والحسنة والحسنى، والسيئ والسيئة والسوءى؟
قيل: الحسن والحسنة يقالان في الأعيان والأحداث.
ولكن الحسنة إذا استعملت اسمًا فمتعارف في الأحداث دون الأعيان.
والحسنى لا تقال إلا في الأحداث، ومتى قيل: رجل سيِّئ
فإنما يعني به المسيء.
إن قيل: كيف قوبل الحسنة بالسيئة، وحقُّها أن تقابل بما يقتضي
معنى المسرة كما قال: مساءة ومسّرة، وساءه وسّره، ولا يقال في مقابلة ساء شيء من لفظ حسن؟
قيل: الحسن لفظ عام كما تقدم، والحسنة والحسنى المقابل بهما السيئة والسُّوءى مخصوصان في الأفعال ولما كان كل
فعل حسن يسّر صاحبه، وكلّ فعل قبيح يسوء صاحبه، صار
القبح والسوء في الأفعال متلازمين فيصح أن يُقال: الحسنة بالسيئة.
إن قيل: من المخاطب في قوله: (مَا أَصَابَكَ)؟
стр. 1542
قيل: قال بعضهم: هو خطاب للنبي ﷺ .
ومعناه للقوم الذين يبكتهم.
وفي هذا النوع من الخطاب ضرب من التعريض، ولأجل قصد
التعريض في نحوه. قيل: إياك أعني واسمعي يا جارة.
ويدلّ على كونه خطابًا له قوله من بعده: (وَأَرْسَلْنَاكَ).
وقيل: هو خطاب لكل إنسان، وذلك نحو قول القائل:
أيها الإِنسان وكلكم ذلك الإنسان.
وقال ابن بحر: هو خطاب للفريق المذكور في قوله:
(إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ)
قال: ولما كان لفظ الفريق والحي والجند مفردًا صحَّ أن يخاطب
стр. 1543
ويخبر عنه بلفظ الواحدة تارة وبلفظ الجمع تارة، كلفظ كل ونحوه
من الألفاظ، وعلى هذا قول الشاعر:
تفرق أهلانا بُثَيْن فمنهم. . . فريق أقام واستقلَّ فريق
وكل هذا كلام في مقتضى حكم اللفظ، فأما من حيث المعنى
فالناس خاصهم وعامهم مراد بقوله: (مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ)
إن قيل: ما وجه قوله: (وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا) بعد ذلك الكلام؟
قيل: لما كان قوله: (وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ)
إنذازا لهم، نبه بذلك أنه قد أزاح عللهم به، وأنهم متى عصوا فلا
حجة لهم، إشارة إلى قوله: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا).
وقوله: (وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا) أي يشهد تعالى ما يفعله
стр. 1544
ويفعلونه، ويشهد يوم القيامة، وكفى به مشاهدًا وشاهدًا.
قوله تعالى: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (٨٠)
نبّه بذلك على حجة ظاهرة في وجوب طاعة نبيه.
وبيانه أنه إذا كان طاعة الله واجبة، وطاعته لا تتم إلا بطاعته.
لأن عامة أوامره لا سبيل إلى الوقوف عليها إلا من جهته.
وما لا يتم الواجب إلا به فواجب كوجوبه، اقتضى
ذلك أن من أطاع رسول الله فقد أطاعه، فنبّه بذلك على مقابله.
وهو أن من عصى رسوله فقد عصى الله، وكالأمر بطاعة الله
ورسوله الأمر بالإِيمان بهما في نحو قوله:
стр. 1545
(يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ)، فكذلك الأمر باستجابته في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ).
ثم قال: (فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا) حثَّا على إبلاع ما ندب
إليه من المأمور به في قوله: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ) وتنبيهًا أن ليس يعود عليك مضرة ما يفعلونه في أنفسهم.
المدلول عليه بقوله: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى).
وقوله: (إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ).
قوله : (وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٨١)
المعني بقوله: (وَيَقُولُونَ)
стр. 1546
الذين يخشون الناس، وقد تقدّم أِن ذلك قيل من صفة المنافقين.
وقيل من صفة الناس كافة.
والتبييت: كل فعل أو قول دُبِّر بالليل.
ولأجله قيل: دع الرأي تَبِتْ، قال الشاعر:
أتوني فلم أرض ما بيّتوا. . . وكانوا أتوني بأمر نُكُرْ
وقيل: اشتقاقه من بيت الشعر، أو البيت المبني، وهو الذي
سوى من القول أو الفعل تسوية بيت شَعرٍ أو بيت شِعرٍ.
стр. 1547
ونحو قوله: (بَيَّتَ طَائِفَةٌ) قوله: (إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ).
قال الكلبي: التبييت في لغة طيّ: التبديلُ.
ومعنى الآية أنهم يبذلون من أنفسهم الطاعة قولاً.
فإذا خرجوا من عنده ﵊ دبروا أن
يفعلوا خلاف ما قالوا، (والله يكتب ما يُبتتون)، أي يعلمه
ويحفظه) فيجازيهم به،
стр. 1548
والكتابة هاهنا كالاستنساخ في قوله: (إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)، ونسب ذلك إلى نفسه هنا، وإلى ملائكته في قوله: (بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ)، وفي قوله: (إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ).
وقد تقدَّم أنه تعالى قد ينسب فعل أوليائه إلى نفسه تنبيهًا على ارتضائه، وكونه آمراً نحو قوله: (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ).
وقوله: (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا).
وقوله: (فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ)، ثم أمره بالتوكل عليه، وقد تقدم أن من التوكل ملازمة أوامره والانتهاء عن نواهيه، وأن لا يرْجى ولا يخاف سواه، ونحو
قوله: (وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا)، قوله: (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ).
قوله : (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)
стр. 1549
التدبير: النظر في دُبُر الأمور وتأملها، وقد يقال ذلك في تأمل الشيء بعد حصوله ومعرفة خيره من شره، وصلاحه من فساده، كقولك: تدبرت ما فعل فلان فوجدته سديدًا، وأصل التدبر من الدَّبر، ومنه الدّبور.
والدَّبر: المال الكثير الذي يخلفه الإِنسان ويجعله عدة: إما لنفسه
في مستأنف عمره، أو لعقبه.
إن قيل: كيف قال: (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا)، وما من كلام لعل فيه من الاختلاف ما في القرآن، فما من آية إلا وقد اختلف فيها الناس؟
قيل: لم يعن بالاختلاف ما يرجع إلى أحوال المختلفين، لاختلاف تصورهم لمعناه، أو اختلاف نظرتهم، ولا الاختلاف الذي يرجع إلى تباين الألفاظ والمعنى والإِيجاز والبسط، وإنما قصد إلى معنى التناقض، وهو إثبات ما نفى أو نفي ما أثبت، نحو أن يقال: زيد خارج، زيد ليس بخارج.
والمخبر عنه والخبر والزمان والمكان فيهما واحد.
стр. 1550
ادعت الملحدة - لعنهم الله - فيه التناقض، من نحو قوله: (لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ)، وقوله: (فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ).
فذلك خبران قد اختلفا، إما في الزمان أو في المكان أو في
المخبر عنه، أو في الخبر، وهذا ظاهر.
وقيل: معنى قوله: (لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا)
أنّ للإِنسان هاديين: الشرع والعقل.
كالأصل للشرع، فبيّن تعالى أن الذي أتاكم به من
الشرع لو كان من عند غير الله لكان مقتضى العقل يخالفه، فلمّا
لم يوجد بينه وبين العقل منافاة عُلم أنه من عند الله،
стр. 1551
فإن قيل: فقد ورد في الشرع أشياء يقتضي العقل خلافها؟
قيل: كلا، فإن جميع ما ورد به الشرع لا ينفك من وجهين.
إما شيء يحكم به العقل لكونه حسنًا، مثل استعمال إله في الجملة.
وعبادة الرّب، أو يكون غير مهتد إلى معرفته لا أنه يستقبحه، فيُبين
- الشرع حسنه، وذلك كأعداد الصلوات وهيئاتها وأركانها، في
كونها عبادة على وجه دون وجه، وإما أن يأتي الشرع بشيء قد
قضى العقل بكونه قبيحًا فليس ذلك بموجود، وبعض الناس
تصور أشياء ينفر الطبع منها لعادات جارية، أو اعتقادات فاسدة.
ولم يفرِّقوا بينه وبين حكم العقل، فظنوا أن العقل حكم بضد
الشرع، كذبح البهائم.
إن قيل: ما وجه تعلُق هذه الآية بما تقدّم؟
قيل،: لمّا ذكر فيما تقدّم أحوال الذين يتحاكمون إلى الطاغوت، ويتركون
كتاب الله ورسوله، ويقاتلون في سبيل الطاغوت، وذكر الذين
يخشون الناس ومقالهم فيما نالهم من حسنة أو سيئة.
ومخالفتهم في الطاعة، وكان كل ذلك منهم - لقلة تأمّلهم كتاب
الله، وتقديرهم أن ما أمروا به في ثاني الحال من القتال مناقض لما
أمر به قبل، من كفّ اليد وغير ذلك، بما يختلف لاختلاف
الأحوال، نبههم تعالى في هذه الآية أن كل ذلك لقلة تدبرهم،
стр. 1552
وأنهم لو تدبّروا لعلموا أن ذلك حق نزل عليهم من الله، كما
قال: (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ).
قوله تعالى: (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (٨٣) .
الاستنباط: استخراج الشيء من أصله، كاستنباط الماء من
البئر، والجوهر من المعدن، وذلك كالإِثارة في إخراج التراب.
واستعير للحديث، قال الشاعر:
. . . يكفيك أثرى القول واستنباطي
قال الفرّاء: يقال نبطه، قال: ومنه النبط لاستنباطهم
стр. 1553
الأرض عمارتها، والذين يستنبطونه منهم، قيل: هم أولو
الأمر الذين لهم معرفة استنباطه، فيكون ذلك حثا على ترك
من لا يعلم لمن يعلم ليستنبط هو بمعرفته، فإذا عرف عرفهم
ما يجب تعريفه، وقيل: عنى بالذين يستنبطونه الذين يبينونه.
ويكون ذلك نهيًا لهم عن الاستنباط بالتخمين والنظر، وحثًّا
على رده إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم، وقد تقدم الكلام
آنفًا في أولي الأمر منهم، وقيل: سبب ذلك أن قومًا كانوا إذا
стр. 1554
سمعوا من أفعال المؤمنين أو الكافرين ما فيه أمن أو خوف بادروا
إلى إشاعته، قبل أن يتحققوا معناه.
قال الفرّاء في سرايا النبي ﵊: وأنه كان إذا
نفذ سرية بحث المنافقون عنها، فأشاعوا حديثها.
قال الحسن: قد كان يفعل ذلك ضعفاء المسلمين، ويقولون
أقوالاً تخمينًا، فنهوا عن ذلك، والآية تقتضي أن لا يقدم
الإِنسان على ما لا يتحقق جواز الإِقدام عليه، ولا يقول إلا عن
بصيرة، وعلى ذلك قوله تعالى: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ)
الآية، وقوله: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا)، اختلف في قوله: (إِلَّا قَلِيلًا) عمّا استثنى، وذلك لاختلاف تصوُّرهم لمعنى الفضل، فالأول عن الحسن
стр. 1555
وقتادة تقديره:، يستنبطونه منهم إلا قليلًا.
الرابع: لاتبعتم الشيطان إلا قليلًا منكم.
الخامس: لاتبعتم الشيطان إلا اتباعًا قليلًا.
إن قيل: كيف القول الرابع والخامس، وقد علمنا أنه لولا
فضله لاتبع الشيطان، بل ماكانوا يوحدّون، فضلًا عن
أن يضلوا، فإنا لو تصوَّرنا فضله مرتفعًا لارتفع وجود الناس.
بل وجود العالم؟
قيل: إذا جرى الفضل على العموم فهو كما يقول، ومنِ أجله تحاشى من امتنع من أن يكون ذلك استثناء من قوله (لَاتَّبَعْتُمُ) فأما إذا جعلت فضله خاصا في هذا الموضع
стр. 1556
فمعناه صحيح، وبيان ذلك أن فضل الله وإن كان لا تُحصى
تفصيلاته، فالذي به هدانا إلى البلوغ إلى ثوابه فضلان: فضل
العقل وفضل الشرع، وعنى هاهنا بالفضل الشرع دون العقل.
وبيّن أنه لولا ما أنعم به على الناس من رسوله وكتابه لما اهتدى
من خلائقه بالعقل المجرد إلا قليلٌ من الناس، والقليل الذين لم
يكونوا يتّبعون الشيطان لولا فضل الله، هم الحكماء
والأولياء، الذين تتلو منزلتهم منزلة الأنبياء ﵈.
وهذا ظاهر.
قوله : (فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا (٨٤)
стр. 1557
التنكيل: مصدر نكلت به، والنكال العقوبة التي تنكل المعاقب
وغير المعاقب عن إتيان مثله، وأصله من النكل، وهو ضرب من
القيد، ومنه نكل عن الشيء.
إن قيل: كيف قال: (لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ) وقد بعث النبي ﷺ ليكلّف الناس؟
قيل: لم يعنِ التكليف الاستدعاء الذي رشح له، ألا ترى أنه قال (وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ) الآية تقتضي أن على الإنسان أن لا يني في نصرة الحق وإن تفرد، يعد أن لا يني في فعله.
وروي أن أبا بكر ﵁ قال: "لو خالفتني يميني جاهدتها بشمالي" وتلا هذه الآية.
وقال بعض الحكماء: من
стр. 1558
طلب رفيقًا في سلوك طريق الحق فلقِلة يقينه، وسوء معرفته.
فالمحقق للسعادة والعارف بالطريق إليها لا يفرح على رفيق ولا
يبالي بطولِ طريق، فمن خطب الحسناء لم يغلها مهر.
والفاء في قوله: (فَقَاتِلْ) قال الزجاج: هو جواب لقوله: (وَمَن
يُقتل)، ووجه ذلك أنه محمول على المعنى كأنه قال: إن
أردت الفوز بذلك فقاتل، وقال بعضهم: هو متصل بقوله:
(وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ).
وقوله: (عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا)
أي كن راجيا في دفع أذاهم،
стр. 1559
وقول المفسرين: عسى من الله واجب، أي الكريم إذا رُجِي
حقّق، وقوله: (وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا)
تنبيه أنك لا تحتاج أن تقصر عن قتالهم، فالله معك، وهو أشد بأسًا
من عداك، فلا يجب أن يَنكادك من تاخر عنك.
قوله : (مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا (٨٥)
الشفاعة: من الشفع أي ضم الشيء إلى غيره.
وضد قولهم شفعه: أفرده، ولهذا قال الشاعر:
ومن يفرد الإِخوان فيما ينوبهم. . . تصبه الليالي مرة وهو مفرد
стр. 1560
والشفعة متعارفة في ضم ملك بِيعَ إلى ملكك، والشفاعة في
انضمام إنسان إلى آخر فيما يطلبه، والشفاعة المذكورة.
في نحو قوله: (وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ) هي في الآخرة معروفة
وأما في الدنيا فبأن يهدي الإِنسان غيره، فمن هدى غيره إلى
طريق خير فقد شفع له.
وأصل الكِفل الكَفل، فجعل اسمًا لمركبٍ من خِرَقٍ
وكساءٍ يوضع على الكِفْل، وقد يسمَّى ما يُكْسى العضو
باسمه، كقولهم: يد القميص وبدنُه، ورجل السراويل، والساقُ
والساعدُ لما يُلْبِسُ هذين العضوين، ثم استعير الكفل تارة
стр. 1561
إن نبا ركوبه تشبيها بذلك المركب. قال الشاعر:
غير مِيلٍ ولاعواوين في الهَيـ. . . جا ولا عُزَّل ولا أكْفَالِ
ثم سُمي الفاجر في أي أمر كان كفلا، ولما كان ذلك الكفل
يجعل على قدر الكفل تصور فيه المماثلة، فقيل للمثل في العدد كفل.
فإن قيل: فلم فرق بينهما فقال في الحسنة: (نَصِيبٌ)، وفي السيئة (كِفلٌ)؟
قيل: يجوز أنه لما كان النصيب يقال فيما
стр. 1562
يقل ويكثر، والكفل لا يقال إلا في المثل جاء في السيئة بلفظ
الكفل تنبيهًا على معنى المماثلة، وإشارة إلى ما قال: (وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا).
وقد قيل: الكفل المذكور هاهنا أكثر ما يقال في الشيء الرديء، فنبّه بلفظه على ذلك تنبيهًا على قوله: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا).
فإن قيل: فقد قال (يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ)، وليس ذلك بمذموم؟
قيل: إنه عنى بالكفلين هاهنا أي له كفيلان من رحمته يتكفلان به من العذاب،
стр. 1563
فيضَارع اللفظان، والمعنيان مختلفان، ولما حث الله تعالى في الآية
المتقدمة على تكلُّف ما أمر وتحريض المؤمنين، ورجاء الظفر
بالكفار، بين هاهنا أن من أعان غيره في فعل حسن فله نصيب في
ثوابه، وإن أعانه في فعل سيئ فله كفل منه، وذلك عبارة عمّا
بينه النبي ﷺ بقوله:
"من سنَّ سُنَّةً حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها" الخبر.
وقال بعضهم: القصد بذلك أن من يدعو لغيره دعاءً حسنًا
فله فيه نصيب، ومن فعل بخلاف ذلك فكذلك.
قال: والسبب في هذا أن اليهود والمنافقين كانوا إذا دخلوا
على النبي ﷺ يقولون: السام عليكم، يوهمون أنهم يقولون:
стр. 1564
السلام عليكم، فأنزل الله ذلك، واستدل قائل هذا بقوله تعالى
بعد ذلك: (وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا).
وقوله: (وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا)
قال السدي: المقيت: المقتدر، وأنشد الكسائي فيه:
стр. 1565
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وكنت على مساءته مقيتا
وقال ابن عباس: الحفيظ، وقوّاه الرجّاج.
وقال مجاهد: الشهيد، ورُوِيَ عنه: الحسيب،
стр. 1566
وقال الضحاك: الرازق.
وقال غيرهم: المجازي، وحقيقته الذي يجعل للإِنسان قوتًا.
وفي الحديث: "كفى بالمرء إثمًا أن يضيّع من يقوت "
- ويقيت - كأن الله تعالى يجعل لكل إنسان قوتا من
الجزاء بقدر فعله، ويجعل له في الدنيا والآخرة قدر ما يستوجبه.
وما قالوه فصحيح من حيث المقصد، لأن ما قدّره الله
تعالى للعبد فقد حفظه وشهده.
ورُوِيَ أن رجلًا سأل عبد الله بن رواحة عن المقيت؟
فقال: يقيت كل إنسان بقدر علمه.
стр. 1567
كأنه إشارة إلى ما قال ﵊:
"إن الله يحاسب عباده بقدر عقولهم ".
قوله : (وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا (٨٦)
التحية: من قولهم حيَّا الله فلانًا، أي جعل له حياة، وذلك
إخبار، ثم يُجعل دعاء، ثم يقال: وحيَّا فلان فلانًا إذا قال له
ذلك، وحكم به، كما يقال: أضللت فلانًا وأرشدته إذا
حكمت له بذلك، وأصل التحية من الحياة، ثم يقال لكل دعاء
تحية، لكون جميعه غير خارج عن كونه حياة، أو سبب حياة.
إما دنيوية وإما أخروية.
إن قيل: علي أي وجه
стр. 1568
جعل قولهم: السلام تحية الملتقين؟
قيل: السلام والسِّلم واحد، بدلالة قوله: (فَقَالُوْا سَلَامًا قَالَ سِلْم) (١)
ولما كان الملتقيان من الأجانب قد حذر أحدهما الآخر استعملوا هذه
اللفظة تنبيهًا من المخاطب، أي بذلت لك ذلك وطلبته منك.
ونبه المجيب إذا قال: وعليك السلام. على نحو ذلك، ثم صار
ذلك مستعملًا في الأجانب والأقارب والأعادي والأحباب، تنبيهًا
أني أسأل الله ذلك لك، وأكثر المفسرين حملوا الآية على التحية
المجردة، فقالوا معناه: من حيّاكم بتحية فحيوا بأحسن منها أو
ردّوها أي قابلوه بمثلها، قالوا: ورد ذلك أنه متى قال قائل:
السلام عليكم، فإنه يقول: وعليكم السلام، أو يقول:
وعليكم، فهذا هو ردُّه، ويدلّ أنه إذا قال: وعليكم. فقد رد، أن
رجلًا دخل على عمر فقال: السلام عليكم ورحمة الله
وبركاته، فقال عمر: وعليكم، فظن الرجل أنه لم يسمع عمر.
стр. 1569
فأعاد عليه، فأعاد عمر مثل ما قال، فقال الرجل: يا أمير المؤمنين
ألا ترد عليَّ كما أقول؟
قال: أو لم أفعل؟ وأما أحسن منها فأن يقول له أكثر من ذلك ما لم يستوف المسلِّم ألفاظ التحية، وذلك أن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال: السلام عليكم فقال النبي ﷺ :
"عليكم السلام ورحمة الله ".
ثم أتى آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله، فقال ﷺ : "وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ".
فجاء ثالث فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
فقال ﷺ : "وعليكم ".
فقيل له في ذلك، فقال: "إن الأول والثاني أتيا من التحية شيئًا فرددت عليهما بأحسن مما سلَّما، والثالث حيّاني بالتحية كلِّها فرددت عليه مثلها".
ومن المفسرين من قال له: إن من حيّاكم ببعض التحية
стр. 1570
فحيوا بها تامَّة، ومن حياكم بالتحية تامة فردّوا مثلها، ومنهم
من قال: بل خُير كلهم بين الأمرين، وقال قتادة: بأحسن منها
للمسلمين، وبمثلها أهل الكتاب، وهو أن يقال: وعليكم.
وقال ابن عباس: من سلَّم عليك من خلق الله فاردد عليه، وإن
كان مجوسيا.
ومن المفسرين من حمل ذلك على الهدايا واللطف،
стр. 1571
وقال: حقّ من تولى شيئًا أن يولِّي مثله وأحسن منه.
ومنهم من قال: السلام هاهنا السِّلْم، وهو أصله، قال: وهذا أمر منه
أن من بذل لكم السلم من الكفار بأن يروم الدخول في الشرع.
فابذلوا له، كقوله: (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا).
قال: وأمر بأن يرد على باذِلها مثلها أو أكثر منها.
قال: ومثله أن يبذل له الأمان مما خافه، وأكثر منه أن يبين أن له ما لهم، وعليه ما عليهم من النصرة والموالاة، وذلك مما قد بيّنه في قوله: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ).
قال: وذلك هو الذي بسطه من بعد في قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا).
стр. 1572
وقوله: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا) أي يحاسبكم
على كل شيء قلَّ أو كثر، فلا تتغافلوا عن صغيرة وكبيرة.
وقول عطاء: حفيظًا، وقول ابن جبير: شهيدًا فإشارة إلى
هذا المعنى، وقيل: (حَسِيبًا) أي كافيًا، من قولهم:
أحسبني هذا الشيء - أي كفاني - حتى قلت حسبي.
ومن قال ذلك جعله من باب: الداعي السميع. أي المسمع،
стр. 1573
وفيه (عَطَاءً حِسَابًا) أي كافيًا، والمعنى أن الله يعطي كل
شيء من المعرفة والحفظ والرزق ما يكفيه إذ هو حافظه.
قوله تعالى: (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (٨٧)
سمّى يوم القيامة لقوله: (يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ).
وقوله: (يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا).
إن قيل: ما وجه هذه بعد تلك الآية؟
قيل: لمّا أمر المسلمين أن يقبلوا من بذل لهم السلام.
بيّن لهم بهذه الآية أن ذلك حكم للظاهر.
فأما السرائر فإن الله يتولاها يوم القيامة.
تنبيهًا أن الله لا يحب المنافق أن يغتر بهذا.
بل يتحقق أن الله له بالمرصاد.
إن قيل: كيف قاله: (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا)
стр. 1574
وما كان صدقًا من الحديث لا يتضارب، فيكون من بعض
قائليه أكثر صدقا من قائل آخر؟
قيل: إن الصدق من صفة القائل لا من القول.
والقائلون إذا اعتبروا بأقوالهم فمنهم من يكون
صدقه في أحاديثه أكثر، فكأنه قيل إذا اعتبر الصادقون في أقوالهم
فليس فيهم أكثر صدقًا من الله، فإنه لا يقع في خبره كذب بوجه.
قوله : (فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (٨٨)
الرَّكسُ والنَّكْسُ: الرَّذلُ، والركس أبلغ، لأن النكس ما جعل
أسفله أعلاه، والركس أصله ما جعل رجيعا بعد أن كان
стр. 1575
طعاما فهو كالرجس، وقد وصف أعمالهم به، كما قال تعالى:
(إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ).
ويقال: ركسه وأركسه، وأركس أبلغ، كما أنَّ أسقاه أبلغ من قولهم سقاه.
إن قيل: كيف قال: (فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا) فنفى نفيًا مطلقًا، وقد أثبت للكفار سبيلا؟ فقال: (يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ).
وقال: (وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا)؟
قيل: اسم الجنس إذا أطلق فليس يتناول إلا الصحيح.
ولهذا يقال: لا صلاة إلا بكذا.
وقالوا: فلان ليس برجل. لما كان أخلاق الرجل تتناول للكامل.
فلذلك لا يعد قائل ذلك كاذبًا.
واختلُف في سبب نزول هذه الآية على
стр. 1576
أوجه: الأول: قال زيد: هي في الذين تخلَّفوا يوم أحد.
وقالوا: (لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ).
الثاني: قال الحسن ومجاهد: هي في قوم قدموا المدينة وأظهروا الإِسلام.
ثم رجعوا إلى مكة فأظهروا الشرك.
الثالث: قال ابن عباس وقتادة: في
стр. 1577
قوم أسلموا بمكة، ثم أعانوا المشركين على المسلمين.
الرابع، قال السدي: في قوم بالمدينة أرادوا الخروج منها.
الخامس: قال ابن زيد: في قوم من أهل الإِفك، وما بعده نزل أنه
في شأن الهجرة، وجملة الأمر أن الناس كانوا اختلفوا في فئة
من المنافقين فئتين، أمَّنهم بعضهم ووالاهم بعضهم، فقال
تعالى: ما لكم قد صرتم فئتين مختلفتين فيهم، وقد خذلهم
الله، فبيّن أن لا سبيل لهم بعد أن أضلهم الله، كقوله
تعالى: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ).
وقوله: (أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ)،
стр. 1578
قال الحسن: معناه: أتريدون أن تجعلوا لأهل الضلال ما جعله الله
لأهل الهدى.
وقيل: أتريدودن أن تسموهم مهتدين، وقد سمّاهم الله ضالين.
وقيل: أتريدون أن تهدوهم كرهًا وقد جعلهم الله بما اكتسبوه حالاً فحالاً ضالين، وذلك إشارة إلى نحو قوله: (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ).
وقوله: (بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ)، وقوله: (وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ)
فقد تقدّم أن الله تعالى لما أجرى العادة أن من
تحرى الخير حالاً فحالاً ازداد هداية بسبب ذلك نفسه، إذ كان
فاعل أسباب الشيء قد يقال إنه فاعل للشيء، فإنه هو
أولى بأن يُسمّى فاعلًا، وقد تقدّم الكلام في الهداية والضلال
بما فيه الكفاية.
وانتصاب قوله: (فِئَتَيْنِ) على
стр. 1579
الحال عند البصريين، وعلى تقدير (كانوا) عند الكوفيين.
وعلى هذا القولين قولهم: مالك خارجًا؟.
قوله تعالى: (وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٨٩)
الهجرة: ترك الشيء والإعراض عنه مكانًا أو خليطًا، وسُمِّي
القبيح من الكلام هُجْرًا لكونه مقتضيًا لهجره، والرفث
هَاجِرَةً لكونه حاملًا على أن يهجره، وسُمّي المهاجر لتركه
وطنه، وصار اسم مدح في الإِسلام، وسُمّي من رفض فضولات
شهواته مهاجرًا، عنى تعالى أن الذين تقدّم ذكرهم ممن بقوا
بمكة وادعوا الإِسلام أنهم كفار، ويريدون لكم الكفر الذي هم
стр. 1580
عليه، ومن أراد لكم الكفر فمحال موالاتهم، فلا تتخذوهم
أولياء حتى يسلموا، ويحققوا إسلامهم بالهجرة، ثم قال:
(فَإِنْ تَوَلَّوْا) أي إن كشفوا الغطاء فقط صاروا مرتدين، (فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ)، ولا تكونن بينكم وبيتهم موالاة ونصر بوجه.
إن قيل: فما قائدة قوله: (وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا) بعد أن قال: (فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ)؟
قيل: قد قال بعضهم ذلك على التوكيد، والصحيح أن الذين دخلوا في
الإِسلام من الأعراب فرقتان، فرقة هاجروا وفرقة أقاموا.
وبيّن الله تعالى أن من أقام ولم يهاجر فلا ولاء له، إلا أن يستنصروكم
على قومهم فتنصرونهم، وذلك في قوله: (مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ) فمنع تعالى عن موالاتهم بقوله:
(فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ) كما منع بتلك الآية، ولم يمنعهم من
نصرتهم، ثم بيّن أنهم إن تولوا، أي ارتدوا عما أظهروه من