← Тафсир

Тафсир · id 9231

تفسير الراغب الأصفهاني

الراغب الأصفهاني

Полный текст (2 001 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

الماء إلى النبي ﵊، فحكم للزبير. فسخط حاطب، فإنه يجوز أن شأن نزوله هذه الحال، ويجوز

стр. 1507

أن يكون قد نزل فيهما، وبيَّن تعالى أن التوقُّف في إلزام حكمك فيما وقع بينهم من المشاجرة هو مخرج لهم عن الإِيمان، وإنما يكون حصول الإِيمان الحقيقي بعد أن لا يروا ضيق صدر في جميع ما تحكم به، (وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا): أي يسلمون ظواهرهم وبواطنهم، والتسليم منّا هو الإِسلام المأمور به في قوله: (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)،

стр. 1508

وهو المسئول في قوله: (تَوَفَّنِي مُسْلِمًا). قوله : (وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦) نبّه تعالى على عقيدتهم ووهن إيمانهم. وأن المؤمن في الحقيقة من يسلِّم تسليمًا كما تقدّم ذكره. وبين أن هؤلاء لم يؤمنوا، بعد، بحيث لو أوجب عليهم قتل أنفسهم أو الإِخلال بدورهم لكان أكثرهم ممتنعين، ثم أخبر أنهم لو قبلوا الموعظة لكان ذلك خيرًا لهم وأشدّ تثبيتًا، أي أشد لتحصيل عملهم ونفي جهلهم، وقيل: أثبت لأعمالهم واجتناء ثمرة فعالهم، وأن يكونوا بخلاف من قيل فيهم:

стр. 1509

(وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا) ورُوِيَ أن نفرًا من أصحاب النبي ﷺ لما نزلت هذه الآية قالوا: لو أن ربنا تعالى فعل لفعلنا، فالحمد لله الذي عافانا فعرف رسول الله ﷺ أن ذلك منهم حقٌّ فقال: "والذي نفس محمد بيده للإيمان أثبت في قلوب المؤمنين من الجبال الرواسي "، ورُوِيَ أنه أشار إلى عبد الله بن رواحة، وقال: "إنه من القليل ". ورُوِيَ أنه

стр. 1510

قال: "إن ثابت بن قيس من القليل الذي استثنى الله تعالى". قوله : (وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٦٨) بيّن أنهم لو قبلوا الموعظة لجمع لهم بين خير الدنيا والآخرة، وذلك هو المعني بقوله: (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى) والصراط المستقيم الذي وعدهم هو الذي حرضَ على سؤاله في قوله: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ). وإنما قال: (مِنْ لَدُنَّا) لأنه تعالى لا يكاد ينسب إلى نفسه من النعم إلا ما كان أجلَّها قدرًا وأعظمها خطرًا، نحو: وروحنا. قوله : (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩)

стр. 1511

أصل الرفق: التفكُّر في الأمر والتثبُّت، ويضاده الخرق. وقيل ذلك للمعاونة، ومنه الِمرفق والمَرفق، والرفقة للجماعة المعاونة في السفر، والرفيق كالصديق، ويقالان للواحد والجمع. والفرق بين الرسول والنبيّ أن الرسول أخصّ. فكل رسول نبي وليس كل نبيّ رسولاً. فإنّ الرسول يختص بمن جعله واسطة بينه وبين عباده لتبيين أحكامٍ بوحيٍ مسموع عن مَلَكٍ. والنبيّ قد يقال لمن يجدد علىْ الناس شريعة من تقدمّه وإن كان يوحى إليه بإلهام أو منام. وأخصّ من الرسول أولو العزم من الرسل. وقد تقدّم ذكر ذلك،

стр. 1512

وقد قسّم الله تعالى المؤمنين في هذه الآية أربعة أقسام. وجعل لهم أربعة منازل، بعضها دون بعض، وحثّ كافة الناس أن لا يتأخروا عن منزل واحد منهم: الأوّل: هم الأنبياء: الذين تمدهم قوة إلهية. ومثلهم كمن يرى الشيء عيانًا من قريب. ولذلك قال تعالى في صفة نبينا ﵊: (أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى). والثاني: الصديقون: وهم الذين يتاخمون الأنبياء في المعرفة. ومثلهم كمن يرى الشيء عيانًا من بعيد. وإياه عنى أمير المؤمنين حيث قيل: هل رأيت الله؟ فقال: ما كنت لأعبد شيئًا لم أره، ثم قال: لم تره العيون بشواهد العيان. ولكن رأته القلوب بحقائق الإِيمان. والثالث: الشهداء: وهم الذين يعرفون الشيء بالبراهين، ومثلهم كمن يرى الشيء في المرآة من مكان قريب، كحال حارثة، حيث قال: كأني

стр. 1513

أرى عرش ربي. وإياه قصد النبي ﷺ ، حيث قال: "اعبد الله كأنك تراه ". والرابع: الصالحون: وهم الذين يعلمون الشيء بإقناعات وتقليدات للراسخين في العلم، ومثلهم كمن يرى

стр. 1514

الشيء من بعيد في مرآة، وإياه قصد النبي ﷺ بقوله: "اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ". أي كن من الشهداء بما تكتسبه من العلم والعمل الصالح. فإن لم تكن منهم فكن من الصالحين. وتقدير الآية على وجهين: أحدهما: من أطاع الله ورسوله منكم ألحقه الله بالذين يقدمهم ممن أنعم عليهم من الفرق الأربع في المنزلة والثواب. النبي بالنبي والصديق بالصديق، والشّهيد بالشّهيد والصّالح بالصالح،. والثاني: أن قوله: (مِنَ النَّبِيِّينَ) يتعلق بقوله: (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ)، وقوله: (الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ) إشارة إلى الملأ الأعلى، ثم قال: (وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا) ويبين ذلك قول النبي ﵊ في حين الموت: "اللهم ألحقني بالرفيق الأعلى"، وهذا

стр. 1515

ظاهر، وهذه الآية كأنها مردودة إلى ما تقدّم من قوله: (أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ) فلما تمّم القصة بيّن ما لمطيعهم من الثواب بهذه الآية، ورُوِي أن رجلًا من الأنصار جاء إلى النبي ﷺ كئيبًا، فقال: يا رسول الله نحن نغدو عليك ونروح ننظر في وجهك ونجالسك، وغدًا ترفع إلى النبيين فلا نصل إليك. فسكت النبي ﷺ فجاءه جبريل ﵇ بهذه الآية.

стр. 1516

قوله : (ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا). لما كانت نعم الله تعالى ضربين: دنيويًّا ولا يصل إلينا من الله إلا بواسطة، أو وسائط كالمال والجاه وغير ذلك. وأخرويًّا يصل إلينا - لا بواسطة، بين الله تعالى أن ذلك الفضل الذي ذكره بقوله: (أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ) هو من الله علِي الإِطلاق، فنُسبَ إلى نفسه تفخيمًا لأمره، كما قال: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ). وقوله: (فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا) ونحو ذلك، فخبر الابتداء على هذا هو (مِنَ اللَّهِ)، ويجوز أن يكون مبتدأ، و (الْفَضْلُ) خبره، كقولك: ذاك هو الرجل،، وهذا هو المال، تنبيهًا على كماله، فإن الشيء إذا عظم أمره يوصف باسم جنسه، كقوله: (وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ). ويكون قوله: (مِنَ اللَّهِ) في موضع الحال، أو خبر ابتداء مضمر، ثم قال:

стр. 1517

(وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا) تنبيهًا أنه هو أعرف بمقادير الفضل، وقد حكم بأن الفضل المعتد به هو ذاك. قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا (٧١) حذركم: قيل: معناه أسلحتكم، وقيل: معناه احذروا. والثبة للجماعة المنفردة، قال الشاعر: وقد أعْدو على ثبةٍ كرام.

стр. 1518

ومنه ثبت على فلان إذا ذكرت متفرق محاسنه، وتصغر ثُبة على ثُبَيَّة، وتجمع على ثُبات وثُبين، وأما ثُبة الحوض فوسطه الذي يثوب إليه الماء. وأصل النفر: الانزعاج، وذلك على ضربين: انزعاج عن الشيء، وانزعاج إليه، وعلى ذلك الفزع: فزع عن الشيء، وفزع إليه. قال: إذا فزعوا طاروا إلى مستغيثهم. والنفر: للجماعة الذين ينفرون إلى حرب، والمنافرة في

стр. 1519

الحكم أصله أن يتحاكم اثنان - أيهما أفضل نفرًا. قال ابن عباس: هذه الآية نسخها قوله تعالى ة (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ) وإنما عنى بذلك التخصيص والتنبيه أن ليس يلزم النفر جماعتهم، ونحو ذلك قوله: (انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا) الآية، أنها في الحرب وفي الحقيقة فيها وفي المبادرة إلى جميع ثواب الله. وقوله: (خُذُوا حِذْرَكُمْ) نحو (وَاتَّقُوا اللَّهَ). وقوله: (فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ)، (فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ). ونحو قوله: (فَانْفِرُوا)، (سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ).

стр. 1520

وفي قوله: (ثبُاتٍ) أو (جَمِيعًا) تنبيه أنه لا يجب أن يعتبر طالب الحق كثرة مصاحبيه وقلتهمِ، نحو قوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ). قوله تعالى: (وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا (٧٢) وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧٣) البطء والريث والأناة والثبات واللبث تتقارب،، ولكن الثبات يقتضي الزوال، ويقالان متعديين عن بطء تقول يبطئن أي يثبط غيره. وقيل: يكثر هو التثبيط في نفسه. بيّن تعالى أن قوما بعد فيكم ومنكم أي يتأخرون عن الحرب أو يؤخرون غيرهم، فإن أصابكم جهد وبلاء من الدنيا يُسرّون بتأخرهم عنكم، ويريدون أن ذلك نعمة نالتهم، تنبيهًا أنهم لا يعدون النعمة إلا من أعراض الدنيا،

стр. 1521

(وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ) أي غنيمة وظفر يتحسرون على تأخرهم عنكم ويحسدونكم على الفضل الذي أوتيتم. وفي قوله: (كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ) أقوال: الأول: أن يكون حكاية عنهم، أي ليقولن لمن يثبطكم: كأن لم تكن بينكم وبين محمد مودة، حيث لم يستعينوا بكم، ثم يقولون: (يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ) فيكون القول الأول منهم إثارة للشر. والقول الثاني منهم إظهارًا للحسد. والثاني: أن ذلك اعتراض متعلق بالجملة الأولى، وتقديره يقولون: قد أنعم الله على إذ لم أكن معهم شهيدًا، كأن لم تكن بينكم وبينهم مودة، فأخّر ذلك، وذلك مستقبح في العربية،

стр. 1522

فإنه لا يفصل بين بعض الجملة التي دخل في إثباتها، وتقديره: يقول: يا ليتني كنت معهم فأفوزَ فوزَا عظيمَا كأن لم تكن، أي قولهم ذلك قول من ليس بينكم وبينهم مواصلة دينية. وذلك تنبيه على ضعف عقيدتهم، وسوء نيتهم. وقيل في قوله: (قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ) مِنَّة منه على قومه من المنافقين. إذ يثبطهم عن الخروج، وإنه قد ظهر ثمرة نصيحته في قوله: (يَا لَيْتَنِي) إيهام للذين قالوا لهم: إن ذلك كان بإيثار الرسول لمن أخرجهم من دونه، وفي الآيتين تنبيه أن عامة الناس لا يعدّون إلا أعراض الدنيا، فيفرحون بما ينالهم منها، ولا من المحن إلا مصائبها. فيتألمون بما يصيبهم منها، وذلك قوله: (فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ) الآية.

стр. 1523

قوله تعالى: (فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (٧٤) الذين يشرون: أي يبيعون وهو المعني بقوله: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ) وقوله: (الَّذِينَ) هو فاعل (يُقتِل)، والمفعول محدْوف. وقيل قوله: (فَلْيُقَاتِلْ) أمر لمن يُبَطّئ وهم الذين يشرون. ومعناه يشترون، فحثوا على ترك ما حكي عنهم في الآية المتقدمة. وأن يجاهدوا في سبيل الله،

стр. 1524

فإن قيل: لِمَ لَمْ يقتصر على قوله: (وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) بل عقبه بقوله: (فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ)؟ قيل: تنبيهًا أن من تحرّى القتال سواء قَتل أو قُتل، غَلب أوغُلب فقد وقع أجره على الله، وتقدير الكلام: يقتل أو يُقتل أو يغِلب، لئلا يتوهم السامع أن التزام الغلبة والبَراح من المعركة في كل حال سائغ. ألا ترى أنه قد عظم التولي عن القتال بقوله: (فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ) الآية، ومنهم من جعل المقاتلة في سبيله مجاهدة للنفس، نحو ما رُوِيَ عنه ﵊: "جاهدوا أهواءكم ". وجعل سبيل الله هو المذكور في قوله: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ). والأجر العظيم ثواب الآخرة، ووصفه بالعظيم اعتبارا بعرض الدنيا. كما وصف الثمن بالقليل. قوله : (وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا (٧٥)

стр. 1525

قال ابن عباس: القرية الظالم أهلها: مكة. وقال: كنت من الولدان، وإني كنت من المستضعفين فيها. فإن قيل: ما الفرق بين المولى والنصير؟ قيل: المولى هو الذي يتولى حفظ الشيء في كل حال. والنصير هو الذي. ينصره إذا حزبه أمر، فكان الولي هو النصير في كل حال، والنصير هو المولى حال دون حال. ومن هذا الوجه قال بعض المفسرين: أريد بالولي النبي وبالنصير الملائكة، وقال بعضهم: جعل الله وليَّهم النبي ﷺ -

стр. 1526

ونصيرهم التابع الذي ولَّاه عليهم، ونبه بعطف المستضعفين على أن الحماية عليهم هو المقاتلة في سبيل الله، وأنّ نصرتهم نصرته تعالى، وعطف قوله: (الْمُسْتَضْعَفِينَ) على الله تعالى تعظيمًا، كما قال تعالى: (وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ)، فعطف (وَالْأَرْحَامَ) على لفظ (اللَّه) تعظيمًا لأمره. قوله تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (٧٦) المقاتل في سبيل الله يتناول المحارب بالسيف والمدافع عن الدين بالقول، والمنازع لهوى النفس ولوساوس الشيطان،

стр. 1527

وقد تقدّم أن الطاغوت عام في كل ما شغل عن الله. والمراد به وبالشيطان واحد، ونبّه أن من قاتل في سبيل الله فهو وليّه. ومن قاتل في سبيل الطاغوت فهو ولي الشيطان. ونبه بقوله (إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا) على ضعف أوليائه، ووصف كيده بالضعف إذ لا بطش له. وإنما سلطانه بيّن باطل، ولضعفه في الحقيقة قال تعالى حاكيا عنه: (وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي) الآية. قال بعض المفسرين: وصف كيد الشيطان بالضعف عند مقاتلة الإِنسان في سبيل الله، فكأنه قيل: إن كيد الشيطان كان ضعيفًا على

стр. 1528

من يقاتل في سبيل الله، وقال بعضهم: وصف كيد الشيطان بالضعف لضعف نصرة أوليائه بالإضافة إلى نصرة الله المؤمنين. وقال بعضهم: الذين يقاتلون في سبيل الطاغوت هم الذين ينكرون ما تدعو إليه الحُجَج. قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧٧) رُوِيَ أن قومًا استأذنوا النبي ﷺ في قتال المشركين قبل أن فرض عليهم القتال، فلم ياذن الرسول ﵊، فلما فرض ذلك عليهم وهم بالمدينة صعُب على قوم منهم ذلك،

стр. 1529

فقالوا: (لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ) أي: هلَّا؟ وهذا يجوز أن يكون قد تفوَّهوا به، ويجوز أنهم اعتقدوه: وقالوه في أنفسهم، فحكى الله تعالى عنهم تنبيهًا أنهم لما استصعبوا ذلك دلّ على استصعابهم أنهم غير واثقين بأحوالهم ولا مقدمين لما يعتقدونه من حسن أعمالهم، ومن نحو هذا التمنِّي حذّر في قوله: (وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ). قال الحسن: هذا من صفة المؤمنين وما طُبعَ

стр. 1530

عليه البشر من المخافة لا على إظهار العصيان وكراهة الحق. وقال غيره: بل هو من صفة المنافقين، الحُرَّاص على البقاء في الدنيا، وبيّن أنهم يخشون القتل منهم كخشية الموت من الله. وفيه تنبيه على جبنهم، وأنهم يخشون جيشهم الذين هم أمثالهم. وذلك نهاية الخوف، وعلى هذا دلّ الشاعر في ذمّ قومٍ وجبنهم حيث قال: القوم أمثالكم لهم شعرء. . . في الرأس لا يُنشرون إن قتلوا قوله تعالى: (أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (٧٨) مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٧٩)

стр. 1531

البروج: بيوت في قصور، وبها شُبِّه بروج السماء، وسُميت بها. والمُشيَّدة المبنيّة بالشِّيد والمزينة بها، ومن قال المشيدة المطولة فنظر منه إلى صفتها لا إلى حقيقة لفظها. وفقهت كذا أي علمته بالتفكُّر، ومنه سمّي الفقه. وقد حمل البروج في الآية على

стр. 1532

القصور، فيكون معناه كقول الأسود بن يعفر: ولو كنت في غُمران يحرسُ بَابَه. . . أَرَاجيلُ أُحْبوشٌ وَأسْوَدُ ألِفُ إذًا لأتتني حيث كنت منيتي. . . يَخُبُّ به حَادٍ لإِثري قَائف وحمل على بروج السماء، فيكون كقول زهير: ومن هاب أسباب المنية يلقها. . . ولو نال أسباب السماءبسلَّم فعلى هذا وصف البروج بالمشيّدة على طريق التشبيه، ولاعتبار

стр. 1533

ذلك فُسِّرتْ بالمطوّلة، والقصد بذلك إلى نحو ما قيل: والموت ختم في رقاب العباد، وإلى نحو معناه قصد بقوله: (قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ). وقوله: (فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا). أي لا يفهمون ما يوعظون به. وقيل: عنى بالحديث الحادثة من صروف الزمان. والمعنى ما لهم لا يتدبرون ما يحدث حالاً فحالاً من صروف الزمن. كقوله تعالى: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ). وقوله: (وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) الآية. قد طعن في ذلك قوم من الملحدة، وزعموا أن الآيتين متناقضتان. قالوا: ويدل على تناقضهما على وهم مُوردها ونسيانه في الوقت

стр. 1534

ما قد سبق من كلامه، وإلا فأي ذي مسكة من العقل يقول: (كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ)، ثم يقول منكرًا على ما قال ذلك (مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ) فيثبت ما قد نفاه. وينقض ما قد بناه، هذا من طعن الملحدة، فأما أهل الشرع فقد تعلق بالآية الأولى الفرقة التي لقبها المعتزلة بالجبر. فقالوا: إن قوله: (كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) عام يدل على أن الأفعال الظاهرة من العباد هي من الله، وتأولوا قوله تعالى: (وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ) يقتضي أن لا ينسب فعل السيئة إلى الله تعالى بوجهٍ، وجعلوا الحسنة والسيئة في الآية الأولى بمعنى

стр. 1535

الخصْب والجدب والفقر والغنى، فأما طعْن الملاحدة فظاهر الوهن، وذلك أن الحسنة والسيئة من الألفاظ المشتركة:

стр. 1536

كالحيوان الذي يقع على الإِنسان والفرس والحمار، أو من الأسماء المختلفة كالعين، ولو أن قائلًا قال: الحيوان متكلم. والحيوان غير متكلم، وأراد بالأول الإِنسان، وبالثاني الفرس والحمار - لم يكن مناقضًا، وكذا إذا قيل: العين في الوجه. والعين ليست في الوجه، وأراد بالأولى الجارحة، وبالثانية عين الميزان أو السحاب، فكذلك الآية إذا أريد بالحسنة والسيئة في الآية الثانية غير الذي أريد بهما في الآية الأولى، وفي هذا قناعة لإِبطال هزيل هذا المعترض، ثم إذا تُؤمِّل مورد الكلام. وسبب نزول الآية بأن ألا تعلّق لأحد الفريقين بالآية على وجه يثلج صدرًا أو يزيل شكًّا، وسبب نزول ذلك أن قومًا أسلموا ذريعة إلى غنى ينالونه، وخصب يجدونه، وظفر يحصِّلونه، فكان إذا ناب أحدهم نائبة أو فاته محبوب، أو ناله مكروه أضاف سَيئُه إلى النبي ﵊ متطيرًا به، فقال تعالى: (تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ) أي خصب وسعة (يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ)

стр. 1537

أي جدب وفقر، لقالوا بك ونسبوها إليك. الحسنةِ والسيئة هاهنا هما المذكورتان في قوله: (وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ)، وفي قوله: (ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ). ونحو هذه الآية قوله في قصة موسى ﵊: (فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ)،

стр. 1538

وفي قوله في صالح: (قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ). إن قيل: ما الفرق بين قولك: هذا من عند الله، وهذا من الله. حتى قال في الأول: (قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ). وقال في الثاني: (فَمِنَ اللَّهِ)؟ قيل: قد قال بعضهم: إن قوله هذا من عند الله أعم. فإنه قد يقال: فيما كان برضاه وبسخطه وفيما يحصل. وقد أمر به ونهى عنه، ولا يقال: هو من الله إلا ما كان برضاه وبأمره، وبهذا النظر قال عمر: إن أصبت فمن الله، وإن أخطأت فمن الشيطان، ثم ذكر تعالى ما يصيب الإِنسان من ثواب وعقاب ومحابّ ومكاره، مما في سببه صنع بشر، فقال: (مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ). وعنى بالنفس المذكورة هاهنا المذكورة في قوله: (إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ). ومقتضى الآية كقوله: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ (٨٩) وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ).

стр. 1539

وكقوله: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ)، وعلى هذا فسَّر ابن عباس فقال: (مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ): يوم بدر (فَمِنَ اللَّهِ)، (وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ): يوم حنين (فَمِنْ نَفْسِكَ). إن قيل: كيف سمَّى العقاب سيئة، ومعلوم أنه في الحقيقة ليس بسيئة؟ قيل: إن ذلك كقوله: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا) وقد تقدم مثل ذلك. إن قيل: إذا كان معنى الآية الثانية على

стр. 1540

ما ذكرت في أنه أريد به الثواب والعقاب فهلّا قال: ما أصابك من حسنة وسيئة فمن نفسك، إذا كان مقتضى ثوابه وعقابه فعل العبد؟ قيل: إنما نسب الله تعالى الحسنة إلى نفسه في الثواب. تنبيهًا أنه سبب الخيرات، ولولاه لما حصل بوجه، فإنه يكسبه للعبد بإرادة من الله وأمر وحثّ وتوفيقٍ، وأما السيئة وإن كانت بإرادة من الله عند قوم فليست بأمر منه ولا حث ولا توفيق، ومع ذلك أدّب بذكر ذلك عباده، ليراعوا فيما ينالهم نعمته عليهم. وينسبوا الحسنات إليه، ويعلموا أنه سبب كل خيرات، وأنه لولاه لما حصل منها شيء، وعلى هذا قوله ﵊: "ما أحد يدخل الجنة إلا برحمة الله ". قيل: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: "ولا أنا". وقال أمير المؤمنين ﵇: "لا تخش إلا ذنبك، ولا ترج إلا ربّك "، إن قيل: ما الفرق بين الحسن

стр. 1541

والحسنة والحسنى، والسيئ والسيئة والسوءى؟ قيل: الحسن والحسنة يقالان في الأعيان والأحداث. ولكن الحسنة إذا استعملت اسمًا فمتعارف في الأحداث دون الأعيان. والحسنى لا تقال إلا في الأحداث، ومتى قيل: رجل سيِّئ فإنما يعني به المسيء. إن قيل: كيف قوبل الحسنة بالسيئة، وحقُّها أن تقابل بما يقتضي معنى المسرة كما قال: مساءة ومسّرة، وساءه وسّره، ولا يقال في مقابلة ساء شيء من لفظ حسن؟ قيل: الحسن لفظ عام كما تقدم، والحسنة والحسنى المقابل بهما السيئة والسُّوءى مخصوصان في الأفعال ولما كان كل فعل حسن يسّر صاحبه، وكلّ فعل قبيح يسوء صاحبه، صار القبح والسوء في الأفعال متلازمين فيصح أن يُقال: الحسنة بالسيئة. إن قيل: من المخاطب في قوله: (مَا أَصَابَكَ)؟

стр. 1542

قيل: قال بعضهم: هو خطاب للنبي ﷺ . ومعناه للقوم الذين يبكتهم. وفي هذا النوع من الخطاب ضرب من التعريض، ولأجل قصد التعريض في نحوه. قيل: إياك أعني واسمعي يا جارة. ويدلّ على كونه خطابًا له قوله من بعده: (وَأَرْسَلْنَاكَ). وقيل: هو خطاب لكل إنسان، وذلك نحو قول القائل: أيها الإِنسان وكلكم ذلك الإنسان. وقال ابن بحر: هو خطاب للفريق المذكور في قوله: (إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ) قال: ولما كان لفظ الفريق والحي والجند مفردًا صحَّ أن يخاطب

стр. 1543

ويخبر عنه بلفظ الواحدة تارة وبلفظ الجمع تارة، كلفظ كل ونحوه من الألفاظ، وعلى هذا قول الشاعر: تفرق أهلانا بُثَيْن فمنهم. . . فريق أقام واستقلَّ فريق وكل هذا كلام في مقتضى حكم اللفظ، فأما من حيث المعنى فالناس خاصهم وعامهم مراد بقوله: (مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ) إن قيل: ما وجه قوله: (وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا) بعد ذلك الكلام؟ قيل: لما كان قوله: (وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ) إنذازا لهم، نبه بذلك أنه قد أزاح عللهم به، وأنهم متى عصوا فلا حجة لهم، إشارة إلى قوله: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا). وقوله: (وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا) أي يشهد تعالى ما يفعله

стр. 1544

ويفعلونه، ويشهد يوم القيامة، وكفى به مشاهدًا وشاهدًا. قوله تعالى: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (٨٠) نبّه بذلك على حجة ظاهرة في وجوب طاعة نبيه. وبيانه أنه إذا كان طاعة الله واجبة، وطاعته لا تتم إلا بطاعته. لأن عامة أوامره لا سبيل إلى الوقوف عليها إلا من جهته. وما لا يتم الواجب إلا به فواجب كوجوبه، اقتضى ذلك أن من أطاع رسول الله فقد أطاعه، فنبّه بذلك على مقابله. وهو أن من عصى رسوله فقد عصى الله، وكالأمر بطاعة الله ورسوله الأمر بالإِيمان بهما في نحو قوله:

стр. 1545

(يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ)، فكذلك الأمر باستجابته في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ). ثم قال: (فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا) حثَّا على إبلاع ما ندب إليه من المأمور به في قوله: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ) وتنبيهًا أن ليس يعود عليك مضرة ما يفعلونه في أنفسهم. المدلول عليه بقوله: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى). وقوله: (إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ). قوله : (وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٨١) المعني بقوله: (وَيَقُولُونَ)
следующие страницы →