية، ووجه ذلك

стр. 1489

أن أولي الأمر الذين يرتدع بهم الناس أربعة: الأول: الأنبياء، وحكمهم على ظواهر الخاصة والعامة وبواطنهم. والثاني: الولاة، وحكمهم على ظاهر الخاصة والعامة دون باطنهم. والثالث: الحكماء، وحكمهم على بواطن الخاصة. والرابع: الوعاظ، وحكمهم على بواطن العامة، وعلى ذلك قوله: (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ). وقوله: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ) قيل: هو خطاب للكافة. وقيل: بل لأولي الأمر منهم إذا وقع تنازع فيما بينهم في حكم،

стр. 1490

وقوله: (فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) أي راجعوه بالسؤال في زمانه، وإلى كتاب الله وسنة نبيه بعده. وقال الأصمُّ: معناه ما لا تعلمونه فقولوا: الله ورسوله أعلم. وهذا إن أراد به فيما لا سبيل لبشر إلى معرفته. أو فيما لا يبلغ إلى مرتبته فصحيح. وإن أراد أنه يقتصر على ذلك مع وجود سبيل إليه. أو احتياجه إليه فرضى بأخسِّ منزلة. وقد تعلّق بذلك مثبتوه أيضًا، وقالوا: جعل الله أحكامه ثلاثة أقسام: مثبتًا بالكتاب، ومثبتًا بالسنة، وعليهما دل قوله: (أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ)، ومثبتًا بالاجتهاد والاستنباط، وهو ما يرد إلى الكتاب وسنة نبيه، قال: فالرد إليهما هو البناء علي حكمهما، وهذا هو القياس الشرعي، والرد

стр. 1491

على هذا محمول على فائدة غير مستفادة من قوله: (أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ). قوله: (إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) أي من شرط الإِيمان أن لا يتخطَى مرسوم الله تعالى ومرسوم نبيه ﷺ ، فمن ترك ذلك فقد ترك الإِيمان. وقوله: (وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) قال مجاهد: أحسن جزاء وعاقبة. وقال قتادة والسُّدّي: عاقبة. وقال الزجاج: أحسن من تأويلكم من غير رد إلى كتاب الله والسنة.

стр. 1492

قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠) قد تقدّم أن الزعم مطية الكذب. والطاغوت مبنيّ من طغى، كالجالوت من جال، وقيل: كل ما عُبد من دون الله فهو طاغوت، وقيل: هو اسم لكل ما شغل عن الله من نحو

стр. 1493

الهوى ونحوه، وعليه نبه بقوله ﷺ : "الهوى إله معبود"، ثم تلا: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ). ورُوِيَ أن. ذلك نزل في رجل من المنافقين دعاه يهودي في خصومة إلى حكم النبي ﷺ ، فقال المنافق: بل نتحاكم إلى الكاهن، وقيل: بل قال إلى الصنم، وهو أنهم كانوا يحضرونه ويضربون بالقداح، فمن خرج قدحه حكم له، ونبّه بقوله: (وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا)

стр. 1494

بعد قوله: (يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ) أن إرادتهم بهذا الفعل مقرونة بإرادة الشيطان أن يضلهم ضلالاً بعيدًا، وأن بفعلهم ذلك يجد الشنيطان إلى ضلالهم سبيلًا، وهذا تنبيه أنه لولا اتباعهم الشهوات وإخلالهم بالعبادات لما وجد الشيطان إليهم سبيلًا، كما قال: (وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ) الآية. والضلال البعيد هو الذي يصعب الرجوع عنه. وهو المشار إليه بقوله تعالى: (أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ). قوله تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١) الصد: كالسد: إلا أن السد بحائل محسوس. والصد بحائل في النفس من إرادة أو كراهة، ونحو ذلك من الحوايل.

стр. 1495

والآية من تمام القصة الأولى، ومن الأشياء التي دعوا إليها فصدّوا عنها آيات القتال، كقوله تعالى: (فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ). والتأكيد بالمصدر كقوله: (يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا) (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا) هو أن الفعل له حقيقة ما وتجوُّزٌ به كاستعماله في بعض ما وُضِعَ له أو في غير ما وُضِعَ له، وإذا أريد أن يبين أنه مستعمل على وجهه وحقيقته ضُمَّ إليه مصدره. هذا فائدته. قوله تعالى: (فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (٦٢) رُوِي أن ذلك المنافق مع اليهودي لما تحاكما إلى النبي ﷺ فحكم لليهودي قال المنافق: لا أرضى بذلك. ثم "تحاكما إلى أبي بكر فكان كمثل، ثم تحاكما إلى عمر. فقال المنافق: كان من الأمر كذا، فقال له عمر: قفا لأخرج إليك. فدخل وأخذ السيف فخرج وقتله،

стр. 1496

فشكوا إلى النبي ﷺ فلما سأله؟ قال عمر: قتلته لأنه ردَّ حكمك، فقال ﷺ : "أنت الفاروق ". ثم جاء أصحابه إلى النبي ﷺ يحلفون كذبًا إن أردنا إلا إحسانًا وتوفيقًا. إن قيل: ما المسئول عنه بقوله: كيف؟ وما الذي يتعلق به إذا؟ وعلى ماذا عطف قوله: (ثُمَّ جَاءُوكَ)؟ وأيّ مصيبة أريدت بذلك: التي نالتهم في الدنيا بقتل صاحبهم أم شيء منتظر؟ قيل: أما المسئول عنه فمحذوف كما حُذِفَ في قوله: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ)، وبقوله: (فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ) وتقديره: كيف حالهم ومقالهم؟ وأما إذا فإنه يتعلق بذلك المضمر. وأما قوله: (ثُمَّ جَاءُوكَ) فمعطوف على قوله: (أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ)،

стр. 1497

وتقديره: كيف حالهم إذا أصابتهم مصيبة بما قدّمت أيديهم بارتكابهم وبمجيئهم من بعد إليك حالفين كذبًا: إننا ما أردنا إلا إحسانًا وتوفيقًا، وأما المراد بالصيبة المذكورة فما ينالهم في الآخرة من العذاب والحسرة والندامة، فيقول: إن تألَّموا من هذه فكيف تألمُهم إذا أصابتهم مصيبة في الآخرة، وقد تقدَّم أن الإِحسان هو الفضل الموفي على العدالة، والتوفيق: موافقة أمر الله والرضا بقضائه، وهما غاية ما يراد من الإِنسان، فنبه أنهم

стр. 1498

يدّعودن هاتين الحالتين كذبًا. قوله تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا (٦٣) القول البليغ: إذا، اعتُبر بنفسه، فهو ما يجمع أوصافا ثلاثة: أن يكون صوابًا في موضع لغته، وطبقًا للمعنى المقصود به. لا زائدًا عليه ولا ناقصًا عنه، وصدقًا في نفسه. وإذا اعتبر بالمقول له والقائل فهو الذي يقصد به قائله الحق. ويجد من المقول له قبولاً، ويكون وروده في الموضع الذي يجدر أن يورد فيه، فكل قول اجتمع فيه هذه الأوصاف فهو البليغ من كل وجه، وقول العرب: أحمقُ بُلْغٌ وبَلْغٌ، إذا بلغ مع حماقته حاجته، وقد يقال ذلك للمتناهى في حماقته، وقول من قال: القول البليغ هو أن يقال لهم:

стр. 1499

إن، أظهرتم ما في أنفسكم قتلناكم. وقول من قال: خوِّفهم بمكاره تنزل بهم في الدنيا والآخرة. فإشارة إلى بعض مقتضنى الآية، ونبه بقوله: (أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ) على أمرين: أحدهما: نهي الناس أن يُخفوا في أنفسهم غير الحق. والثاني: أن يقتصر من كل واحد في أحكام الدنيا على ما يظهره. وترك الفحص عما يضمره، وفي قوله تعالى:

стр. 1500

(فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ) الآية، قولان: أحدهما: أنه أمر أن يقابل جماعتهم بهذه المعاملة الثلاث، من الإِعراض عنهم، والتجافي عن ذمهم، وقول المعروف لهم. والقول الثاني: أن كل واحد من الأحكام الثلاثة إلى فرقة على حدة، فالإِعراض عمن يظهر الإِسلام، لقوله ﷺ : " أمرت أن أقاقل الناس. . . " الخبر.

стр. 1501

والوعظ للأوساط. والقول البليغ للخواص. وهؤلاء الفرق الثلاث هم المذكورون بقوله: (وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩١). إلى آخر القصة. قوله : (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (٦٤) استغفار الإِنسان وتوبته يمكن أن يقال: هما في الحقيقة واحد، لكن اختلافهما بحسب اعتبارهما بغيرهما؟ فالاستغفار يقال إذا استُعمل في الفزع إلى الله تعالى، وطلب الغفران منه. والتوبة ْتقال إذا اعتُبر بترك العبد ما لا يجوز فعله وفعل ما يجب. ولا يكون الإِنسان طالباً في الحقيقة لغفران الله إلا بإتيان الواجبات، وترك المحظورات، ولا يكون تائبًا إلا إذا حصل على هذه الحالة، ويمكن أن يقال: الاستغفار مبدأ التوبة. والتوبة تمام الاستغفار، ولهذا قال تعالى:

стр. 1502

(وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ). وأما استغفار الرسول ﷺ لهم فهو الدعاء لهم، وهو ضرب من الشفاعة في الدنيا، وعلى ذلك حثَّ تعالى بقوله: (وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ) والقصد بالآية لما قتل عمر ذلك المنافق، وكان ظاهره الإِسلام ووقع شبهة على من لم يتصوَّر حاله، بيَّن تعالى جواز قتله بألطف حجة، دل عليه بقوله: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ)، وبيانه أن خصوصية الرسول ﵊ طاعته فيما يحكم به، تنبيهًا أن من لم يطعة لم يؤمن به، وهذا المقتول لم يطعه. فإذًا لم يؤمن به، ومن لم يؤمن برسوله من غير مانع فمستحقّ للقتل. فإذًا هذا المنافق

стр. 1503

مستحق للقتل. إن قيل: لِمَ قال (جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ) ولم يقل: فاستغفرت؟ قيل: تنبيهًا على مقتضى فضيلة الرسالة، وأن بفضيلتها يستحق قبول شفاعته وموقع استغفاره. قوله تعالى: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥) المشاجرة: المنازعة، وأصله من اختلاط الأشجار. وشَجَر بيته رفعه بالشجر، والشِّجار اسم ما يرفع به من الشجر. ومصدر شَاجَره أي نازعه، والتشاجُر يكون بالأبدان بالحرب وباللسان في القول. والحرج: الضيق، وأصله الحرجة الملتفة

стр. 1504

من الأشجار، وسأل عمر ﵁ أعرابيًّا عن الحرج. فقال: هو أن يلتف الشجر ويناشب فلا يصل إليه شيء. قال: فكذلك قلب الكافر محظور عليه الإِيمان، ممتنع امتناع هذه الحرجة. وقوله: (لَا) في أول الكلام هو ردّ لزعمهم: أنا آمنا. فقال: لا، أي ما آمنوا، ولفظة: لا، قد ينفى به الفعل الماضي إذا لم يذكر معه الفعل، كقوله: أخرجتَ؟ فتقول: لا. ويجوز أن يكون نفيًا للثاني، لكن حذف معه الفعل اكتفاء بما ذكر من بعده، وعلى الوجهين قول الشاعر: لا وأبيك أبنت العامري. . . لا يدعي القوم أني أفِرُّ

стр. 1505

والآية من تمام القصة المتقدّمة، وقول من قال: نزل في حاطب ابن أبي بلتعة حيث اختصم مع الزبير بن العوام في سبب

стр. 1506

الماء إلى النبي ﵊، فحكم للزبير. فسخط حاطب، فإنه يجوز أن شأن نزوله هذه الحال، ويجوز

стр. 1507

أن يكون قد نزل فيهما، وبيَّن تعالى أن التوقُّف في إلزام حكمك فيما وقع بينهم من المشاجرة هو مخرج لهم عن الإِيمان، وإنما يكون حصول الإِيمان الحقيقي بعد أن لا يروا ضيق صدر في جميع ما تحكم به، (وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا): أي يسلمون ظواهرهم وبواطنهم، والتسليم منّا هو الإِسلام المأمور به في قوله: (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)،

стр. 1508

وهو المسئول في قوله: (تَوَفَّنِي مُسْلِمًا). قوله : (وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦) نبّه تعالى على عقيدتهم ووهن إيمانهم. وأن المؤمن في الحقيقة من يسلِّم تسليمًا كما تقدّم ذكره. وبين أن هؤلاء لم يؤمنوا، بعد، بحيث لو أوجب عليهم قتل أنفسهم أو الإِخلال بدورهم لكان أكثرهم ممتنعين، ثم أخبر أنهم لو قبلوا الموعظة لكان ذلك خيرًا لهم وأشدّ تثبيتًا، أي أشد لتحصيل عملهم ونفي جهلهم، وقيل: أثبت لأعمالهم واجتناء ثمرة فعالهم، وأن يكونوا بخلاف من قيل فيهم:

стр. 1509

(وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا) ورُوِيَ أن نفرًا من أصحاب النبي ﷺ لما نزلت هذه الآية قالوا: لو أن ربنا تعالى فعل لفعلنا، فالحمد لله الذي عافانا فعرف رسول الله ﷺ أن ذلك منهم حقٌّ فقال: "والذي نفس محمد بيده للإيمان أثبت في قلوب المؤمنين من الجبال الرواسي "، ورُوِيَ أنه أشار إلى عبد الله بن رواحة، وقال: "إنه من القليل ". ورُوِيَ أنه

стр. 1510

قال: "إن ثابت بن قيس من القليل الذي استثنى الله تعالى". قوله : (وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٦٨) بيّن أنهم لو قبلوا الموعظة لجمع لهم بين خير الدنيا والآخرة، وذلك هو المعني بقوله: (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى) والصراط المستقيم الذي وعدهم هو الذي حرضَ على سؤاله في قوله: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ). وإنما قال: (مِنْ لَدُنَّا) لأنه تعالى لا يكاد ينسب إلى نفسه من النعم إلا ما كان أجلَّها قدرًا وأعظمها خطرًا، نحو: وروحنا. قوله : (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩)
следующие страницы →