أوجه: الأول: قال زيد: هي في الذين تخلَّفوا يوم أحد.
وقالوا: (لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ).
الثاني: قال الحسن ومجاهد: هي في قوم قدموا المدينة وأظهروا الإِسلام.
ثم رجعوا إلى مكة فأظهروا الشرك.
الثالث: قال ابن عباس وقتادة: في
стр. 1577
قوم أسلموا بمكة، ثم أعانوا المشركين على المسلمين.
الرابع، قال السدي: في قوم بالمدينة أرادوا الخروج منها.
الخامس: قال ابن زيد: في قوم من أهل الإِفك، وما بعده نزل أنه
في شأن الهجرة، وجملة الأمر أن الناس كانوا اختلفوا في فئة
من المنافقين فئتين، أمَّنهم بعضهم ووالاهم بعضهم، فقال
تعالى: ما لكم قد صرتم فئتين مختلفتين فيهم، وقد خذلهم
الله، فبيّن أن لا سبيل لهم بعد أن أضلهم الله، كقوله
تعالى: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ).
وقوله: (أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ)،
стр. 1578
قال الحسن: معناه: أتريدون أن تجعلوا لأهل الضلال ما جعله الله
لأهل الهدى.
وقيل: أتريدودن أن تسموهم مهتدين، وقد سمّاهم الله ضالين.
وقيل: أتريدون أن تهدوهم كرهًا وقد جعلهم الله بما اكتسبوه حالاً فحالاً ضالين، وذلك إشارة إلى نحو قوله: (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ).
وقوله: (بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ)، وقوله: (وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ)
فقد تقدّم أن الله تعالى لما أجرى العادة أن من
تحرى الخير حالاً فحالاً ازداد هداية بسبب ذلك نفسه، إذ كان
فاعل أسباب الشيء قد يقال إنه فاعل للشيء، فإنه هو
أولى بأن يُسمّى فاعلًا، وقد تقدّم الكلام في الهداية والضلال
بما فيه الكفاية.
وانتصاب قوله: (فِئَتَيْنِ) على
стр. 1579
الحال عند البصريين، وعلى تقدير (كانوا) عند الكوفيين.
وعلى هذا القولين قولهم: مالك خارجًا؟.
قوله تعالى: (وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٨٩)
الهجرة: ترك الشيء والإعراض عنه مكانًا أو خليطًا، وسُمِّي
القبيح من الكلام هُجْرًا لكونه مقتضيًا لهجره، والرفث
هَاجِرَةً لكونه حاملًا على أن يهجره، وسُمّي المهاجر لتركه
وطنه، وصار اسم مدح في الإِسلام، وسُمّي من رفض فضولات
شهواته مهاجرًا، عنى تعالى أن الذين تقدّم ذكرهم ممن بقوا
بمكة وادعوا الإِسلام أنهم كفار، ويريدون لكم الكفر الذي هم
стр. 1580
عليه، ومن أراد لكم الكفر فمحال موالاتهم، فلا تتخذوهم
أولياء حتى يسلموا، ويحققوا إسلامهم بالهجرة، ثم قال:
(فَإِنْ تَوَلَّوْا) أي إن كشفوا الغطاء فقط صاروا مرتدين، (فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ)، ولا تكونن بينكم وبيتهم موالاة ونصر بوجه.
إن قيل: فما قائدة قوله: (وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا) بعد أن قال: (فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ)؟
قيل: قد قال بعضهم ذلك على التوكيد، والصحيح أن الذين دخلوا في
الإِسلام من الأعراب فرقتان، فرقة هاجروا وفرقة أقاموا.
وبيّن الله تعالى أن من أقام ولم يهاجر فلا ولاء له، إلا أن يستنصروكم
على قومهم فتنصرونهم، وذلك في قوله: (مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ) فمنع تعالى عن موالاتهم بقوله:
(فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ) كما منع بتلك الآية، ولم يمنعهم من
نصرتهم، ثم بيّن أنهم إن تولوا، أي ارتدوا عما أظهروه من
стр. 1581
الإِسلام، وكشفوا الغطاء بالكفر، فلا يجوز أن توالوهم، ولا أن
تنصروهم بوجه.
قوله تعالى: (إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا (٩٠)
الحصر: حبس في ضيق، وعبّر عن البخل والجبن لانحصار النفس.
وكذلك عبر عنهما بضيق الصدر وعن ضدهما بسعة الصدر.
وبالبر المشتق عن البر أي السعة، والحصور الممنوع
عن الجماع بحبس شهوته، وعن الشراب بحبس ماله لبخله.
وفي اتصال هذه الآية بما قبلها وحكمتها صعوبة، ووجه ذلك
стр. 1582
أنه لما أمر تعالى الناس فيما تقدم بالهجرة، ونهى عن موالاة من
تأخر، استثنى بهذه الآية من يحصل له إحدى حالتين؛ إما أن
يصلوا إلى قوم بينهم وبين النبي ﷺ
عهد لتعذر لحوقهم به، فيقيموا إلى وقت الإِمكان به؛ وإما أن يهاجروا ويأتوا النبي ﷺ والمسلمين
فتحصر صدورهم أن يقاتلوا المسلمين لعلمهم بكونهم على الحق.
وأن يقاتلوا قومهم لكونهم غير آمنين على مالهم وذويهم، فهذا
معنى قوله: (حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ).
وقوله: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ) إظهار من الله تعالى لنعمته
على المسلمين وأنه لو لم يهدهم لكانوا في جملة المتسلطين عليكم.
ثم بيّن أنهم إذ قد اعتزلوا وأظهروا الإِسلام فاتركوهم؛ فهذا
على ما ذكر هذا القائل هم الذين أسلموا ولم يستحكم إيمانهم،
стр. 1583
ولم يبلغوا الحدَّ الذي لا يحرجون في نصرة الدين إلى أهلٍ.
وقال قتادة - وقد رُوِيَ عن ابن عباس: - أن قوله:
(إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ) هو في قوم من الكفار
اعتزلوا المسلمين يوم فتح مكة فلم يكونوا من الكافرين.
ولا مع المسلمين، قال: وهذا معنى (أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ)
قال: ثم نسخ ذلك بآية القتال، والقول الأول أظهر وأحسن.
وقوله: (حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ) في موضع الحال عند الفرّاء.
قال: وتقديره قد حصرت صدورهم، وتقوَّى ذلك بقراءة الحسن
(أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَةً صُدُورُهُمْ)، وقال بعضهم:
стр. 1584
هو خبر بعد خبر، كأنه قيل: أو حصرت صدورهم.
وقال الجرجاني في كتاب النظم: تقديره: وإن (جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ) فحذف إن.
قال: والفعل الماضي يقع في الشرط موقع المستقبل.
وفيما ادعاه إضمار إن عُهدة، فما أرى أهل اللغة يطابقونه عليه.
وقال المبرد: هو دعاء عليهم، وردّ
стр. 1585
ذلك أبو علي الفسوي، وقال: قد أُمرنا أن نقول:
"اللهم أوقع بين الكفار العداوة والبغضاء".
فلا يجوز أن يُحمل على الدعاء، فيكون في قوله: (أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ)
نفي ما اقتضاه دعاء المسلمين عليهم.
وهذا القول من المبرد، ومن الرادِّ عليه مبني على أن الآية في الكفار على ما تقدّم من القول الثاني فيه.
ولقائل أن يقول: كما يجوز أن يُدعى عليهم بإيقاع العداوة.
يجوز أن يدعى عليهم بأن يجعلهم الله حيث لا يقاتلون أعداءهم
ولا قومهم، ويكون ذلك سؤالاً لموتهم، ويدلك على جواز
ذلك أنه لو جمع بين المقاتلين لم يمتنع، فكأن يقال: أوقع بينهم
العداوة والبغضاء، وأوهن كيدهم، واجعلهم بحيث لا يقاتلون
المسلمين ولا بعضهم بعضا، على أن قوله (قَوْمَهُمْ) قد يُعبّر به
عمن ليس منهم، بل هم من معاديهم كقولك: فلان صاحبك
وهم قومك، أي المناصبون لك.
والبطش، وقد تقدّم حقيقته.
والآية قيل: نزلت في نعيم بن مسعود، وكان ينقل حديث النبي ﷺ إلى كفار مكة.
وقال ابن عباس: نزلت في قبيلتي أسد وغطفان)،
стр. 1588
وقال قتادة: في حيٍّ من تهامة، وجملة الأمر أنه لمّا ذكر فيما تقدم من له
عذر بأحد الأمرين اللذين ذكرهما، ذكر هاهنا فرقة لا عذر لهم
كانوا يظهرون الإِسلام ثم يرجعون إلى عبادة اِلأصنام، كمن
ذكرهم في قوله: (وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ)، فذكر (فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ)، ويطلبوا
стр. 1589
بدخولهم الإِسلام، ويكُفوا أيديهم عنكم، فقد أُبيح لكم
قتلهم، وقد جعل الله لكم عليهم حجة بما بينه.
وقوله: (كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ) أي إذا ردوا إلى الكفر عادوا إليه فتنجّسوا به.
وقيل: إذا رُدّوا إلى الاختبار أي الإِسلام وجدوا يركسون
فيها، ويكون قوله: (أُرْكِسُوا) وجدوا كقولهم: أُحمدُوا
وأُذِمُّوأ، وقيل: الفتنة الاختبار إنما أريد به ما قصد بقوله:
(الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ).
ومعناه أنه إذا نالتهم محنة ارتدوا، كما قال تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ) الآية.
قوله تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٩٢)
стр. 1590
إن قيل: هل يجوز أن يقتل المؤمن خطأ حتى قال:
(وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً)؟
قيل: إن قولك يجوز أو لا يجوز. إنما يقال في الأفعال الاختيارية المقصودة، فأما الخطأ فلا يقال فيه ذلك.
وقولك: ما كان لك أن تفعل كذا، وقولك: ما كنت لتفعل كذا متقاربان، وهما تعليلان بمعنى، وإن كان أكثر ما يقال للأول لما كان الإِحجام عنه من قبل نفسه، ويدلّ على أنه قد يقال: ما كان لك أن تفعل كذا - لمِا ذكرنا - قوله: (مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ)، لأن معناه: ما كان لله ليتخذ ولدا
في أنه لا نهي، وعلى هذا قوله: (مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا).
стр. 1591
فقوله: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا) أي ما كان المؤمن ليقتل مؤمنا إلا خطأ، وهذا ظاهر، وهذا المعنى أراد من قال معناه: ما ينبغي للمؤمن أن يقتل مؤمنًا متعمدًا، ولكن يقع ذلك منه خطأ.
وكذا من قال: ليس في حكم الله أن يقتل المؤمن مؤمنا إلا خطأ.
وقال الأصم: معناه ليس القتل لمؤمنٍ بمتروك لا يقتص له إلا
أن يكون قتله خطأ، وهذا يرجع إلى الأول.
وقول بعض النحويين: إن هذا استثناء خارج فليس على التقدير الذي
ذكرناه، كذلك، بل هو واجب، وذكر على بن موسى القمّي
стр. 1592
أن معنى ذلك: ليس للمؤمن أن يقتل مؤمنًا إلا أن يراه في دار
الحرب، فيظنه كافرا فيقتله خطأ، فيكون الخطأ راجعًا إلى القاتل
في كونه غير عالٍم بحال المقتول، وأما من قال: معنى (إِلَّا خَطَأً) ولا خطأ، واستدلاله بقول الشاعر:
وكلّ أخ مفارقه أخوه. . . لعَمْرُ أبيك إلا الفَرْقَدانِ
أي: ولا الفرقدان، فذلك تشبيه فيه ما أرى أن محققي
стр. 1593
النحويين يوافقونه.
وقيل: الخطأ في الأصل على وجوه، منها:
أن يقع بلا قصد من القاتل إلى القتل، ولا إلى الإِتيان به بوجه.
كمن سقط من يده شيء فأصاب نفسه فقتله، ومنها أن يقصد
ْإصابة الشيء غير المقتول، فاتفق إصابته فقتله، كمن يرمي صيدًا
فأصاب إنسانًا فقتله، أو يقصده ولكن لا بسلاح يقتل مثله، أو
يقصده بسلاح لكن لا يريد قتله، أو يقصده بسلاح ويريد قتله
لكن لا يعلمه محظور القتل، كمن يرمي مسلمًا في صف المشركين.
أو يقصده بسلاح ويريد قتله لا في دار الحرب، لكن القاصد غير
مكلف كالصبي والمجنون، وكل ذلك يقال له: قتل الخطأ، لكن
لذلك تعارف في الشرع هو المُراعى، وقد وبيّن ذلك في كتب الفقه.
والرقبة المؤمنة: أن يكون مولودًا في دار الإِسلام صغيرًا كان أو
стр. 1594
كبيرًا، أو سباه من دار الحرب مسلم قبل البلوغ، أو أسلم بعد
البلوغ، وهذا الإِيمان هو الإِسلام، دون كمال الإِيمان المتقدّم
ذكره في غير هذا الموضع.
قال الحسن: ما في القرآن مؤمنة فلا يجزئ إلا من صام وصلى وحسن إسلامه، وما عدا ذلك فيجزئ فيه الصغير والكبير.
وقال إبراهيم: لا يجزئ في ذلك إلا البالغ.
وقدر الدية مختلف فيه والمفزع فيه إلى السنة.
وظاهر الآية يقتضي شيئًا مقدرًا.
والتتابع في صيام الشهرين مشروط، والظاهر
стр. 1595
أن ما لا يمكن الاحتراز منه لا يبطل التتابع كالحيض والمرض
الطارئ والإِغماء، وأما مصادفة الأيام التي حُظر فيها الصوم
كيوم العيد، وأيام التشريق، والإِفطار في السفر، أو الشهر الذي
يستحق صومه بالشرع كشهر رمضان، فإن ذلك يقطع التتابع.
ويوجب الاستئناف، وحكي عن مسروق أن (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ) عنى من لم يجد الدية والرقبة، وسائر أهل العلم بخلافه.
فالدية حق الآدميين، والكفارة حق
стр. 1596
الله، فلا تنوب إحداهما عن الأخرى.
وقال الأصمّ: ظاهر الكتاب يدل على أن الدية تلزم القاتل.
لأنه قال: (فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ) فعطفها على الكفارة.
ومعناه: عليه ذلك.
وإنما بيّن النبي ﷺ أن دية الخطأ تتحمل العاقلة عن
القاتل على سبيل المواساة، لا أنه نسخ الكتاب بالسنة.
وقوله: (إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا) أي: يعفوا عن الدية، فجعل العفو
عنها صدقة منهم، تنبيهًا على فضيلة العفو وحثا عليه، وأنه جار
مجرى الصدقة في استحقاق الثواب الآجل به دون طلب العوض
стр. 1597
العاجل، وهذا حكم من قُتل في دار الإِسلام خطأ.
وقوله:
(فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ) أي من أهل
الحرب في الدار والمعركة، وفي فقد التمييز لا في معنى القرابة.
ولا فرق بين أن يكون مسلمًا دخل دار الحرب، أو أسلم هناك ولم
يهاجر.
وقيل: قد دخل في ذلك من أسلم في دار الإِسلام من
المشركين ولم يعلم القاتل به.
وخبر الحارث يدلّ على ذلك، لأنه قتل بالمدينة وقد كان أسلم.
وقيل: إنما أسقط الدية فيه إذا كان أولياؤه كفارًا وهو مؤمن.
فإن ديته راجعة إلى المؤمنين
стр. 1598
فلا معنى لإِلزامهم.
وقوله: (وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ)
أي كان المقتول خطأ من قوم كذلك.
واختلفوا هل الإِيمان شرط فيه؟
فقال الحسن ومالك: هو شرط، تقديره: إن كان المقتول خطأ مؤمنًا.
قال مالك: ولا كفارة في قتل الذمي.
ومنهم من قال: الآية واردة فيمن
стр. 1599
كان بينه وبين النبي ﷺ عهد فْاسلم.
ثم قتله مسلم من غير حرب، قالوا: وكان هذا في زمن الرسول
ﷺ ، فأما بعد فقد أمروا بقتالهم.
ومنهم من قال: عنى بالميثاق الذمة إما بالعهد أو الاستئمان.
والظاهر أن كل قَتْل في عهد جائز بين المسلمين ففيه الدية والكفارة.
وتعلق هذه الآية بما قبلها هو أنه لما ذكر فيما قبلها حُكم من أسلم فمنعه عذر من مقابلة أعداء المسلمين، وحُكم من لم يسلم، وإنما يريد أن يَسْلَمَ على
стр. 1600
الفريقين، فأمر في الأولى بالتجافي وفي الثانية بقتلهم، بيّن هاهنا
خطر قتل المؤمنين، وجعلهم صنفين: مقتولاً خطأ، ومقتولاً
عمدًا. فبيّن حكم الخطأ وجعل المقتولين ثلاثة أصناف على ما
فسرناه، ثم بيّن حكم قتل العمد، فقال تعالى:
(وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)
العمد: فعل الشيء عن إرادة واختيار، ويضاده الخطأ.
وصفة قتل العمد أن يقصده بحديدة أو حجر يقتل غالبًا، أو توبع
عليه بخنق أو بسوط فتوالى عليه حتى يموت.
والآية قيل نزلت في رجل فقده الكفار، وذاك أنه خرج في سرية
فنزلوا ماء، فخرج من أصحابه ﵇ رجل فحمل عليه فقتله.
وقيل: هي في رجل رآه أخوه مقتولاً في بني النجار،
стр. 1601
فشكا إلى النبي ﷺ فأمر أن تُدفع إليه الدية فدفعت
إليه، ثم حَمَل على مسلم فقتله فهرب إلى مكة، ولا خلاف بين
عامة المسلمين أن التائب يخرج من هذا الحكم، وقد روي عن
стр. 1602
النبي ﷺ أن رجلًا جاء فقال: هل للقاتل توبة؟
فقال: "نعم ".
ثم جاءه آخر فسأله عن ذلك، فقال: "لا توبة له "، فراجعه بعض
أصحابه في ذلك، فقال: "إن الأول كان قد قتل فكرهت أن
أؤيسه من رحمة الله، فيتملّكه الشيطان فيهلكه، وأما الثاني فرأيته
عازمًا على قتل رجل اعتمادًا على أن يتوب من بعد، فكرهت أن
يمني عزيمته ".
وأهل الوعيد يجرون الآية على العموم، ويخصصون به قوله: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ).
ومخالفوهم يخصصون قوله: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا) بقوله:
(إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) الآية، ويجرون تلك على العموم.
والمفزع لمن يريد تحقيق ذلك إلى غير الآيتين، والله أعلم.
стр. 1603
وقد تقدّم أن القصد بغضبه تعالى إلى إنزال عقابه.
دون تغيّر حال يعتري ذاته تعالى الله عن التغيّرات.
ولعنته في الدنيا: إبعاده من لَعَنَهُ عن الصفات النفيسة التي
يتخصص به أولياؤه، وفي الآخرة عقابه وتبعيده عن ثوابه.
قوله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٩٤)
قرئت: (تثبتوا) و (تبينوا)، وقيل: التبيُّن أبلغ؛ لأنه قل ما يكون إلا بعد التثبُّت، وقد يكون التثبُّت
стр. 1604
ولا تبين، وقد قُوبل بالعجلة في قولهم: التبيُّن من الله، والعجلة
من الشيطان فتبينوا، وقُرِئ (السَّلَم) و (السلام).
والسلام قيل: التحية، وقيل: الاستسلام.
والسَّلَم والسِّلْم: الصلح.
وقيل: هو بمعنى الإِسلام، ويقال للصلح: السلم، فلا يكون مرادًا هاهنا، لأن المسلم مخيّر إذا طلب الكافر منه السلم بين أن يبذله له، وبين أن يمنعه، ورُوِيَ أنه خرج مقداد في سريته فمر برجل في غُنَيِمات، فقال: إني مسلم.
стр. 1605
فلم يلتفت إلى قوله، فقتله وأخذ غنيماته، فلما رجع إلى النبي ﷺ أنكره، فقال: "هلَّا شققت عن قلبه ".
والآية تدل على أن المجتهد في مسائل الاجتهاد معذور، ولولا ذلك لما قارَّه النبي ﷺ .
стр. 1606
وقرأ أبو جعفر: (لست مَأْمنًا) أي مبذولاً له الأمان.
قوله : (لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥) دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٩٦)
الدرجة معروفة، ومنها أدرجت الكتاب: طويته طيًّا
يشبه الإِدراج، و (غير) يوصف به النكرة، وما فيه الألف
واللام إذا دلّ على الجنس، وقد يُستثنى
стр. 1607
به، فإذا قُرِئ منصوبًا فعلى الاستثناء أو على الحال، وإذا
جُرّ فصفة للمؤمنين، وإذا رُفع فصفة للقاعدين.
والضرر: اسم عام لكل ما يضر بالإِنسان في بدنه ونفسه.
وعلى سبيل الكفاية عبّر عن الأعمى بالضرير.
فإن قيل: كيف يصحُّ حمله على الأمراض "النفسية.
وقد قال في ذم الكفار: (فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ)؟
قيل: إن الذي عذرهم الله تعالى فيه هو ما لم يكن الإِنسان نفسه سببه.
وما ذموا به فهو المرض، أي الجهل الذي يكون هو سبب استجلابه من ترك إصغائه إلى
стр. 1608
الحق، وإهمال نفسه من العادات الجميلة.
ولذلك قال ابن عباس أولي الضرر: هم أهل العذر، فعمَّم.
وقد ذكر عامة ما أجمله هاهنا في قوله: (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ) الآية.
إن قيل: لم كرر الفضل وأوجب في الأول درجة، وفي الثاني درجات.
وقيدها بقوله: (منهُ)، وجعل معها المغفرة والرحمة؟
قيل: في ذلك أجوبة: الأول:
أنه عنى بالدرجة ما يؤتيه في الدنيا من الغنيمة، ومن السرور بالظفر وجميل الذكر، وبالثاني ما يخولهم في الآخرة، ونبه بإفراد الأول، وجمع الثاتي أن ثواب الدنيا في جنب ثواب الآخرة يسير.
والثاني: أن المجاهدين في ثواب الدنيا يتساوون فيما يتناولونه، كمن يأخذ سلب مقتوله، وكتساوي نصيب كل واحد من الفرسان، ونصيب كل واحد من الرجالة، وهم في الآخرة يتفاوتون بحسب إيمانهم، فلهم درجات
حسب استحقاقه، ومنهم من يكون له الغفران، ومنهم من تكون له
стр. 1609
الرحمة فقط، وكأن الرحمة أدنى المنازل، والمغفرة فوق الرحمة، ثم بعده
الدرجات على الطبقات، وعلى هذا نبه بقو له: (هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ).
ومنازل الآخرة تتفاوت، وقد نبّه على ذلك بنحو قوله:
(وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ) إلى قوله: (انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ). والثالث: أن الجهاد جهادان: صغير وكبير.
فالصغير مجاهدة الكفار، والكبير مجاهدة النفس، وعلى ذلك دلّ
قوله ﵊: "رجعنا من جهاد الأصغر إلى جهاد
الأكبر ".
وبقوله: "جهادك هواك".
стр. 1610
وإنما كان مجاهدة النفس أعظم، لأن من جاهد
نفسه فقد جاهد الدنيا، ومن غلب الدنيا هان عليه مجاهدة العدى.
فخص بمجاهدة النفس بالدرجات تعظيمًا لها.
والرابع: أن الأول عنى به الجهاد بالمال، والثاني الجهاد بالنفس.
إن قيل: لِمَ ذكر مع الدرجات المغفرة والرحمة معًا؟ وما الفرق بينهما؟
قيل: إن المغفرة تُقال اعتبارًا بإزالة الذنوب، والرحمة تقال اعتبارًا بإيجاب التوبة، وإدخال الجنة،
стр. 1611
والدرجات هي: المنازل الرفيعة بعد إدخال الجنة.
وقيل: إن الرحمة هي: أن يتوب عليه أمن، الذنب وإن كان بعد تبكيت
وعقاب، والمغفرة هي: أن يستر ذنوبه فلا تبكيت به.
والدرجات: هو أن يجعل لكل واحد درجة بقدر ما يليق به.
وهي المعبرة عنها بالغرفات، وقد قال ﵊:
"إن في الجنة مائة درجة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض.
أعدّ الله أعلاها للمجاهدين في سبيله "، فقال رجل: ما الدرجة؟
فقال ﵊: "أما إنها ليست بعتبة".
стр. 1612
إن قيل: كيف قال: (وكلًّا وعد الله الحسنى) والكفار من جملة الكل؟
قيل: إن كلًّا هاهنا لم تتناول إلا من تقدّم ذكره من المؤمنين والمجاهدين
والقاعدين.
قوله: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (٩٩)
(تَوَفَّاهُمُ) قيل: هو ماض، وقيل: تقديره تتوفاهم الملائكة.
وذلك في وصف قوم أظهروا الإِسلام ولم يهاجروا.
بل كثروا سواد المشركين يوم بدر فقتلوا،
стр. 1613
فادعوا لما سألهم الملائكة الذين توفُوهم أنهم كانوا مستضعفين.
فكذبهم الله، وقيل: هم الذين نهى عن موالاتهم بقوله:
(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا)
إن قيل: كيف لم يعذرهم لما اعتذروا بالاستضعاف وقد قال
من قبل: (إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ)؟
قيل: لأنهم كذبوا في دعواهم، والذين عذرهم هم الذين سلبهم الله القوى والقدرة، أو لم يعطهم ذلك كالصبي.
وقال بعض المحققين: ظلم النفس في الحقيقة هو التقصير في تهذيبها وسياستها المذكورة في قوله: (وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) وذلك أن كل إنسان
سائسُ نفسِه، فمتى لم يوف حق السياسة
стр. 1614
فقد ظلمها ظلم الوالي رعيته، قال: وخاطب بذلك من أعطاه
القوة ومكّنه أن يبلغ الدرجات الرفيعة، فرضي لنفسه بأخس
منزلة، وكذبهم فيما ادعوه من استضعافهم تنبيهًا أن من أمكنه
استفادة ما به يقدر فهو في حكم القادر فلا يعذر، ثم استثنى
الأصناف الثلاثة فقال: (فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ)
فذكر لفظ عسى لئلا يركنوا كل الركون، وليكونوا ممن قال
فيهم: (وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ).
وقوله: (وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا)
أَخَّر ذكر الغفران إذ هو أبلغ، وقد تقدّم أن
стр. 1615
الوصفين إذا اجتمعا يقدمّ الأعم ويؤخر الأخص، تنبيه
على أن مثل هذه الصفة ليست على وجه المطابقة، واعتبارًا
لحصول المعفو عنه والمغفور له، بل ذلك له على وجه أشرف من
ذلك، والله أعلم.
قوله : (وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٠)
المُرَاغَم: المتحَرَّكُ إما من الرغام أي التراب.
وقيل: هو من رغم أنفه إذا غضب.
والمراد به قريب من قول الشاعر: