Полный текст (2 001 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
أي سعة من المكان، وعلى هذا قالوا: بينهما بون، وقال الشاعر:
فثم الفتى كل الفتى كان بينه ...
وبين المراجي نفنف متباعد
والنسيان: زوال الشيء عن الحفظ، فهو ضربان:
انفعال بغير فعل من صاحبه، وهو المعفو عنه بقوله ﵇ " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان ".
وأنه قال بفعل من صاحبه، وهو أ، يترك مراعاة المحفوظ حتى يذهب عنه، وهو المذموم بقوله تعالى:
﴿كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾، وقال ﵇:
" من حفظ القرآن، ثم نسيه، لقي الله وهو أجذم "، ولما ورد هذا الخبر عن النبي ﵇ كره ابن مسعود ﵁ أن يقول القائل: " نسيت آية كيت وكيت "، والق:
لتقل: " أنسيت، ومن جعل الإنسان من ذلك، فأصله عنده: " أنسيان "، بدلالة: " أنيسيان " في تصغيره، ومعنى تلاه: تبعه، والتلاوة في القرآن إتباع اللفظ اللفظ، أة: إتباع اللفظ بتدبر المعنى، وهو المراد بقوله: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾، والعقل: أصله المنع الشديد، ومنه: عقل البعير "، " والعاقول ": الدواء، يمسك البطن، والعقلية للنفس الممنوع عن الإخراج، والمعقلة، والعقال، واعتقل لسانه.
وقد ذكر الله تعالى " العقل " بأربعو أسماء: " العقل، والنهي، والحجر، واللب " وذلك بأنظار مختلفة -، فأكثرها ذكر العقل، وذلك لعقله عما يقبح وعلى ما يحسن، والنهي: لكونه ناهياً عن القبائح، والحجر: لجعل صاحبه في حجر عما لا يحسن، واللب: لكون ذلك الجزء من الإنسان، بالإضافة إلى
стр. 177
سائر أجزائه، كَلُبَّ الشيء إلى أجزائه، وهو أشرف أسمائه، وقد ذمهم الله تعالى في هذه الآية بغاية ما يذم به المتصدي للوعظ بغير الحق، وذاك أن الواعظ من الموعوظ يجري مجرى المظلة من الظل، والطابع والمطبوع، ومحال أن تعوج المظلة، ويستوي ظلها، أو يمكن للطابع أن يوجد في مطبوعة أحسن ما في طبعه.
ولهذا قيل: " كفى بالمرء تهزياً أن يعظ غيره وينسى نفسه، ولأن المدعي لمصلحة هو يتجنبها إما كاذب في دعواه، و‘ما خبيث النفس، وكلاهما لا يقبل قوله، فإذا " حق الإنسان أن يبدأ بنفسه فيما يعظ به غيره، حتى يكون واعظاً بفعله كوعظة بقوله.
وروي أن رجلاً أتى ابن عباس [رضي الله تعالى عنهما] فقال: " إني أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، فقال: إن لم تخش أن تفتضح بثلاث آيات من كتاب الله تعالى فافْعل.
قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾، وقول شعيب: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾، وقد اتبع الله ذمهم بحكمين حقق غيهم أحدهما، قوله: ﴿وانتم تتلون) أي: تتدبرون التوراة، والثاني: قوله: (أفلا تعلقون) - تنبيهاً - أن الجامع للعقل ومتبع الكتاب ليس من حقه أن يأمر الغير بما لا يفعله، فذلك منبئ عن الجهل، فصارت الآية بما عقبت أبلغ من معنى قول الشاعر:
لاتنه عن خُلُق وتأتي بمثلُه ....
عار عليك إذا فعلت عظيم
وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ مثل هذه الآية في حث الإنسان على (العناية بالنفس) قبل العناية بغيره، لا نهياً عن الوعظ كما تصوره بعض الناس، حتى قال هذه الآية منسوخة ..
стр. 178
قوله :
﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾: الآية (٤٥) - سورة البقرة.
أصل الصبر: الإمساك في ضيق، ومنه: دابة مصبورة، والصبرة من الطعام للجمعة منه، وفي التعارف: إمساك النفس على ما يقتضيه العقل وعما يقتضيه، وذلك ضربان: صبر عن المشتهى، وهو العفة، وصبر على المكروه وهو الشجاعة، وقيل الصبر: الصوم، لقوله ﵇: (صيام شهر الصبر وثلاثة أيام من كل شهر يذهب كثيراً من وحر الصدر)، وتسميته بالصبر، لكونه بعضه، إذ هو إمساك الشهوة، ولهذا قال ﵇:
" الصوم نصف الصبر "، والصلاة أرفع منزلة من الصبر، لأنها تجمع ضروباً من الصبر، إذ هي حبس الحواس على العبادة، وحبس الخواطر والإفكار على الطاعة، ولهذا قال:
﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾، وخصها برد الضمير إليها دون الصبر، وأما الصلاة التي تخفف على غير الخاشع، فإنها مسماة باسمها، وليس هي في حكمها، بدلالة قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾، ومثلها، وقل ما ترى صلاة غير الخاشع تنهاه عن الفحشاء والمنكر، ومثلها في رد الضمير على أحد المذكورين لاختصاص العناية به، قوله: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾، فأعيد الضمير إلى التجارة - لما كانت سبب انفضاض الذين نزلت الآية فيهم، ولأنه قد تشغل التجارة عن العبادة من لا تشغله اللهو، وعلى ذلك قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ لما كان حبس الفضة عن الناس أعظم ضرراً، إذ كانت
стр. 179
الحاجة إليها أمس، ومنعها للمضرة أجلب، [خُصا بالضمير]، وقوله: (كَبِيرَةٌ) اي: كبيرة القدر، أو ثقيلة على النفس، بالإضافة إلى غيرها من العبادات وزائدة عليها، فإنها لا تصح إلا ببذل مال ما جار مجرى الزكاة فيما يستر به العورة، ويطهر به البدن، وإمتساك في مكان مخصوص يجري مجرى الاعتكاف، وتوجه إلى الكعبة يجري مجرى الحج، وذكر لله ولرسوله يجري مجرى إظهار الشاهدتين للإيمان، ومجاهدة في مدافعة الشيطان سارية مجرى الجهاد، ومساندة عن الأطيبين جار مجرى العموم، وفيها ما ليس في العبادات الآخر من وجوب القراءة، وإظهار الخشوع، والركوع والسجود، وغير ذلك، ولهذا عظم النبي ﷺ أمرها، فكان آخر ما أوصى به عند وفاته: " الصلاة، وما ملكت إيمانكم "، وجعل بقولها وما يفيض بها لسانه.
قوله :
﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ ...
الآية (٤٦) سورة البقرة.
قد تقدم الكلام في الظن، وأنه أعم ألفاظ الشك واليقين، وأنه اسم لما تحصل عن أمارة متى قويت أدت إلى العلم، ومتى ضعفت حداً لم يتجاوز حد الوهم، [وأنه متى قوي استعمل معه أن المشدةة، و " أنْ " المخففة منها]، ومتى ضعفت استعمل معه " أن " المختصة بالمعدومين من الفعل نجو " ظننت أن خرج، وأن يخرج " فالظن إذا كان بالمعنى الأول فمحمود، وإذا كانت بالمعنى الثاني: فمذموم، والآية من المعنى الأول والمعنى الثاني كقوله: ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾، وقوله: ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾، وعنى بلقاء الله " الموت " وبالرجوع إليه " الثواب والعقاب "، وتخصيص ذكر الظن ها هنا إعلام بأنهم في كل حال لا يأمنون الموت، ولو كان بدله العلم، [لم يصح على الوجه] الذي يصح فيه الظن، لأنك تقول: " أظن أني أموت في كل حال، وأما قوله ﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ﴾، فهو نهاية في الذم، ومعناه: ألا تحصل لهم أمارة تنبههم على التفكر في ذلك - تنبيهاً
стр. 180
أن هذا لا محالة مما تبين أمارته للإنسان إذا تأمل، أدني تأمل، وخاطب بالآيات عماء بني إسرائيل الآميرن غيرهم بالبر، الناسين أنفسهم بأن استعينوا في مدافعه هذه الحال بالصبر والتوصل به إلى الصلاة، فبها يصير الإنسان خاشغاً ملتزماً للحق ممن ظهر منه.
وقوله :
﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾
الآية (٤٧) سورة البقرة.
الفضل: كالزيادة، إلا أنه أخص منها، وهو من الأسماء المتضايقة، كالكثير، والقليل، والكبير، والصغير، ويستعمل على اعتبارين: أحدهما: اعتباراً بالطرف الذي هو النقص، وذلك يستعمل على سبيل المدح، والثاني: اعتباراً بالوسط الذي هو العدل والسواء، ويستعمل ذلك على وجهين: أحدهما: الزائد على العدالة على سبيل الاستظهار، وهو السماحة والإسماح ببعض ما لا يجب عليه، أو بترك بعض ما لا يجب له، وذلك هو المعنى بالإحسان: في قوله:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾، وبالزيادة في قوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾، وإياه عنى بقوله: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾، والثاني: الإفراط الجاري في الذم مجرى التفريط، كالإسراف والتبذير المنهي عنه بقوله: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾، وقوله: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾، والمعبر عنه بقول العامة: " الزيادى على الكفاية نقصان "، وأكثر ما يعبر عنه بالفضلة والفضالة فالزيادة على الاعتبار الأول فضيلة، وهو استظهار في العدالة، وعلى الاعتبار الثاني رذيلة، وهو ترك العدالة، والتفضيل: يستعمل على وجهين: إما بمنحة خص المفضل بها نحو قوله: ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾، فإن ذلك أمور خص بها بنو آدم ابتداء، وأما الحكم للمفضل بالفضل الحاصل منه، نحو قوله: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾، فالأول: يجب على العبد به الشكر، إذا هو مدح له، نوليس له به حمد، والثاني: يجب له به حمد، ويستحق به الثواب، وأما العالمون: فقد تقدم الكلام فيه، وأنه تارة يقال لجميع ما أوجده الله تعالى من الفلك، وما يحويه عالم بلفظ الإفراد، وتارة
стр. 181
يقال لكل جنس نوع من الموجودات عالم وتارة يقال لأهل كل زمان عالم وتارة يقال لكل إنسان في نفسه عالم، وذلك يقال على وجهين: أحدهما: إن الإنسان الواحد هم كالعالم في تخصيصه بمثال كل ما هو موجود في العلم والثاني: يقال ذلك للفاضل الكامل من الرجال، وبهذا النظر قال الشاعر:
فواحدهم في الورى عالم.
إن قيل كيف قال: فضلتكم على العالمين وقد قال تعالى لهذه الأمة: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ الجواب: أن التفضيل الذي يكره الله تعالى هو الفضيلة التي خص بها نبو آدم، المعنية بقوله: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ الآية، وبنو إسرائيل وإن كان قد شاركهم غيرهم في هذه النعمة، فإنهم لما نسوا نعم الله تعالى خصوا بالنداء لتذكيرهم، كقولك: " يا فلان نسيت نعمة الله عليك "، وقد تقدم أنه ربما يخص بالمخاطبة لتذكيرهم بعض المعنيين بالحكم، لأنه أرفعهم منزلة، أو لأن العناية ما أعطوا من المن والسلوى وإظلالهم بالغمام، والحجر الذي تفجر منه الأنهار، وغير ذلك: وقيل: إنه جعل كل فرقة أو كل نفس في زمانهم عالماً، وذكر أنه فضلهم على غيرهم ممن في زمانهم، وقيل: إن ذلك بمارشحهم له من الإيمان بالله ورسوله والأعمال الصالحة، فإن من فعل ذلك كان هو المفضل على العالمين، كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾
إن قيل: كيف قال ذلك وهذه النعم كانت على أسلافهم؟ قيل: قد قال بعضهم: لما ذكر الله تعالى ذلك في التوراة على سبيل الخطاب، أعاد اللفظ على الحكاية، وقيل: " النعمة على الإنسان ضربان ": نعمة تصل إليه من المنعم بلا واسطة، ونعمة تصل إليه من المنعم بواسطة، أو بوسائط وذلك كتسخير الله من يزرع لنفسه زرعاً يصل إلينا نفعه على بعض الوجوه، فهذا الزارع منعم علينا، وعلى هذا قيل: إن الله تعالى منعم على كل واحد منا بأكثر ما يتعاطاه الناس من أعمالهم من المهن والصنائع المرفقة لأنفسهم، ونحو هذه الآية قول الله ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ وأعاده قوله:
стр. 182
﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾، فلأن الأول: حث على استيقاء نعمته بالوفاء بعهده، والثاني: لتبينها بتفضيلهم على العالمين.
قوله
﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ ...
الآية (٤٨) سورة البقرة.
الجزاء والمكافأة، والمقابلة متقاربة، لكن الجزاء أعمها، لأن المكافأة: يعتبر فيها المماثلة والمقابلة: يراعى فيها المجازاة، والجزاء لا يراعى فيه شيء من ذلك، ويقال: جزاه " بلا همزة "، يجزيه، أو " أجزاه " بالهمزة، ففي الجزاء معنى العناء، والقبول تناول المقبل، ومنه القابل: المتناول الدلو، وأصل ذلك من قَبل وقُبل.
فقبل يستعمل في المتقدم المنفصل، ويضاده بعد، وقبل: في المتصل، ويضاده: دبر، وقد جعل كناية عن السوءتين، ويقابل القبول الرد.
والشفاعة: جعل الفرد شفعاً يقال: شفعت له، أي صرت شفعاً له بانضمامي إليه، وعبر عمن انصم إلى غيره في طلب ما " شافع "، وعلى ذلك قول الشاعر:
له من عدو مثل ذلك شافع.
ومنه الشفعةُ، وأصلها ضم ملك إلى ملكه، وشفعه به، والعدل: التسوية، يقال: عدلته، وانعدل، وعدلته، فاعتدل، وعدل الشيء مساويه بلا إفراط ولا تفريط، وأكثر ما يقال في المساوي من حيث الحكم نحو قوله :
﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾، والعدل: يقال في المساوي، في الكمية في الوزن والكيل، وقيل الفداء: العدل إذا اعتبر فيه معنى المساواة، وقولهم: " لا يقبل منه صرف ولا عدل ".
стр. 183
وتفسيرهم بأن العدل: الفريضة، والصرف: النافلة، فمن حيث أن العدل هو المساواة، وتعاطيه واجب، والصرف: الزيادة الحاصلة عن التصرف، وتعاطيه تبرع وهما كالعدل والإحسان.
والنصرة أخص من المعونة، فإنها تختص بدفع الشر والظلم، وقيل أرض منصورة: إذا أتاها المطر بعد طول مدة، والقصد بالآية التقوى من يوم لا يكفي أحد أحداً.
وقد أعاد تعالى هذا المعنى في غير موضع، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا﴾
وقوله: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ﴾، وقوله: ﴿وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا﴾، تنبيهاً أن لكل واحد ما يستصحبه من الإيمان والأعمال الصالحة: كما قال: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾،
إن قيل: كيف قال ذلك، وقد أثبتت الشفاعة في غير آية، قيل: هذا رد على اليهود فيما ادعوه حيث قالوا: " نحن أبناء الأنبياء وهم يشفعون لنا وإن ارتكبنا (ما ارتكبنا)، فنبه على أنه ليس لهم شفاعة كما قال: ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾، وقوله: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾، والضمير من قوله ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا﴾ راجع إلى النفس الأولى وقيل أنه راجع إلى الثانية، وفي قوله: ﴿وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا﴾ راجع إلى الثانية لا محالة، وقوله: ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾، أي ليس لهم من ينتصر من الله تعالى بأن يمنعهم من عذابه إشارة إلى قوله ﵎: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤) مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ﴾، وقوله: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي﴾، قيل: معناه: ﴿لَا تَجْزِي﴾ فيه، فحذف، وهو قول الكسائي، وقال البصريون، وصل الفعل إليه.
فنصبه نحو قول الشاعر:
ويوم شهدناه سليماً وعامراً
ثم حذف الهاء كحذفه من " الذي ضربت ".
وحقيقة الخلاف أن ما يقدر الكسائي حذفه بدفعه يقدره البصريون بدفعتين، ولا خلاف أن الأصل كان في ذلك فيه وأنه لا يطرد في كل مكان حذف الجار مع المجرور.
стр. 184
قوله :
﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ الآية (٤٩) سورة البقرة.
أصل النجاء: طلب الخلاص، ويقال لمن عدا نجا، لكون العدو أحد أسباب التخلص، فإن الله تعالى جعل للحيوانات قوتين تزيل بهما الأذى، قوة بها تهرب مما يؤذيها، وقوة بها تدفع ما يؤذيها، فمن الحيوانات ما يختص بأحديهما، ومنها ما جعلتا جميعاً به، فإذاًَ: العدو أحد أسباب الخلاص، فصح أن يعبر عنه به، وقيل: " نجا فلان)، إذا ألقة ثوبه وذلك استعارة له، كما استعير إلقاء الثوب للعدو في نحو قولهم: " القى بزه " وخلع ثوبه، وعلى ذلك قوله:
ألقيت ليلة خُبث الرهط أرواقي
وسميت الربوة " نجوا " اعتباراً بأنه منجي من السيل وكثير من الآفات التي تكون في الوهاد، وكنى عن العذرة الملقاة بالنجو إما اعتباراً بأنه خلاص من الأذى، أو كناية عنه بالنجو، كما كنى عنه بالغائط ولما اعتقد في السر أنه خلاص من الوشاة والعداة سمي بنجوى، وبهذا النظر قال الشاعر:
ونجعل نجوانا نجاة من العدا ...
والآل: قيل هو مقلوب عن الأهل، كالماء عن الموه، ويصغرُ على أهيَلْ، كما أن الماء مصغر على مُويْه، إلا أنه خص بالإضافة إلى أعلام الناطقين دون النكرات ودون الأزمنة والأمكنة، يقال: " آلُ فلان "، ولا يقال: آلُ مكة، وزمان كذا: هو اسم للشخص، ويصغر على " أوائل "، وهو قول الكسائي، ويستعمل فيمن اختص بالإنسان اختصاص ذاته به إما بقرابته قربته، أو بموالاة دينه، أو كالدينية، فقد أجرى الموالاة الدينية مجرى القرابة واللحمة حتى قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾،
стр. 185
وقال: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾، وقال في نوح وابنه: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾، والاختصاص المذكور قال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٣) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ﴾، ولاختصاص الآل بما قلنا، قال تعالى: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ وقال هذا القائل: أهل الدين من النبي ﵇ ضربان: ضرب يتخصص منه بالعلم المتقن والعمل المحكم، فيقال لهم: آل النبي، وضرب يتخصص منه بالعمل على سبيل التقليد دون العلم المتقن، ويقال لهم أمة، فكلُّ آل النبي أمته، وليس كل أمته آلهُ، وقيل لجعفر بن محمد: إن ناساً يقولون: المسلمون كلهم آل النبي، فقال: كذبوا وصدقوا، قيل: فما معنى كذبوا وصدقوا؟ قال: كذبوا: أن الناي على ما هو عليه من التقصير في دينهم هم آل محمد، وصدقوا: أنهم آله إذا قاموا بشريطه شريعته، فمن ضيع الشريطة، فليس منه وإن قرب نسبه، ومن حافظ على شريطته فهو منه وإن بعد نسبه، والسومُ: أصله الذهاب في إبتغاء الشيء، فهو لفظ لمعنى مركب الذهاب والابتغاء فإنه جرى مجرى الذهاب، فقيل: " سام الإبل "، فهي سائمة إذا ذهبت في المرعى، و " سمته كذا "، كقولك نعيته كذا، ومنه السوم في البيع، فعدى تعديته والسوء: يتناول كل ما يسوء الإنسان من آفة وداء، ويقال: السوء والسوى، أي: نحو الحسن والحسنى، وعلى سبيل كراعية ذكر الفرج والنظر إليه، كنى عنه بالسوءة، وكذا كنى عن البرص بها، وسوء العذاب: أي شدة العذاب، والذبح أصله شق الأوداج، وقيل: ذبحت الفارة النافجة على الاستعارة، لما شبه ذلك الوعاء بفارة فسمي بها، والذباحة: كأنه يذبح بشدته وكونه في المذبح، وخصت سنا يكثر في الأدواء، نحو: خراجة تخصيص التذبيح دون الذبح تنبيهاً على كثرة ذلك منهم، والاستحياء: كالاستبقاء، وهو تحري طلب الحياة فيهن، وقيل: معناه: يبتغون ما في أرحام النساء مشتقاًَ من
стр. 186
الحي، أي الفرج، والبلاء أصله من قولهم: بلى الثوب بلى، وبلاءً، وقيل " بلوت فلان " أي أخبرته كأني أخلقته من كثرة اختباري له، ولهذا قيل: " لبست فلاناً "، أي: خبرته، وسمي الغم بلاء من حيث أنه يبلى الجسم، وسمي التكليف بلاء من أوجه، الأول: أن التكاليف كلها مشاق على الأبدان، فصارت من هذا الوجة بلاء، والثاني: أن التكاليف اختبارات، وكذلك قال: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾، قال ﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾، ونحو ذلك، والثالث: أنه لما كان اختبار الله تعالى لعباد تارة بالمسار ليشكروا، وتارة بالمضار ليصبروا، صارت المنحة والمحنة جيمعاً بلاء، فالمحنة: مقتضية للصبر والمنحة: مقتضية للشكر، وكأن القيام بحقوق الصبر أيسر من القيام بحقوق الشكر لما بيناه في كتاب: (شرف التصوف)، فصارت المنحة أعظم البلاء، وبهذا النظر قال أمير المؤمنين علي ﵁ وكره الله وجهه: " من وسع عليه في دنياه، ولم يعلم أنه مكر به، فهو مخذوغٌ عن عقله " والرابع: أنه رب منحة تعقب محنة، ومحنة تقضي إلى منحة، ولهذا قيل: " رب مغبوظ بنعمة هي داؤه، ومرحوم لشدة هي شفاؤه "، فإذا: من النعمة ما هو نقمة " ولكون البلاء متناولاً للأمرين، قال تعالى، ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ﴾، وقال: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾، وقالوا " في الخير والشر معاً: بلاه " فإّذا أفردا قالوا [في الخير: ابلاؤه، وفي الشر بلاه] وقال تعالى: ﴿وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا﴾، وأما قول الشاعر:
جزى الله بالإحسان ما فعلابكم ...
وأبلاهما خير البلاء الذي يبلو
стр. 187
فمعناه: أعطاهما الله خيراً فيما يمنحهما به، وجعل لهما بدل المكروه محبوباً، فقوله: ﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ راجع إلى الأمرين إلى المنحة التي هي الإنجاء من آل فرعون المقتضية للشكر، وإلى المحنة التي هي ذبحهم واستحياؤهم للنساء المقتضية للصبر، وعلى ذلك قوله تعالى: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ فإذا صح ذلك، فقول مجاهد وابن جريح: أنه أراد في إنجائكم منهم نعمة، نظر منها إلى مبدأ الآية، وهو قوله: ﴿أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾، وقول مقاتل: " أراد في قتل الأولاد واستحياء النساء شدة نحو قوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ﴾، نظر منه إلى منتهى الأية، وهو قوله: ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾، وكلا القولين صحيح، وقول السدي عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أراد بقوله: " بلاء " أي نعمة أو نقمة تصريح أن الأمرين مرادان وليس قوله (أو) ههنا شكاً منه كما ظنه بعض المفسرين، وقال إن ذلك شك من السدي، بل ذلك رواية عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - تنبيهاً منه أن النعمة والنقمة في هذه الجملة حاصلتان، وكل واحد منهما موجود فيها، وفي الآية تذكير لهم بما أولاهم من النعم في إنقاذهم من آل فرعون [وما كانوا يسومونهم من العذاب، وكان الأصل فيما روي لآن فرعون] رأى في المنام، أو قال له الكهنة: سيولد في هذا العام مولود يذهب بملكك، فجعل على كل عشر من النساء رجلاً، فقال: انظروا إلى كل امرأة ولدت، فإن كان ذكراً، فاقتلوه، وإن كان أنثى فأبقوه، وكان ذلك أعظم للرزية كما قال الشعر:
ومن أعظم الرزء فيما أرى ...
بقاء البنات وموت البنينا
وقيل كان ذبحهم للأبناء استخدامهم في الأعمال القذرة الجارية مجرى أعظم الذبحين القتل، والإهانة، قال: وعلى ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ﴾، وفيها حث لنا على تذكر نعمه ومراعاتها واحدة واحدة، وتجديد الشكر لكل منها ...
стр. 188
قوله :
﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ الآية: (٥٠) سورة البقرة.
الفرقُ، والفلقُ، لكن الفلق لا يكون إلا بين جسمين، والفرق: قد يكون في الأجسام والمعاني، وفي هذه القصة قد جاء اللفظان، قال تعالى: ﴿فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ أي كل قطعة من الماء، والفرقان: كل كتاب يفرق بين الأحكام، وسمي عمر - رضي الله تعالى عنه - فاروقاً لأجل أن النبي ﷺ قضي ليهودي على منافق، فأتى عمر وقال " إن محمداً قضى بيني وبين هذا، ولست أرضي قضاءه فاقض بيننا "، فقال: أو رضيت قضائي؟ قال: نعم، فدخل داره، وأخرج السيف وحز رأسه، فنزل جبرائيل ﵇ وقال: (إن عمر قد سمي في السماء فاروقاً).
والبحر: استعير للسعة، فقيل: بحرت مذا أي: " وسعته كسعته "، وقيل بحرت الناقة: أي: شققت أذنها شقاً واسعاً، والباحر: الأحمق الموسع عليه من جهة رفع العقل عنه، وكأنه اعتبر في تسميته بلذك مقابلة العاقل، فقد جعل أسماء العقل كلها معتبراً فيه الضيق، والشدة، والفرق، والرسوب في المآثم شبه به غيره حتى قيل: غرق فلان في النعمة، وغرقه من اللبن أي مليء قدح، وأغرق في الشيء إذا تناهي والنظر نظران، نظر بصر، وبه يدرك المحسوسات ونظر بصيرة، وبه يدرك المعقولات، ونظر البصر كالخادم لنظر البصيرة فإن كان كلاهما سبيلاً إلى المعرفة، والنظير أصله للمناظر، كأنه ينظر كل واحد من الناظرين إلى صاحبه في المشاكله، وناظرته: باريته في النظر، وأنظرته: تركته ينظر فيطلب، ومعنى الآية ما ذكره في قوله ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى﴾ الآية، وفي قوله: فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا﴾، وفي قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ﴾، وقوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ لما كان النظر متردداً بين المحسوس الذي منه
стр. 189
الإبصار، والنظر المعقول الذي منه البصيرة، نظر كل واحد من المفسرين نظراً ما، فقال: من نظر نظر محسوس معناه (وأنتم تشاهدونه)، فقد روي أنه أفرد لكل سبط طريق من الماء وجعل الحاجز الذي بينه وبين الآخذ مشفاً كالزجاج ينظرون منها إلى الآخرين، وقال بعضهم: قذف الماء بجثث آل فرعون بعد إغراقهم إلى الشط، فكان الناس ينظرون إليهم، وعلى ذلك حمل قوله: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾، وقال: " من نظر نظر معقول " معناه: وأنتم تعتبرون بذلك، [وقيل معناه: " وأنتم متمكنون من النظر، أي الاعتبار بذلك]، وقال بعضهم: في الآية مع إرادة هذا المعنى، أو النعمة المحسوسة التي أولاهم، إشارة إلى معنى آخر، وإلى نعمة معقولة أعطاهم، فإنه أشار بالبحر إلى الشبه التي تعتري وتفرقه إلى إزالتها، وبإغراق آل فرعون إلى إبطال الكفر، وبالنظر إلى المعرفة والتمكن منها بما أولاهم من البصرية والتمييز، وهذا الذي ذكره هذا [القائل] صحيح أنه تعالى فعله بهم اقتضاه لفظ الآية، أو لم يقتضه ...
стр. 190
قوله :
﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾
الآية (٥١) سورة البقرة.
فرئ: " واعدنا " اعتباراً بالموعود وقبوله من الواعد وعده، فكان من كل واحد منهما وعداً، هذا بالإعطاء، وذلك بالقبول " ووعدنا " هو للاعتبار بالواحد دون الموعد، وعلى الثاني أكثر ما في القرآن نحو: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ﴾ ﴿وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا﴾ ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ﴾ وتقدير أربعين ليلة انقضاؤها كقولك: اليوم أربعون يوماً منذ خرج زيد، أي تمامها، وقيل: إنما وعدهم ذلك في الأربعين، وأن لا يتجاوز هذا القدر، وهو الأصح، وقوله: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ على ذلك، فإنه قيل له: يكون ذلك انقضاء ثلاثين، ثم كان عند الأربعين، فلم يكن في الوعد إخلاف، وإنما كان فيه بعض الإبهام، فلهذا التبس عليهم، وذكر تعالى عظم جهلهم، وأنهم بعدما أعطوا من البينات ورشحوا لما وعدوا، تهافتوا على عبادة عجل اتخذوه وقوله: وأنتم ظالمون: عنى به الظلم المطلق وهو الكفر، وقد تقدم الكلام في أنواع الظلم وأنها بالقول المحمل ثلاث أعظمها الكفر، وفي الآية حث على معرفة ما وعدنا الله تعالى به ومراعاته والمنع من الاشتغال عنه تعالى بشيء بغيره، وعلى هذا الوجه قال بعض الناس: كل ما شغلك عن الله فهو عجل متخذ وطاغوت متع وشيطان مطاع ومبدأ كل ذلك اتباع الهوى، ولذلك قال: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وقال وهذا وإن لم يكن كفراً فهو شرك وبهذا الوجع قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾
стр. 191
وقوله - عزل وجل:
﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ سورة البقرة الآية (٥٢) ...
العفو: القصد لتناول الشيء يقال: عفاه، واعتفاه وعفت الريح الدراري قصدته متناولة منها أثارها ولهذا المعنى قال الشاعر:
أخذ البلى آياتها
وإذ قيل: " عفا فلان عن فلان " كأنه قصد تناول شيء ما منصرفاً عنه والمفعول به مترك لكونه غير مقصود وذلك كقولهم ذهبت عما ارتكبته وتجاوزت عنك: أي تجاوزت إلى شيء ما وعفا النبت والشعر أي قصد تناول الزيادة كقولهم: أخذ النبت في الزيادة وقولهم أعطى عفوا فعفوا مصدر في موضع الحال، أي أعطى وحاله حال العافي في الاهتزاز - إشارة إلى المعنى الذي عد بديعاً للشعراء في نحو قول الشاعر:
كأنك تعطيه الذي أنت سائله
والشكر: مقابلة الصنيعة بإظهار، ومنه: دابة شكور، إذا كانت مظهرة احسان صاحبها إليها، وضره شكري من ذلك والشكر: كناية عن الفرج المزوج، لكونه مقابلاً للمهر مقابلة الشكر للمشكور عليه، والشكر ضرب من العدالة، إذ هو في مقابلة النعمة، وأعم من المكافآت فإن المكافأة يعتبر فيها تارة مماثلة في الكمية وتارة في حال المكافئ والمكافأ والشكر: لا يعتبر فيه ذلك.
وأيضاً فالشكر قد يكون باللسان تارة، وبالمقابلة تارةً وقد تقدم الكلام في (لعل) وأنه وإن كان مقتضياً
стр. 192
للرجاء فليس على الاعتبار به تعالى، فإن الرجاء لمن يخفى عليه العواقب، ولا يتمكن من كل ما يريده، والقصد بالآية " بتبين عفوه عنهم بعد ارتكابهم الجرائم ليتحروا شكره المقتضي لرحمته " تنبيهاً لنا أن نراعي عفوه وإحسانه - راجين بلوغ شكره بالأفعال الحميدة، وقوله: (من بعد ذلك): أي من بعد اتخاذكم العجل، وإنما لم يقل: (ذلكم) لأ، كاف الخطاب إذا اتصل بالمبهمات يصير كوصله لها وجزاءا منها، فتارة يعتبر فيه الأصل فيجمع، وتارة يعتبر فيه كونه وصلة لا خطاباً فيترك على حالته لا يثنى ولا يجمع.
قوله :
﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ الآية (٥٣) - سورة البقرة.
الكتاب والفرقان: اسمان لشيء واحدٍ لكن يقالان باعتبارين مختلفين أما الكتاب، فلجمع الأحكام المتفرقة فيه، وأما الفرقان: فلكونه مفرقاً بين الحق والشبهة وبين الأحكام المختلفة، وأتى باللفظين تنبيهاً على تضمين التوراة للمعنيين وهذا أصح من قول من قال: تقديره: " وإذ آتينا موسى الكتاب ومحمداً الفرقان " فغن التوراة والقرآن كل واحدٍ كتاب من وجهٍ، وفرقان من وجه، وقد قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾ وما قالوه من أن الفرقان أريد به فرق البحر فلا يمتنع إرادته مع ما تقدم، والإيتاء منقول عن: أتيت لكن تعورف في الإعطاء لما كان الإعطاء ضربان من الإيتاء وقد تقدم الكلام في " لعل " وفي الابتداء.
стр. 193
قوله :
﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ الآية: (٥٤) - سورة البقرة.
قد تقدم الكلام في الظلم، فأما ظلم النفس، فقد يقال لكل فعل يباعدها عن توفيق الله تعالى في الدنيا وعن قوابه في الآخرة صغيراً كان أو كبيراً وقوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ وقوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾
فالأظهر أن فعل الفاحشة وعمل السوء للكبيرة، وظلم النفس في الآيتين للصغيرة.
وفي الجملة: فإن ظلم النفس هو الخروج عن الاعتدال صغيراً كان أو كبيراً وقوله: " تبارئكم " فأصل البرء خلوص الشيء عن غيره إما على سبيل التقصي منه، أو على سبيل الإنشاء عنه فعلى التقصي قولهم: برئ فلان من مرضه، والبايع من عيوب مبيعه، وصاحب الدين من دينه، ومنه: استبراء الجارية، فإنه أراد تقصيها من " ما " ومن " عسى " أن قد غشيها من قبل، وعلى سبيل الإنشاء: قولهم: أبرأ الله الخلق وقوله تعالى: ﴿الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ فإشارة إلى أحوال ثلاث، فالخلق: إلى إيجاد البدن، والبرء: إلى إيجاد الروح، وهي النسمة التي عناها أمير المؤمنين بقوله: " والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة "، والتصوير إلى الجمع بينهما وإلى ثلاثتها أشار بقوله: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (٧١) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ الآية وإلى ذلك أشار بقوله: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾ وأما البرية فكثير من الناس ذهبوا إلى أنها منه، فترك همزة، كالذرية والنبي الخابية ومنهم من قال: البرى.
أي التراب، أو من البرى، وإليه ذهب الكسائي قبرا هي اعتباراً بالأرواح، ويرى اعتبراً بالأشباح والقتل معروف وقد يستعمل في معنى
стр. 194
التذليل وإزالة السورة، يقال: قتلت الدابة، أي: ذللتها، وقتلت الخمر: أزلت سورتها بالمزج، قال الشاعر:
إن التي ناولتني فرددتها ....
قتلت قتلت فهاتها لم يقتل
وفلان قتل فلاناً، أي: مثله، فأصله مقاتلة، فتصور منه معنى المماثلة، لكون المقاتلين متماثلين في فعليهما المختص بهما، وإذ قيل: فلان قتل نفسه، فقد يقال: إذا فعل بنفسه فعلاً أزال به الروح، وقد يقال إذ سلم نفسه للقتل، وإن كان أكثر ما يقال في ذلك المستقتل وقد يقال: إذ قيل من يختص به اختصاص نفسه نحو: فلم أقطع بهم إلا بنائي، وقوله: وإذا رميت يصيبني سهمي
وقد يقال: قتل فلان نفسه، إذا ضيع حظها في طلب الآخرة، فأدى به ذلك إلى زوال حياته الأبدية، وذلك مذموم، وقد يقال في ضد ذلك وهو إذا أفنى شهوته وذلك هواه في الدنيا طلباً للآخرة، وذلك محمود، وعلى الاول قال جعفر بن محمد في قوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ أي: اطلبوا لها الحياة الأبدية، وعلى هذا قيل: " قتل النفس إحياءها، وإحياءها قتلها، يعني في حالة وحالة، وروى أن الله تعالى أوحى إلى موسى (أن من أحبني قتلته، فقال يارب: إذا انتهيت في الخلة لم أبال بقتل الدنيا) وقال بعض الحكماء: " من لم يعذب نفسه لم ينعمها ومن لم يقتلها لم يحبها (فاقتلوا أنفسكم) حملوه على أكثر هذه الوجوه، قال بعضهن: أمروا أن يجبا كل واحد نفسه بالسكين، وقيل: أمروا أن يسلم كل أحد للقتل، وقال أكثرهم: " أمروا أن يقتل بعضهم بعضاً فكان الرجل يقتل أباه وأخاه غير متحاش من ذلك قال بعضهم: أمروا أن يزيلوا شهواتهم ويفنوا نفوسهم الشهوية في الوصول إلى رضاء الرب ويبلغوا إلى الحياة الأبدية وقد طعن في هذه الآية بعض الملحدة، وزعم أن قتل
стр. 195
النفس مستقبح في العقل، وهذا الجاهل إنما استقبحه لكونه جاهلاً أن لنفوسنا خالقاً بأمره نستبقيها وبأمره يقيها وأن لها بعد هذه الحياة التي هي لعب ولهو معادا إلى دار فيها حياة سرمدية كما قال: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ وإن قتلها بأمره يوصله إلى حياة خير منها ومن علم أن الإنسان في هذه الدنيا كمجاهد أقيم في ثغر يحرسه ووال على بلد يسوسه، وأنه مهما استرده [يعاد] فلا فرق بين أن يأمره بخروجه بنفسه أو يأمر غيره بإخراجه ومن تصور هذه الجملة علم أن الإنسان إنما أنكر له قتل نفسه في الدنيا لأنه كالراجع عن الثغر إلى حضرة صاحبه قبل استرداده، وإذا أمره أن يقتل نفسه - فقد رجع عنه بأمره وذلك ظاهر لمن تصور حالتي الدنيا والآخرة، وعرف قدر الحياتين والميتتين فيهما وقوله: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ الإشارة به إلى التوبة وقتل النفس ولما كان الشيء قد يكون خيراً عند الاعتبار بالدنيا شراً عند الاعتبار بالآخرة، وقد يكون على عكس ذلك.
بين تعالى بقوله: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾ أن ذلك خير بالاعتبار بالأمور الإلاهية
إن قيل: لم أعاد ذكر " بارئكم "؟
والإتيان بالضمير في مثله أحسن؟ قيل: إنما يحسن الضمير إذا لم يشتبه ولم يقصد بالتكرير تعظيم الأمر، وكان ذلك في جملة واحدة أو ما حكمه حكم الجملة الواحدة، فأما إذا لم يكن كذلك فتكريره أحسن وقد حصل ههنا الأحوال الثلاث فإنه جرى ذكر موسى والعجل فلو قيل عنده: يصح توهم إرادة أحدهما ثم قد علم أن المقصود في مثل هذا الموضع تفخيم الامر ثم قوله: (ذلك خير لكم) جملة أخرى غير الأولى ..
стр. 196
وقول الشاعر:
لا أرى الموت يسبق الموت شيء
وإنما استقبح لأنه قوله: يسبق الموت " مفعول ثان " لقوله: لا أرى الموت فصار المصراع كله جملة واحدة، والكلام في التوبة والثواب قد مضى، وعند قوله: (بارئكم) أي في حكمه وفيما يرتضيه نحو قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ والشيء الذي يرتضيه تعالى تارة ينسب إليه، فيقال: [هو] له وتارة يقال: " هو من عنده " و " هو عنده " وقد بين في قوله: (وإذ واعدنا موسى) ما ارتكبوه من الذنب، وبين في هذه الآية ما قال لهم موسى ﵇ عند ارتكابهم ذلك الذنب، وأن موسى ﵇ مع تعظيم ما ارتكبوه لم يخلهم عن النصح لهم وتصريفهم بين بلاء النعمة والنقمة حسب ما أمره الله تعالى.
قوله :
﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾
الآية (٥٥) - سورة البقرة.
[الرؤية] إدراك المرئي، وذلك على أوجه بحسب اختلاف قوى الإنسان فالأول [الرؤيا]
стр. 197
بالحاسة، وهو إدراك البصر، والثاني بالوهم والتخيل، نحو أرى أن زيداً منطلق، أي أتوهم، وقد يكون ذلك في اليقظة طوراً، وفي المنام طوراً، لكن يجعل اسم ما في المنام رؤيا، والثالث بالتفكير، والرابع بالعقل المشار إليه في قوله: ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ فأما الرؤية الحسية على ما هي [عليه] في الدنيا من المقابلة، وكونها في جهة دون جهة فمنفية عن الباري سبحانه، إذ كان ذلك لا يصح إلا على جسم ذي لون وكيفية ولعدم اللون لا يبصر الهواء مع كونه جسماً ولا يصح أيضاً على الله الرؤية الوهمية إذ كان ذلك تصور هيئة محسوس كما تقدم أو مثل محسوس باطلاً كتوهم إنسان طائر، وأما الفكرية فهي للعلماء في الدنيا وذلك إدراك المعرفة بالفكر [والرؤية] وإياه عنى أمير المؤمنين بقوله: " لم تره العيون بشواهد الأبصار، ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان "، وأما العقلية فإنها تحصل في الآخرة لكل أحد من حيث أنهم يضطرون إلى معرفته تعالى، لكن للمؤمنين حالة زائدة تقصر العبادة عنها، وهي المبشر بها في قوله ﵇:
(ترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر) والمشار إليها بقوله ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾.
ولا يحصل في الدنيا إلا لبعض الأنبياء في بعض الأحوال، وذلك بتصور أفعاله تعالى مجردة عن أفعال المخلوقين بلا شبهة تعتريه ولتعري نفسه من الشهوات والهوى، ولكون ذلك لبعض الأنبياء في حال دون حال، قال ﵇:
" رأيت ربي في بعض طرقات المدينة "، بمعنى وأنا فيها وقال تعالى:
стр. 198
﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ وقوله ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ [أي وكان النبي عندها] وقال: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ وروى ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - " أن محمداً ﷺ رأى ربه مرتين " وهذه الجملة إذا تصورت أسقطت الشبهة التي تعتري من لم يتصور الحقائق فاحتاج إلى رفع الأخبار الصحيحة والآثار الواضحة التي هي كأن عليها من شمس الضحى نوراً ومن فلق الصباح عموداً وليس قوله تعالى إخباراً عن موسى ﵇ في قوله: ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ كما ظنه بعض الناس أن ذلك سأله لأن قومه كلفوه سؤاله أن يدركه محسوساً في الدنيا وكان يعلم أن ذلك محال، فإنه ﵇ منزه عن أن يسئ لإساءة قومه، ويتجاهل اتباعاً لجهلة تباعه، وإنما سأله هو الحالة التي كانت للنبي ﷺ مرتين، وهذه إشارة يمكن مع الاستعانة بما تقدم آنفاً أن يعرف معناه إلى أن ينتهي إليه، فنشرحه شرحاً شافياً - إن شاء الله -، وأما الجهر: فالظهور لحاسة البصر أو حاسة السمع، فمن حاسة البصر، قيل: رأيته جهاراً وتجاهرواً بالأمر، وأجهرت فلاناً وفلان يجهر بالمعاصي، وجهرت البئر أظهرت ماءها ومنه اشتق الجوهر، لكون أكثره ظاهراً للحواس فيمن لم يجعله منقولاً عن الفارسية، ومن حاسة السمع، قيل: جهر فلان بقراءته، وكلام جهير، وهو جهوري الصوت والصاعقة والصاعقة يتقاربان إلا أن الصقع يقال في أصوات الأجسام الأرضية، والصعق فيما يكون من الجو والسماء وقال بعض أهل اللغة: الصاعقة
стр. 199
على ثلاثة أوجه، الموت: لقوله: ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ وقوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ﴾ والثاني: العذاب لقوله: ﴿أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ والثالث نار تسقط من السماء لقوله ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ﴾ وهذا سوء تصور، لأن الصاعقة هي الصوت الشديد على ما تقدم، ثم قد يكون منه الموت تارة والعذاب تارة وتصحبه النار تارة، فإذا الموت، والنار والعذاب من يستفد من لفظ الصاعقة ويجب أن لا يلتبس علينا المعنى الذي وضع له اللفظ بالمعنى الذي يتبعه ويقتضيه، وليس بموضوع له بالقصد الأول، وهذا باب قد [يقع فيه السهو كثيراً على بعض ناقلي اللغة] وقد أحكم في غير هذا الكتاب، وقد بين الله تعالى في هذه الآية جهلهم بالباري وسؤالهم منه ما لا يصح سؤاله - تنبيهاً أن الجهل يرد بالإنسان أن يعتقد في الباري ما لا يصح عليه، ويرغب إليه بما لا يجوز أن يرغب به إليه وقد نبه على ذلك بأية أخرى تسكينا للنبي ﵇ فيما سألوه جهلاً منهم بقوله ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ الآية ..
стр. 200
قوله
﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ الآية (٥٦) - سورة البقرة.
البعث إرسال المبعوث عن المكان الذي فيه، لكن فرق بين تفاسيره بحسب اختلاف المعلق به، فقيل: بعثت البعير [من] مبركه، أي: أثرته، وبعثته في السير، أي: هيجته، وبعث الله الميت: أحياه، وضرب البعث على الجند إذا أمروا بالارتحال، وكل ذلك واحد في الحقيقة، وإنما اختلف لاختلاف صور المبعوثات، والموت حمل على المعروف وحمل أيضا على الأحوال الشاقة الجارية مجرى الموت، وليس يقتضي قوله: ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ﴾ انهم ماتوا، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ لكن الآية تحتمل الأمرين، وحقيقة ما كان إنما يعتمد فيها على السمع المتعري عن الاحتمالات والكلام في ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ قد تقدم، ونبه بالآية على أنه تعالى ينقذ من الشدائد عبده حالاً فحالاً تنبيهاً له من غفلته وإليه أشار بقوله: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ ..
وقوله :
﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ الآية (٥٧) - سورة البقرة:
الظل في الحقيقة عدم الصبح وسمي سواد الليل ظلاً لعدم الصبح فيه والظلة كالصفة، والمظلة آلة يطلب بها الظل، و " أظل فلان علينا حقيقته " ألقى ظله علينا لدنوه منها واستعير الظل للمكان الذي فيه النعمة تصوراً له في اليوم الصائف حتى قيل: فلان في ظل فلان، وقد أشار ابن عباس ﵄ إلى أن [الغمام] ههنا فيض الباري وتوفيقه وإحسانه، فقال: هذا الغمام
стр. 201
الذي يأتي الله فيه المذكور في قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ وهو الذي جاءت فيه الملائكة فيه يوم بدر وهذه إشارة منه عجيبة وأما المن: فمصدر من، أي أنعم وأصله من: مننت أي قطعت والمنة تتصور على وجهين، أحدهما: النعمة المقطوعة عن المنية، وعلى ذلك قول النبي ﷺ " وارغب لك رغبة من المال " أي اقطع، والثاني: السبب الذي يقطع الشكر ويحرمه، وهو المعنى بقوله: ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ وبقولهم: المنة تهدم الصنيعة والسلوى أصله ما يسلى الإنسان، ومنه السلوان والتسلي، وقال مجاهد: المن صمغة، وقال قتادة، وهو مثل الثلج، وقال الربيع: شراب كالعسل، وقال السدي: هو الزنجبيل، وقالوا: السلوى: طائر كالسماني، وأما قول ابن عباس ﵄ المن الذي يسقط من السماء على الشجر فيأكله الناس، والسلوى طائر، فقد قال بعضهم: إن ابن عباس ﵄ أشار بذلك إلى ما يرزق الله بني آدم من النبات واللحوم وسائر الخيرات، ودل على ذلك بهذين المثالين، قال وعلى هذا قول غيره إنما هو مثالات ..
وقوله: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ قد تقدم الكلام في الرزق، وأنه بالنظر الخاصي ليس يتناول الأعراض الدنيوية فقط، بل جميع ما خولنا ومكننا منه من النعم الثلاث النفسية والبدنية والخارجية ولم يرد بالطيب المستطاب بحاستي الذوق والشم، بل المستطاب من كل وجه محسوساً ومعقولاً وعاجلاً وآجلاً، والطيبات من الطعام هي المتناولة بحكم العقل والشرع من حيثما يسوغ تناوله في وقت ما يحتاج إليه [إلى تناوله وبقدر ما يحتاج] غير مسرف فيه ولا مشتغل به عما خلقنا لأجله ومتى تؤول على هذا الوجه يكون طيباً على الإطلاق وإلا فإن طاب من وجه خبث من وجه وعلى ذلك
стр. 202
قوله: ﴿كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ وقوله ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ وإذا عرف هذه الجملة علم أن من قال الطيبات اللذيذات نظر نظر حس، ومن قال الحلال والحرام نظر نظر معقول، وقوله: (وما ظلمونا) لما كان الله ذكر أفعالاً تجري مجرى معاملات بينه وبين العباد كمعاملة العباد بعضهم مع بعض، من نحو الاستقراض في قوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ والابتياع في نحو: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ ووصف نفسه بشكره لهم كشكرهم له ومحبته لهم كمحبتهم له ونصرته لهم كنصرتهم له، وموالاته لهم كموالاتهم له، وذكر مخادعته لهم كمخادعتهم له تعالى الله عن القبائح وسائر ذلك من الأفعال التي تجري بين المتكافئين بين تعالى أنه لا يعتقدن [به] معتقد أني إذا فعلت به فعلاً حسناً مما إذا فعله إنسان بآخر ولم يقابله بمثله كان ظلماً منه له أن يكون قد ظلمني في ذلك، ولكن قد ظلم نفسه وضيع حظه، إذ هو منزه أن يلحق نقيصة، إذ قيل: كيف يعلق قوله: (وما ظلمونا) بما تقدم قيل: معناه: قلنا لهم: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ فخالفوا، وما ظلمونا بمخالفتهم، وفي الآية تحذير لنا من كفران النهم وتلقيها بالبطر، وأن ما تعامله به من إساءة وإحسان فعائد علينا منافعه ومضاره ..
стр. 203
قوله :
﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ الآية (٥٨) - سورة البقرة.
الدخول والولوج والتفحم والتوغل متقاربة، لكن الدخول عام، والولوج الدخول في مضيق والتفحم دخول في شدة، والتوغل في مشتبك شجر، وأوردت الإبل دخالاً إذا تداخلت في الورود وفلان دخيل في القوم، وفيه دخل كناية عن الفساد، ودخول في مغمرة بالكلام، والدخل طائر صغير سمي بذلك لدخوله.
خلال الشجر الملتفة، والحجر الضيقة، والقرية من قريت الشيء جمعت، وقيل أصله قرية، والقرى مجمع الماء، فكل بقعة يجتمع فيها الماء والأبنية قيل قرية، والمقرى للحوض، والقرى للحوضن والمكيلة، و (حطة) فعلة من حططت وقرى نصباً ورفعاً، وبالنصب قيل هو مفعول بها نحو: قلت كلمة طيبة، وقيل هي في موضع سؤال أي: حط عنا ذنوبنا، نحو غفراً لنا، وبالرفع قيل هي حكاية، كأنه قيل: ما نسأله حطة، وقيل معناه هو مغلم تحطون فيه رحالكم، والغفر ستر بحائل ومنه المغفر للبيضة والغفارة لخرقة يغطي بها الرأس ولما تلف على سنة القوس، وغفر المريض " نكس كأنه غطى المرض على عقله أو على صحته، وغفر ذنبه استعارة في الأصل، كقولهم: " ليست عليه ذيلي، والخطايا على ضروب أحدها أن يريد غير ما يحسن إرادته ويفعله فهذا هو الخطأ التام [من كل وجه] المأخوذ به الإنسان والثاني أن يريد ما يجوز فعله، لكن وقع منه خلاف ما أراد فيقال:
стр. 204
أصاب في الإرادة، وأخطأ في الفعل، وهو المعنى بقوله: ﵇: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان)، وقوله: (من اجتهد فأخطأ فله أجر)، والثالث: أن يريد ما لا يحسن فعله ويتفق منه خلافه، فهذا مذموم لقصده وغير محمود على فعله، وجملة الأمر أنه يقال لمن أراد شيئاً فأنفق منه خلافه أنه أخطأ، وإذا وقع منه، كما أراده أنه اصاب الخطأ ويقال لمن - فعل فعلاً لا - حسن أو أراد إرادة لا - حسن أنه أخطأ ولهذا يقال - أصاب فأخطأ الصواب، وأصاب الصواب وأخطأ الخطأ، فإذا هذه اللفظة مشتركة كما ترى، مترددة بين معاني يجب لمن يتحرى الحقائق تأمله، فهي مشكلة جداً، وقال بعض أهل اللغة: يقال خطئ إذا أصاب ما أراده من الخطأ، وأخطأ إذا أراده ولم يصبه، والحسن سقال لما يألفه البصر أو تألفه البصيرة، وأحسن إذا فعل ما استحسنه أحد هذين، وقد تقدم أن الإحسان زائد على العدالة، لأن العادل هو الذ يفعل ما إذا أخل به تلحقه المذمة، والمحسن من زاد على ذلك، ولذلك قيل: " عدل الله كله إحسان " وورد في التفسير أنهم أمروا بدخول بيت المقدس من باب القبة منحنين، وقيل ساجدين، وأن يستغفروا، وذكر بعض المحققين أن الإشارة مع إرادة الظاهر بدخول القرية إلى الدخول تحت حجر الشريعة، وبالأكل إلى تحري ما يبلغهم إلى العيش الرغد.
وبدخول الباب سجداً سلوك الاستقامة على التذلل والتخضع، وبقوله: (حطة) إلى الاستغفار قولاً وفعلاً طلباً الذنوب، وقال بعضهم: الإشارة به إلى التحقق بالعلم الذي أتاهم به موسى ﵇ وتناولهم منه والتمسك به فهو الحلال الحلو الذي يتناول بلا خطر، إذ إن جميع المتناولات في
стр. 205
تناوله مزاحمة البعض بعض ومنع الغير على وجه آلاء العلم، فإنه يمكن لكل واحد أن يتناول كل جزء منه بلا منع منه للآخر، وأمر بسلوك طرقه على ما يجب، وذلك بأن لا يقدم ما يجب أن يؤخر أو يؤخر ما شأنه أن يقدم، وعلى ذلك قوله : ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾، والإشارة بالقرية إلى العلم كإشارة النبي ﵇ بالمدينة إليه حيث قال: " أنا مدينةُ العلم وعليَّ بابها "، وهذان القولان يتقاربان، فإن العلم والعمل يتلازمان، وبهما يتم الإيمان، لكن الأول نظر إلى المنتهى الذي هو العمل، والثاني نظر إلى المبدأ الذي هو العلم، وبحسب هذه الآية قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ ..
قوله :
﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾
الآية (٥٩) - سورة البقرة:
التبديل والتغيير يتقاربان، لكن أكثر ما يقال التبديل في شيء يجعل مكان آخر، والتغيير في حالة للشيء تغير كالماء الحار إذا جعل بارداً، وقيل: الأبدال من الناس هم قوم يجعلهم الله مكان آخرين ممن هم [المعنيون من العالم] الذين بدلوا أحوالهم البهيمية بالأحوال الملكية حسب الطاقة، والرجز: الرجس والنجس يتقاربان معانيها بتقارب ألفاظها نحو: السراط والزراط، والبراق والبساق، وأصل ذلك لما يعافُ ذوقاً أو شماً أو عقلاً أو شرعاً، فالكريهُ بالعقل والشرع يعبر عنه بالخبيث والقذر ونحو ذلك، كما يعبر عن ضده بالطيب والنظيف، وعلى ذلك قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾، وقوله
стр. 206
تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾، فإن بعض ذلك كريه بالطبع، وبعض كريه بالشرع، وسمي العذاب رجزاً في قوله: ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ﴾، ورجساً في قوله: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾، ومن قال: ليس الرجس النتن، فقد زصف الله الخمر بذلك، وهي طيبة الرائحة، وقد وصف الله تعالى [خمراً] في الجنة باللذة، [فإن هذا القائل] بعيد التصور للوهمات فضلاً عن المعقولات، وهذه الجملة إذا تصورت علم أن الكسائي لما قال: الرجس النتن، والرجز العذاب، والزجاج لما قال الرجس قد يجئ للعذاب كله قريب، وإنما اختلافهم لنظرهم إلى مواقع الكلمات لا إلى موضوعها في أنفسها، وكونها مستعارة من المحسوس للمعقول، وأما تبديلهم، فقد قيل إنه قيل لهم: قولوا حطة، فقالوا استهزاء حنطة، وقيل لهم: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ فدخلوا مقعين على أستاهم، والإشارة بلذك في الجملة أنهم غيروا ما شرع لهم ولم يراعوا أمر الله تعالى، فأنزل الله بهم عليهم العذاب، وتخصيص قوله: ﴿رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ هو أن العذاب ضربان، ضرب قد يمكن على بعض دفاعه أو يظن أنه يمكن فيه ذلك، وهو كل عذاب على يد آدمي أو من جهة المخلوقات كالهدم والغرق، وضرب لا يمكن ولا يظن دفاعه بقوة آدمي كالطاعون والصاعقة والموت، والوحي وهو المعني بقوله ﴿رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ﴾
إن قيل: لم قال: ﴿فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ ولم يقل: (فأنزلنا عليهم) مع أنه كان أوجز؟ قيل: قصداً إلى
стр. 207
أن يبين أن إنزال الرجز كان لظلمهم لا للإبدال فقط، فإن الإبدال بعد الظلم، ثم بين بقوله: ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ أن ذلك الظلم الذي تعاطوه كان فسقاً منهم، " والله الموفق " ...
قوله :
﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾
الآية (٦٠) - سورة البقرة.
الاستسقاء طلب السقي أو الإسقاء، فالسقي أن يجعل له ماء يشربه، والإسقاء التعريض للماء، وجعله له ليتناوله منتى أراد، فهو أخص معنى من السقي، والسقي اسم مفعول نحو النقض والنكث، فيقال للماء سقي، وللأرض التي يجعل فيها الماء سقياً، والعصا اصله من الواو، بدلالة قولهم عصوته نحو هروته إذا ضربته بهما، وقيل عصيته بالسيف، وعصى فلان أصله أن يتناول العصا فيضرب بها، ثم كثر فعبر به عن الخارج من الطاعة، فصار العصا اسماً للطاعة حتى قيل: شق فلان العصا، ولما كانت عادة المسافر ملازمة العصا قيل: ألقى فلان عصاه إذا ترك السفر ...
والانفجار والانبجاس، والانصداع والانشقاق يتقارب، لكن الانشقاق عام، والانصداع أكثر ما يقال في الأشياء الصلبة.
والانفجار في الأشياء اللينة، ومنه " فجرة الوادي " للمكان الذي ينبعث منه الماء، واستعير للخروج عن خطر الشريعة لتصور الفاجر بصورة الماء المنفجر من الحوض، واستعير الانفجار والانصداع والانشقاق لظهور الفجر، وقولهم: فَجَرَ أي كَذَبَ، هو استعمال لفظ عام في موضع خاص، فإن الكذب بعض الفجور، إذ قد يكون الفجور قولاً وفعلاً، والانبجاس يقارب الانفجار، إلا أن الانبجاس لا يكون إلا واسعاً، والانفجار يستعمل في الضيق والواسع، فكلُّ انبجاسٍ: انفجار، وليس
стр. 208
كل انفجار انبجاساً، فإذا صح أن قيل ههنا: " انفجرت "، وفي غيرها: " انبجست " لأن العالم يستعمل أبداً مكان الخاص، والمشرب مكان الشرب، وسمي الشعر على الشفة العليا والعروق التي في باطن الخلق شارب لتصورهما بصورة الشاربين، واستعير الشرب والشبع لما يولج في المصبوغ، فقيل: ثوب مشرب ومشبع صبغاً، و " أشربت فلاناً كذا " مكنته في نفسه، وعلى ذلك ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ والعبث والعثي يتقاربان نحو " جذب " و " جبذ "، يقال: عثى عثا، وعثى يعثوا عثوا، وعاث يعيث عيثاً، إلا أن العيث أكثر ما يقال فيما يدرك حساًَ، والعثو فيما يدرك حكماً،
فإن قيل: فما فائدة قوله ﴿مُفْسِدِينَ﴾، والعثو ضرب من الإفساد، وقيل: قد قال بعض النحويين إن ذلك حال مؤكدة، وذكر ألفاظاً مما يشبهه، وقال بعض المحققين، " إن العثو وإن اقتضى الفساد فليس بموضوع له، بل هو كالاعتداء، وقد يوجد في الاعتداء ما ليس بفساد وهو مقابلة المعتدي بفعله، نحو: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾، وهذا الاعتداء ليس بإفساد، بل هو بالإضافة إلى ما قوبل به عدل، فلولا كونه جزاءًَ لكان إفساداً، فبين تعالى أن العثو المنهي عنه هو المقصود به الإفساد مكروه على الإطلاق، ولهذا قال: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾، وقد يكون في صورة العثو، والتعدي ما هو صلاح وعدل على ما تقدم، وهذا ظاهر، والمروي في الخبر أنه كان مع موسى ﵇ حجرٌ إذا نزلوا منزلاً وضعه فضربه بالعصاة فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً لكل سبط عين، وأنكر ذلك بعض الطبيعيين واستبعده، وهذا المنكر مع أنه لم يتصور قدرة الله في
стр. 209
تغيير الطبائع والاستحالات الخارجة عن العادات، فقد ترك النظر على طريقتهم، إذ قد تقرر عندهم أن حجر المعناطيس يجر الحديد، وأن الحجر المنقر للخل ينفره، والحجر الطلاق يحلق الشعر، وذلك كله عندهم من أسرار الطبيعة، وإذا لم يكن مثل ذلك منكراً عندهم، ممتنع أن يخلق الله حجراً يسخره لجذب الماء من تحت الأرض، وقال بعض الناس: " إن في الآية مع هذا المعنى الظاهر إشارة إلى معنى آخر دقيق، وهو أنه أريد بالعصا السياسة، وذلك يكثر في استعمالهم نحو قوله ﵇: " لا ترفع عصاك عن أهلك " و " شق فلان العصا " إذا خرج عن السياسة المشروعة، وأريد بالحجر إسرائيل الذين وصفهم الله تعالى بقوله: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾، وكان موسى ﵇ طلب لهم مداواة تعم جميعهم العالم والجاهل منهم " وعموم المطر للبقاع العامرة والغامرة، فأمره الله تعالى أن يسوسهم سياسة ظاهرة بالعلوم والأعمال التي هي حمل الإسلام والإيمان وهو اثنتا عشرة خصلة التي بينها النبي ﷺ في حديث جبرائيل [﵇] ستة منها الإسلام، وهي: " شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، والصلاة والزكاة، والصيام والحج، وستة منها وهي: " الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره "، وذلك أن هذه الأركان الاثنى عشر يتشارك في أصولها المكلفون وإن
стр. 210
اختلفت فروضهم في أحكامها وفروعها، وقيل أن " استسقاء موسى ﵇ لقومه هو طلب علوم لهم تعمهم وتقلهم من حيث لا يحتاج فيه أحد إلى الاستعانة بالآخر، بل يجري مجرى المطر " العام للغني والفقير، فبين الله تعالى أن ذلك ليس من الحكمة، إذ قد جعل الدنيا على تفاوت بين بينها، ولذلك قال:
﴿قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾، وأمره أن شرع لهم بالسنة الأسباط الأثنى عشر أنهاراً من العلوم يتناول كل فرقة على قدر منزلته واستحقاقه من مشربه، وقيل: إن موسى ﵇ طلب لهم العلوم الموهبية وهي الحكمة الحقيقية التي نبه عليها الخضر حيث قال له موسى ﵇: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾، فبين الله تعالى له أن منزلة (بني إسرائيل) تقصر عن إدراك ذلك، وأمره أن يأخذهم بالعلوم والأعمال الظاهرة، وذلك هو الاعتقادات والعبادات والمعاملات والمزاجر التي قد بنيت عليها الشرائع كلها ولكل واحد من ذلك ثلاثة منازل منزلة الظالم والمقتصد والسابق، وهو العامة والجامة والخاصة، فالعامة تؤخذ منها بالقهر السلطاني، والجامة بالقهر العلمي والخاصة بالقهر اليقيني، فهذه اثنتا عشر خصلة من استكملها بلغ منزلة من وصفهم الله تعالى بقوله: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ ووصف به أصحاب الكهف في قوله تعال: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (١٣) وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾، الآية، وهذه الأقوال محققة في أنفسها وإن لم تكن مقصودة في الآية والله أعلم.
стр. 211
قوله :
﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ الآية: (٦١) - سورة البقرة.
الصبر الحبس على المكروه، وذلك ضربان: أحدهما: حبس الغير، فيتعدى نحو: صبرت الدابة، وصبرت يمينه أي: حلفته بالله حلفة لا خروج لها منها، والثاني: حبس النفس، ولا يتعدى في اللفظ، وهو حبس النفس عما يقتضيه الهوى أو على ما يقتضيه " الهوى " والعقل، ويختلف مواقع الصبر، وربما خولف بين أسمائها بحسب اختلاف مواقعها فإن كان في مصيبة يقال له: صبر لا غير وضده الجزع وإن كان في محاربة سمي شجاعة، وضدها الجبن وإن كان في نائبة مضجرة، سمي " رحب الصدر " وضده " ضيق الصدر " والضجر والتبرم وإن كان في إمساك [النفس فضولات العكس، سمي قناعة وعفة وضدها الحرص والشره وإن كان في امساك] كلام في الضمير سمي كتماناً وضده الذل والإفشاء ثم الصبر ضربان: نفسي وبدني فالبدني: أكثر لأخساء الناس والنفسي: للأشراف ولذلك قال الشاعر:
والصبر بالأرواح يعرف فضله ...
صبر الملوك، وليس بالأجساد
والطعام ما يغتذي به مأكولا كان أو مشروباً، وفي المشروب قالك ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ ورجل طاعم لمن يطعم، ويتجوز به لمن حسن حالة في المطعم، ويقال: قوس مطعمة ويعير مطعم ومطعمنا الباري لبرئته كل ذلك تصور أنها تطعم صاحبها، والواحد يقال على أوجه من حيث الجنس
стр. 212
فيقال: الإنسان والفرس واحد، أي من حيث الحيوانية، وواحد من حيث النوع، يقال زيد وعمرو واحد، أي من حيث الإنسانية واحد من حيث الشخص، وإن كان ذا أجزاء كثيرة، يقال: رجل واحد، وواحد من حيث الشرف، نحو قولهم: واحد دهره، وواحد من حيث العدد، وهو مبدأ العدد بمعنى أنه لو ارتفع ارتفعت الأعداد، [ولو ارتفعت الأعداد] لم يرتفع الواحد بها، فالواحد كيف ما أدرته وأجريته لم يزد فيه شيء ولم ينقص، فإنه يحفظ ذاته، ولذلك قيل: إن الواحدة في العدد أقرب الأشياء إلى معرفة وحدانية الله تعالى
فإن قيل: كيف قال: ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾، وكان لهم المن والسلوى؟ قيل: إن ذلك إشارة إلى مساواته في الأزمنة المختلفة، كقولك فلان يفعل فعلاً واحداً في كل يوم وإن كثرت أفعاله إذا تحرى طريقة واحدة وداوم عليها، والدعاء أعم من النداء، فإن النداء يقال فيمن يكون بعيداً أو في حكم البعيد والدعاء فيه وفي القريب، وقوله: ﴿فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا﴾ ذكر جواب الدعاء، ولم يذكر المطلوب في الأول لكونه معلوما كقولك: قل لفلان يعطني كذا، وتقديره: قل له أعطني يعطني، والنبت والنبات يقال لما ينبت الله ولمصدر نبت، وقد يقال ذلك لذوي الساق من الشجرة، وأنبت الغلام إذا راهق على طريق الاستعارة ولنبات عانته، والبقل مالا ينبت أصله ولا فرعه في الشتاء، وأبقل المكان: صار ذا بقل وتبقلت تناولته وبقل وجهه استعارة، والفوم: الزرع، وقيل: الحنطة خاصة، وقيل: الثوم، والثاء والفاء يبدل أحدهما من الأخرى نحوه جدث، وجدف، ومغافير، ومغاثير، وأدنى أي أوضع، ويعبر عن الوضيع بالدني، والخير يقال على ضربين: أحدهما الخير المطلق وهو الشيء النافع الحسن الملذ وضده الشر المطلق وهو الضار القبيح المؤلم، والثاني: الخير المفيد، وهو ما يحصل فيه أحد الأوصاف الثلاثة، فيصح أن يوصف بالخير مرة والشر مرة على نظرين مختلفين، نحو أن يقال المال خير والمال شر، ولأجل أن الخير المطلق هو ما جمع الأوصاف الثلاثة،
стр. 213
وهي غاية ما يتحرى ويطلب، قيل الخير: هو الذي يطلبه الكل، والشر هو الذي يهرب منه الكل، فإن ما جمع الحسن واللذة والنفع يرغب فيه الكل، وما جمع منه أضداده الثلاثة يهرب منه الكل، والمصر: اسم لكل بلد عظيم مجموع الأقطار والحدود، وهو في الأصل اسم للمصور أي المضموم بالحدود نحو النقص والنكث للمنقوص والمنكوث، وعبر عن الحد بالمصر في قول الشاعر:
وجاعل الشمس مصرا لاخفاء به ....
بين النهار وبين الليل قد فصلا
من حيث إن الحد معتبر فيه، ومصرت الناقة جمعت ضرعها بإصبعين للحلب، ولما كان خروج اللبن على ذلك قيل غير مصور لقليلة اللبن، و " فلان مصور " أي بخيل يعسر إخراج الشيء منه تشبيها بذلك، فمصر ههنا قيل هو البلد المعروف، ولذلك قيل هو في قراءة أبي - رضي الله تعالى عنه - بغير تنوين، وقيل: عنى به مصرا من الأمصار، والذلة تقال على وجهين، على الهون وقريء: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ والمسكنة: الفقر الذي يسكن الإنسان عن التصرف، ومعنى ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ﴾ أي ألزمت وأوجبت - تشبيها بضرب الخيمة على من فيها والإحاطة به، و " باؤا " أي احتملوا، وأصل ذلك من البوأ أي المساوية، فباء فلان بكذا تنبيه أنه تحمل مقدار ما يساوي وقوته، والمباءة: المنزل في المستوى، وذلك إذا لم يكن ذا عد، وبين الله تعالى في هذه الآية أنه لما اختار الله لهم ما يتبلغون به، أبوا إلا الميل إلي القاذورات وما فيه مراعاة القوة
стр. 214
البهيمية، والعناية بتربيتها فقال: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى﴾ أي أخس بما هو خير مطلق، ثم قال: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ وذلك على نحو: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ فكأنه قيل: إن لم ترغبوا فيما اخترته لكم، وفيه خلاصكم، فشأنكم في قصد المكان الذي لا يعدم فيه ما ترمونه، وذكر ثلاثة أحوال كل واحدة كالمعلول للأخرى، فقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ أي حصلت لهم هذه العقوبة التي هي الذلة والمسكنة والغضب من أجل كفرهم بآيات الله وقتلهم النبيين، وحصل لهم الكفر، وقتل النبيين بالعصيان والاعتداء، وذلك أنه كما أن الخيرات صغارها سبب لتحري كبارها، كذلك الشرور صغارها سبب لارتكاب كبارها، فبين أنهم لما عصوا وتعدوا، أدى ذلك بهم إلى الكفر وقتل الأنبياء، وأدى ذلك بهم إلى أن ألزموا الذلة والمسكنة، وغضب الله عليهم، وفيها تنبيه لنا أن من طلب لنفسه غيره ما أثره الله له، فقد خرج من التوكل بل قد تعدى فقد قيل: (ومن لم يهتد بما يختاره الله له، لم يهتد بما يختاره لنفسه)، ولهذا قيل في الدعاء: " اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأكلني كلاية الوليد في المهد ".
قوله- :
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ الآية: (٦٢) - سورة البقرة
الهود: قبل التوبة، لقوله تعالى: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ أي تبنا، ومنه أخذ اليهود وقيل: أصل اليهود ويهدوا منقول عن السريانية، وهو أقرب وهاد فلان إذا تحرى طريقتهم في الدين، والاسم العلم قد يتصور منه [معنى] ما يتعاطاه المسمى به والمنسوب إليه ثم يشتق منه، نحو قولهم تفرعن فلان، إذا تحرى في فعله الجور الذي كان يتعاطاه فرعون، و " تطفل فلان " إذا فعل فعلا
стр. 215
طفيل في كونه وارثاً أو فاعلا في الدعوات، وقالوا: " لاط فلان وتلوط " إذا فعل فعل آل (قوم) لوط، وهذا أبعد من الأول، ولما كان دين اليهود قبل أن ينسخ دين حق قيل لمن تاب " هاد " حتى كثر ذلك، ولما تصور منه الحركة عند القراءة شبه بهم المتحرك طورا والماشي مشيا مخصوصا طورا، فقيل: تهود فلان في مشية " و " هود الرابض الدابة " إذا سيرها برفق وأما النصارى، فقد قيل: هو مما حكي عن المسيح ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ والأقرب ما قال بعضهم إن المسيح كان من قربة يقال لها نصران، فإما أن سموا باسمها، ثم جمعته العرب على نصارى نحو: " سكران " و " سكآرى " أو جعلوا منسوبين إليها ثم جمعت نحو: " مهرى " و " مهارى " و " الصائبون "، قيل: قوم كانوا على دين نوح، وذلك كان من أديان الحق قبل النسخ، وقولهم: " صبأ فلان " إذا اخرج من دينه إلى دين آخر يجوز أن يكون أصله فيمن كان يخرج إلى دينهم ثم صار يستعمل في كل دين كقولهم ألها لكي في أن أصله لحداد مخصوص، ثم صار يستعمل في كل حداد، ويكون أن يكون " صباعربيا " طابق ذلك، و " صباناب البعير " طلع، ومن قرأ: " صابئين " فقد قيل هو من: صبا يصبو، وقيل: أصله " صبا "، فترك همزه، والأجر والجزاء والثواب يتقارب، لكن الأكثر في الجزاء أن يستعمل في المعاملة بين الأكفاء أو فيما يجري مجراه بضرب من التلطف والأجر فيما يعطى الرفيع من دونه والثواب فيما يرجع إلى الإنسان من نفع عن فعله، وقد تقدم أن الإيمان يستعمل على وجهين: أحدهما: الإقرار بالشهادتين الذي يؤمن نفس " الإنسان " وماله عن الإباحة إلا بحق، وذلك بعد استقرار هذا الدين مختص به، كالإسلام، والثاني: تحري اليقين فيما يتعاطاه الإنسان من أمر دينه فقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ عنى به المتدين بدين محمد ﷺ وقوله: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ عنى به المتحري
следующие страницы →